بسم الله الرحمن الرحيم

            16/03/1430

 

 تصريح استنكاري

 لسماحة الأخ المرجع القائد احمد الحسني البغدادي حول المصالحة الوطنية في العراق

 شبكة النهى*

 

 أدلى سماحة آية الله العظمى المرجع القائد احمد الحسني البغدادي ــ أدام الله ظله ــ بتصريح خاص لوكالة الأنباء الإسلامية .. قال فيه بعد أن حمد الله وأثنى عليه :

      نحن كمرجعية إسلامية لا نقر ولا نعترف بشرعية ما سمي بــ ((بالمصالحة الوطنية)) بوصفها انطلقت من خلال حكومة منصبة من قبل المحتلين الغزاة ، لذلك نحن لا نرى أي مبرر شرعي وقانوني وأخلاقي للاستجابة لهذه المبادرة اللاوطنية واللاإسلامية ، بل ولا تقر بها الأديان السماوية والتشريعات الأرضية كلها ، وعليه فهي تحمل بين طياتها اكثر من مغزى ، ولها اكثر من هدف غير معلن .

     وأضاف ــ سماحته ــ مؤكداً : على تبريرات موضوعية ، وظروف عملية على حل هول هذه الأزمة المستعصية في تحقيق (المصالحة الوطنية ) ، وفرض تطوير معادلة شراكة (حقيقية) في القرار السياسي على أسس جديدة أكثر فاعلية وتوازناً ، لكن حل هذه الاشكالية الأزموية لا تخضع للمنطق الأرسطي ، بمعنى هذه أرض أو سماء لأن ذلك ينطلق من المنطق الجدلي السياسي ، وهو : وفق مشروع واحد ، لا هو كردي ، ولا هو تركماني ، ولا هو شيعي ، ولا هو سني ، انه مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تبشر به وتدعو الى تطبيقه الولايات المتحدة الأميركية من خلال :

أولا : تقسيم ديموغرافي وجغرافي ، يلغي الهوية الوطنية والعروبية والإسلامية للمنطقة   برمتها في سبيل حماية أمن إسرائيل .                                               

ثانيا : الهيمنة على آبار النفط, وتطويق دول آسيا الوسطى واليابان والصين, وتقوية علاقة الصداقة الصميمية مع الدول العربية المعتدلة العميلة .

ثالثا : الحيلولة دون قيام أي نظام إسلامي ثوري ، أو عروبي وطني يتمتع بالسيادة الكاملة ، ويكون لديه إستراتيجيته وأجندته .

هذه هي التجليات الازموية العراقية .. وهذه هي الحقيقة الفتنوية الواقعة التي يجب ألا تغيب عن البال .

   ودعا ــ سماحته ــ مخاطبا أهلنا في العراق : هذه هي دعوتنا في ظل الاحتلال ، وهذه الدعوة لاضير فيها يقبلها الإنسان العراقي المجاهد الذي يتسم بالمرؤة والإنصاف ، والغضب والثورة ، ومحور هذه الدعوة الصادقة هو : انهضوا وانقذوا أنفسكم وأعراضكم وأموالكم من تلاعب المافيا الدولية ، واكشفوا المفتونين والقتلة واللصوص والغرباء والجواسيس المحليين والعالميين والمشبوهين والمتآمرين على مقدرات حياة المواطنين العراقيين العزل ، واستيقظوا من سبات الغفلة والانتظار الموعود بلا عمل وتضحيات من خلال أطروحات اوباما الخادعة الماكرة ، وحرروا بلادكم قبل المصالحة الديماغوجية مع الأضداد ، ودافعوا عن أسلامكم ، وعن عروبتكم ، وقاوموا عدوكم التوراتي الاستشراقي العولمي الامبريالي اللدود ، وعدوا لهم ما استطعتم من قوة ، ولا تأخذكم في الله لومة لائم ، ووحدوا صفوفكم تحت راية لا اله إلا الله محمد رسول الله ، واعتكفوا على مقاطعة دعاة فتنة المصالحة الوطنية المنافقة ، التي تتسلح بقيم اجتماعية هابطة ، وتوجيهات غريبة فاسقة ظالمة كافرة ، التي وظفت العصبيات العشائرية والعائلية والمناطقية حتى ضاق بها الثرى الوطني العراقي ، فماذا كانت النتيجة يا ترى ؟!.. عراق مضطهد ومدمر ومهدم ..وأبناؤه مخطوفون ، أو مقتولون ، أو معتقلون ، أو مهاجرون ، أو مهجرون ، يعانون المخاوف والأحزان والصراخ والعويل ، وغياب السلطة المركزية المستقلة حتى غدت مسرحاً للموساد الإسرائيلي ، وأجهزة المخابرات الأجنبية تصول وتجول لأداء دور تخريبي لغايات معروفة لدى الجميع ــ كذلك ــ دخول ميليشيات مسلحة لقوى متحالفة مع قوات العدو المجرم تساند هي الأخرى في إرباك الأمن الداخلي, والانهيار الاقتصادي من خلال تصفية حسابات سياسية لصالحها ولصالح قوى إقليمية واستكبارية ، وهؤلاء لا يريدون لعراق المقدسات , ولا لأبنائه البررة أن يستقروا لان باستقراره وإقامة دولته الوطنية المستقلة سيؤدي الى  طرد المحتلين  . 

    وأضاف : اليوم .. المطلوب منا أن نترك كل المخادعات التى مررت خلال سنوات الاحتلال الست .. يجب ان ننظر ما حولنا :

  شعبأ انطلق بتكتل مرصوص, وحس رسالي ثوري خلا من النوافذ حتى أمتلك زمام المبادرة.

   شعباً ظل يواجه رصاص الأرض المحروقة, وفرق الموت الميليشاوية حتى أحاط بثكنة المنطقة الخضراء من كل جوانبها فمزقها بوضع العبوات الناسفة,وصعق القاذفات المتتالية.

     شعباً لازال يقاوم, وينفذ العمليات الجهادية والاستشهادية في الوسط وفي الجنوب والشمال حتى أيقنت القيادة العسكرية الاميركية أن أية قوة لا يمكنها بحال التصدي والصمود لتلك المجاميع المستميتة في سبيل التوحيد والرسالة والقرآن,وهذا يشكل بداية بزوغ فجر تحرري جديد , وأملنا في الله الواحد القهار أن يشد على أيدي أهلنا وشعبنا لانجاز مشروع عراق الغد الذي يأخذ في الاعتبار كل الخصوصيات العراقية من خلال بناء الوحدة الوطنية على أساس برنامج سياسي ومشروع أيديولوجي موحد وقيادة موحدة وحكومة اتحاد وطني ائتلافية ,ولله الحمد أولاً وأخيرا.

الأربعاء 8ربيع الأول 1430هـ

        4آذار (مارس) 2009 م

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جهاد السيد البغدادي

دراسة حوارية نقدية وثائقية خـلال نصف قرن

لمسيرة الامام المجاهد السيد محمد الحسني البغدادي

الحلقة الثانية

 

ماذا قال للشيخ الخالصي الكبير؟!..

 

* العام 1912 ميلادية زار النجف الاشرف الشيخ محمد مهدي الخالصي الكبير بمهمة سياسة مصيرية صعبة...أولاها له مؤتمر الكاظمية بخصوص اقناع السيد محمد كاظم اليزدي بالانضمام الى حركة الجهاد الدفاعي ضد القيصرية الروسية من جراء القصف المدفعي على مرقد الامام الرضا(ع)!!.. وفي يوم من الايام بينما كان الخالصي جالسا في مجلس الشيخ محمد آل حسين النجم، وكان السيد البغدادي جالسا الى جنبه مع العلماء من رجال الحوزة..فحرر الشيخ ضياء الدين العراقي  مسألة فقهية شائكة.. فكان للسيد البغدادي القدح المعلى في حواره، فاحتدم النزاع، وتعالت الاصوات بينه وبين العراقي.. فكان الانتصار العلمي له البته. وهنا نسأل: هل للشيخ الخالصي موقف علمي.. أو توجيهي في هذا الحوار؟..

** لم يكن له موقف علمي، بل اخذ الصمت المطبق في هذه الامسية.. بسبب التآمر الذي واجهه من قبل حاشية اليزدي.. الا ان هناك موقفا توجيهيا له علاقة وثيقة بتلك الامسية.. وهو:

ان السيد البغدادي غادر النجف الاشرف مدة ليست بقصيرة متوجها الى الكاظمية لزيارة الامامين (ع)، ونزل ضيفا لدى ابناء عمه هناك، وحين مكوثه زاره الشيخ الخالصي (ت1343)، وبعد فترة الاستراحة، وتبادل الكلمات الودية الصادقة.. خاطبه الشيخ (رحمه الله) بأعجاب على ذلك الحوار والنقاش الفقهي الرائع الذي جرى بينه، وبين المحقق العراقي.. ثم بعد ذلك اقترح عليه بـ (الهجرة) من النجف والاقامة في الكاظمية، وتعهد بتأييده ومساندته وترشيحه (من بعده) للمرجعية الشيعية الاسلامية، والسيد البغدادي يبتسم على هذه المشاعر الرسالية الصادقة.. ولم يجب..

ثم اردف متسائلا: ترى اتتصور الايرانيين من الفرس والمشاهدة بالذات يرجعون اليك في الفتيا والتقليد.

اذن.. يجب عليك المغادرة والاقامة بين عشيرتك وأبناء جلدتك..

بيد ان السيد البغدادي قال له بكل هدوء:

آمل يا شيخنا ان الله الواحد القهار ينتقم من كل عنصري أو اقليمي لا يطيع الحق كسنة.. ومن ثم اغدوا حجة الله على ارضه.

فتعجب الشيخ.. والجالسون معا.. من هذا الحس الايماني العميق.

-  لنتوقف قليلا عند هذه النقطة الاخيرة من هم هؤلاء الجالسون في هذا الاجتماع المغلق؟..

= ان من اهم الحضور في تلك الجلسة: الشيخ عبد الحسين الخالصي، والشيخ علي الكليدار، والشيخ عباس الجمالي، والسيد عبد الامير ال السيد حيدر، والشيخ مهدي الازري، والحاج عبد الحسين الجلبي، وملا سلمان الانباري.

ومهما يكن من ذلك كله.. فقد قدر الله - سبحانه وتعالى - ان يحقق ما نطق به السيد البغدادي (رضوان الله عليه) وما تصبو اليه الامة، وذلك العام 1949م  رشح لمنصب المرجعية الصالحة، وغدا بحمد الله تعالى، زعيما دينيا يؤثر على مسيرة الاحداث العامة.. مدافعا عن كرامة الامة وكبريائها في كل المستويات.

 

في معارك الشعيبة

 

* حين نشبت الحرب العالمية الاولى العام 1333 هجرية - 1914ميلادية.. هل خاض الامام المجاهد السيد البغدادي فيها معارك الشرف والكرامة ضد الاحتلال الانكليزي للعراق؟ وبعد سقوط بغداد العاصمة... وهل اشترك في ثورة الثلاثين من حزيران العام 1920ميلادية؟..

** نعم.. خاض معارك الشرف والكرامة في جبهة الشعيبة والكوت ضد المحتلين الغزاة، وكان بصحبته السيد هادي مكوطر الذي كان له ملازما في جميع مواقفه، ولا يكاد يفارقه في سائر شؤونه.. واخذ ينتقل في جبهات القتال.. بين القذائف والنيران.. حتى اجتمع بالقيادة السياسية التي كانت حينذاك بزعامة الحاج محمد فاضل باشا الداغستاني.

وبعد اندحار الاتراك حضر جلسات مؤتمر كربلاء للاعداد للثورة من جديد بقيادة الشيخ محمد تقي الحائري (ت1339)، ويحمل المجاهدون المضابط التي تمثل ارادة الشعب العراقي في التحرير الوطني، وتستنكر بشدة الاحتلال الانكليزي، ويطوف رجال الجهاد على العلماء المجتهدين، والزعماء العشائريين الموجودين في المؤتمر، ليحملوهم على التوقيع عليها، وكان هو (رضوان الله عليه) من السابقين الى التوقيع من غير توان أو وجل.. وفي كتاب (الحقائق الناصعة) صورة وثيقة فيها توقيعه البارز بين تواقيع كبار زعماء قبائل الفرات الاوسط.

 

احباط المجلس التأسيسي العراقي

 

* أشاد الشيخ الطهراني (ت1389) في موسوعته الشهيرة (الذريعة الى تصانيف الشيعة) ج 18، ص: 78 ط، 1974 ميلادية... الى ان الوفد البغدادي اجتمع مع الامام المجاهد السيد البغدادي في داره في محلة العمارة (القديمة).. الا انه لم يذكر سبب زيارة الوفد الى النجف الاشرف، وماذا دار من وراء الكواليس من احاديث خطيرة.. ومن ثم لفها الكثير من الغموض كما قيل عنها الكثير؟.. فهل تستطيع ان ترفدنا ببعض الايضاحات التي عرفتها بحكم صلتك بسماحته؟..

** العام 1341 هجرية- 1922ميلادية اعتقد الملك فيصل (ت1353)، ومن ورائه قوى الثورة الرجعية المضادة، ان المعارضة الوطنية والاسلامية قد ذابت واندثرت الى ابد الابدين.. وان المؤسسات الدستورية ستجري في العراق على حسب ما يرام، وفق مخطط استغلالي بشع رهيب.

بيد ان التصورات والحسابات الوهمية انكشفت خلال فترة وجيزة، فلقد استأنفت من جديد معارضة الجماهير التي يقود مسيرتها علماء النجف، والكاظمية، بجرأة وثبات وصبر في وجه صياغة وكتابة الدستور في المجلس التاسيسي المقترح.. والتي لا تتم إلا على ضوء من مصادر التشريع الاسلامي الاصلية.

ومن هنا.. اصبح الملك، والقوى الرجعية المضادة في ارتباك وحيرة.. وحسبوا لهول المشكلة الف حساب وحساب !!.. وبعث وفداً على مستوى رفيع من القيادة السياسية برئاسة الحاج محمد جعفر ابو التمن من اجل ان يوضحوا سياسة الملك الداخلية والخارجية بصيغتها النهائية، ويحددوا اهدافها في الممارسة والتطبيق بصيغ مرحلية لامناء المرجعية الدينية في النجف، وقبل الاجتماع بهؤلاء الامناء.. ومنهم: الشيخ محمد حسين النائيني، والسيد ابو الحسن الموسوي الاصفهاني.. ادرك الوفد ان هناك عقبات تعرقل مسيرته في هذه المهام، اول ما بدا لهم الاجتماع من وراء الابواب المغلقة بأبرز مستشاريهم.. وهما: السيد البغدادي، والشيخ الجزائري (بما انهما من قادة الثورة، ويفهمان ملابسات البيئة النجفية، وواقع الرسالة التي تحملها النجف، ولا سيما ما يتصل منها بقضايا الساعة محفوفة في كثير من الاحيان بملابسات غير واضحة لا يتيسر للمرجعيين ان يحددا موقف الشريعة منها بمنظور سريع وقرار مرتجل) من اجل ان يمهدوا لهم التفاوض والتشاور مع المرجعين.. ومن خلال هذه المبادرة الذكية تتمخض لهم المردودات الايجابية.. وهي السبيل الوحيد للعمل المثمر.. وعلى هذا الاساس يغدوا السيد البغدادي من ابرز المفاوضين مع النائيني، وكذلك الشيخ الجزائري مع الموسوي الاصفهاني.

ومن هنا.. انقلبت الحسابات والتصورات كلها بين عشية وضحاها مرة ثانية.. ويمتحن العلماء العاملون امتحانا عسيرا في ايمانهم لحرمة هذا الوطن الاسلامي العزيز.. بعد ان انفض الاجتماع المغلق بادر الوفد لاداء مراسيم زيارة الامام امير المؤمنين علي (ع)، وقدر الله للشيخ كاظم ابو التمن الذي يتسم باللهجة الصادقة ان يتخلف عن صحبة الوفد، وبقي معتكفا في بيت السيد البغدادي الذي عقد فيه الاجتماع.

ومن هنا.. تتحقق المعجزة في هذه الفترة العصيبة من تاريخ العراق الحديث.. وينبري السيد البغدادي يسأله مخاطبا بصراحة لما فيها من مرارة وجرأة.. ياشيخ انت تعلم العلاج في هذه التجربة الجديدة عوض النفي والرفض ايجاد مسار جديد، ودستور جديد يواكب الحاجات المتطورة على ضوء مفاهيم الشريعة الاسلامية العملية.. وخلاصة القول الحاسم: لابد ان يكون تشكيل المجلس التأسيسي تحت قيادة اسلامية وطنية مخلصة.. وهل ان الملك يطبق هذه الشروط الرئيسية المتفق عليها، ام يجهضها، ويعمل لصالح الخطط البريطانية؟!..

فأجابه بهدوء: ((ان جلالة الملك المفدى لا يستطيع بأي حال من الاحوال، وفي هذه الظروف الراهنة عدم مجاراة الانجليز في خططهم المرسومة))!!..

فقال السيد البغدادي: اذن ليس لفيصل في اعناقنا، واعناق القوى الاسلامية بيعة.

وعلى هذا الاساس.. نهض السيد البغدادي قاصدا الشيخ النائيني.. وقدم له تقريرا مفصلا.. ندد فيه بتخطيط الملك من خلال ما جرى من حوار ونقاش، فكانت النتيجة سلبية، ومن جراء ذلك ولى الوفد رأسا على عقب راجعا الى الملك، ولم يحصل على الغاية، بل فشى التناقض والمضاعفات السياسية فيما بينهم في هذا الطريق الطويل المفروش بالاشواك والمطبات والوحشة والظلام الدامس..

 ومن هنا.. راح رئيس الوفد بايمان اقوى، ونفس مطمئنة،وارادة فولاذية، لاتعرف الكلل، ولا تفهم الفشل الى معسكر المعارضة الاسلامية ومعه بعض رفاقه الاشداء.

والعكس بالعكس حين فشلت المفاوضات في النجف الاشرف حول دعم ومساندة المجلس التأسيسي.. خاطب رئيس الوفد السيد البغدادي بحزن عميق: يا سيدنا كان اعتمادنا عليكم، واملنا الوطيد بكم.. فكيف تعرقل مسيرتنا كان من المفروض ان تنسحب عن المهمة المكلف بها.. حتى ننجح فيما نصبوا اليه.. واليوم كيف أواجه جلالة الملك المعظم بعد ان اكدت له هناك ان عندي السيد البغدادي الصديق الصدوق، والفقيه الجسور؟!..

- هذا كله صحيح.. أين المجاهد الجزائري؟ ما هو دوره المكلف به؟..

= ان الفقيه الجزائري لم يوجد في هذا الاجتماع الانفرادي بين البغدادي، وابو التمن، بل كان ذاهبا الى منزل السيد ابي الحسن الموسوي الاصفهاني للتشاور والتنسيق العملي على ايجاد صياغة كحد ادنى مع الملك، بيد ان السيد البغدادي كشف الاوراق الخاسرة على حقيقتها للنائيني.. وعانى بنفسه هذه التجربة الثورية، ولاجدوى في اللوم والعتاب بما فيه من مرارة وقسوة من قبل اخيه الشيخ الجزائري في فشل هذه الخطة المكلف بها من قبل الوفد البغدادي الرسمي، لذلك عمد الملك الى تسفير النائيني، والاصفهاني خارج الحدود (1)، والذي جرى في سنة 1923 ميلادية.

والشيء بالشيء يذكر: حين تسفيرهما قد ودعا في حشد من العلماء الى كربلاء المقدسة.. وبعد منتصف الليل اثار السيد البغدادي على مجموعته مسألة فقهية معقدة قد تعالت الاصوات الهادرة في تفنيدها.

كان هناك على مسافة خمسمائة متر او اكثر مجموعة اخرى تسمع صدى هذه الاصوات كان في ضمن هذه المجموعة السيد سعيد الحكيم يهمس في آذان السيد محسن الحكيم (ت1390): الم يكن هذا صوت السيد البغدادي؟!..

قال: نعم بالتأكيد نحن (بيا حال) الان الناس نيام بالطابق الاعلى المكشوف للفضاء الخارجي.. قم حالا لنذهب اليه نعاتبه.

فجاء الحكيم وهو ليس على حالته الطبيعية موجها عتابا رقيقا:

((ارجوك يا ابو كاظم مووقته الان.. نحن بياضيم)) فبادره السيد البغدادي قائلا:

هل تريد منا نترك المذاكرات العلمية؟!..

يا ابا يوسف انتبه ما اقول اليك من اكتشاف تنبؤاتي المستقبلية: ان المؤسسة الفارسية الدينية سينتهي دورها الفاعل بالنجف الاشرف.. لأن شعب العراق كان بالامس متخلفا اجتماعياً.. واقتصاديا.. وكان بحاجة ضرورية ملحة للاموال التي تجبى اليه بأسم: (الحقوق الشرعية)، وتشييد العتبات المقدسة، اما اليوم فقد انقلبت كل الحسابات السياسية بين عشية وضحاها، وغدا العراق دولة،وفي المستقبل القريب سوف يملك موارد ضخمة.. وبالتالي يوظف طاقات بشرية هائلة في المؤسسات الحكومية، وشبه الحكومية.. وبالنتيجة. يتحرر من هيمنة المؤسسة الحوزوية الفارسية التي تؤثر بشكل مباشر او غير مباشر على سيادة الوجود العراقي، واستقطاب شيعته، وقد أشرت للميزا النائيني قبل سنة تقريبا: ان الحوزة في يوم ما ستطرد ولايعود لها وجود على الساحة النجفية..وليس لها من يدافع عنها بعد ان يغدو العراق حكومة وشعبا ليس بحاجة الى المساعدات الايرانية التي تأتي اليه بـ ((العملة الصعبة)) باسم دعم العتبات والحوزة..حتى استهزأ المقربون اليه بوجهة نظري المستقبلية، بل قال احدهم هذه تخيلات عنصرية !!..

قلت له: لماذا (يا شيخ) تزعم تخيلات عنصرية؟!..

أليس المتصدون لا يقدمون للبيوتات العلمية العربية الا النزر القليل من الدراهم المعدودات وهم يصطدمون بصعوبة الحياة اليومية، والمتطلبات المعيشية الكثيرة والمتراكمة، وسوف تكون النتيجة ترك تحصيلهم العلمي ويغدون من طلاب الوظائف والمناصب الحكومية؟!.

وفي البارحة رأيت بام عينيك حينما صاح: صالح حمامه (احد رموز النظام) بسخرية: ((اين حسين.. اين ابو الحسن)!!.. ولم يحرك ساكنا من كان في توديعهما بتلك اللحظات، وكان الاحرى بهم ان يردوه على الاقل، وغدا هذا الاجراء المهين في خبر كان... وكأنه لم يحدث شيء في الساحة النجفية.. والامر يحدث بعده الامر.

 

 

 

 

 

صراع مع المعارضة

 

* يقول اصحابه فيما يقولون كان الامام المجاهد السيد البغدادي اماما للجماعة في احدى مساجد النجف.. وبعد ذلك غدا اماما للجماعة في الصحن الحيدري الشريف العام 1949ميلادية.. بيد ان هذه النقلة النوعية انتابتها معارضة ما كانت مرتقبة.. لماذا وكيف؟!..

** هذه المعارضة من بعض المتزلفين لبعض العلماء المتصدين طمعا في الجاه، وحبا في المال.. ومن ورائهم عناصر وقوى ضالعة وطامعة ومرتبطة بمؤسسة التحقيقات الجنائية العراقية، والسافاك الشاهنشاهية وعلى هذا لم تكن مفاجئة في حساباتنا لان السيد البغدادي مواقفه لا تنسى ضد الثورة الرجعية المضادة.

ومن هنا تحرك الشيخ مغيض بن الحاج سعد راضي (ت1372) بالتنسيق مع حلفائه من العشائر النجفية.. وطلب من سماحته ملتمسا ان يتصدى لأمامة الجماعة في الصحن الحيدري الشريف بوصفه من مراجع الفتيا والتقليد.. ومن الضروري ان يوجد في هذا الموقع المقدس.

الا انه ارفض هذا الالتماس، وذلك على نهج السلف الصالح من فقهائنا الاعاظم (الاماشذ) من الاعراض والانزواء في مثل هذه الامور.. وبعد الاصرار عليه الذي دام مدة عشرة ليال متتاليات (وبعد التي والتيا) امتثل لهذه الرغبة الملحة، ولان الواجب الشرعي يحتم عليه ان يشمر عن ساعد الجد، وينهض بهذه المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقه.

ومن هنا.. تجمع الشباب والشيوخ من العلماء العاملين، والمؤمنين الخيرين في داره الواسعة المتواضعة على شكل تظاهرة جماهيرية لم تكن هذه الظاهرة الاجتماعية مألوفة بالنجف الاشرف حينذاك.. فقدموه لصلاة المغرب والعشاء واتموا به، ومن شدة تعلقهم الرسالي به وانشدادهم العاطفي اليه.. كانوا يتسابقون في الائتمام خلفه، وهم يطرحون ما عليهم من الاردية.. بدلا من السجاد الكثير المخصص للصلاة. حتى غدت جماعة مترامية الاطراف يحسب لها الف حساب وحساب.. ومن حيث يحتشد فيها رجال الفكر النابهون، ورجال البلد المتدينون.

ومن هنا.. قد باءت بالفشل الذريع تحركات قوى الثورة المضادة.. وبخاصة تحركات جمعية منتدى النشر بمحاولاتها العديدة بتقديم المرحوم الشيخ محمد حسن المظفر في هذا المكان المقدس.. اقول: (مع الاسف الشديد) في ذلك اليوم المشهود الذي صمم فيه زعيم الشمرت وحلفائه بخروج السيد البغدادي لأداء الفريضة اخذت جمعية منتدى النشر تمارس اساليب متنوعة لتحقيق اغراضها، وتنفيذ مخططها الاخير.. ومن بين تلك الاساليب:

1- انبرى السيد محمد تقي الحكيم (حاليا عميد كلية الفقه) واتصل هاتفيا بقائممقام النجف الاشرف السيد ضياء شكارةه، وتكلم معه بانفعال من اجل ان يقوم باجراء لازم لتلافي الامر ضد هذا التجمع الرسالي، لانه على زعمه يثير القلاقل والفتن.

- فرد عليه صارخا: أتتجاهل هذه الشخصية؟!..

- الم يكن هو الاعلم والاتقى والاصل حسبا ونسبا؟!..

= أحس الحكيم بألمأزق الذي وقع فيه.. مما دفعه الى ان يقول له: ان البغدادي عدو النظام الملكي.. اليس كذلك؟..

- قال له: ثم ماذا؟.. انه بمثابة والدي.. وانه أباذر الغفاري في هذا الزمن التعيس... ثم اغلق الهاتف في وجهه.

 ونتيجة هذا الرد الصارم اتهم بـ ((الماركسية))..وبعد فترة نقل ابو علي الى نواحي البصرة بوظيفة معلم في المدارس الابتدائية..

2- ذهب غياث الدين بحر العلوم (المحامي) الى صديقه مدير ناحية الحيرة السيد ضياء الدين الحيدري لانقاذ ما يمكن انقاذه وقبل ان يفاتحه بالمهمة المكلف بها.. بادره مدير الناحية سائلا: هل من جديد في النجف الاشرف؟..

طبيعي كان سؤاله باعتبار مقتضى الحال (كما يقول علماء البلاغة).. فقال له: متأسفا باللهجة العامية:((تاليه يلعب بيه البغدادي))!!..

بدت علامات التعجب والاستغراب على وجهه.. ورد عليه بامتعاض:

- لماذا تتهجم على هذا السيد المجاهد؟!..

- أليس له صولات في الفقه والاصول؟!..

ألم يكن من رجالات الثورة العراقية الكبرى؟!..

= ما هذا وانت يا ابا جلال؟.. وأي صلة تربطك به؟!.. وانت صديقي القديم، وانا جئتك في الحقيقة بمهمة الخلاص من جماعته (فسقة الشمرت) بشكل او بآخر !!.. والتوسط لدى قائممقام النجف، لانه من مدينتك، ولك خولة معه، وصحبة ومودة كذلك.

- انت تطلب المستحيل.. فالسيد البغدادي ابن عمي، وقريب مني، ولا قيمة للتسميات، واختلاف الالقاب.. فهو من اسرة لها شأن عظيم عبر قرون متطاولة، ثم هو ابن النجف البار مولداً ومسكناً ومدفناً هو، ووالده، وجده الاعلى السيد أحمد العطار البغدادي، وهو احق بهذا الاعتبار.

= فسكت ولم يتفوه بأي كلام، وفشل بمهمته، وخرج منه يجر وراءه أذيال الخيبة والخسران!.. ونتيجة هذا الموقف المشرف.. وجهت اليه تلفيقات ما انزل الله بها من سلطان..

ثم انتقل بعد ذلك الى الشيخ أحمد الطريحي (ت1379) حينما بلغ السيد محسن الحكيم ما حدث من مفاجئة جديدة على الساحة النجفية.. فاستغرب بلا ارادة شعورية بهذا الحدث التاريخي.. ثم استدرك الامر بذكاء.. وقال:

تصورت الشيخ عبد الكريم الزنجاني (ت1388) هو الذي حل في هذا المكان الحساس.. ولكن الحق يقال: السيد البغدادي وجه من وجوه الامامية، وكانت لي صحبة ومودة معه فجزاهم الله خير جزاء المحسنين على هذه المبادرة الاسلامية.. ولكن للأسف الاسيف كان صهره السيد ابراهيم الطباطبائي حفيد السيد اليزدي موجوداً فرد عليه: ان هذا الرجل (يقصد البغدادي) من اين خرج ونحن الذين كفناه ودفناه بأيدينا؟!..

     بيد ان الحكيم على مزاجه الهاديء، وكلماته البطيئة، فقد اعصابه كلها مرة واحدة، وكل عضلات وجهه مشدودة بالانفعال!.. ورده بما يستحقه..

 

 

 

إلى صفحة عمليات 1

إلى صفحة العمليات الرئيسية