البيان والتبيين في حرب صدام للإيرانيين

بقلم / خلود عمر أحمد

 

 لن أطيل عليكم المقدمات كل ما أسعى إليه هو الإنصاف ليس الإنصاف بحق صدام حسين فقط ولكن الإنصاف في حق قضيتنا وفي حق أنفسنا كمسلمين عربا كنا أو عجم ...هذا الإنصاف الذي بتنا نفقده بعد أن سيطرت أمريكا على كل قنوات الاتصال حتى التي بيننا وبين بعضنا .. نعم لقد سيطرت على كل شئ فهي تستطيع قلب العدو صديقا والصديق عدوا في يوم وليلة كما أنها تستطيع حتى أن تجعل الماء البارد الزلال في عين العطشان اللاهث حمأ مسنونا لأننا صرنا نصدقها أو نسمح لها على الأقل بزعزعة معتقداتنا دون أن نحس أو نشعر .. فهذا هو صدام حسين نفس الرجل الأبيض المبتسم الممتلئ الجسم الذي كان العرب يرونه البطل الأشم حتى السعودية التي ترى اليوم القومية كفرا بواحا كانت تراه بطلا وترسل له كل يوم ملايين براميل النفط مجانا ليواجه عدونا المشترك في حينه إيران الشيعية يوم كان التشيع كفرا بواحا وأنا هنا لا أناقش أحكاما ..وكانت سيدة العالم الحر نفسها أمريكا تنظر وتتفرج تؤيد وتدعم وربما تبرر أيضا ولكنها لم تكن لتقول كما تقول اليوم أنظروا لهذا المجرم الذي يقتل شعبه بالحروب...خلاصة القول أن صدام حسين عندما كان في حربه مع إيران كان المعسكرين الغربي والإسلامي بشكل عام يؤيده والمهم جدا والذي أناقشه في هذا الموضوع أن صدام حسين لم يشعل الحرب على إيران ولم يكن له يد حتى في إشعالها...                                                                                                    

 بداية التوتر قبل عهد الرئيس صدام  عندما بدأ الشاه محمد رضا بهلوي تطبيق ما عرف بالثورة البيضاء ثار رجال الدين الشيعة الذين سلبت الكثير من امتيازاتهم وصلاحياته ومن بين هؤلاء كان الخميني ..فصدر فرمان يقضي بإبعاده عن إيران منفيا أوائل عام 1964 وطلب اللجوء إلى العراق فأمنت له مقرا وحماية بشرط عدم ممارسته لأي نشاط حزبي أو سياسي أو أي تحرك ولما بدأت الإشتباكات في مدينتي قم وتبريز عــام 1978 برز اسم الخميني وبدأ بالتحرك وهذ ايتنافى مع الشروط المتفق عليها بين الخميني والحكومة العراقية برئاسة أحمد حسن البكر .. فطلب منه العراق مغادرة أراضيها على الفور فتوجه الخميني إلى باريس وهناك أولت أجهزة الإعلام الغربية و من ضمنها الأمريكية كثير اهتمام بهذا الشيخ الهارب فكان يدعو إلى التظاهر والتمرد على نظام الشاه فمع أن الولايات المتحدة كانت موالية لهذا النظام ولكنها سمحت لمثل ذلك أن يحدث وهذا هو ما بدا في حينه لعبا على الحبلين وهو ما تتقنه الولايات المتحدة الأمريكية بمهارة وهكذا صارت المظاهرات في إيران شيئا مألوفا.الهجوم على السفارة العراقية في طهران بعد هذا التصعيد المتزايد وبجود مضنية من الخميني وأعوانه الذين تكفلوا بنشر الشائعات بين الجموع الغاضبة أثمرت هذه الجهود لتتجسد في هجوم كاسح من قبل الجماهير على السفارة العراقية في طهران وتحطيمها فضلا عن القنصليات العراقية في المحمرة أو كما يسميها الفرس خورمشهر...                                                                        

عودة الخميني إلى طهران
 نجحت الثورة وعاد الخميني إلى طهران بحماية فرنسية وعبرت القيادة العراقية حينها عن الإرتياح لنجاح الثورة الإيرانية بيد أن تلك المواقف لم تلق ترحيبا من الجانب
الايراني.                                                                                               

بداية التصعيد - بعث الرئيس أحمد حسن البكر برقية خاصة للخميني يرحب بها بإعلان الجمهورية الأسلامية وكان ذلك في الخامس من نيسان أبريل 1979 ولكن ما كان من الخميني سوى نشر برقية جوابية مفعمة بالروح العدائية للقيادة العراقية...
- بدأت الإذاعات الإيرانية باللغتين الفارسية والعربية تحرض على إسقاط النظام العراقي في اختراق سافر لكل المواثيق والعهود وتطالب الشعب العراقي بالثورة عليه على الطريقة الإيرانية الشيعية ولا ننسى هنا أن نصف الشعب العراقي هم من الشيعة وهذا يفسر تعامل صدام معهم بعد توليه الرئاسة ...هذا ما جعل جموعا من الإيرانيين تتجمع على السفارة العراقية في طهران تنادي بسقوط النظام العراقي أمام مرأى ومسمع من المسؤولين الإيرانيين وشاشات التلفاز على السواء                                                                  

الأزمة في عهد الرئيس صدام حسين وسنلاحظ هنا تتابع الأحداث بشكل ملحوظ فكل ما سيذكر هنا حصل في سنة واحدة وهي سنة 1980وفي شهر واحد وهو نيسان إبريل و هذا يدل على رغبة النظام الإيراني في توليد المشاكل والتوترات إن لم يكن رغبة حقيقية في إشعال الحرب ....
- يوم الثلاثاء الأول من نيسان إبريل كان ألوف من الطلاب يحتشدون في باحة جامعة المستنصرية في بغداد ينتظرون وصول طارق عزيز عضو مجلس قيادة الثورة ونائب الرئيس صدام حسين وعند وصوله قام طالب إيراني برمي قنبلة يدوية شديدة المفعول ولكن رئيس
اتحاد الطلبة حين ذاك محمد دبدب نبه الحضور ونجا طارق عزيز ومن معه ثم قام الخبراء بإبطال مفعول عدة قنابل كانت قد زرعت في أرجاء باحة الجامعة وبعد القبض عليه توضح للعيان أنه تابع لحزب (الدعوة) الإيراني الذي يستلهم أفكاره من آية الله الخميني
وقد تأسس هذا التنظيم عام 1958 وفي هذه الأثناء كان الرئيس صدام حسين يقوم بجولاته اليومية في جميع أرجاء العراق لتفقد المدن و الأحياء والبيوت والمدارس وقد كان حينها في الصويرة لما جاءه خبر حادث التفجير فقام بخطاب ورد فيه (( إن الشعب
العراقي لا يريد معاداة أي دولة إلا إذا هي من أرادت معاداته وليعلم من يعادينا أننا سنكون أسنة على رؤوس الرماح لمقاتلة المعتدي )) وبعد ذلك توجه للمستشفيات لتفقد المصابين                                                                                              

- يوم الأربعاء الثاني من نيسان إبريل وفي يوم تشييع جنازة ضحايا الهجوم الأول في المستنصرية والذي طال عددا غير قليل من طلاب الجامعة ألقيت قنبلة أخرى من شباك مدرسة إيرانية في بغداد وحينها اتخذت السلطات العراقية قرارا بترحيل الإيرانيين المقيمين بصورة غير شرعية مع أن الطريقة الغير شرعية هي أيضا غير مبررة نتيجة سهولة الحصول على إقامة شرعية على الأراضي العراقية لكافة الجنسيات العربية والإسلامية وغيرها ولكن عجب فسر العجب وهو بأن معظم من تم ترحيلهم ينتمون إلى طبقة التجار والميسورين أي أنهم لم يتواجدوا لكسب العيش وإنما لغاية في نفس يعقوب..                                                                                     

- في الثامن من نيسان إبريل من نفس العام صرح وزير الخارجية الإيراني قطب زاده أن عدن وبغداد تتبعان بلاد فارس وهنا نقف فلماذا عدن وبغداد والجواب إنه الإستفزاز فقد انتقى مهد العروبة عدن وجمجمة العرب بغداد ... فعجبا
- في التاسع من نيسان إبريل صرح قطب زادة أن حكومته قررت فعليا الإطاحة بالنظام العراقي
- في الثاني عشر من الشهر حدثت محاولة اغتيال السيد لطيف نصيف جاسم وزير الثقافة والإعلام العراقي وتم اعتقال المعتدي الذي اعترف بانتمائه لتنظيم (الدعوة) الإيراني الآنف ذكره...                                                                                   

- وفي التاسع عشر من الشهر الحافل بالتعدي والتهديد قال آية الله الخميني في تصريح له لصحيفة جمهوري إسلامي التابعة للنظام أنه من واجب العراقيين الإطاحة بالنظام العراقي...                                                                                            

- وفي الثالث والعشرين منه صادق قطب زادة وزير الخارجية الإيراني يصرح نحن جاهزون لمساندة الشعب العراقي.
- في نفس اليوم أعلن قائد أركان الجيش الإيراني أن جيشنا أصبح جاهزا وقادرا وهو ينتظر الأوامر للتحرك وتحرير العراق وهنا مفارقة مضحكة وهي أن هؤلاء الشيعة الإيرانيين سبقوا الأمريكان في إطلاق كلمة التحرير على الإحتلال ..؟
وبعد ذلك أبى الإيرانيون إلا أن يختموا شهرهم المتميز بإلقاء قنبلة أخرى ولكنها مختلفة فهي كبيرة جدا وتختلف عن كل القنابل السابقة وهي العبارة المقتضبة التي أطلقها وزير خارجية إيران صادق قطب زادة والتي كانت كافية لأن تخض العالم خضا وترجه
رجا قال وبالحرف الواحد وأمام جمع غفير من الصحفيين العرب والعجم الشرقيين والغربيين ( صدام حسين اغتيل في انقلاب عسكري ) .. فقط ولك أن تحكم..وبعد أن أعلن مرارا وتكرارا أنه متوجه من دمشق جوا إلى بيروت ثم يتوجه منها بطائرته الخاصة إلى إيران غير طريقة الرحلة بشكل مفاجئ وغريب فانطلق برا نحو بيروت وقبل أن يصل إليها طلب طيارته الخاصة وانطلق بها لتحط في الكويت وركز أيها القارئ هنا على الكويت فبعد هذا التصعيد الكبير والخطير يخرج هاربا من هذه العواصم العربية لاجئا إلى العاصمة العربية التي شهدت الهجوم المباغت والسريع عليها من صدام بعد إيران مباشرة ودون وقت للراحة هذا الوقت الذي تحتاجه الدولة الأعظم قوة في العالم وهي
أمريكا بعد أن تخرج من حرب وتبدأ في أخرى فكيف بالعراق وهذا يؤكد الضرورة الملحة التي لا نعلمها لغزو الكويت بحيث لم يأخذ صدام وقت الراحة هذا ليستجمع قواه العسكرية فضلا عن النفسية والمعنوية وهذان الدليلان وهما لجوء هذا الوزير الإيراني إلى الكويت في أشد مراحل التصعيد وهجوم صدام السريع جدا على الكويت بعد إيران مباشرة يدلان على نية مبيتة من جانب النظام الكويتي ناحية النظام العراقي إن لم يكن تواطئا سافرا من جانبه...وربما يكون من الواجب التنبيه أن هذه التصريحات والتهديدات وكل ما جاء على وزن تفعيلات من تعديات ليست إلى غيضا من فيض فهذا النظام لم يفتأ يذكر أن منطقة الخليج تتبع أيران وأنه سيطالب بالسيادة على بغداد في الأمم المتحدة فضلا عن ادعائه أن البحرين جزء لا يتجزأ من إيران وأيضا الجزر الثلاث طنب الكبرى و طنب الصغرى وأبو موسى ولا ننسى عربستان التي تقع تحت الحكم الفارسي منذ سنين والتي تقع في الجزء الجنوبي الشرقي من العراق والتي تسكنه القبائل العربية وتمثل كافة سكان الإقليم الذين يتعرضون للتهميش وسلب الحقوق والتمييز ضدهم لأنهم عرب أولا ولأنهم في أغلبيتهم من السنة ولو كان هذا السبب الوحيد للحرب مع إيران لكان وجيها كفايه...ولا ننسى التذكير بخطاب صدام حسين الذي يدل على عدم الرغبة في إشعال حرب مع إيران والذي كان أساسا لتعامل صدام مع إيران ( لقد وقفنا ومنذ البداية موقفا إيجابيا متوازنا من الأحداث في إيران..وأكدنا ذلك فيء مواقف معلنه و صريحة..ومن خلال الإتصالات المباشرة مع المسؤولين الإيرانيين أكدنا رغبتنا في إقامة علاقات تعاون وحسن جوار إنطلاقا من أواصر التاريخ المشترك بين الشعوب الإسلامية) وهنا كلمة الإسلامية تدل على أن صدام لا ينكر الإسلام كما رماه بعض الناس بهذا رغبة في تشويه صورته التي لا ننكر أنها مشوهة أصلا كباقي صور الحكام العرب الأجلاء...                                                                                 
 

إلى صفحة المقالات