"الشرق الأوسط الكبير" دمج لإسرائيل في العالم الاسلامى ..وتغيير للتوازنات لصالحها ..وإعادة ترتيب للصراعات على حساب قضايا الأمة !

طلعت رميح

قال تعالى : وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى

وفق ما ورد فى النص الذى تم تسريبه من الخطة الامريكية المسماة بـ"الشرق الأوسط الكبير "-على ما يبدو استهدف هذا التسريب المبكر اختبار ردود افعال الاطراف المختلفة-فانها اعدت للعرض على اجتماع الدول الثمانى الصناعية المقرر انعقاده  في سي آيلاند,  بالولايات المتحدة فى يونيو القادم ..بما يقدم مؤشرا جديدا على تراجع الولايات المتحدة المضطرد عن العمل منفردة ضد العالم او عن اتجاهها للعمل من خارج كل اطر تقسيم المصالح مع الدول الاستعمارية الاخرى سواء من خلال الامم المتحدة او من خلال الحلف الاطلنطى او من خلال مراعاة مراكز النفوذ للدول الاخرى–اللهم الا بريطانيا والكيان الصهيونى –وهو الاتجاه الذى بلغ ذروته فى العدوان على العراق من خارج التحالف مع الدول الاستعمارية الاخرى والاستيلاء على ثرواته منفردة او بعيدة عنها او فى مواجهتها .واذا كان هذا التراجع قد بدا يظهر مؤخرا من دلالات عودة الولايات المتحدة الى اعطاء دور مجددا للامم المتحدة –بدا خجولا ويتصاعد فى الفترة الحالية -فى التعامل مع واقع الاحتلال فى العراق للخروج من مازق الولايات المتحدة المتعاظم هناك–تحت ضربات المقاومة – واتضح اكثر مع اللهفة الامريكية المتزايدة لجلب قوات من مختلف دول العالم ..فان هذا التراجع يتعزز وضوحه من داخل نص الخطة الجديدة الذى شدد على توحيد جهود الاتحاد الاوروبى وحلف الاطلنطى ومجمل دول الثمانية الصناعية فى هذا المشروع او الخطة الى درجة جعلت بعض المحللين يطلقون عليها وصف اتفاقية هلسنكى الجديدة اشارة الى الاتفاقية القديمة لمواجهة الديكتاتورية فى البلدان الشيوعية ..وكذا شدد فى اشارته على توحيد او دمج الخطط الاوروبية والامريكية السابقة بشان التغييرات فى الشرق الاوسط .. غير ان الاهم ان هذا التخطيط الاستراتيجى الامريكى يكشف من الزاوية الاخرى ان تلك المنطقة المرشح لتشكيل الشرق الاوسط الكبير من دولها ،باتت على محك اعادة تقسيم مناطق النفوذ الاستعمارى داخلها على غرار اتفاقيات التقسيم الدولى التى شهدها العالم ،سواء اتفاقية سايكس بيكو فى العقد الثانى من القرن الماضى ،كنتيجة لتوازنات القوى عقب انتهاء الحرب العدوانية الاولى او اتفاقية يالطا التى تم توقيعها فى العقد الرابع من نفس القرن كنتيجة للتغييرات فى موازين القوى الدولية عقب انتهاء الحرب العدوانية الثانية...وهو ما يجعل الخطة الجديدة –حال اقرارها- تمثل تحديا اعلى من كل تحد سبق ان واجهته الامة.

ووفق هذا النص ..فان الشرق الاوسط الكبير سيضم البلدان العربية بالاضافة الى 5 دول اخرى هى باكستان وايران وتركيا وافغانستان والكيان الصهيونى ..واذا كان  تحديد الدول العربية ياتى فى اطار انها المستهدفة وان المطلوب هو انهاء منظومتها وتذويبها فى محيط اوسع ، فان كل بلد من البلدان الخمسة ياتى لاهداف خاصة ووفق تصور لدور محدد و يحوى دلالات خاصة . الكيان الصهيونى يعنى ادراجه ضمن الشرق الاوسط الكبير ،ان هذا  التشكيل هو الاول الذى يضمن دمج الكيان الصهيونى فى اطار منظمة تضم معظم دول العالم الاسلامى –فكرة الشرق اوسطية التى طرحها بيريز كانت تركز على العالم العربى والكيان الصهيونى بالدرجة الاولى او فى المرحلة الاولى –وكذلك هو يكشف عن الابعاد الاستراتيجية للكثير من التحالفات والاجراءات والترتيبات السابقة على المرحلة الحالية وربما التى ياتى هذا التطور لدفعها الامام خطوة كبرى ..سواء كان ذلك فى مجال العلاقات التركية الصهيونية –او التحالف التركى الاسرائيلى –او فى مجال العلاقات الباكستانية الاسرائيلية التى يجرى اختراق اسسها السابقة وتطويرها من المقاطعة الى بدء اللقاء والتعاون .وبالنسبة لايران فان ذكرها فى الخطة هو يلق الضوء مجددا على الرؤية الامريكية للدور الاستراتيجى لايران تجاه الدول الاسلامية الاخرى وبشكل خاص تجاه العالم العربى حيث تستهدف الاستراتيجية الامريكية تقليل توجه ايران نحو الشمال ممثلا فى نفوذها فى الدول الاسلامية الخارجة من تحت عباءة الاتحاد السوفيتى ودفعها للاتجاه نحو المحيط العربى لاعادة تقسيم المنطقة العربية –وفق الرؤية الامريكية –الى دويلات سنية وشيعية .

وبالنسبة لادراج تركيا ضمن هذه المنظومة فهو من ناحية يكشف الرؤية الامريكية للدور التركى فى المنطقة –وهى العضو الوحيد بحلف الاطلنطى ضمن هذه الدول -كما هو يكشف عن ابعاد العلاقات التركية الصهيونية بنفس القدر الذى يكشف ابعاد التحركات التركية التى تجرى منذ فترة باتجاه العالم العربى سواء ما حدث من الضغط على سوريا او الاشتباك الاستراتيجى فى الحالة العراقية و السعى لدور موسع فى جمع اطراف دول محيط العراق ..الخ .اما افغانستان ،فان ادراجها ضمن هذا التصورانما يعنى مجددا تحويل الحالة الافغانية المحتلة الى دور محدد امريكيا فى العالم العربى وفى المنطقة ..كما يعنى السعى الى تحويل المشكلة الافغانية الى حالة اقليمية تتحمل نفقات اعمارها والمواجهات فيها الدول العربية والدول الاخرى.

وعلى صعيد اخر فان هذا التصور المطروح للمنطقة ،يكشف عن اسرار الاهتمام الصهيونى –منذ فترة طويلة -باختراق العديد من دول غير فاعلة فى المنظومة الحالية مثل قطر وموريتانيا واريتريا ..و يلقى اضواء جديدة على هذا التحول اللافت للنظر من دول المحيط للعالم العربى خاصة تركيا وايران نحو الجامعة العربية وطلب التعامل كعضو مراقب فيها خلال الفترة الاخيرة ...الخ.

الجديد فى الخطة 

في مبادرة  كولن باول لتنمية وتعزيز الديموقراطية  -كما ادعى - وكذلك فى مبادرة الشراكة الاقتصادية الأمريكية الشرق اوسطية التى طرحها بوش بعدها ..جرى طرح وترويج  لافكار الحريات وتغيير مناهج التعليم و ربط "الديمقراطية" بالمساعدة الاقتصادية التي وردت فى نص الخطة الامريكية لمشروع الشرق الاوسط الكبير..او التى تمحورت حولها الخطة ..ومن ثم فلا جديد فى هذا المنطق والاتجاه .غير ان الخطة الجديدة تمثل مع ذلك نقلة كيفية فى الهجوم على الامة وليست نقلة كمية فقط .فاذا كنا اشرنا الى استدعاء الولايات المتحدة الى الدول الاخرى للمساهمة فى الخطة او بالدقة السعى الى المشاركة فى تقسيم المصالح والنفوذ فى المنطقة فان الاخطر هو ان هذا التقسيم للنفوذ والعمل من اجل تحقيق اهداف هذه الخطة انما سيجرى وفق اتفاق مؤسسى ووفق معاهدة محددة تحدد الادوار لكل طرف فيها  وهو ما يجعل الخطة بمثابة حرب "دولية " منظمة ومرتبة او هى بمثابة " إعلان حرب " شاملة بنفس مفهوم ، ومضمون معاهدة هلسنكي لعام 1975 ، والتي على أساسها جرى صراع مفتوح بين الرأسمالية والشيوعية ،انتهى بسقوط وتفكك الاتحاد السوفيتى او بالدقة انهيار التجربة السوفيتية وحلف وارسو .. وهو ما يعني فى حالتنا الان او فى حالة اتفاقية هلسنكى الجديدة –خطة الشرق الاوسط الكبير - رفع درجة الصراع المفتوح بين الغرب والإسلام -مع جذب ممثلى حضارات اخرى -من درجة الخلاف بين الانظمة وبعضها البعض ومن درجة الخلافات  والصراعات على المصالح ..او من فكرة الطلب من الانظمة تغيير المناهج والافكار او ادخال العملاء الحضاريين للغرب ضمن النخب الحاكمة تحت شعارات الديموقراطية والحرية المخادعة الخ ، إلى درجة الصدام الحضاري الشامل .وتاتى شمولية هذا الصدام من ان الخطة الامريكية تفوم على محاولة خلق توافق واتفاق أمريكي أوروبي –ودولى -اتفاق اطرافه وقواه وعناصر تنفيذ قراراته هى الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبى وحلف الاطلنطى -  أيا كان مستوى التنسيق والاتفاق  ودرجته او درجاته -على خوض حرب شاملة ، يحدد فيها كل طرف دوره وخطته ومهامه وفق قواعد ملزمة وداخل اطر تنظيمية محددة  وهو ما يعني –اذا تم الاتفاق على المبادرة - نجاح الولايات المتحدة ، في خطتها التي سعت إلى تنفيذها بجر أوروبا إلى هذه المواجهة ، أو لنقل بتعبير اخر أن الولايات المتحدة التي رأت أوروبا تتحرك بعيداً عنها – في بعض الأحيان في مواجهتها -تحاول استعادة السيطرة عليها مرة أخرى ضمن رؤية لمواجهة العالم الاسلامى ..فاذا كانت اوربا قد تحركت بعيدا عن الخطة الامريكية منذ أن انتهي الخوف من الخطر السوفيتي ،فان الولايات المتحدة حال اقرار الخطة مع اوروبا تكون  قد نجحت من خلال استدعاء الخطر الإسلامي فى اعادة أوروبا تحت السيطرة ، او ضمن الخطة والاستراتيجية الامريكية مرة اخرى . وهو ما يقلل من الفرصة التي اتيحت خلال المرحلة الماضية ،من بروز خلاف مؤثر داخل الحالة الغربية ، كان بالإمكان التعويل على بعض من فوائده عربيا وإسلاميا ، وهو ما يعني ليس فقط ، أن الفجوة تضيق بين الولايات المتحدة واوروبا وانما الأخطر هو أن الهوة ستتوسع بيننا وبين أوروبا وهى الجار لنا..ولعل فى الاشارة الواردة فى الخطة بشان مشاركة حلف الاطلنطى تاكيد لهذا المعنى بدلالاته...خاصة وان ثمة دراسات يفصح عنها حاليا بعد ان جرى الحوار حولها -وربما الاستقرار والاتفاق عليها-حول تغيير فى عقيدة حلف الاطلنطى ليكون التركيز الاستراتيجى لجهود الناتو فى النصف الاول من القرن الواحد والعشرين على الشرق الاوسط الاكبر والعراق وافغانستان ومنطقة البحر المتوسط والقضية الاسرائيلية الفلسطينية –حسب وصف الدراسات الامريكية –وهو ما وضحت مؤشراته العملية من خلال تصاعد دور الاطلنطى فى افغانستان  وتؤكده ، والمؤشرات التى بدأت في الوضوح في العراق حيث تحاول الولايات المتحدة انتزاع موافقة من حلف الاطلنطى على المشاركة فى احتلاله –الموقف الرسمى الحالى للحلف سيتغير عقب ما يسمى بتسليم السلطة للعراقيين فى مجال ارسال قوات عسكرية- هذا بالاضافة الى ما تتبناه  بعض الدراسات والاصوات التي باتت تطالب علنا بانزال قوات لحلف الأطلسي في فلسطين المحتلة عام 1967 بديلا لقوات الاحتلال الإسرائيلي...وعلى خلفية هذا التغيير فى دور حلف الاطلنطى يجرى النقاش والترتيبات من اجل اعادة هيكلة الوجود الامريكى فى اوروبا وتخفيضه لتركيز الجهد العسكرى للحلف وقواعده على منطقة الشرق الاوسط الكبير.

ويبقى ان ما فى جعبة الولايات المتحدة هو التحول بهذه القوة الدولية الى فكرة ومنهج واستراتيجية الحرب العدوانية الاستباقية ..اذ من غير الممكن الحديث عن تغيير فى المنطقة واعادة تقسيمها او ادخال عامل ومنظمات القوات العسكرية فى تنفيذ الخطة دون ان ياتى ذلك من خلفية ومنهج من يطرحها الان اى الادارة الامريكية المتطرفة .

غير ان الخطة لا تطرح فقط رؤية وتحالف واليات لتنفيذها وانما هى تكشف عن جانب هام اخر الا وهو ان تنفيذ اتفاقيات التجارة الحرة وازالة القيود الجمركية وانهاء الاجراءات الحمائية للصناعة الوطنية ..اوتنفيذ اتفاقيات الجات من حرية تدفق الاستثمارات وحرية خروج الارباح وانتقال العمالة والملكية الفكرية ..الخ انما لن يتم فى هذه المنطقة وفق القواعد العامة التى ستطبق فى مختلف مناطق العالم ويحتفظ فيها ببعض اشكال السيادة الوطنية ..وانما سياتى من خلال دمج اقتصاديات المنطقة وبشكل خاص الاقتصاد الاسرائيلى داخل اقتصاديات المنطقة..واعادة تشكيل الهياكل السياسية والاقتصادية الداخلية والتوازنات فى المنطقة.

موقع الخطة على خارطة الصراع التاريخى

ليس من المصادفة ان يكون توقيت اطلاق هذه الخطة هو نفس موعد الانتهاء من ترتيب احتلال العراق او موعد الانتهاء من استقرار العراق تحت الاحتلال ..وكذا هو موعد اجراء الانتخابات فى افغانستان وانما هو جاء  ليكون ايضا هو نفس موعد اطلاق اتفاق تقسيم العالم الاسلامى..واذا كانت المفارقة فى هذه الخطة هى ان العالم العربى الذى لم يتوحد على راى وموقف ومصلحة سيجرى "توحيدة" ضمن اطار الشرق الاوسط الكبير ..وان العالم الاسلامى الذى طالما كان الامل فى ان يتوحد اقتطعت منه بعض الدول الكبرى ..لتدمج مع الدول العربية ..وفق مناطق نفوذ وتقسيمات جديدة...فان النظرة التاريخية لسوابق هذه الخطة تظهر انها تاتى تطويرا لاهداف بعيدة المدى وخطط سابقة جرى التعامل بها مع الامة الاسلامية وتشهد الان حالتها الاخطر حيث وصل الصراع الى العظم .منذ اواخر القرن التاسع عشر ومع بداية القرن العشرين كانت الرؤية الغربية الاستعمارية قد تبلورت فى اهداف محددة فى مواجهة الامة ..واذا كانت التطورات التى شهدها القرن التاسع عشر قد تمحورت حول اضعاف الدولة العثمانية كاخر رمز للدولة الاسلامية ، وهو ما طرح تحديا احدث انقسامات  و صراع فكرى داخل جسد الامة بين تيارين الاول يتبنى رؤية "الجامعة العربية" والثانى يتبنى رؤية  "الجامعة الاسلامية "،اذا كان ذلك هو الحال فى القرن الثالث عشر، فان تمكن الدول الاستعمارية من انهاء الدولة العثمانية ثم اعلان اتاتورك نهاية الخلافة رسميا وما تبعها من تطورات ونتائج الحرب العدوانية الثانية قد ترتب عليه -مع ضعف المستعمرين الرئيسين اى بريطانيا وفرنسا- وتصاعد حركات التحرر الوطنى ، ان لعبت بريطانيا ومن خلفها الولايات المتحدة لعبة التركيز على الاطار المؤسسى العربى لانهاء فكرة الجامعة الاسلاميةفى مرحلة ، ثم انهاء فكرة الجامعة العربية فى مرحلة ثانية  ..فقد كانت بريطانيا هى الدافع والمدعم لفكرة الجامعة العربية ..حيث صرح وزير الخارجية البريطانى فى عام 1941 ، قائلاً " لقد تخطى العالم العربي خطوات واسعة في طريق الرقي . وهو يطمح الآن إلى تحقيق نوع من الوحدة يجعل منه عالماً متماسكاً ، ويرجو أن تساعده بريطانيا العظمى على بلوغ هذا الهدف  . ويسرني أن أعلن باسم حكومة صاحبة الجلالة ، ترحيب بريطانيا بهذه الخطوة واستعدادها لمساعدة القائمين لها حالما تتأتي لها الأدلة على تأييد الرأي العام العربي لها " .

كما كرر الوزير البريطاني كلامه مرة أخري بعد أقل من عامين لكن بصورة أصرح " إن الحكومة البريطانية تنظر بعين العطف إلى كل حركة بين العرب ، لتعزيز الوحدة الاقتصادية والثقافية أو السياسية بينهم وأعتبر أن الخطوة الأولي ، لتحقيق أي مشروع ، لابد أن تأتي من جانب العرب أنفسهم ، والذي أعرفه أنه لم يوضع حتى الآن مشروع كهذا ، أما إذا وضع فإنه سينال استحساناً عاماً " . واذا كان كلام الوزير البريطانى لا يعنى  بالطبع أن بريطانيا خلقت فكرة العروبة من عدم ،فانها بطبيعة الحال وبنفس القدر ايضا لم تستهدف وحدة العالم العربى وانما هى استهدفت بناء هذا الفهم والاطار اولا لتوجية ضربة قاضية لفكرة الدولة الاسلامية او الجامعة الاسلامية وفى نفس الوقت بناء هذه التجربة –الجامعة العربية –على اسس ووفق توازنات وضغوط تمنع تحولها الى اطار حقيقى للارادة العربية...الى مرحلة اخرى.

واليوم وبعد ان تحولت الجامعة العربية الى اطار رمزى او بالدقة حينما انفرط الوضع العربى واصبح مجرد كيانات اما متخاصمة او مختلفة او ما يجمعها مع الخارج –عمليا اكبر مما يجعها مع نظيراتها العربية –تنتقل الحالة الان الى اغراق هذه الحالة المتفككة من الدول العربية فى طوفان المحيط وبالدقة مع دول لكل منها دور استراتيجى محدد .اى اننا امام مرحلة انهاء فكرة العروبة التى سبق ان تمت رعايتها –شكليا –فى خلال الحرب الثانية وما بعدها لندخل مرحلة التفكيك وانهاء حتى الهوية العربية ووسط زخم الحرب على الاسلام الذى هو الشكل الارقى للحرب على فكرة الجامعة الاسلامية وعلى مؤسسة الدولة الاسلامية الواحدة اذ هو حرب مباشرة على العقيدة ...لتكون النتيجة المتحققة عبر قرن من الزمان ..انه لا دولة اسلامية تاسست ولا جامعة او وحدة عربية انجزت ..وانه لم يعد هناك مكان للدول المتفرقة مع الاحتفاظ باى من صور الهوية العربية او الاسلامية بعد ان تنثر فى وسط محيط كبير يجرى تاسيسه على معاملات وملامح غربية ويحتاج تغيير اوضاعه وتوازناته الى عشرات السنين .

 

تغييرات استراتيجية كبرى

قامت اتفاقية هلسنكي القديمة (1975 )  كإطار للاتفاق والعمل ، على ما سمى بنشر الحريات فى الاتحاد السوفيتى واوروبا الشرقية وفق نمط من  صراع مرير ، عبر الحرب الباردة والأهم أنها كانت تسليما أوروبيا بقيادة الولايات المتحدة للعالم الغربي في هذا الصراع.

وتأتي المبادرة  -الخطة الامريكية -إلى عقد اتفاقية هلسنكي الجديدة ، بعد مرور 29 عاماً على القديمة تأكيدا لنفس المعنى ، وفي هذه المرة هي لا تكتف بالمواجهة مع العالم العربي والإسلامي تحت شعارات تعزيز الديموقراطية والتنمية ..الخ، وإنما هي أيضا ، تأتي كذلك على غرار وتطويرا لنتائج اتفاقية سايكس بيكو ، التي التقى خلالها مثل الإمبراطورية " البريطانية" السير مارك سايكس مع ممثل الإمبراطورية الفرنسية فرنسوا جورج بيكو ..فى مفاوضات مطولة استمرت من نوفمبر 1916 الى فبراير1917 حيث  وجري توقيع الاتفاقية  ومن هنا تاتى المفاهيم والاهداف والاسس تجميعا لاخطر اتفاقيتين   حددتا مصير العالم .. وحيث كذلك هى تنص على انها تجمع كل مبادرات الشراكة الاوروبية والامريكية فى مبادرة واحدة " وتبين الشراكة الاوروبية وتبيّن "الشراكة الاوروبية المتوسطية", و"مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الاوسط", وجهود اعادة الاعمار المتعددة الاطراف في افغانستان والعراق التزام مجموعة الثماني بالاصلاح في المنطقة.ان التغيرات الديموغرافية المشار اليها اعلاه, وتحرير افغانستان والعراق من نظامين قمعيين, ونشوء نبضات ديموقراطية في ارجاء المنطقة, بمجموعها, تتيح لمجموعة الثماني فرصة تاريخية. وينبغي للمجموعة, في قمتها في سي آيلاند, ان تصوغ شراكة بعيدة المدى مع قادة الاصلاح في الشرق الاوسط الكبير, وتطلق رداً منسّقاً لتشجيع الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المنطقة." ..وبعد هذه الاشارة فى نص الخطة الى الدول والقوى المرشحة لتقسيم المصالح تشير المبادرة الى انه يجب التعامل مع الاوضاع فى المنطقة من زاوية انها منطقة تمثل مصالحا وطنية الى الدول الثمانية فتقول ان الاوضاع فى المنطقة "تهدد المصالح الوطنية لكل اعضاء مجموعة الثمانية "وان الاوضاع فى المنطقة لزيلدة تاكيد المعنى " تمثل تهديدا مباشرا لاستقرار المنطقة والمصالح المشتركة لاعضاء مجموعة الثمانية ".وهو اعلان صريح بالمشاركة فى محاولة لاعادة تقسيم المصالح فى المنطقة على غرار الاتفاقيات السابقة.

ووفقا لما جاء فى البند الثانى من الملاحظات الواردة فى ختام الخطة فان النتيجة لن تكون فقط هى فرض تشكيل عام ،لضم دول المحيط الى دول الداخل ضمن منظومة الشرق الاوسط الكبير ..وليس فقط سينتج عنها دمج اسرائيل على كل المستويات داخل الجسد العربى والاسلامى ..وانما ان ذلك سيجرى وفق خطة محددة من الخارج ترشح اسرائيل لكى تكون هى الدولة المحورية فى تنفيذ عمليات التطوير والتغيير الديموقراطى داخل هذه الدول ..حيث اشارت الخطة فى متنها الى انه وفق  "تقرير فريدوم هاوس للعام 2003  فان اسرائيل كانت البلد الوحيد فى الشرق الاوسط الذى صنف بانه حر " ..وقد حدد هذا البند –الثانى - الدول التى سيجرى فيها انتخابات خلال المرحلة القادمة ليتم تشكيل اطار لمتابعتها ومراقبتها وتشكيل مرجعية للفصل فيها وانزال العقاب بشانها بما يعنى تشكيل هيئات تراقب وتتابع وتنفذ عمليات التغيير الداخلى ..اما البند الثالث فهو يحدد الدول التى تريد الانضمام الى منظمة التجارة العالمية ليكون الاقطاب الصناعيين جاهزين لتحديد وتقسيم المصالح بشانها .واذا كانت الامور قدمت فى هذه البنود الثلاثة وفق رؤية معلوماتية فان بنود المبادرة توضح المقصود منها وفيها بدقة وبتحديد يندر ان يصدر بشان دول ذات سيادة .حيث حددت اليات محددة للرقابة والتدخل والمتابعه والثواب والعقاب!

واذا انتقلنا من النص الى الحالة التى ستصبح عليها المنطقة –اذا مضى هذا المشروع للتنفيذ –فان تغيرا كبيرا فى التوازنات وفى اولويات قضايا الصراع ستدخل على الامة العربية والاسلامية حيث ان الدول التى سيجرى دمجها فى المشروع  فى اجماليتها دول قوية او محورية (باكستان –تركيا –ايران –اسرائيل ) بما يغيير التوازنات فى المنطقة العربية ويعيد رسم خريطة قوى جديدة ..وبما يعيد رسم وتشكيل خريطة اوضاعها السياسية والاقتصادية والجغرافية بطبيعة الحال ..وبما يعنى ان العالم العربى سيتم اغراقه فى محيط اوسع منه – وهو غير موحد او متضامن او متوافق فى داخله  –بما يسمح بصنع محاور داخله وبما يغير وزن واولويات قضاياه وبما يجعل قضايا افغانستان والعراق وفلسطين ضمن دائرة اقليمية محكمة .

 

احتمالات النجاح والفشل

من البديهى القول ان الخطا المفاهيمى الذى تقوم عليه الخطة هو انها تتعامل مع العقيدة والحضارة الاسلامية بنفس المنطق الذى تعاملت به مع نظرية وضعية هى الشيوعية التى لم تكن سوى احد الروافد الفكرية للحضارة الغربية ذاتها.لكن على المستوى العملى فان مثل هذه الخطة وان استهدفت تحقيق كل ما سبق الاشارة اليه فانها ليست فقط قائمة على رؤية خاطئة ولكن ايضا على تصور براجماتى خاطىء اذ هى تتصور ان بالامكان تغيير الاوضاع العقدية  السياسية والاقتصادية والاجتماعية ثم جمع كل هذه الاطراف والدول والقوى ضمن منظومة تقوم على الاقتصاد او النظام الديموقراطى المتماثل فى اساليب الحكم –نظام  سيجرى فرضه –جمعها فى منظومة موحدة ..اوهو تصور يحوى قدرا هائلا من المشكلات والتعقيدات المركبة والمتداخلة .. ويتواجه مع عشرات من القوى المختلفة التوجهات والارادات التى ستتحول جميعها الى مواجهة هذه الخطة ورفضها بعضها بالدافع العقيدى وبعضها بالدافع المصلحى وبل وبعضها بدافع الحفاظ على اوضاعها المستقرة حاليا .وهذه الخطة من قبل ومن بعد تقوم على تصور ساذج لشعوب امتنا بانها تتطلع الى منقذين حتى وان كانوا هم الاعداء .كما يمكن القول باطمئنان بان كل تجميع تقوم به الولايات المتحدة لاطراف من الامة لن ينتج عنه فى الصورة النهائية او لن يبقى منه مستقبلا الا اقتراب اكثر بين الشعوب والقوى بعضها البعض وكذلك درجة اعلى من التنسيق فى مواجهة الخطط الامريكية..التى وان نجحت مؤقتا فى ارباك الموازين واولويات القضايا فان النتيجة لن تكون سوى جذرية وعمق الصراع وليس اضعافة او افقاده لمحتواه العقدى والحضارى.

)المقال منشور بمجلة البيان )

عن موقع طلعت رميح

إلى صفحة المقالات