دفاع عن الصحابة والتاريخ والإسلام

 قال تعالى: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسالون عما كانوا يعملون

 

بقلم :د يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

قضية التاريخ الإسلامي اليوم وبخاصة ما يتعلق منها بالرموز الإسلامية  أنه الهدف الضحية  في عملية العبث الأمريكي الجاري بالبرامج التربوية في البلاد الإسلامية بقدر أوسع وأشمل وبجهد أقل مما تستهدف له البرامج الدينية بالذات ، إذ أن العبث بالبرامج الدينية يجري بتخوف وحذر شديدين ، ومن ثم ينحصر في مواضع محددة لكنها شديدة الوضوح والصلابة بحيث تتكسر  فيها أصابع العابثين، ، ويجري تطبيقه في موقع تربوي مدرسي ضيق معزول بالنسبة لميدانه الجماهيري شديد الاتساع  الذي يستعصي الإمساك به  على أيدي الناقمين ، أما التاريخ فيمكن " الاستفراد" به إذ أنه الضحية المنبوذة التي تم طرحها بين أيدي العلمانيين منذ عقود في غفلة من أصحابه ، فما بقي إلا الإجهاز عليه في الحلقة الأمريكية الأخيرة

إننا في معركتنا الثقافية مع الغرب وقد أعلن علينا " صراع الحضارات " ومن ثم أعلن زحفا تدميريا  غير مقدس على مناهجنا التربوية علينا أن ندرك أننا كنا وما نزال أمام معركة صليبية متجددة أشد ضراوة وأقوى تخطيطا من جميع الحملات الصليبية السابقة ، ذلك لأن الحملة الجديدة قد استفادت من أخطاء الحملات السابقة ، فأخذت تقدم لنفسها بهذه الحرب الثقافية ، والتي كان وما يزال عساكرها من المبشرين والمستشرقين ، والمستغربين ، وأذنابهم من كتاب القصص والسناريوهات التافهة والتي وصلت بالفعل إلى قدر من استئصالنا ثقافيا ، من شأنه أن يؤدي إلى نتائج لم تحققها الحروب الصليبية في المشرق الإسلامي ، وهي نتائج لا تقل خطرا عن عملية الاستئصال التي نجحت تماما من قبل في المغرب ، في الأندلس .

 وإنه لمن الغفلة التاريخية التي تصيب المسلم المعاصر أن يتوهم  أن ما أعلنه الغرب  بعد انهيار الاتحاد السوفيتي  ثم بعد دراما الحادي عشر من سبتمبر من أن عدوه هو الإسلام أن هذا توجه جديد ، ذلك أن  هذا التوجه قد صاحب الاستعمار في أولى خطواته نحونا ، وإنما الجديد هو وقاحته ، واستقطابه لعدد أكبر من العملاء في الداخل ، وخيانته لسياسة التجميل التاريخي لوجهه القبيح ، ذلك التجميل الذي كان وما يزال يمارسه أصدقاؤه وعملاؤه في المنطقة وبخاصة بعد أن اصبح للخيانة مدرسة ودولة وسطوة و عهر أشبه بعهر الداعرات .

 ولو كان المسلمون على شيء من الوعي بتاريخهم لما اندهشوا أخيرا من انضمام المعسكر العلماني إلى الولايات المتحدة الأمريكية في مناصبتها العداء للمقاومة الإسلامية في فلسطين ، والعراق والبقية تأتي : إنه الإسلام ، العدو الأول للغرب ، أردنا أو لم نرد ، اعترفنا أو لم نعترف ، أدركنا أو لم ندرك، سمعنا تصريحات الرئيس المبشر أو لم نسمع ، وآخرها أن العراق اصبح هو الجبهة الرئيسية على الإرهاب ، وهذا في قاموسه يعني على الإسلام

إن المعركة الدينية والسياسية والثقافية والتربوية الحالية تدرك أهمية التاريخ في صنع شخصية الأمة، والمحافظة على ضميرها وذاتها وكينونتها .

نحن نذكر كيف تعلمنا ونحن صغار وفقا لمنهج تربوي تقليدي نابع من إحساس أصيل بالتاريخ … أقول تعلمنا وفقا لهذا المنهج نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحفظه ونتغنى به – بدءا من أبيه عبد الله إلى إسماعيل عليه السلام .

لم يكن هذا عبثا أو نافلة . كما لم يكن نافلة أن كان رسول الله صلى الله عليه يذكر نسبه ويؤكد عليه ولاشك أنه لم يكن به شيء من فخر الخيلاء ، ولكنه أراد ألا يحول ذلك بينه ومعه المسلمون جميعا وبين استحضار التاريخ ، والتذكير به .

هذا بالإضافة لما ورد بكثرة في القرآن الكريم عن أخبار الأمم السابقة ، والأنبياء السابقين .

لقد صار العلم بالتاريخ – بهذه الإشاراتفرض كفاية على الأمة الإسلامية .

وأصبح فرض عين على المشتغلين بالثقافة وتوجيه الأمة .

بل إن الحد الأدنى منه يكون فرض عين في المنهج التربوي للناشئة .

وصار الجهاد في سبيله فرض عين على المسئولين عن برامجه التربوية

وصار الرأي العام الإسلامي مسئولا أمام الله في أن يكون على أشد ما تكون اليقظة لأهمية هذا التاريخ  وقد وقع المنهج التربوي بكامله فريسة في يد المستعمر الأمريكي والعميل العلماني كما لم يحدث من قبل

إن الخطر القادم على الفرد والمجتمع من هذه الثغرة خطر وجود ، لأن إسقاط تاريخ الأمة وهو ما يعمل من اجله المشروع الأمريكي والعلماني في مناهجنا التربوية - يساوي فقدان ذاكرة الفرد ، وماذا يساوي الفرد الذي فقد الذاكرة .

لقد أصبح ما يسمى ( الذاكرة الجماعية ) – كما يقول الدكتور إدوارد سعيد – حقلا دراسيا هاما يحظى باهتمام كبير من المؤرخين ، وهناك اتفاق لديهم على أن الذاكرة الجماعية ليست شيئا هامدا أو سلبيا ، وإنما هو حقل يتم فيه اختيار وإعادة صياغة الأحداث القديمة وإعطاؤها معنى جديدا ، ومن ثم إعادة صياغة شخصية الفرد والمجتمع وفق هوى العابثين بتاريخه.

ولقد عني الصهاينة بذلك عناية كبرى : وتظهر المؤرخة الأمريكية الصهيونية ييل زيروفابل في كتابها ( الجذور المستعادة : الذاكرة الجماعية و تشكيل التقليد الوطني الإسرائيلي )  الصادر عام 1995 أن قصة الانتحار الجماعي لليهود في روما في قلعة "مسادا " لم تكن معروفة لغالبية اليهود قبل أواخر القرن الماضي ، وتقول إن شهرة القصة بدأت عند ترجمة كتاب " حروب اليهود " للمؤرخ اليهودي القديم جوزيف إلى العبرية في عام 1862 ، وأعيد تركيبها لتصبح " نقطة تحول رئيسية في التاريخ اليهودي ، وحجا لليهود في العصر الحالي وموقعا أثريا شهيرا ، ورمزا سياسيا معاصرا "

 ومن هذا المنطلق : ألا وهو إدراك أهمية التاريخ في سياق الغزو الاستعماري والانحطاط العلماني  للعالم الإسلامي أخذت تنهال المعاول على تاريخنا بقسوة وشماتة ، بهدف إفراغ المسلم من ماضيه ، واقتلاعه من جذوره ليصبح بعد ذلك مطواعا لكل تيار جديد ، وليصبح خلعه من دينه بعد ذلك أمرا ميسورا.

إنها معركة خاضت مثيلاتها – كما يقول إدوارد سعيد - كل الشعوب التي تعرضت للاستعمار ، والتي سيطرت عليها قوى خارجية احتلت الأرض أولا ثم أعادت كتابة التاريخ لكي تكتسب شرعية وجودها في تلك الأرض ،  وشعرت كل دولة استقلت بعد تفكيك الامبراطوريات الحديثة في أعقاب الحرب العالمية الثانية بضرورة استعادة تاريخها بأقصى ما يمكن من البعد عن الأحكام المسبقة التي أدخلها المؤرخون الأجانب ، ومن لف لفهم .

و للمستشرقين دور قائد في هذه العملية الموجهة ضد التاريخ الإسلامي  يقول  إدوارد سعيد: 0( إن المستشرقين الغربيين المحدثين يعيدون كتابة تاريخ الإسلام كقصة لا تنتهي من الحقد واللاعقلانية حتى يبدو الوجه العربي والمسلم لفلسطين وكأنه جزء ضائع أو حتى غير موجود ) راجع حديث لإدوارد سعيد بعنوان " جناية النزعة القومية على التاريخ " بجريدة الخليج 24\8\1996.

ومن الواضح لدينا أن الأمر لم يقتصر على المؤرخين الغربيين  وإنما شاركهم في ذلك عملاؤهم من أبناء البلد ، وذيولهم من سماسرة الثقافة ، كما شاركت بصفة جوهرية مناهج التربية في المدارس والمعاهد والجامعات . فضلا عما سيأتي بعد .

 

ولقد اتخذ هذا الغزو في مجال التاريخ : ثلاثة اتجاهات :

اتجاها إلى تشويه مالا يمكن محوه من التيار العريض لتاريخنا الإسلامي ، وفي القلب منه تاريخ الصحابة رضي الله عنهم  

واتجاها لتجميل الصورة - الشائهة أصلا - لتاريخ الأعداء .

واتجاها إلى المحو ، حيث يكون ذلك ممكنا من تاريخنا ، في مجال ما قد يظن أنه دائرة صغيرة من دوائر التاريخ الإسلامي يمكن الإجهاز عليها . 

 

وفي جميع الأحوال كان الهدف هو إخراج الإسلام من الساحة لحساب العلمانية العميلة . فبمحو التاريخ الإسلامي أو تشويهه يتم إخراج الإسلام من الساحة بدعوى أنه لم يكن له دور إيجابي ، وبتجميل تاريخ أعداء الإسلام يتم إخراج الإسلام من الساحة بدعوى أنه لم يكن لتحركهم تجاهنا أسباب دينية .

وأخيرا فإن علينا – وبخاصة في عصر جلد الذات الذي نعيشه اليوم لدوافع بعضها خبيث هدام – أن نقبل على دراسة تاريخنا بحب ومودة ، وأن نكون واثقين من قدرتنا على أن نصنع من المجد مثلما صنع آباؤنا ، وفي هذا الأمل الواثق يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثل أمتي مثل المطر ، لا يدرى أوله خير أم آخره ) رواه الترمذي والحاكم والطبراني في الأوسط ، والبزار بإسناد حسن.

 

في سياق الاعتداء على التاريخ الإسلامي تجري عمليات تجميل تاريخ الأعداء في علاقتهم معنا أو تخفيف مدى القبح فيهم ، حيث يقوم الخونة من عملائهم وأذيالهم  بتفسير مواقفهم في أحسن الأحوال على وجوه شتى : تفسيرات حضارية ، أو اقتصادية ، أو اجتماعية ، أو تطورية ، أو عرقية ، أو مصلحية ، أو ديموقراطية ، أو استعمارية محبوبة ‍‍‍‍! أو تحريرية موبوءة ؟‍؟! وفي جميع الأحوال يظهر الحرص على كتمان التفسير الديني : والهدف من ذلك كما سبق أن قلنا إخراج الإسلام من الساحة .

وبهذا جميعه يتم تعمية المستقبل على المسلمين بجعلهم يجهلون : من العدو ؟ فإذا جهلوا من عدوهم جهلوا من صديقهم ، فوقعوا في مصادقة العدو ، ثم وقعوا في عداوة الأصدقاء كما هو الحال اليوم

يقول الدكتور مفيد شهاب وزير التعليم العالي بمصر في ندوة رابطة الجامعات الإسلامية بعنوان " الإعلام الدولي وقضايا العالم الإسلامي " المنعقدة برحاب جامعة الأزهر في 30 \ 11 \1998 : ) إن الهجوم على الإسلام والمسلمين ليس وليد اليوم أو الأمس القريب ،  ولكنه يرجع إلى نشأة الإسلام نفسه ، ولم يتوقف الهجوم ولم ينته  ) جريدة الشعب في مصر 31\11 \ 1998

ويقول لورنس براون من قادة الغرب المعاصرين : ( إن الإسلام هو الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوربي ) التبشير والاستعمار للدكتور عمر فروخ ، والدكتور الخالدي  ص 40 ط4

 ويقول ايضا : (  كان قادتنا يخوفوننا بشعوب مختلفة لكننا بعد الاختبار لم نجد مبررا لمثل تلك المخاوف ، كانوا يخوفوننا بالخطر اليهودي ، والخطر الياباني الأصفر ، والخطر البلشفي ، ثم تبين لنا أن اليهود هم أصدقاؤنا ، والبلاشفة الشيوعيون حلفاؤنا ، أما اليابانيون فإن هناك دولا ديموقراطية كبيرة تتكفل بمقاومتهم ، لكننا وجدنا أن الخطر الحقيقي علينا موجود في الإسلام ، وفي قدرته على التوسع والإخضاع ، وفي حيويته المدهشة ) التبشير والاستعمار للدكتور عمر فروخ والخالدي ص 184

ويقول المستشرق الفرنسي كيمون في كتابه باثولوجيا الإسلام : ( إن الديانة المحمدية جذام تفشى بين الناس ، وأخذ يفتك بهم فتكا ذريعا ، بل هو مرض مريع ، وجنون ذهولي يبعث الإنسان على الكسل والخمول ، ولا يوقظه من الخمول إلا ليدفعه إلى سفك الدماء ، والإدمان على معاقرة الخمور ، وارتكاب جميع القبائح ، وما قبر محمد إلا عمود كهربائي يبعث الجنون في رءوس المسلمين فيأتون بمظاهر الصرع والذهول العقلي إلى ما لانهاية ، ويعتادون على عادات تنقلب إلى طباع أصيلة ككراهة لحم الخنزير !! ، والخمر والموسيقى ، إن الإسلام كله قائم على القسوة والفجور في اللذات ، وأعتقد أن من الواجب إبادة خمس المسلمين ، والحكم على الباقين بالأشغال الشاقة ، وتدمير الكعبة ، ووضع قبر محمد وجثته في متحف اللوفر !! ) الاتجاهات الوطنية في الأدب العربي المعاصر للدكتور محمد محمد حسين ج 1 ص321

 ويقول المبشر تاكلي : ( يجب أن نستخدم القرآن ، وهو أمضى سلاح في الإسلام ضد الإسلام نفسه ، حتى نقضي عليه تماما ، يجب أن نبين للمسلمين أن الصحيح في القرآن ليس جديدا ، وأن الجديد فيه ليس صحيحا ) التبشير والاستعمار للدكتور عمر فروخ ، والدكتور الخالدي  ص 40 ط 4

  ويقول مستر جلادستون رئيس وزراء بريطانيا الأسبق (  مادام هذا القرآن موجودا في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق ) كتاب الإسلام في مفترق الطرق لمحمد أسد ص 39

ويقول أنطوني ناتنج في كتابه " العرب " : منذ أن جمع محمد – صلى الله عليه وسلم – أنصاره في مطلع القرن السابع الميلادي وبدا أول خطوات الانتشار الإسلامي فإن على العالم الغربي أن يحسب حساب الإسلام كقوة دائمة وصلبة تواجهنا عبر المتوسط ) .

 ويقول أيوجين روستو رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأمريكية، ومستشار الرئيس جونسون لشئون الشرق الأوسط حتى عام 1967 : (يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول وشعوب ، بل هي خلافات بين الحضارة المسيحية والحضارة الإسلامية ، لقد كان الصراع محتدما ما بين المسيحية والإسلام من القرون الوسطى ، وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصور مختلفة ، ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب ، وخضع التراث الإسلامي للتراث المسيحي ) كتاب دمروا الإسلام ص 23

ويقول أشعيا بومان في مقال نشره في مجلة العالم الإسلامي التبشيرية : ( إن شيئا من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي من الإسلام ، لهذا الخوف أسباب ، منها أن الإسلام منذ ظهر في مكة لم يضعف عدديا ، بل إن أتباعه يزدادون باستمرار  ، من أسباب هذا الخوف أن هذا الدين من أركانه الجهاد ) كتاب دمروا الإسلام ص 37

ويقول الحاكم الفرنسي للجزائر بعد مرور مائة سنة على استعمارها ( إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرءون القرآن ، ويتكلمون العربية ، ولذا يجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم ، ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم ) كتاب دمروا الإسلام ص 30

ويقول مورو بيرجر في كتابه " العالم العربي المعاصر " : ( إن الخوف من العرب ، واهتمامنا بالأمة العربية ، ليس ناتجا عن وجود البترول بغزارة عند العرب ، بل بسبب الإسلام ، يجب محاربة الإسلام للحيلولة دون وحدة العرب ، التي تؤدي إلى قوة الإسلام ، لأن قوة العرب تتصاحب دائما مع قوة الإسلام وانتشاره . إن الإسلام يفزعنا عندما نراه ينتشر في القارة الأفريقية ) مجلة روزاليوسف بتاريخ 29\6\1963

  ويقول هانوتو وزير خارجية فرنسا : ( رغم انتصارنا على أمة الإسلام وقهرها فإن الخطر لا يزال موجودا من انتفاض المقهورين المغلوبين الذين أتعبتهم النكبات التي أنزلناها بهم ، لأن همتهم لم تخمد بعد ) كتاب الفكر الإسلامي وصلته بالاستعمار الغربي للدكتور محمد البهي ص 19

 

 وليس هذا نبشا في نفايات التاريخ كما يحلو لبعض المخدرين أن يقول فهاهو  ريتشارد نيكسون الرئيس الأسبق للولايات المتحدة يقول: ( للعمل داخل العالم الإسلامي فإن على صناع السياسة الأمريكية المناورة داخل وكر أفعى من سم النزاعات الأيديولوجية والصراعات الوطنية) ، ويقول : ( لا توجد دولة – حتى الصين الشيوعية – تحظى بصورة سلبية في الضمير الأمريكي كما هو الحال بالنسبة للعالم الإسلامي ) ، ولكنه يعود فيطمئن مواطنيه بسبب تفرق المسلمين ،  فيقول : ( وهذا السيناريو الكابوس لن يتحقق أبدا .إن العالم الإسلامي كبير جدا ومترامي الأطراف ومتعاكس ومتناقض ليزحف نحو قرع طبل واحد ) ويقول : ( إن علينا أن ننشر الفضيلة في العالم !! وفقا لمعتقداتنا الدينية ) كتاب انتهزوا الفرصة لريتشارد نيكسون ترجمة حاتم غانم نشر شركة قايتباي بالإسكندرية  ط أولى ص23 ، 45، - 39 – 44 

   وهانحن  نقرأ  تصريحا  نشرته جريدة الخليج بعددها الصادر في 7\10\1999 للكاردينال بول بوبارد أحد المقربين من البابا يوحنا بولس الثاني ورئيس ( المجلس الحبري للثقافة ) إذ يقول ( إن الإسلام يشكل تحديا مرعبا بالنسبة للغرب ويشكل خطرا بالنسبة للأمل المسيحي ) وأوضح في حوار أجرته معه صحيفة لوفيغارو ( إن هذا التحدي يتمثل في كون الإسلام دينا وثقافة ومجتمعا ونمطا للعيش وللتفكير وللممارسة ) ، وهي بالمناسبة هدية يقدمها لدعاة الحوار ‎مشارك فعلي في هذا الحوار .

أما الرئيس الأمريكي المبشر فقد أعلنها حربا صليبية صريحة على الإسلام لا تحتاج منه إلى اعتذار

 

***

و تركيزنا هنا على الاتجاه إلى تشويه مالا يمكن محوه من التناريخ الإسلامي ، حيث نجده في تاريخ الصحابة ، ضمن تشويه شامل لتاريخ الإسلام مرورا بتاريخ الدولة الأموية والعباسية والعثمانية والحملة الفرنسية أيضا .

ففي تاريخ الصحابة : بدأ الغزو  بالتركيز على الصحابة والتابعين ، كأنما لم يجد الغزاة مجالا يكتبون فيه بحوثهم الرشيقة ، أو مقالاتهم الرصينة أو قصصهم الجذابة أو تصريحاتهم العكاشية  إلا فترات الفتنة التي لا تتعدى بضع حوادث أو بضع سنين هنا أو بضع سنين هناك :

إنهم يكتبون عن " الفتنة الكبرى " ، ويهمشون السيرة النبوية بجعلها أساطير كأساطير اليونان، ويكتبون عن " الحسين ثائرا " أو ثأر الله " ، ويكتبون عن عليّ رضي الله عنه : " إمام المتقين" ، فماذا يكون محمد صلى الله عليه وسلم إذن ؟ ويكتبون عن يزيد ، والحجاج .. وقرأناهم ، واستمتع  بعضنا بهم ..وأخيرا يشتمون عمرا ، وما أدراك ما عمرو فاتح مصر العظيم في قوائم ثأر الدولة الرومانية اللاتينية القديمة والرومانية الأمريكية الحديثة معه !!

وانزلق بعض رجال الدعوة الإسلامية – وهذا هو موطن الخطر – ووقعوا في الفخ ، وصاروا يوجهون سهام نقدهم إلى فترات التاريخ الإسلامي ، ولا يجدون فيه – انسياقا مع هذا المخطط - فترة تستحق الاحترام غير الجيل الأول من الصحابة رضي الله عنهم ، أو بعضهم في بعض الأحيان . فسهلوا على الغزاة اقتحام بقية الحصون . وصار المسلم المعاصر يشعر بالعار أمام تاريخه الطويل .وجاء العلمانيون – أخيرا – ليحصدوا الثمار قائلين : ها لقد فشل الإسلام تاريخيا، فعليكم أن تواروه التراب .

لو كنا على وعي كاف بأبعاد المعركة لوقفنا جميعا ضد هذا التيار ، ودافعنا عن الصحابة ، من منطلق إيماننا واستنادنا  إلى ما هو أقوى من رواياتهم المكذوبة بحكم المنهج العلمي الصحيح .

فالله سبحانه وتعالى يقول في خطاب يضم الصحابة أول ما يضم : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) ويقول عن الصحابة أساسا : ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ، نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ) ، ويقول : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) ويقول ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، ) ، والمراد بمن معه – عن ابن عباس رضي الله عنهما – من شهد الحديبية ، أهل بيعة الرضوان ، الذين بايعوه تحت الشجرة ، وكان عددهم 1115 صحابيا . وقال جمهور العلماء  : المراد بهم جميع أصحابه صلى الله عليه وسلم .  وفي الصحيحين ( لا تسبوا أصحابي ، فلو أن أحدا أنفق مثل أحد ذهبا ، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) وروى الترمذي بسنده عنه صلى الله عليه وسلم قوله : ( الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه )  .

. ويقول صلى الله عليه وسلم  ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم ، وقال الترمذي : حسن صحيح ، وقال الحاكم : صحيح على شرطهما ، ولا أعلم له علة .

وفي الصحيحين ( خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ،وقد جمعهم الله تعالى في آية واحدة هي قوله تعالى : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ) ، ولا يرضى الله إلا عمن علم حسن خاتمتهم ووفاتهم على المحجة البيضاء

 

وفي قوله صلى الله عليه وسلم ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) نجد طائفتين من الأئمة والعلماء : من يستشهدون به على فضل الصحابة  .

 ومن يحكمون بضعفه – أو بوضعه – لكن بعض هؤلاء يقبل معناه ،استنادا إلى حديث آخر صحيح أخرجه مسلم بسنده عن أبي بردة عن أبيه قال  : صلينا المغرب مع رسول الله   صلى الله عليه وسلم  ، ثم قلنا لو جلسنا حتى نصلى معه العشاء ، قال فجلسنا فخرج علينا فقال ما زلتم ههنا ؟ قلنا يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلى معك العشاء ، قال أحسنتم أو أصبتم . قال فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء ،  فقال : النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد ، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون ، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون )

وممن استشهد بحديث ( أصحابي كالنجوم )   ابن عبد البر في كتابه التمهيد ج 4 ص 263- 267 بعد حكايته خلافا بين ابن عباس والمسور بن مخرمة رضي الله عنهم في حكم غسل رأس المحرم : ورجوعهما في ذلك إلى أبي أيوب الأنصاري ، وأخذهما بما نقل أبو أيوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال ابن عبد البر : ( وهذا يبين لك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم : أصحابي كالنجوم  ) هو على ما فسره المزني من أهل النظر أن ذلك في النقل ، لأن جميعهم ثقات مأمونون عدل  ، فواجب قبول ما نقل كل واحد منهم ، وشهد به على نبيه  ) .

وفي تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفوري ج10ص155 –156 بعد شرح حديث"  أنا دار الحكمة وعلي  -  أي ابن أبي طالب رضي الله عنه - بابها  "  أي الذي يدخل منه إليها  ، وأنه لا يعني أن عليا بابها الوحيد   يقول : ( ومما يدل على أن جميع الأصحاب بمنزلة الأبواب قوله صلى الله عليه وسلم   " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " )

  وجاء في المغني لابن قدامة المقدسي ج 3 ص 269 بعد أن ذكر قضاء الصحابة في بعض أحكام الصيد في حالة الإحرام : (  ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم  (أصحابي كالنجوم بأيهم اهتديتم ) وقال ( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ) ولأنهم أقرب إلى الصواب وأبصر بالعلم فكان حكمهم حجة على غيرهم كالعالم مع العامي ).

وقال القاري في شرح قوله صلى الله عليه : ( تركت فيكم ما إن تمسكتم به  ..كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) – فيما نقله عنه المباركفوري في كتابه تحفة الأحوذي ج10-ص196 : ( والمراد بالأخذ عنهم التمسك  بمحبتهم .. وهو لا ينافي أخذ السنة من غيرهم لقوله صلى الله عليه وسلم " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) .  

أما  الحافظ ابن حجر العسقلاني فبعد أن يذكر أوجه الضعف في سند الحديث  يذكر ما قاله الإمام البيهقي في صحة معناه ، لتطابقه مع معنى  الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم بلفظ ( النجوم أمنة أهل السماء ) إلخ :  ثم يقول : قلت  : صدق البيهقي هو يؤدي صحة التشبيه للصحابة بالنجوم خاصة ، وظاهر الحديث إنما هو إشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض عصر الصحابة من طمس السنن وظهور البدع وفشو الفجور في أقطار الأرض والله المستعان اهـ

 

ونذكر هنا ردا على من يهاجمون الصحابة  من حيث ما وقع بين بعضهم من اختلاف ما روي  عن عمر بن عبدالعزيز أنه كان يقول : ما سرني لو أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة " ، ويقول الإمام  الخطابي في غريب الحديث : والاختلاف في الدين ثلاثة أقسام : الأول في إثبات الصانع ووحدانيته وإنكاره كفر ، والثاني في صفاته ومشيئته وانكارهما بدعة ، والثالث في أحكام الفروع المحتملة وجوها ؛ فهذا جعله الله رحمة وكرامة للعلماء ، وهو المراد بحديث اختلاف أمتي رحمة . انتهى .

و أخرج الخطيب عن هارون الرشيد قوله لمالك بن أنس : يا أبا عبد الله نكتب هذه الكتب يعني مؤلفات الإمام مالك ونفرقها في آفاق الإسلام لنحمل عليها الأمة . قال يا أمير المؤمنين : إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة كل يتبع ما صح عنده وكل على هدى وكل يريد الله تعالى. أهـ من كشف الخفاء .

يقول الإمام ابن حجر : ( اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة أنه يجب على كل أحد تزكية جميع الصحابة ، وإثبات العدالة لهم ، والكف عن الطعن فيهم ، مع الثناء عليهم فقد أثنى الله عليهم في كتابه العزيز ) . وقد اعتبر علماء المسلمين – ومنهم الإمام مالك رضي الله عنه – أن القدح في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قدح في الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتلفيق الروايات في مثالبهم وخلافاتهم لا يعدو أن يكون القصد منه الرسالة المحمدية ،والذي جاء بها ، والذي جاء فيها .

 

ونحن نقول : - وبناء على ما تقدم من تحقيق منهجي في مكانة الصحابة يصبح - على المسلم أن يرفض أي  رواية تاريخية تخالف هذه المكانة لأنها كاذبة في منهجه العلمي والإيماني معا 

خصوصا إذا جاءت ممن يكتبون للراقصين والراقصات والعاهرين والعاهرات ويتكسبون من من قصصهم  وتسويقهم ، والترفيه على حساب أعراضهم ولحساب ترويج الفاحشة وإشاعتها بين المواطنين

إنه من الغريب أن بعض هؤلاء الذين يشككون في الصحابة يتساهلون إلى أبعد حد في قبول بعض أخبار التاريخ ، وقد يكون نبأ من فاسق ، وهو الأمر الذي جر الويلات في طعن تاريخنا في الصميم .

وإنه ليغيب عن الكثير منا أن التاريخ الإسلامي لم يكن يكتب في حينه ولكن في ظل الدولة الجديدة ، وقد تولى كتابته نماذج مختلفة من المؤرخين ، يتباينون في اتجاهاتهم ، ودوافعهم ، وهم مؤرخون ثقات ، أمثال ابن جرير الطبري ، وابن الأثير ، وابن كثير ، وقد وضع هؤلاء لأنفسهم منهجا علميا معلنا : هو أن يذكروا أسماء الرواة الذين ينقلون عنهم ، وأن يذكروا الأخبار كلها من مختلف المصادر، ثم يتركون لمن بعدهم أن يميز بين الصحيح وغير الصحيح .

ثم لحق التشويه بمنهج هؤلاء ممن جاء بعدهم حيث ذكروا رواياتهم بعد أن جردوها من الأسانيد ، وضموا الروايات بعضها إلى بعض للاختصار ، أو لأغراض خاصة ، فاختلط الحابل بالنابل ، وأصبح من الصعب على قرائهم أن يفرقوا بين روايات الثقات ، وروايات أصحاب الأهواء ، فنشأ من ذلك ترديد لكثير من الأخبار التي اختلقها أعداء الإسلام ، ووصل الأمر – حديثا - إلى نقل الأخبار من مراجع السمار ، كالذي انساق إليه الكتاب المحدثون من الأخذ من كتاب " الأغاني " لأبي الفرج الأصفهاني ، واعتباره مصدرا للتاريخ ، ودرة للتراث !!

 

وإن المرء ليستغرب من هؤلاء المحدثين لو أنهم كانوا يهدفون إلى متعة البحث ، أو إلى متعة الفن ، أو إلى متعة الصراع بين الحق والباطل ، ( الدراما ) فقد كان أمامهم متسع لا يلتقون فيه بالشبهات ، ولا يحركون فيه مواجع المسلمين ، ولا يدفعونهم إلى تأجيج نار الثأر ، وتحريك عوامل الفرقة والتمزق ، لقد كانت أمامهم : حروب الردة التي اشتعلت في آخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحروب مدعي النبوة من أمثال : الأسود بن كعب بن عوف العنسي ، ومسيلمة الكذاب ، وطليحة بن خالد الأسود ، وذي التاج لقيط ين مالك الأزدي .

 وفي حروب الدولة الإسلامية مع فرقة الراوندية التي ابتدأ خروجها منذ أواخر الدولة لأموية وامتدت في عهد المنصور : وقد كانوا يطوفون بقصره قائلين ( هذا قصر ربنا ) فلما صدهم عن ذلك ثاروا عليه وحاربوه .

وفي الحرب البابكية التي استمرت أكثر من عشرين عاما ، من عهد المأمون ، (201) هـ إلى عهد المعتصم (223) هـ ، وكانت حربا فارسية ضد الإسلام ، تحالفت في الوقت نفسه مع الدولة البيزنطية .

وفي حروب المسلمين مع الدولة الرومانية التي لم تهدأ قط منذ ظهور الإسلام ، مرورا بالحروب الصليبية إلى نكبة الأندلس ، إلى العصر الحاضر حيث تعتبر أوربا نفسها وريثة تلك الدولة الرومانية ، في ثأرها ضد من أزاحوها من جنوب البحر الأبيض وشرقه . وحيث تعتبر أوربا نفسها في صراع مستمر مع الإسلام الذي أزاحها من هذه المناطق .

في كل ذلك وفي غيره مجالات لا تنفد لمن يريد استنطاق التاريخ دروس الحق والخير والجمال .  . لكن أولئك يجدون أنفسهم مزنوقين في حوادث الفتنة بين الصحابة والتابعين لأغراض لا تخفى على أحد   .

إلى أن جاءت الطبعة الأخيرة من المحاربين للإسلام ليقولوا : ( إن التجارب التاريخية – في الحكم الإسلامي – لم تكن إلا سلسلة طويلة من الفشل .. )

 

وقد يكون من السهام الهدامة الموجهة ضد تاريخنا في مجمله ولشخصياته تفصيلا ، ولرموزه تحديدا ما يجري من محاكمة هذا التاريخ باسم مذاهب سياسية محدثة كالقومية والوطنية ، ومن ذلك القول بأن مصر لم تعرف الاستقلال الوطني والحكم بيدي مصري منذ عشرات القرون إلا بعد الثورة المصرية عام 1952 .

ويرد على هذا أصحاب هذا القول : بأن جميع الشعوب كانت كذلك إلى عهد قريب ، انجلترا  وفرنسا،وإيطاليا وألمانيا إلخ  ، ونقول لهم ما قاله مارستون بيتس في كتابه ( الانفجار السكاني ) وهو بصدد تقسيم البشر إلى أنواع ، ومقاييس هذا التقسيم : هل هو العنصر أو السلالة ، أو الجغرافيا ، أو الثقافة ؟ حيث يقول : ( كلما أمعنا في التفكير في هذا الأمر ازداد غرابة في نظرنا ، " فالحكومة الوطنية " هي اختراع حديث العهد من الوجهة التاريخية . ويحمل الناس أحيانا الثورة الفرنسية وما تلاها من المغامرات النابليونية وزر هذا الاختراع .

أما إيطاليا وألمانيا فلم تظهرا على المسرح كأمتين إلا في عام 1870 مـ

ومما لا ريب فيه أن أمما كثيرة مثل فرنسا وانجلترا كان لها تاريخ عريق في السيادة الوطنية على مناطق لا تكاد تختلف عن حدوده الحالية ، ولكن هذا الأمر يبدو نتيجة لسلسلة من الأحداث التاريخية والجغرافية أكثر منه ظاهرة وطنية .

ومن جهة أخرى فليست هناك دولة وطنية تطابق مجموعة عنصرية واحدة .

وهناك عدد من الأمم متجانسة السكان تقريبا من وجهة النظر العنصرية ، ولكنها لا تمثل في الحقيقة إلا شطرا صغيرا من العنصر الذي يعيش فيها ، لأن القسم الأعظم من الأشخاص الذين ينتمون إلى ذلك العنصر ينتشر ما بين الأمم الأخرى .

ولقد أصبحت الخصائص الوطنية مؤخرا من المواضيع التي يوليها علماء الأجناس البشرية كل اهتمام في دراساتهم ، ويبدو أن فكرة " الرجل الإنجليزي " و" الرجل الإمريكي " أو الرجل الألماني" أصبحت الآن حقيقة واقعة ، لا تختلف بشيء عن فكرة وجود عنصر خاص أو حضارة قبلية ) الانفجار السكاني ص 79-80

والمتأمل في هذه الحقائق يجد أنه من الخطأ والظلم معا محاكمة التاريخ الإنساني السابق على هذه المفاهيم الوطنية أوالعنصرية ، وبخاصة لو أدركنا بخصوص الحضارة الإسلامية أن أبناءها كانوا في مرحلة حضارية قد تجاوزت من الناحية القيمية هذه المفاهيم ، ولو عرضت عليهم لرفضوها كما رفضوا الشعوبية ، والتجزئة ، والقبلية والعنصرية ، استمساكا منهم بالأفق الأسمى المفتوح أمامهم بتعاليم لإسلام ، والذي يطبق مفهوما ساميا من العالمية ينبني على الأخوة في الإسلام .

 

وإذا كانت هذه الحقائق  تعني نفي القول  بعصمة الصحابي فإنه وبنفس القوة والمنطق لا يصح أن تعني ونحن في منطقة  طبيعية لموقع  الصدر الأول بين المثالية والواقعية أن يفتح الباب لكي يخوض الخائضون في اختلاف الصحابة أو بعض الأخطاء لبعضهم ، ليمارسوا ما يمارسونه من تشويه التاريخ الإسلامي ، تنكرا منهم  لشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم ، وتمردا على إنجازاتهم التاريخية التي احتوت أو تماهت مع إنجازات الإسلام نفسه في فجر ظهوره ،وفي هذا شهادة أخرى لهم

إنه من المسلم به أن عصر الخلفاء الراشدين كان هو الأقرب إلى مثالية النظام الإسلامي ، كذلك فإن هذا لا يعني أنه كان عصرا عقيما لا ينجب ، ولكن يعني أنه - وبالنظرة العلمية أيضا – قابل للتكرار ، وفقا لقانون السبب والنتيجة ، فكلما حصل السبب كان لابد للنتيجة أن تحصل ، وليس في الأمر خصوصية فرد ، أو معجزة عصر ، ولكن حيث يتوفر القبول للنظام الإسلامي والرغبة فيه يظهر الإنسان المشابه والعصر المشابه لعصر الخلفاء الراشدين .

ومهما يكن من أمر فإنه ليصح القول بأن النظام الذي يثمر أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وعمرا ذلك القائد المظفر الذي لا يزال ينهل الثواب من كل كلمة لا إله إلا الله ينطق بها مسلم في مصر منذ فتحها وطرد منها الرومان وإلى قيام الساعة .. أقول إنه ليصح القول بأن هذا النظام الذي أنتج العشرات والمئات وعشرات المئات ممن نهج على نهج هؤلاء ولو على سبيل الندرة  لهو أفضل – تاريخيا وعمليا - من الأنظمة التي لم تثمر شيئا من ذلك ، إن الندرة – مع كونها كذلك – تظل مقياسا تقاس به طبيعة الأنظمة ، ومدى ما تصل إليه في مدارج الصلاح أو الفساد على مدى التاريخ .

فالنظام الذي يكون أعظم ما يصل إليه – بالندرة – أن يقدم شخصية عمر وعمرو غير النظام الذي يكون أقصى ما يصل إليه شخصية الإسكندر ، أو شخصية هتلر ، أو شخصية كلينتون ، أو بوش ، أو توني بلير ، أو شخصية " مايكل جاكسون " المغني المخنث ذائع الصيت ، أو كتاب الخنا والفجور، وما يستنسخ منهم في ثقافة  العصر وقصصه ومسلسلاته ، ولكلِّ دلالته على فضيلة عصره أو خسته.

 

ومهما يكن من أمر فإن أحدا لا ينكر أن النظام الإسلامي لم يصل قط إلى مرتبة التطبيق الكامل الذي يحلو لبعض العلمانيين أن يحاكموه عليه

.وهكذا الأمر في كل الأنظمة عند التطبيق وطنية أو قومية أو ديموقراطية أوغيرها :

على أن ذلك لا يحسب على الإسلام ضد صلاحيته التاريخية ، ولكنه يحسب له باعتباره هدفا خالدا لهذا التطبيق في سياق التاريخ .

إن سرا عظيما من أسرار بقاء الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان يكمن في أنه يعلو دائما فوق كمال التطبيق ، ليظل مثلا أعلى تسعى البشرية إلى الاقتراب منه وتجاهد في الوصول إليه.

إن أي نظام – في التطبيق – لا يجد التطبيق الأمثل الأكمل ، حتى هؤلاء المبهورين بنظم الغرب لا يجسرون على القول بأنها نظم شاهدت اكتمال التطبيق ، سواء النظم الديموقراطية ، أو الاشتراكية أو العلمانية ، وهاهو فوكوياما في مقاله الأخير وفي معرض دفاعه عن الديموقراطية الليبرالية يقرر أن عجزها التطبيقي في بعض المواقع لا يدل على فشلها . ويقول روجيه جارودي الفيلسوف الفرنسي الذي دخل في الإسلام : ( لقد أطلق مؤرخونا بحق على الأعاصير العاصفة – مثلا – التي بناها تيمورلنك بسبعمائة ألف جمجمة بعد احتلاله أصفهان : اسم الغزوات البربرية .

 ولكن مما يدعو إلى العجب أن هذه التسمية تتغير حينما يقوم الأوربيون بمثل هذه الغزوات ، فماذا نقول إذن عن إبادة الهنود الحمر في أمريكا على يد الفاتحين الأوربيين أصحاب المدافع ؟

وما ذا نقول عن تخريب أفريقيا بانتزاع عشرة ملايين إلى عشرين من سكانها السود ، وهذا يعني أن عدد الضحايا بلغ مائة مليون إلى مائتين إذ كان أسر كل أسير يكلف عشرة أفراد  ؟

وماذا نقول عن مذابح آسيا وحرب الأفيون والمجاعات التي فتكت بملايين الهنود بفضل الاستعمار وفرض الضرائب ؟

وما ذا نرى في ضحايا الحرب العالمية الأولى والثانية ؟

وماذا نرى في حرب فيتنام ؟

وماذا نرى في تشريد الشعب الفلسطيني ليحل محله شذاذ الآفاق من اليهود والصهاينة؟

وماذا نسمي النظام العالمي للسيطرة الغربية وقد أنفق – في عام واحد – هو عام 1980 – أربعمائة وخمسين مليارا من الدولارات على التسليح ؟ وتسبب في العام نفسه في موت خمسين مليونا من البشر في العالم بسبب المجاعة ولعبة المبادلات التجارية الظالمة ؟

وهكذا يعتبر الغرب – كما يقول روجيه جارودي – إلى أبد الآبدين أكبر مجرم في التاريخ .

ويذهب إلى هذا التقدير أيضا نعيم تشومسكي في كتابه " ماذا يريد العم سام " ترجمة عادل المعلم

 

ولذلك فإننا نقول للمسلمين بعامة - والدعاة منهم بخاصة – حذار ، حذار من الوقوع في الفخ ، حذار من مسايرة النقد الأعمى للتاريخ الإسلامي . إن تاريخنا هو ذاتنا في الماضي ، وهو قلعتنا في الحاضر ، وهو زادنا نحو المستقبل .

إن من حقنا أن ننظر إلى تاريخنا بعين الفاحص ، ونقد المحقق ، ووعي المتبصر ، ولكن من واجبنا أن تكون عيننا الأخرى على مؤامرات الغزو الثقافي ، ومن أهم أهدافه اقتلاعنا من جذورنا الإسلامية عن طريق تشويه تاريخنا الإسلامي وانخراطنا في المشروع العلماني الفاشل .

 

وإذا كان لأحد أن يتساءل : لماذا ينكر الجاحدون مجد الإسلام وقوة نظامه ، أو يتعمدون انتقاء الروايات الضعيفة المتهافتة من كتب الأسمار والحكايات ، ويتركون الروايات الدقيقة الصحيحة التي خدمها رجال الحديث – مثلا – على أعلى مستويات النقد ؟  فالجواب على ذلك بسيط : إنها العمالة في عملية الغزو الثقافي للإسلام ، وهي العلمانية في عملية تكريس التبعية ، ولكن وبالإضافة لذلك – فإن الأمر كما يقول  الأمير شكيب أرسلان : ( هذا الميل في النفس إلى إنكار الإنسان لماضيه وطعن آبائه بأنهم كانوا سافلين وأنه يبرأ منهم .. لا يصدر إلا عن الشخص الخسيس ، وضيع النفس ، أو عن الذي يشعر بأنه في وسط قومه دنيء الأصل ، فيسعى هو في إنكار أمته بأسرها ، لأنه يعلم نفسه منها بمكان خسيس ، ليس له نصيب من تلك الأصالة ) .

والله أعلم

 

إلى صفحة المقالات