العرب وأمريكا.. انحناء وامتطاء!

بقلم: د. عبد الله هلال

 قال تعالى : وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ

      كشف الرئيس الأمريكي جورج بوش عن حقيقة نواياه ونوايا إدارته تجاه الإسلام والمسلمين.. ذلك أنه لم يحاول أن يخفي ما تمتلئ به نفسه من حقد على كل ما هو إسلامي, معلنا في أغلب خطبه أن الشر كله مركز في الجانب الإسلامي, وقد أضاف ذات مرة كوريا الشمالية ذرا للرماد في العيون. وواقع الأمر أن الحلف الصهيوني الأمريكي قرر بدء الحملة الصليبية المعاصرة للقضاء على الإسلام.. وقد بدأت هذه الحملة قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر في البوسنة والهرسك وكوسوفا وفلسطين والعراق وإيران وليبيا والسودان والصومال وأفغانستان, ولكن هذه الهجمات وما تلاها من استقواء أمريكي وانحناء لحكومات الدول العربية والإسلامية عجلت بتنفيذ المخطط الشيطاني.

       وقد فضح هذه الحملة الصليبية الجديدة توجه القوات الأمريكية بعد هجمات سبتمبر إلي كل من الفلبين وكينيا (قبل العراق) للقضاء على الأقليات الإسلامية هنا وهناك.. إذ أصبح بوش "تحت الطلب" لأية دولة تريد التخلص من المسلمين فيها. وليس هناك أية شبهة لأي دور للمسلمين في الفلبين وكينيا في الهجوم على أمريكا, بل إن الأخيرة نفسها لم تدع ذلك, وكلتا الأقليتين مضطهد ومهضوم الحقوق ولهم مطالب شرعية لا يستطيع أحد أن ينكرها عليهم، ولو أن هناك أحرارًا في عالم اليوم لقاتلوا من أجل نصرة هؤلاء المظلومين. ولكن مدعيّ حقوق الإنسان يتظاهرون برعاية الحيوانات والطيور, ولا تطرف لهم عين وهم يقتلون البشر من المسلمين.

       ولا يختلف اثنان على أن موقف الإدارة الأمريكية من القضية الفلسطينية، ومن المقاومة العراقية عار بكل المقاييس, إذ لا يعقل أبدا أن يحرم شعب من مقاومة الاحتلال وتحرير أرضه المغتصبة.. ولا يعقل أن يترك الخنزير الطائش شارون يطيح في شعب أعزل قتلا وتدميرا وحرقا والعالم يجلس متفرجًا, ثم يخرج علينا هذا البوش بافتراءاته وتهديداته ضد المجاهدين في حماس والجهاد وحزب الله متهما إياهم بما أسماه الإرهاب.. وكأني أري «بوش» وقد امتطاه «شارون» وأخذ يندفع به يمنة ويسرة، يهاجم هذا ويهدد ذاك.. ويصنّف خلق الله بالتصنيفات التلمودية التي افتراها بنو إسرائيل, وليصبح كل من يعترض على الإجرام الصهيوني هدفا مشروعا لهذا الخنزير الطائش.

       والحقيقة أن الحكومات العربية هي السبب في هذا الموقف المخزي.. فكلما تزايد الانحياز الأمريكي للعدو الصهيوني، وكلما زادت المذابح الأمريكية في العراق, زاد «العشق» بين هذه الحكومات وجلادها الأمريكي، مدعين أنه الشريك المحايد وراعي عملية «السلام»!. ولا ندري ماذا ينتظر العرب من هذا "الشريك المخالف" بعد أن جاء بنفسه واحتل عاصمة عربية، وبعد أن أعلنها صراحة بأنه مع الصهاينة على طول الخط وأنه ضدهم بكل إمكاناته?. هل العرب لا يملكون وسيلة للضغط على أمريكا?.. إننا لن نطالبهم بموقف ثوري مثل موقف إيران, فهم لا يجرؤون على ذلك, بل لا يجرؤون على مجرد قول كلمة حق لصالحها.. ولكن لماذا لا يفعلون مثل تركيا عندما حاول «الصديق» الأمريكي قبل سنوات, وفي إطار الحملة الصليبية ذاتها, إدانة الدولة العثمانية بارتكاب حرب إبادة ضد الأرمن.. فهددت تركيا باتخاذ إجراءات عقابية اقتصادية (أي مقاطعة مثل التي فشلنا فيها ،(لتتراجع أمريكا صاغرة لأنها لا تحتمل أية مقاطعة اقتصادية. هل الفرق بيننا وبين تركيا هو الفرق بين شجاعة الحكومات هنا وهناك?.. أم أنها إرادة الشعب التركي "الحر" التي يجب أن تُحترم?.. ألم نقل مائة مرة إن العرب لن يرفعوا رؤوسهم ويفرضوا قضيتهم إلا بعد وقوع الطلاق (أو المخالعة!) بينهم وبين أمريكا؟!!

       لقد كشفت أحداث الحادي عشر من سبتمبر عن الوجه الحقيقي (القبيح) لأمريكا والغرب عمومًا.. إذ سقطت كل الأقنعة وانهارت كل الشعارات عن الشورى والسلام (المتحضر) وحقوق الإنسان, مع أول هجوم على أمريكا في تاريخها, وهذه ليست المرة الأولى في التاريخ التي يتعرض فيها شعب أو دولة للحرب أو لقتل بعض الأفراد أو للهجوم على بعض المرافق.. فما من دولة إلا وسبق أن واجهت هذا الابتلاء مرات ومرات, خصوصًا على أيدي هؤلاء الأوغاد, حلفاء الصهاينة, والذين يستحقون كل ما يقع عليهم من مصائب.. ولكنهم يعتقدون أنهم من جنس آخر غير باقي البشر, أو أن على رأسهم «ريشة», فمن حقهم احتلال الدول الأخرى وسرقة مواردها وقتل أهلها إذا ما قاوموا الاحتلال.. ومن حقهم فرض الحصار وتجويع الشعوب وقتل الأطفال.. ومن حقهم استخدام أسلحة الدمار الشامل والإبادة الجماعية للبشر وحرق وتدمير ممتلكاتهم.. ومن حقهم احتكار التقنية الحديثة والتراث العلمي الإنساني ومنع أسرار التقدم الصناعي عن غيرهم.. من حقهم كل شيء, وليس من حق غيرهم أي شيء, ولا حتى الاعتراض أو الاحتجاج!. فعندما احتج بعض الرافضين لهذه العنصرية - بطريقتهم - وقاموا بمجرد لمس الجسد الأمريكي (الزجاجي) قامت الدنيا ولم تقعد, ويبدو أنها لن تقعد قبل أن يعود الاحتلال السافر الذي ظن الغافلون أنه ذهب إلي صفحات التاريخ ولن يعود.

       والنظام الجديد للاحتلال (بعد الفشل المهين في العراق وأفغانستان) صار بطريقة التحكم عن بعد, حفاظًا على الدماء الأمريكية والأوربية.. فالرئيس الأمريكي يجلس في بيته الأبيض ويشير بإصبعه لتبدأ الحرب العالمية, في كل مكان وكل ميدان: جيوش (محلية) تهاجم الحركات الإسلامية وتقتل أو تسجن كل من يعادي أمريكا أو يعترض على سياساتها العدوانية, صحف تُغلق, حسابات وأموال تُصادَر, قرارات تصدر بمنع بناء المساجد وإغلاق المراكز الإسلامية, وقرارات تأمر بخفض حصص التربية الإسلامية تمهيدًا لإلغائها, وأخرى توافق على العبث في مناهج التاريخ الإسلامي، والتفتيش على لجان الزكاة، ومنع الأذان، ومنع ختم القرآن في صلاة التراويح!.. مطلوب جيل جديد يعبد المال ويحترم الشذوذ ولا يؤمن بالزواج ولا بالقيم الشريفة, جيل لا يهتم بشئون أمته ولا يؤمن باللّه فيسهل اختراقه لنظل تابعين متخلفين تائهين ليس لنا وظيفة غير استهلاك منتجاتهم وحراسة ثرواتنا الطبيعية لحين السطو عليها وتوصيلها إليهم بتراب الفلوس.

       ويظن الغافلون أن الانحناء حتى تمر العاصفة سوف ينقذهم من بطش رعاة البقر.. يظنون أن التسليم الكامل وعدم الاعتراض هو السبيل الوحيد للسلامة.. يظنون أن إعلان الحرب على بني وطنهم والتظاهر بكراهية ونبذ الإرهاب (الذي لم يتم الاتفاق على تعريف له حتى الآن) سوف يجنبهم مصير حكومة طالبان ونظام صدام. والحقيقة أنه بئس الظن, وبئس التفكير, وبئس الاستسلام!!. فهؤلاء الأوغاد لا تحكمهم قيم رفيعة ولا أخلاق حميدة، فكلما تراجع الطرف المقابل خطوة, يسرعون هم لاحتلالها ولا يمنحونه الفرصة للكرّ.. وما يحدث في فلسطين وباكستان خير شاهد.. ففي الأولى انحنت السلطة واستجابت للمطالب التعجيزية, ورغم ذلك لم يرحموها وطالبوا بالمزيد والمزيد وحبسوها بين أربعة جدران حتى الاستسلام الكامل.. وفي الثانية ظن حاكمها أن الارتماء في الحضن الأمريكي وبيع الأخ و الحليف والجار الذي يشكل عمقًا استراتيجيًا سوف يجعل من راعي البقر حليفًا قويًا في مواجهة الهند، مكافأة على هذا الانحناء, ولكن من قال إن هؤلاء تحكمهم الأخلاق?!.. لقد تبين أن كل شيء تم ترتيبه مسبقًا مع الهند, وأن باكستان كانت مجرد جسر للوصول إلى الأغراض الشريرة.

       يحدث كل هذا وتخدرنا أنظمة النكبة الجديدة بمقولات تحكيم العقل وتجنب المواقف الانفعالية التي يمكن أن تجرنا إلي حرب «غير مدروسة» تأتي على الأخضر واليابس, وتضيع إنجازات التنمية!، وكأنهم قد أفلحوا في التنمية, وهم الذين زادت على أيديهم معدلات البطالة ودفعوا الشباب العربي إلى البحث الدءوب عن أي وطن آخر يهاجرون إليه, وهم كذلك الذين شاخت حكوماتهم ولازمها الفشل في كل ميدان ولم نعد نرى سوى شوارع قذرة وتعليم منهار وصحة منعدمة وحوادث يذهب الآلاف ضحية لها لانعدام وسائل الأمان والإنقاذ والوقاية.. إلخ.

       وأيا كان الأمر.. فمن الذي طالب هؤلاء المتخاذلين الواهنين بإعلان الحرب?.. هل هناك معتوه يقبل أن يسلم رقاب شباب الوطن لهؤلاء الذين فشلوا في السلم لكي يخوض بهم حربًا? إن هذه المقولات التي تروجها أنظمة النكبة هي من باب الهروب من الموضوع الحقيقي الذي إن لم تفلح فيه هذه الأنظمة المستسلمة فلا داعي لوجودها.. ألا وهو الجهد السياسي والدبلوماسي, الذي يبدو أنه كذلك قد صار "محرمًا" عليهم مثل الحرب تمامًا بسبب الاستسلام المهين أمام الحلف الصهيوني الأمريكي.

- لماذا تقاطع الدول ذات العلاقة الآثمة بالعدو الصهيوني اجتماعات لجنة المقاطعة العربية?.. هل هناك «فيتو» على قراراتها وهي التي تدعي رفض الممارسات الصهيونية اللا إنسانية?.. ومن الذي يستخدم هذا الفيتو?.. وهل إعلان المقاطعة هو بمثابة إعلان الحرب، ولماذا لا تعود المقاطعة أقوى مما كانت، بعد أن سقطت بغداد؟!!

- أين الجهد الدبلوماسي والسياسي العربي مع الأمم المتحدة التي صارت منحازة جدًا للعدو وبصورة علنية?.. من الذي يمنعنا من تجميع مواقف دولية لمصلحة قضايانا (في العراق وفلسطين) مع دول عدم الانحياز والدول الصديقة?. لقد نجحت الدبلوماسية المصرية بعد هزيمة 1967 في حشد الدول الأفريقية في الصف العربي, وقامت هذه الدول بقطع العلاقات مع العدو?.. لماذا فشلنا الآن في ذلك رغم أن أغلب الدول لها مصالح مع العرب لا يمكن التضحية بها؟

      إن الانحناء يغري بالامتطاء، وسوف يصنع فرعونًا جديدًا.. وليس هناك من سبيل لإنقاذ أنفسنا إلا الصمود والمقاومة.

إلى صفحة المقالات