تطوير الإسلام على الطريقة الأمريكية

بقلم : د.إبراهيم عوض

قال تعالى :و َدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

 

      كثر الكلام فى الآونة الأخيرة عن تخطيط أمريكا وعزمها على التدخل فى حياتنا الدينية بل عن بدء هذا التدخل فعلا بُغْيَةَ تغيير "الخطاب الإسلامى" بما يتمشى مع أوضاع العصر وقيمه كما تفهم أمريكا ( والغرب بوحه عام ) هذه القيم، وفزع المسلمون كالعادة من مثل هذا التدخل واعترضوا عليه، وإن وقف اعتراضهم كالعادة أيضا عند حدود الكلام ، الذى لا يستطيعون فى العادة أن يفعلوا شيئا غيره! ومنذ فترة نبهنى أحد الأصدقاء من الصحفيين إلى كتاب صادر عن "المكتب المصرى الحديث " بالقاهرة من ترجمة د. محمد يحيى الأستاذ بجامعة القاهرة بعنوان " خطة أمريكية لتحديث الدين الإسلامى"  قائلا إنه كتاب مهم جدا ، إذ يعطينا فكرة واضحة عما تريده أمريكا من وراء رغبتها فى التدخل لتغيير مفاهيمنا الدينية . والكتاب عبارة عن دراسة وضعتها إحدى المؤسسات الأمريكية تدعو فيها إدارةَ بلادها كما يقول المترجم فى مقدمته لها  "ألا تقف مكتوفة الأيدى أمام التفاعلات الاجتماعية التى تعصف داخل الوطن العربى بل تسعى للتمييز بن الطوائف المختلفة وإزكاء التباعد بينها . ليس فقط الطوائف الدينية أو العرقية ، وإنما الاتجاهات السياسية التى لم تعد تتمايز بعدُ فى أُطُرٍ حزبية داخل المنظومة السياسية المتخلفة فى الوطن العربى ". و" تقوم الدراسة بتحديد اتجاهات أصولية ، وأخرى دينية تقليدية ، وأخرى دينية إصلاحية ، وأخرى حداثية ، وأخرى علمانية ، وتضع حدودا واضحة تبين مواقف الطوائف المختلفة من القضايا المحورية كالديمقراطية وحقوق الإنسان ودور المرأة فى العمل العام وتعدد الزوجات والحدود وحقوق الأقليات فى المجتمع المسلم ومكانة الحجاب وغير ذلك " . واستباقا لما ورد فى التقرير من رأى الجهة التى أصدرته فى الموضوعات التى يعالجها أحب أن أصارح القارئ من الآن بأنهم يريدون من المسلمين التخلى التام عما يقوله دينهم بشأن الحجاب وتعدد الزوجات وتطبيق الحدود ... إلخ . كما تقوم الخطة التى يدعو إليها واضعو  التقرير على ضرب الطوائف الدينية الإسلامية بعضها ببعض عن طريق تقريب هذه الطائفة أو تلك فى وقت معين للانتفاع بموقفها أو رأيها الذى ترى الإدارة الأمريكية أنه يتطابق أو يقترب مما تريده  فى القضية المطروحة ، حتى إذا ما تم التغيير المزمع إحداثه انقلبت أمريكا عليهم وركلتهم ركلتها المعروفة ، ثم استدارج لغيرهم تستعين بهم إلى أن تنال لبانتها منهم فتركلهم بدورهم بحذائها الذى لا يرحم ولا يعرف للوفاء ولا لتقدير الجميل معنى ... وهكذا دَوَالَيْك !

 

        وإن الإنسان ليتساءل : بأى معنى تتدخل أمريكا فى ديننا يحيث ترى من حقها أن تغيره وأن من واجبنا أن نصيخ لما تقول ونسمع له وننفذه دون أدنى اعتراض ؟ وهل يمكن قانونا أو عرفا أو خلقا أن تتدخل دولة فى دين شعب آخر دون أن يطلب منها هذا الشعب أو ممثلوه الشرعيون مثل ذلك التدخل ؟ والجواب : أن أمريكا إنما تتدخل هنا بحق قوة السلاح . نعم بحق قوة السلاح ، وهذه حقيقة لا يمكن أحدا أن ينكرها، فلو لم تكن أمريكا قوية بقنابلها ومدافعها وطائراتها وبوارجها ودباباتها وصواريخها ومدرعاتها وأجهزة اتصالاتها ومخابراتها وميزانياتها ومواردها الاقتصادية وعلومها واختراعاتها وصرامة نظامها وتخطيطها وصبرها الطويل وطموحها لسيادة العالم ومثابرتها على تحقيق ما تصبو إليه وتجهيز البدائل المختلفة مقدما وعدم الانتظار إلى الوقت الضائع على طريقتنا ، حتى إذا ما سُدَّ فى وحهها طريق استطاعت أن تجد فى الحال أو فى الوقت المناسب على أقل تقدير طريقا آخر... نعم ، لو لم تكن أمريكا قوية بهذه الطريقة وإلى هذه الدرجة  لما استطاعت ، بل لما فكرت مجرد تفكير ،  بل لما خطر لها أصلا أن تتدخل فى حياتنا وفى أخص خصائص  أمورنا على هذا النحو العارى الجلف الوقح  الذى لا يدور فى ذهنه أن يتجمل أى قدر من التجمل . وعلى هذا الأساس فلو أردنا أن نكفّ أمريكا عن مثل هذا التدخل فليس أمامنا إلا أن نكون أقوياء : أقوياء إلى الحد الذى يردعها عن هذا التصرف حيالنا والاستهتار بنا وبشؤوننا وبديننا والاحتقار الهائل لنا. وليس شرطا أن نكون فى نفس قوة أمريكا الآن ، فهذا ، كما لا أظنه يخفى على أحد ، من الاستحالة بمكان ، وإنما يمكن أن نردعها ونلزمها حدودها لو رأت أن مثل هذه التصرفات التى تمارسها معنا سوف تكلفها غاليا. وذلك عن طريق الاستغناء عنها قدر المستطاع ، وعن طريق الاستعصام بعزة النفس وعزة الدين ، وعن طريق الصلابة والقدرة على الصمود فى وجه مخططاتها، وعن طريق المقاومة المسلحة ، وعن طريق تلاحم الشعوب مع حكوماتها وغيرة الحكومات على مصالح شعوبها واحترامها لها، وعن طريق الشورى ، وعن طريق العلم والثقافة والعمل  الجاد والإنتاج والإبداع فى كل المجالات ، وعن طريق الإقلال من الكلام الفارغ الذى لا يُجْدِى أىّ جدوى والإكثار من العمل، وعن طريق التنبه للعملاء الذين ينتقيهم أعداؤنا من بيننا كى يبثوا التخذيل فى صفوفنا ويدعونا إلى الاستسلام لهم ويعملوا على نشر أفكارهم وقيمهم ويشككونا فى ديننا وتاريخنا ورموزنا، وكذلك عن طريق الوحدة بين الأمم العربية والإسلامية . وهذه النقطة الأخيرة فى منتهى الأهمية ، فالغرب إنما يرمبنا عن قوس واحدة مهما بدا الأمر لنا أحيانا غير ذلك ، إذ هو يتصرف نحونا بوصفنا أعداءه الألداء الذين لا يمكن له أن يمارس السيادة القاهرة على العالم إلا إذا محانا لو استطاع ، او على الأقل قهرنا ومسح بنا الأرض مسحا. وإيانا أن ننخدع بموقف بعض الدول الغربية حينما يبدو من هذا السياق أو ذاك أنها تعارض سياسات بعضها الآخر تجاهنا، فليس مَثَلُها فى هذا إلا كاللص الذى  يعادى لصا آخر حين يراه  يعتدى على ضحية من الضحايا، وهو لا يقصد أن يكفّه عن هذا العدوان بوصفه ظلما لا يجوز ، بل  يعاديه لأنه يرى أنه أجدر منه بسرقة هذه الضحية، وبقتلها كذلك إذا لزم الأمر كى يستمتع بما يسلبها إياه ! هذا هو وضع الغرب معنا ، وهذا هو السبيل الذى يجب أن ننتهجه إذا أردنا أن تكون لنا قيمة فى سوق العلاقات الدولية ولا نكون هَمَلا كالبهائم التى ليس لها صاحب يسأل أو يدافع عنها .

 

       إذن فالقوة هى السند الذى يركن إليه الأمريكان فى تدخلهم فى أخص شؤوننا. ومنذ قديم الزمان، والقوة فى عالم العلاقات البشرية هى التى تقرر ما يمكن وما لا يمكن . أما ما يقال من أن الحق يغلب القوة فهو كلام فارغ لا قيمة له فى دنيا البشر . إن الحق فى حد ذاته لا يمثل شيئا فى عالم الصراع ، اللهم إلا إذا ألهم أصحابه الصمود والكفاح ودفعهم إلى بذل الجهد من أجل الحفاظ عليه أو استرداده إذا كان قد اغتصبه منهم مغتصب . أما بدون ذلك فقيمته صفر ، وإلا فهل أغنى مثلا حقُّ الهنود الحمر عنهم شيئا أمام عوامل الفوة الكثيرة التى تفوَّق عليهم بها الأوربيون عندما غَزَوْهم فى عُقْر ديارهم من وراء بحر الظلمات ؟ وذلك رغم أن الهنود الحمر لم يتقبلوا مصيرهم دون أن يقاوموا ويقاتلوا بشراسة ، إلا أن ميزان القوة كان فى صالح الأوربيين ، ولم يستطع أصحاب الحق أن يعدلوه لصفهم ، فما بالنا لو أن أصحاب الحق قد استسلموا منذ أول الأمر للباغين دون أن يثبتوا أنهم رجال ذوو كرامة وكبرياء كما وقع من كثير من المسلمين فى هذا الزمن العجيب ؟ ومع ذلك فالحق فى هذه الحالة ليس إلا عاملا واحدا من عوامل القوة ، ومن ثم فإذا رفدته عوامل أخرى كان بمكنة أصحابه أن يحرزوا أهدافهم كلها أو بعضها حسب الظروف ، أما بغير ذلك فكلا وألف كلا ! ولهذا لم يقل المولى سبحانه وتعالى فى قرآنه المجيد : " كم من فئة ضعيفة غلبت فئة قوية " بل قال : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة " . ولعل هناك من ينبرى  قائلا : ألا تغلب البعوضة، على ضعفها ، الإنسان بل الأسد نفسه رغم  قوته وبطشه ؟ والجواب هو أن البعوضة أمام ضربة كف من الإنسان مثلا ضعيفة أشد الضعف ، إذ تستطيع ضربة الكف أن تقضى عليها فى غمضة عين ليس إلا ، لكنها تنقلب قوية غاية القوة إذا تمكّنت من صاحب الكفّ ونقلت إليه مكروبا أو فيروسا عن طريق لدغة من لدغاتها القاتلة ! وكيف لا تكون القوة هى الفيصل فى الغلبة والتفوق ، ومن صفات الله  " القوى المتين " ؟  ثم أليس لله سبحانه المثل الأعلى فى السماوات والأرض مما يوجب علينا أن نسعى نحن أيضا لامتلاك عناصر القوة حتى نكون على صورته عزَّتْ قدرَته كما أراد لنا أن نكون حين خَلَقَنا ؟ وعلى هذا فإذا أردنا فعلا ، لا مجرد شقشقة لسان ، أن نكون مالكين لمصائرنا وأن تكون القرارات التى تتعلق بمستقبلنا ومستقبل بلادنا من صنع أيدينا، فليس من سبيل أمامنا إلا القوة : نكتسبها إذا لم تكن متاحة لنا ، أو نحافظ عليها إذا كانت فى حوزتنا. ولا شك أن الناظر فى أحوال العرب والمسلمين فى هذه اللحظة التاعسة البائسة من تاريخهم لن يسره بحالٍ ما يراه  من هذه الأحوال : فالكسلُ والبلادة والكذبُ والنفاق وقلة الصبر وكراهيةُ العملِ والغشُّ والعجزُ عن الإتقانِ والشعورُ بالهوان والرضا بالمذلة والانسحاقُ أمام الغرب هو سيد الموقف ، كما أننا لا نحاول صادقين الخروج من هذه الدائرة الجهنمية أبدا، بل نبذل كل ما نستطيع وما لا نستطيع من حجج واهية من أجل الدفاع عن أنفسنا والاعتذار بالظروف غير المواتية وقلة الإمكانات ، وكأن الظروف تصنع نفسها بنفسها، أو كأن الإمكانات تهبط على البشر من الفضاء الخارجى  فى ظلام الليل ، ناسين أو بالأصح متناسين أن البشر إنما هم الذين يصنعون فى العادة إمكاناتهم إذا شاؤوا أو يفرّطون فى هذه الإمكانات حتى لو كانت  السماء قد وهبتهم إياها فى غفلة من الزمان كما هو الحال فى حالتنا الآن ، إذ أفاض الله على العرب من خيراته وألطاف كرمه ما لم يكونوا يحلمون به ولا فى المنام ، ومنه نعمة البترول التى لم نستطع أن نستغلها كما ينبغى أن يكون الاستغلال ، بل كانت فى غير قليل من الأحيان وبالا علينا وشرا مستطيرا !

 

      وسبيل القوة ، كما يراه  المتمسكون بدينهم المحبون لأوطانهم، هو العلم والعمل والإتقان والكرامة والحرية والعدل الاجتماعى والتعاون والمساواة وسيادة القانون والذوق الراقى والحساسية العقلية والنفسية وصلابة الأخلاق ، ومن قبل ذلك العبادة من صلاة وصيام وزكاة وحج انطلاقا من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، لا كأساس للجدال والشقاق كما هو مشاهد الآن بين كثير من المسلمين الذين أصبحوا كلهم بقدرة قادر مفتين متضلعين من الفقه وعلم الكلام ، بل كأساس للعمل والتجويد والخوف من الله ومن حسابه الشديد الذى لا يفلت شيئا دون أن يؤاخذ عليه ، اللهم إلا كان لنا فيه عذر من ضعف قاهر أو ظرف كاسر! ومن سبيل القوة أيضا اليقظة والتنبه لما يحيكه لنا أعداؤنا ومن يوالونهم من بين ظهرانَيْنا ممن يشاكلوننا لسانا وسَحْنة وموطنا ، لكنهم يخالفوننا قلبا ومنزعا وضميرا باعتزازهم بأعداء البلد والدين والأمة وركونهم إليهم وضلوعهم معهم ، وإذا فوتحوا فى شىء من ذلك كان جوابهم : إنما نحن مصلحون . وما هم فى الحقيقة بمصلحين ، بل هم المفسدون ، وأى مفسدين ! وقد ضَرِىِ المنافقون بيننا هذه الأيام النحسات ولم يعودوا يبالون كثيرا كما كانوا يصنعون من قبلُ أيامَ أن كان لا يزال هناك بقيةٌ من كرامة وعزة فى الأمة ، وشىءٌ من الخشية فى قلوب أولئك المنافقين ، فهم يرون أن الغلبة قد تمت لأعداء الملة والوطن وانتهى الأمر، وهم لا يستطيعون أن يؤمنوا بشىء أصيل من عند أنفسهم بل يميلون كل مَمِيلٍ مع ريح الأعداء الأقوياء . ويوم تكون لنا الغلبة من جديد فلسوف يدخلون أَوْجِرَتهم كالكلاب الضارعة الجبانة التى فقدت صاحبها والبيت التى كان يكنها فانخلعت قلوبها ولم يعد هناك ما تتحالى به أو أمامه ! هذا هو السبيل لامتلاك القوة ، أما تضييعُ الوقت والجهد فى التفاهات والشكليات ومحاولة تفصيص الشعرة ، واستعراضُ العضلات فى ميدان التقعر والتفيهق الذى  حذّرَنا منه وبغّضَنا فيه سيدنا رسول الله ، والتباهى بالتشدد فيما لا يقدم ولا يؤخر ، فهو عَرَضٌ من من أعراض التخلف ودليل على أن أصحابه مرضى يعانون من ضعف فى  دينهم وأخلاقهم ، وليس من شأنه أبدا أن يرفع أمة من حضيضها أو ينتشل فردا من الوهدة التى تردى فيها ، وإن حسب التافهون المتحذلقون أنهم يحسنون بعملهم هذا صنعا. وما مَثَلهم فى أمرهم ذاك إلا كمَثَل رجل  ضرب أعداؤه حول بيته حصارا يبغون قتله وتدمير داره ، على حين يضيع هو وقته وجهده فى تتبع نملة صغيرة رآها تسير بجوار أحد الجدران الداخلية للبيت والسعى الملحاح لتصنيع  مادة سامة للتخلص منها ، غافلا عما يدبره له الأعداء المحيطون به لاقتطاف رأسه والقضاء على كل ما يمت إليه من بنيان أو ذرية بصلة ! إن مثل هذا الاهتمام بالشكليات فى ذلك الوقت العصيب الذى تمر به أمة الإسلام الآن من شأنه أن يضيع الشكليات والأساسيات تضييعا ، فلا يبقى من الدين لا رسم ولا شكل  ولا روح  ولا مضمون !

 

       وتعترف أمريكا فى هذه الوثيقة بأنها تدعم العلمانيين والحداثيين وترى فيهم رجالها الذين تعلق عليهم آمالها فى تحقيق ما تصبو إليه من ضرب الإسلام فى مقتل حسبما يوسوس  إليها شيطانها ! والحداثيون ، حسبما تعرضهم الدراسة ، لا يؤمنون بمحمد ولا بقرآنه ، وإن كنت أرى أنه لا فرق فى كثير من الحالات بينهم وبين العلمانيين ، إذ إن توزيع الأدوار هو السبب فى تظاهر كثير من هؤلاء الأخيرين بأن كل ما يبغونه هو عدم تدخل الدين فى السياسة والاقتصاد والقوانين المدنية والجنائية وما إلى ذلك ، وأنهم حريصون على عبادات الإسلام وقيمه الأخلاقية واستمداد قوانين الأحوال الشخصية من نصوص الكتاب والسنة . وأمريكا  تعترف جهارا نهارا بأنها تغدق على الفريقين  الأموال الطائلة وتعمل كل ما فى جهدها لتلميعهم وتسليط الضوء عليهم وإعلاء شأنهم ونشر فكرهم وإصدار كتبهم ومنحهم الجوائز ودعوتهم إلى مؤتمراتها ومؤتمرات من يوالونها ويأتمرون بأمرها... إلخ  مما نبهنا ونبه غيرُنا مرارا إليه ، فكان هؤلاء العملاء ومن يجرى معهم فى نفس المضمار يجيبوننا قائلين : " يا عجبا لكم ولطريقتكم فى التفكير ! ما بالكم لا تريدون أن تتخلصوا من سلطان نظرية المؤامرة "، ثم يذهبون فيتفيهقون علينا ويعطوننا دروسا بليغة فى وجوب إحسان الظن والإقلاع عن الشك السخيف الذى من شأنه أن يُضِلّ صاحبه عن الرؤية الصحيحة ! ولا أدرى ماذا يمكن أن يقوله هؤلاء الأوغاد الآن، وقد انكشف المستور، وأصبحت المسألة " على عينك يا تاجر " ؟  أَوَقُلْتُ :" لا أدرى " ؟  الحق أننى أخطأت خطأ فاحشا حين قلت هذا ، إذ الواقع أننى أدرى تمام الدراية ما يقوله هؤلاء الخائنون ! ولا يرجع هذا لعبقرية فىَّ بقدر ما يرجع إلى أنهم قد خلعوا ، كما أشرت من قبل، برقع الحياء بظنهم أن الكون قد دانت أموره  للغرب المجرم وزعيمته أمريكا إلى الأبد، وأن عجلة الزمان لن تدور فى اتجاه غير الاتجاه الذى يسير فيه هذا الغرب على حسب ما يأفك به كتّابه الذين يعملون على تحطيم روحنا المعنوية مؤكدين فى صفاقة فكرية عجيبة أن التاريخ  قد توقف عند هذه اللحظة التاريخية التى يتسيد فيها الغرب الدنيا ، وأنه سوف يظل متوقفا عندها للأبد !  ألا تبارك الله القوى الجبار ، وتعسًا ونكسًا  لهؤلاء البكّاشين الصُّفَقاء  الذين سوف تدهسهم عجلات التاريخ يوما محتوما ، على أيدينا نحن إن كُُتِب لنا أن نفيق من غفوتنا وبلادتنا المخزية ، أو على أيدى من تختاره الأقدار لقيادة العالم من غيرنا إذا لم نبارح مكان تخلفنا وظللنا نعض على بلادتنا وخزينا بالنواجذ بكل ما فينا من قوة وعزم ! إن هؤلاء السفلة المارقين  يصفون القرآن بأنه فكر بدوى متخلف ، ويتهمون رجال الحديث العباقرة بأنهم وضّاعون كذابون ، ويزعمون أن الرسول هو من صنع خديجة وورقة . بل لقد قال عنه عتلٌّ زنيمٌ التقطته أصابع التبشير القذرة وجعلت منه كاتبا بعد أن شارف الستين وهو لم يؤلف فى حياته حرفا إن خديجة  قد " صَنْفَرَتْه وقَلْوَظَتْه " !  إى وربى هكذا بالنص على طريقة العربجية والحشاشين ! وبالمثل سمعتُ آخَرَ من نفس الطراز المنحط فى إحدى الفضائيات يعاير الشرفاء المؤمنين بدينهم بأنه وأمثاله طالما طالبوهم بالاعتراف بصحة ما تدعو إليه أمريكا وتنفيذه  دون نقاش فأبى هؤلاء الشرفاء إلا عنادا ، حتى وقعت الواقعة وجاءت أمريكا إلى قلب بلادنا تفرض علينا بالحديد والنار ما تريد دون أن نستطيع أن نقول  لها : " ثلث الثلاثة كم ؟ " . وكان ، وهو يقول هذا ،  يتقصّع ويتراقص فى شماتةٍ وتشفٍّ وقح . ومعروف أنه من كبار المدلسين !  ثم ها هى ذى الصليبية والصهيونية العالمية تلفق قرآنًا خَدِيجًا سرقته من آيات القرآن ونسجته على منواله وسمَّته " الفرقان الحق " على طريقة المومسات ، تشتم فيه سيد النبيين والمرسلين وتصفه بأنه شيطان كافر ضال مشرك منافق زانٍ قاتل ، ولا تبخل فى نفس الوقت على  صحابته وأتباعه الكرام  بمثل هذه الأوصاف الزنيمة التى تدل على مبلغ حقدهم على التوحيد السامى الطهور الذى جاء به نبينا الكريم  والسماحة  الإنسانية النبيلة التى يتسم بها دينه العظيم ، وعلى أنه صلى الله عليه وسلم لا يزال ، رغم وفاته منذ أربعة عشر قرنا من الزمان ، يؤرق الأوساخ تأريقا مزعجا ويقف ، بما يمثله دينه الشريف من مبادئ وقيم ، عقبةً فى طريق سيطرتهم الإجرامية على بلاد المسلمين وسرقتهم لمواردهم الاقتصادية، ومحوهم لهم من الوجود إن استطاعوا مثلما فعلوا مع الهنود الحمر، أو على أقل تقدير إخراجهم من  دينهم على أمل تنصير العالم كله ، جاهلين فى غمرة تعصبهم الغبى الأحمق أن الله ، جَلَّتْ حكمته ، قد خلق العالم على أساس من الاختلاف فى الدين وفى غير الدين كما ورد فى القرآن الكريم ، وأن الإيمان لا ينبغى أن يقوم على الإكراه بأى حال !

 

       فأما ما يقوله المستشرقون والمبشرون ومن يتبع خطاهم من بنى جلدتنا الضالين المارقين فى حق القرآن والنبى العظيم فقد رددت عليه فى عدد من الكتب  منها : " مصدر القرآن ــ دراسة لشبهات  المستشرقين والمبشرين حول الوحى المحمدى " و " المستشرقون والقرآن " و " دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية ــ أضاليل وأباطيل " و" القرآن والحديث ــ مقارنة أسلوبية " و" سورة النورين التى يزعم فريق من الشيعة أنها من القرآن الكريم ــ دراسة تحليلية " و" اليسار الإسلامى وتطاولاته المفضوحة على الله والرسول والصحابة " و" لكن محمدا لا بواكى له " وغير ذلك من المؤلفات ، إلى جانب الدراسات التى خصَّصْتُها لتفسير طائفة  من السور القرآنية على منهج  يقوم على المقارنة بين القرآن والكتاب المقدس فى الموضوعات المشتركة  وعلى الرجوع  لما قاله المستشرقون فى ترجماتهم للقرآن ، وكذلك ما كتبه علماء المسلمين من غير العرب فى تفسيرهم لكتاب الله . وأما تلك الحرب الشرسة التى يخوضها ضد الأحاديث النبوية الكريمة فى هذه الأيام  أعداءُ الإسلام عبر مقاولى الأنفار من الأذناب المنتسبين لهذا الدين الكريم  بالميلاد ممن لا يحسنون إلا النباح فى وجه من يغريهم به سادتهم والرقص على النغمة التى يعزفونها لهم شأن كلاب السِّرْك مع مدرببها ، فإنها لا تهدف، كما يحاولون أن يخدعوا الأغرار ، إلى تنقية عقيدة الإسلام وشرائعه من مصدر غير يقينى والاكتفاء بالقرآن وحده ، وإنما هى لون من توزيع الأدوار فى المسرحية المجنونة التى يريدون من ورائها محو القرآن والحديث جميعا محوا نهائيا على سياسة " الخطوة خطوة ". وهو جنون مطبق ، إذ إن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ هذا الدين وكتابه المجيد ، لكن الأوساخ لا يفهمون ولا يتعظون ولا يعرفون أنْ " ليس كل الطير يؤكل لحمه " ، وأنه إذا كانت بعض الكتب السماوية قد تعرضت للعبث بها ووقع فيها التحريف فإن القرآن لا يمكن أن يصيبه ما أصاب تلك الكتب بحال ! وعبثا يحاول هؤلاء الأنجاس الأرجاس المناكيد إشاعة الزعم بخلاف ذلك ، فتراهم يشيرون إلى " سورة النورين " التى تدعى طائفةٌ ضالةٌ من الشيعة أنها كانت فى القرآن الكريم ، لكن عثمان حذفها لما تتضمنه من النص على حق علىٍّ كرّم الله وجهه وحق ذريته فى خلافة الرسول إلى أبد الآباد ، وهو ما دفعنى منذ عدة أعوام إلى العكوف عليها لأرى ماذا فيها فوجدتُ، بعد الدراسة الأسلوبية الدقيقة ، أنها ليست من نسيج القرآن الكريم بأى وضع من الأوضاع  ولا حتى فى جملة واحدة منها . وهى دراسة لا تقوم على الخطابيات بل على المقارنة الصيورة المتأنية بين الأسلوبين فى الألفاظ والصيغ الصرفية والتعبيرية والتراكيب النحوية والسياقات المعنوية والصور البلاغية وما إلى هذا. وبتلك الدراسة نكون قد وضعنا حدا لهذه التقولات السخيفة البلهاء لو كان القوم عقلاء يتوخَّوْن الحق .

 

       وعَوْدًا إلى ما كنا بسبيله نقول إن أعداء الإسلام يحاولون بكل ما لديهم من جهد أن يبثوا فى رُوع المسلم أن الأحاديث النبوية المشرفة كثيرا ما تتناقض فيما بينها بحيث تعطى الرأى وعكسه فى الوقت ذاته ، وهو ما من شأنه أن يشيع الاضطراب فى ميدان التشريع والفتوى . والحق أنه ما من شىء فى الدنيا إلا وله سياقه الذى يعطيه دلالته ، أو على أقل تقدير يحدد هذه الدلالة تحديدا دقيقا يمنعها أن تلتبس بدلالة له أخرى فى سياق آخر : فعلى سبيل المثال كثيرا ما نقول لأبنائنا الصغار : " لا تحاولوا عبور الشارع  وحدكم " ، على حين لا نقول ذلك للكبار منهم ، فهل يعد هذا تناقضا فى النصح  والتوجيه ؟ كلا ، لأن الكبير من الأبناء يستطيع أن يعبر الشارع دون أن يحتاج لمعونة أحد . وبالمثل فعندما كنا نعيش فى بريطانيا فى السبعينات وبداية الثمانينات من القرن المنصرم لم نكن نخاف هذا الخوف على ابنينا الصغيرين أثناء عودتهما من المدرسة ، إذ إن رجل " اللُّولِى بُوبْ " يقوم بتأمين عبور الصغار للشارع  فى آول اليوم الدراسى وآخره ، وذلك بإيقاف السيارات فى الاتجاهين فتستجيب له فى التوّ واللحظة  كأنه قرآن منزل ، بخلاف الحال فى مصر حيث الأمور تمشى على كف عفريت ،  ولا بد  أن يضع الإنسان عينه فى وسط  رأسه ، وإلا فقد حياته رخيصة دون أن يأسى على هذا الفقدان أحد !  كذلك ففى معظم دول العالم لا يجد الإنسان نفسه فى حاجة للنظر فى الاتجاهين عند عبوره الشارع ، لأنه ما من أحد من السائقين يجرؤ على السير فى الاتجاه المخالف ، بعكس الأمر فى بلادنا الحبيبة التى لا يحترم فيها سائقو السيارات  أى شىء من تعليمات قيادة المركبات إلا تحت سيف الخوف من ضباط المرور. وعلى هذا الأساس فعلى من يريد التعامل مع أحاديث رسول الله أن يضع نصب عينيه الاسترشاد بالسياق الذى وردت فيه واتجاه الإسلام العام ومنطق العقل السليم والتطلعات النبيلة التى لم تَكُفّ البشرية عن الكدح  إليها يوما على مدى تاريخها الطويل من عدل ورحمة وتخفيف لأعباء الحياة عن كواهل العباد وتحقيق مستوى لائق من المعيشة لكل فرد وكل أسرة ، وكذلك ألا يتعارض الحديث مع شىء فى القرآن الكريم ، مع الأخذ قبل ذلك كله فى الاعتبار أن جامعى الأحاديث النبوية الشريفة ، على عبقريتهم وجِدّهم وإخلاصهم وتوخِّيهم أقصى درجات الحيطة والدقة فى الجمع والغربلة على أساس من منهجهم العلمى المحكم ، هم فى نهاية المطاف بشر من البشر يصيبون ويخطئون ويسهون وينتبهون ، ومن ثم فمن الممكن أن يكونوا قد أخطأوا هنا أو سَهَوْا هناك ، وهو ما لا يقدح فى إخلاص نيتهم ولا فى عظمة إنجازهم على السواء. ومن قديم كانت نصيحة رسولنا الكريم لنا أنْ " سَدِّدوا وقارِبوا "، كما أنه عليه الصلاة والسلام قد نبهنا إلى أن المجتهد مأجور حتى لو أخطأ ، وإن كان أجره فى حال الإصابة ضِعْف أجره فى حال الخطإ كما جاء فى كلامه الشريف صلى الله عليه وسلم .على أن هناك نقطة تتصل بالسنّة النبوية، ألا وهى أن الأحاديث التى تتعلق بالعلوم والطب وما أشبه ينبغى أن نخضعها للتجربة العلمية للتحقق من صحتها ، ومنها الأحاديث التى تصف أدوية معينة لبعض الأمراض كمرض الكبد الوبائى الذى شاع فى الآونة الأخيرة علاجه بأبوال الإبل وألبانها ركونا إلى حديث عن النبى عليه السلام يشير باستعمالها فى التداوى من وجع البطن .

 

       ومن المسائل التى تشغل الأمريكان أيضا بل تؤرقهم ، كما يتضح من الدراسة التى نحن بإزائها، مسألة "الخلافة " ، التى يعملون على وأد التطلع إليها وإلى إعادتها على خريطة العمل السياسى الإسلامى كرة أخرى . وعجيب أن يجهد الأمريكان جهدهم فى إبطال فكرة الخلافة فى الوقت الذى  تتكون دولتهم من أجناس وطوائف وأديان وقوميات وألوان شتى ، وتتسع رقعتها حتى لتستغرق أكثر من نصف مساحة قارة أمريكا الشمالية. كذلك هناك حلف شمال الأطلنطى بدوله الكثيرة ، كما أنهم يدعون إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد بكل دوله وشعوبه خدمة لمصالحهم ومصالح إسرائيل ، فكيف يمكن أن نقتنع بحجتهم الداحضة التى يستندون إليها فى الوقوف ضد هذا التطلع المشروع للمسلمين ؟ وبالمناسبة فليس تحقيق حلم العودة إلى نظام  " الخلافة " أو أى نظام سياسى مشابه من شأنه أن يوحد المسلمين ويجعل لهم سلطانا وقوة وعزة بالمستحيل ولا حتى بالصعب إن صدقت النيات وصحّت العزائم . والملاحظ أن لدى من تسوقه الأقدار إلى دست الحكم فى بلاد العرب والمسلمين تمسكا غريبا بالكرسى حتى ليثقل عليه أن يتنازل طوعا عنه لحاكم مسلم مثله أو يخضع له مجرد خضوع  . ولهذا فإنى أقترح على المسؤولين فى بلاد الإسلام أن يعملوا على التوصل إلى صيغة للحكم تحقق الوحدة أو الاتحاد بين الدول الإسلامية ، وفى ذات الوقت تضمن لكل حاكم أن يبقى فى كرسيه ، كأن يقتصر الارتباط بين تلك الدول على الأمور العامة مع بقاء الأمور الخاصة والتفصيلية من الشؤون الداخلية لكل منها على حدة ، وابتكار طريقة لتداول الرئاسة العامة لدولة الوحدة  بين الحكام جميعا فى الوقت نفسه : كلٌّ لمدة سنة مثلا أو ما إلى ذلك . وبهذا نخرج من تلك الدائرة الشيطانية التى تطبق على أنفاسنا وأحلامنا فى الوحدة والقوة والرخاء !

 

        ومن تلك المسائل أيضا العمليات الاستشهادية . وواضح أنها تلقى فى قلوب الأمريكان الفزع  ولا تتركهم يهنأون بحياتهم ، إذ هم قوم يحبون الحياة حبا يملك عليهم كل اهتمامهم وتفكيرهم ولا يعرفون هذا اللون من التضحية الشريفة ، كما أنهم بوجه عام لا يحسبون حسابا يُذْكَر لليوم الآخر حيث يتطلع الإنسان إلى نيل الخلود والتقلب فى بحبوحة النعيم والرضا الإلهى السامى . وهم ، كما نعرف ، يسمون ذلك الضرب من العمليات بـ  " العمليات الانتحارية " . ولشديد الأسف فقد درج الصحافيون والإعلاميون العرب فى بداية الأمر على استخدام هذا المصطلح الضال المضلل مما استفزنى منذ أول وهلة حين سمعته عقب قيام الشهيدة سناء محيدلى فى لبنان فى ثمانينات القرن الماضى بتفجير نفسها فى جنود البحرية الأمريكية هناك وقضائها من ثم على أكثر من مائتين منهم فى ضربة واحدة . وكنت أقول دائما إن الانتحار هو من الأمور المحرمة فى الإسلام والتى يبوء مجترحها بإثم عظيم ، فكيف نسمى به تلك العمليات البطولية التى يضحِّى فيها منفذها بحياته، وهى أغلى ما يملكه ، فداءً لدينه وأهله ووطنه ، ودفاعًا عن كرامة أمته بل عن وجودها ذاته ، وتقربًا إلى الله وابتغاءً لمرضاته ؟  إنها ينبغى أن تسمى بالأحرى : " عمليات استشهادبة " .  ثم لاحظتُ بعد فترة ليست بالقصيرة أن هناك تسميات أخرى أخذت تزاحم التسمية المضللة فى ميادين الإعلام منها " العمليات الجهادية " و" العمليات الفدائية " ، لينتهى الأمر إلى الاستقرار على مصطلح " العمليات الاستشهادية " كما ناديتُ منذ الوهلة الأولى ، وإن ارتدّ بعض الكتاب والمذيعين بآخرة إلى المصطلح الأول المريب خشيةً من أمريكا ومن غضب أمريكا، ويا له من غضب ! ومن الواضح الذى لا يستطيع أى إنسان أن يُشَاحّ فيه أننا قد بصمنا بالعشرة على عدم التفكير فى حرب أمريكا أو إسرائيل رغم استمرارنا فى شراء الأسلحة من أمريكا ذاتها ، ويا للعجب ! ومعنى هذا أنه لم يعد لدينا سوى تلك الوسيلة للدفاع عن أنفسنا وكياننا ووجودنا وكرامتنا وحاضرنا ومستقبلنا ، فكيف تسوِّل لبعضنا نفسُه التهجّمَ عليها وعلى أبطالها الذين بلغوا من خلالها مستوى من البطولة لم تعرفه البشرية على هذا النحو من قبل ؟

 

       ومما تنم عنه كذلك الدراسةُ التى بين أيدينا أن الأمريكان ، والغربيين بوجه عام ، يعانون من حساسيةٍ مَرَضِيّةٍ تجاه الإسلام وكل ما يتعلق بالإسلام مهما بدا لنا الأمر تافها . لنأخذ مثلا موضوع الحجاب ، والمقصود به فى العرف الحديث تغطية المرأة المسلمة لمفاتنها بحيث لا تنتهبها العيون المتلصصة . إنهم لا يطيقون أن تغطى نساء المسلمين أنفسهن رغم ما يتشدقون به صباح مساء حتى فلقوا دماغنا من كلام معسول عن حرية الفرد فى ممارسة عقيدته وتقاليده والتعبير عن رأيه واختيار طراز ملابسه ... إلى آخر قائمة ما يطلقون عليه : "حقوق الإنسان" . والغريب أنهم يعلنون بصريح التعبير ،  ودون أية غمغمة أو مواربة ، إنه لا وجه للمقارنة بين "الحجاب" والسارى الهندى أو عمامة السيخ أو صليب النصارى أو طاقية اليهود مثلا ، إذ إن للحجاب دلالاته السياسية والدينية التى لا يمكن أن يقبلوها حسبما يقولون ! وإذا كان الشىء بالشىء يُذْكَر فإنهم قد ارتكبوا هنا غلطة بلقاء حينما زعموا أن القرآن الكريم قد أمر أمهات المؤمنين بتغطية سائر أجسامهن بالحجاب . يشيرون بذلك إلى ما جاء فى الآية الثالثة والخمسين من سورة " الأحزاب " حيث يأمر سبحانه وتعالى  المؤمنين ، إذا أرادوا سؤالهن متاعا ، أن يكون كلامهم إليهن من وراء حجاب . والمقصود الستائر التى نسدلها فى بيوتنا لنفصل بها بين أهل البيت وبين الضيوف الغرباء  ، لكن واضعى الدراسة قد أخطأوا فهم الآية كما هو بيّن ! وإننا لنسأل هؤلاء الذين يذوبون حبا وهياما وغراما وانتقاما فى دباديب ما يسمى بـ " حقوق الإنسان ": أين ما تصدّعون به أدمغة الناس عن الآخر وعن حقوق الآخر وعن خصوصيات الأديان والحضارات ؟ أم إن كل ذلك يتبخر فى الهواء من فوره  إذا أتى ذكر الإسلام والمسلمين ؟ محصَّلة الكلام أنهم يريدون أن يفرضوا علينا رؤيتهم وذوقهم وتقاليدهم ودينهم بالقوة الغشوم ! إنهم يرحّبون بالعرى والزنى واللواط والسحاق والخمور، ولا يريدون فى ذات الوقت أن يكون لنا ذوقنا واختيارنا الذى يختلف عن ذوقهم واختيارهم ! أى أنهم فى الوقت الذى يزعمون فيه عدم وجود أية مرجعية لأى شىء فى دنيا البشر يعملون بكل قواهم على أن  يفرضوا علينا أن نجعل منهم  مرجعيتنا الوحيدة . فانظر أيها القارئ الكريم وتعجَّب !

 

       وعند الأمريكان أمل عظيم أن ينجحوا فى تطوير الإسلام حسبما يشتهون دون أن يثيروا ريبة المسلمين أو يستفزوهم بحيث يمضى الأمر فى هدوء . وهم يشيرون فى هذا الصدد إلى مثال من التاريخ  القريب حيث أُلْغِىَ الرق فى الإسلام دون أن يلفت ذلك نظر أحد من أتباعه مع أنه يمثل ركيزة أساسية من ركائزه . والإشارة هنا إلى اختفاء هذا النظام من المجتمعات الإسلامية فى القرنين الماضيين  . ولكن أولئك الضالين المضلين  قد أخطأوا هنا أيضا خطأ فادحا ، لأن الرق لا يمثل نظاما أساسيا فى دين محمد على الإطلاق ، بل كل ما هنالك أن الإسلام جاء فألفاه يمارَس فى جميع أنحاء العالم وفى كل الديانات ، فعمل بكل سبيل على تجفيف منابعه ، إذ جعل مصير أسرى الحرب ، وهم أهم منبع من منابع الرق ، منحصرا فى الفداء : إما بمقابل وإما بغير مقابل . ثم زاد فاهتبل كل سانحة لتحرير ما يمكن أن يوجد فى المجتمع الإسلامى من رقيق : فالحالف إذا حنث فى يمينه كان من بين ما يكفر به عن حنثه عتق رقبة . والمُظاهِر من زوجته إذا أراد الرجوع عن ظِهاره كان من بين ما يكفر به عن هذا الرجوع عتق رقبة . وأحد مصارف الزكاة الثمانية مصرف عتق الرقبة . وبالمثل فمن بين ما يكفر به مرتكب القتل الخطإ عن ذنبه عنق رقبة ... وهكذا .  وهو ما يعنى أن دين المصطفى عليه الصلاة والسلام لا يرحب بالرق ولا يعمل على استدامته ، بل ينتهز جميع الفرص الممكنة للقضاء عليه حتى إنى لأستغرب غاية الاستغراب من بقاء هذا النظام فى المجتمعات الإسلامية إلى هذا الوقت المتأخر .  ومع ذلك كله فإن الإنسان لتأخذه الدهشة حين يريد أن يقارن بين وضع الرقيق عند المسلمين ووضعه فى المجتمعات الغربية التى طالما مارسته  وتعيرنا مع هذا به ، إذ يجد أنه لا وجه للمقارنة ، فقد كان الرقيق فى المجتمعات الإسلامية ، رغم كل ما يمكن أن يقال فى هذا الصدد ، بعامَلون معاملة أرقى بمراحل وأكثر إنسانية ورحمة  مما كانوا يعامَلون به فى أمريكا والمستعمرات الأوربية .

 

       هذا أهم ما أثارته تلك الدراسة فى ذهنى ، بَيْدَ أن هناك نقطة لم يتطرق إليها التقرير بما تستحقه على رغم أهميتها الفائقة ومحوريتها الخطيرة ، ألا وهى الإجابة عن السؤال التالى : لماذا يكره المسلمون يا ترى الولايات المتحدة الأمريكية ؟ إن كتّاب التقرير ينطلقون مما يعدونه مسلَّمة لا تقبل النقاش أو المراجعة ، وهى أنن انحن المسلمين نحقد على الأمريكان بالفطرة ونكره ديمقراطيتهم هكذا من الباب للطاق ! وهذا فى الواقع مظهر آخر من المظاهر المتعددة التى تنم على وجود مؤامرة خسيسة هنا ، فمن الواضح أن الولايات المتحدة لا تريد أن تقر بخطئها ولا تفكر فى مراجعة مواقفها حيالنا ولا تأخذ مشاعرنا ولا مصالحنا ولا كرامتنا فى الاعتبار . لقد كانت وراء خلق إسرائيل من العدم على أرض فلسطين العربية المسلمة بكل ما يحمله هذا العمل الإجرامى من مآسٍ وآلام للعرب والمسلمين بوجه عام ، وللفلسطينيين على وجه الخصوص . كما أنها قد دأبت طوال عمرها على مساندة الأنظمة القمعية المستبدة فى العالم العربى والإسلامى رغم تشدقها ليل نهار بالديمقراطية والحرية . كذلك فأمريكا لا تكف عن استهداف الإسلام  والعمل على محوه وتنصير المسلمين . وفضلا عن هذا فإنها قد  احتلت فى الفترة الأخيرة بلدين إسلاميين عزيزين هما أفغنانستان والعراق ودمرتهما تدميرا، وتهدد "فوق البيعة" دولا مسلمة أخرى بنفس المصير . وهى أيضا تمد دولة العدو الصهيونى الملفَّقة بكل أنواع السلاح والعتاد لسحق الفلسطينيين وتهديم بيوتهم ومزارعهم ، وتَنْصُرها دائما فى المحافل الدولية وتقف فى وجه كل إدانة لها فى الأمم المتحدة ، وتعاونها فى حروبها ضدنا . ليس هذا فحسب ، بل هى تشتم رسولنا وتحقر من شأن قرآننا . كما أقدمت فى الفترة الأخيرة على تزييف قرآن جديد تريد أن تُحِلّه محل كتاب الله المجيد وأطلقت عليه " الفرقان الحق " ،  وما هو فى الحقيقة إلا البهتان الباطل والضلال المبين !  فهذه  وأمثالها هى الأسباب الحقيقية للغضب الذى يشعر به المسلمون تجاه أمريكا . أم تراها تريد منا ألا يكون عندنا أى مقدار من الإحساس أو الكرامة فنصفق لها على ما تفعله بنا ونرجوها أن تزيد من إذلالها لنا وسرقتها لمواردنا واحتلالها لأراضينا كما يدعونا عملاؤها الممالئون لها من أبناء جلدتنا ؟

 

إلى صفحة المقالات