تصرفات الجنود الأمريكيين في العراق انعكاس للشخصية الأمريكية

 

الدكتور سهيل حسين الفتلاوي

بعد نشر صور التعذيب في سجن أبي غريب قال الرئيس الأمريكي بوش بان هؤلاء لا يمثلون الأمريكيين وانهم لا يمثلون أخلاقنا وليسوا أمريكيين. وهذا القول يجانب الحقيقية. بل ان التعذيب والانحراف يمثل الشخصية الأمريكية بصورة كاملة. تلك الشخصية التي تعمل على تعميمها على العالم. وهو ما يطلق عليه (بأخلاق الأمركة). فمن درس الوضع الاجتماعي أو عاش في أمريكا يؤمن تماما ان ما جرى هو تجسيد للشخصية الأمريكية القائمة على القتل والتدمير والرذيلة وليس حالة شاذة كما يريد ان يصورها البعض زيفا.

        وهذا الوصف لا ينطبق على شريحة معينة من المجتمع الأمريكي بل أنه ثقافة قومية تشمل كل الولايات المتحدة بمختلف ولاياتها وشرائحها الاجتماعية وطبقاتها. بل انه ينسحب من القاعدة الشعبية الواسعة ليصل إلى صانعي القرار السياسي والاجتماعي والعسكري في الدولة. فمن لا يؤمن بهذا في المجتمع الأمريكي فانه يكون معزولا عن الواقع الأمريكي.

        وقد نشأت الشخصية الأمريكية المتمردة على القيم والاخلاق من خلال أسلوب تكوين الدولة. فالكل يعلم كيف تكون الشعب الأمريكي وكيف قامت الدولة. ومن يدرس مواقف الرؤساء الأمريكيين (43) رئيسا يجد بانه لم يعمل أي منهم على بث القيم والأخلاقية والإنسانية. فكل رئيس نسخة مصورة لما قبله.

        وإذا كانت ثقافة القتل والتمرد والجريمة والجنس الشاذ حالة شاذة تعم المجتمع الأوربي وان النظام العام لا يتصدى لها، فأن هذه الثقافة محصورة في شرائح معينة في أوربا. ولكنها حالة عامة في المجتمع الأمريكي ومنتشرة في كل زاوية من زوايا المجتمع ومتجذرة بشكل خاص في المؤسسة العسكرية. ذلك ان النظام العسكري السائد يقوم على تجريد الجندي الأمريكي من القيم والأخلاق. لأن التمسك بالقيم والأخلاق يقتضي استرجاع مبدأ المراجعة الذاتية الإنسانية. ومثل هذه المراجعة تفرض الرحمة والشفقة وهي أمور تتناقض مع هدف المؤسسة العسكرية.

        فالنظرية الأمريكية في الحرب تقوم على أساس ان الجبهة المدنية والاقتصادية للعدو تعد امتدادا للجبهة العسكرية وان ضرب المدنيين وتدميرهم وانتهاك حرمتهم بقسوة يوقع خسائر فادحة بالعدو ويخلل الجبهة العسكرية ويربكها وينشر الذعر فيها. ولهذا فان الولايات المتحدة تحتفل في آب من كل سنة بذكرى ضرب هيروشيما ونكازاكي بحجة أنه لو لم تضرب تلك المدينتين لكانت الحرب العالمية الثانية مستمر لحد الآن.

        وهذا الموقف ألأمريكي غير الإنساني الذي يجعل من المدنيين هدفا عسكريا مغريا ويعرضهم للتدمير والحصار والتعذيب انسحب أيضا على الموقف القانوني الرسمي. فالولايات المتحدة من أولى الدول التي عارضت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1947 واتفاقيات جنيف لعام 1949 الخاصة بحماية الأسرى والجرحى والغرقى والمدنيين في المنازعات المسلحة وبروتوكول جنيف الاختياري لعام 1977 الخاص بحماية المدنيين في المنازعات المسلحة ومعاهدة روما لعام 1998 الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب. فكانت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من بين سبعة دول رفضت الانضمام لمعاهدة روما في الوقت الذي وافقت عليها 167 دولة.

ولم يكتف الموقف من القضايا الإنسانية للولايات المتحدة عند هذا الحد فحسب بل انها تعمل في الوقت الحاضر على إجبار دول العالم عن طريق مجلس الأمن بالموافقة استثناء الأمريكيين من ملاحقة محكمة الجنايات الدولية من تهم جرائم الحرب الدولية ومن المحاكم المحلية في الولايات المتحدة ومن المحاكم الداخلية في العراق وافغانستان. أي انها تريد الحصانة للشعب الأمريكي من تهمة جرائم الحرب. وهذا وحده يفسر الموقف الأمريكي الرسمي من القضايا الأخلاقية والإنسانية وخاصة التعذيب. وهذا الموقف يغنينا الكلام عن الشخصية الأمريكية القائمة على القتل والتدمير والانحراف الداعر.

        وما جرى في معتقل أبي غريب يجسد الشخصية الأمريكية بشكلها الرسمي والشعبي بشكل دقيق. وبتاريخ 24/6/2004 نشرت الإدارة الأمريكية وثائق مفادها ان وزير الدفاع رامسفيلد أصدر أوامره لحراس قاعدة غوانتنامو بتعذيب الأسرى في الحرب على أفغانستان وبعد مدة أمر بوقفها. وهذه الوثائق نشرتها الإدارة الأمريكية لتلقي بالتهمة على وزير الدفاع. وهذا يعني ان الموقف الرسمي الأمريكي يقر التعذيب ويحدد وسائله. وقد شاهد الناس أنواع التعذيب التي تعرض لها المعتقلون في سجن أبي غريب وحده. وشاهدوا ما لم يأمر به وزير الدفاع ولم يشاهدوا ما أمر به الوزير لعدم أماكن تصويره. وهي منع الماء والغذاء والتعرض للضوء ومنع الضوء.

        واستغلت وزارة الدفاع الأمريكية جهل الرئيس بوش بقوانين الحرب وطلبت منه موافقته. وبغض النظر عن القيم الإنسانية فأنه طلب من وزير العدل الأمريكي رأيه في هذا. فأجاب الوزير إلى ما تريده وزارة الدفاع وأفتت بامكان مخالفة اتفاقيات جنيف عام 1949 وأيدت الوزارة ضرورة مخالفة هذه الاتفاقيات بذريعة حماية أمن الولايات المتحدة. وعند ذلك ارسل الرئيس بوش المذكرة إلى وزارة الدفاع. فأصبح الموقف من التعذيب موقفا قانونيا تتخذه الدولة وعمل بموجبها ما دام لم يتعرض عليها بكونه موقفا قانونيا. وبعد الفضيحة أراد بوش ان يلق اللوم على وزارة العدل ليخلص نفسه ووزير دفاعه إلا ان المذكرة سرقت من البيت الأبيض وهكذا تتبادل الاتهامات.

        ونضيف إلى ذلك وجود مؤسسة رسمية في البنتاغون خاصة بالتعذيب. يطلق عليها بـ(منظومة التوتر السرية للتعذيب) مهمتها الوحيدة التدريب على التعذيب. كما تم التعاقد مع شركات خاصة للقيام بالتعذيب في سجن أبي غريب. وهذه الشركات يتم التعاقد معها بشكل رسمي.

ومن الواضح ان الجندي أو الشرطي في كل دول العالم ليس من حقه ان يقوم بأخراج سجين معتقل من زنزانته بسبب خطورة ذلك. فلا يجوز اخراج السجين من زنزانته إلا بموافقة المسؤول عن السجن وطبقا لتعليمات محددة وظروف خاصة. وهذا يعني ان القائمين بالتعذيب في سجن أبي غريب يحملون أوامر خاصة بإخراج أي سجين من زنزانته بهدف التعذيب ليس إلا. وقاموا بتعذيب السجناء طبقا لأوامر صادرة من الدولة كما أثبتت محاكمة بعضهم وان كانت هذه المحاكمة مهزلة وشكلية.

        وإذا نظرنا إلى الصورة المتوفرة للتعذيب فنجدها جميعا حالات خارج صور التعذيب التي أمر بها وزير الدفاع الأمريكي. وعند التمعن في صور التعذيب نجدها انها وضعت من قبل خبراء متخصصون عبر دراسات معينة. إذ درسوا ان تعذيب المواطن العراقي أو العربي بالطرق الاعتيادي كالتشويه والضرب وان وصل ذلك حد الموت إنما يعزز من معنوية المعذب معتقدا بانه قد انتصر لمبادئه أو انه اقترب لله تعالى. ولهذا ينبغي البحث عن ما يؤثر في المعذب من تعذيب بحيث تحط من قيمته وكرامته وتجعله ينهار بشكل تام. فوجد هؤلاء المتخصصون ان التأثير على منظومتين هما الشرف والدين تضع المعذب في موضع الانهيار. ومن هنا نقول ان القائمين بالتعذيب لا يفهمون هذه المنظومتين بسبب جهلهم وقلة ثقافتهم وانما زودوا بها من قبل جهات عليا علمتهم كيف يوجه التعذيب وما هو المؤثر فيه.

        فخلع الملابس والاعتداء الجنسي على المعذبين وإجبارهم على تناول الخمور والمحرمات في رمضان انما هي من المسائل الحساسة عن المواطن العربي المسلم. وممارسة التعذيب في مثل هذه الأمور في الجيش الأمريكي لا تتطلب البحث عن أشخاص فقدوا الضمير والقيم فكل جندي أمريكي قادر على ان يقوم بهذا العمل.

ومن الصور ما شاهدناه قيام مجموعة من الجنود يقومون بالقبض على أمراة من بيتها ويقودها إلى منطقة بعيدة عن المدينة ويقومون بممارسة العمل الجنس بوضع ماء في إناء ويغطس رأسها في الماء مع استخدام العنف والقوة ويتجمهر عدد غير قليل عليها انما تعبر عن وحشية شاذة لا مثيل لها في أي مجتمع أوربي. فكيف يتحرك عامل الجنس عند هؤلاء وهم عراة مع بعضهم. فإذا كانوا لا يخجلون من المعذب فلماذا لا يخجلون من بعضهم. إلا يوجد في هذا الرتل شريف واحد يمنع هؤلاء من القيام بهذا العمل الرذيل. فهؤلاء من غير المكلفين بالتعذيب في سجن في أبي غريب وإنما يعبرون عن الشخصية الأمريكية الشاذة. وتساوى فيهم الجندي البسيط مع الضابط المسؤول عن الرتل.

وإذا ما حللنا كل صورة من الصورة الخاصة بالتعذيب فإننا نجد كل واحدة منها تعبر عن الانحطاط الخلقي للشخصية الأمريكية. ويبدو ان الأمر أكثر مما نراه. فما نشاهده من مرح القائمين بالتعذيب في بهجة وسرور يجعلنا نؤمن بان ما يقومون به من تعذيب وقتل وامتهان للكرامة كان على سبيل التسلية وقضاء وقت. ولربما ذاقت الدنيا بهم ذرعا فتوجهوا إلى المعتقلين ليتسلوا بأجسادهم وكرامتهم.

وإذا ما انتقلنا من المواقع العسكرية داخل الجدران التي تحكمها اللوائح العسكرية وهيمنة المسؤولين فيها إلى تحرك القوات الأمريكية داخل المدن العراقية وخارجها فان تصرفات الجنود الأمريكيين لا تختلف عن زملائهم داخل السجون والقواعد العسكرية. فهي تصرفات مشينة ومتهورة وتدل على انهم لا يعرفون الأخلاق والقيم الإنسانية. فإذا ما تعرض رتل عسكري إلى أطلاقة من سلاح خفيف توجهت فوهات المدرعات والدبابات صوب المواطنين المدنيين وتقتل ما تستطيع قتله دون التمييز بين الطفل والشيخ الفاني والمرأة المستطرقة. وإذا كان الرتل يسير في داخل مدينة وحصل زحمة سيارات فقد يحصل ان تقوم الدبابات الأمريكية بالسير فوق السيارات دون الاهتمام من كان داخل هذه السيارات. وإذا ما سارت مجموعة مدرعات أمريكية في شارع وكانت هناك سيارة متوقفة بسبب عطل إطارها فانها ستحصل  على قذيفة تحرقها وتحرق من في داخلها. وإذا أراد شخص الانتقام من شخص فأنه يذهب إلى القوات الأمريكية ويقول لهم هذا مقاوم أو ان مجموعة من المقاومين تسكن هذا البيت أو الجامع فأن هذا الهدف يعالج بمجموعة من الصواريخ من قبل الطائرات المقاتلة دون التأكد من كان في هذا الهدف. وإذا ما أريد القبض على شخص واحد من داخل منزله فان الطائرات تحوم فوق داره وتطوقه عشرات المدرعات والدبابات ويقوم الجنود بضرب قنابل لخلع الأبواب والقيام بعمليات بهلوانية من سطح الدار وحديقته ومن ثم القبض على الشخص مع ترويع العائلة من الأطفال والنساء وقيادتهم مكبلين على وجوههم بدون وازع من ضمير وذرة إنسانية. وهذا نزر قليل من كثير مما يعانون المواطنون العراقيون من حالات لا يتسع المجال لذكرها.

وإذا كانت الإدارة الأمريكية تعمل من أجل أمريكا فأن عليها ان تعالج هذه المأساة في داخل المؤسسة العسكرية وان تضع لها الدراسات والمنهاج التعليمية والإعلامية للقضاء عليها، وليس العمل على تعميمها على شعوب العالم تحت شعار الأمركة. فلا تكفي عبارات التأسف والاعتذار فمثل هذه الأمور لا تصلح مجتمعا. ولم نسمع من أي رئيس دولة أمريكي البالغ عددهم (43) رئيسا ولا من المسؤولين الأمريكيين في الكونغرس الأمريكي والمسؤولين العسكريين ولا الباحثين والعلماء بأنهم سيعملون على معالجة الشخصية الأمريكية الشاذة. تلك الشخصية التي يراد بها ان تطبق على العالم أجمعه.

 شبكة البصرة

 الاحد 9 جماد الاول 1425 / 27 حزيران 2004

إلى صفحة المقالات