أمريكا والكنعانيون الحمر  ...سيرة الإبادة (1-3)

 

 قال تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

 بقلم : منير العكش

 

 يجب أن تكون 'زنبورا' لتفهم هذا الهلع العصابي الذي أصاب أمريكا مع ظهور حالات الجمرة الخبيثة، فالزنبور الأمريكي  يختلف عن كل زنابير البراري في الشكل واللسع والتاريخ الطبيعي والعلاقة مع الجراثيم. إنه اصطلاح مؤلف من الحروف الأربعة الأولي لأربع خصال عرقية وأخلاقية واستثنائية تميزت بها العترة الأرستقراطية 'المختارة'، التي أطلقت 'فكرة أمريكا' وصنعت تاريخها.

 في كل الطبقات الجيولوجية لذاكرة هؤلاء الزنابير 'البيض، الأنكلو ­ سكسون، البروتستانت' مناجم غنية بمعادن موت استثنائي، بدونه لم تكن فكرة أمريكا ­ فكرة استبدال شعب بشعب، وثقافة بثقافة ­ ممكنة.

 هناك علاقة استثنائية بين هذا التاريخ الذي يرضع منذ أكثر من أربعة قرون من نسغ الموت وبين الهلع الهستيري الذي ملأ ليل الزنابير بكوابيس 'الخطيئة الأصلية' لفكرة أمريكا، واكتشف في كل ذرة من جيولوجيا الذاكرة جمرة خبيثة. ولربما كان هناك أيضا ما يشبه الاستنساخ للعقلية القيامية التي عاشها أرسطوفان في أيام سقراط، وفندها في مسرحية 'الزنابير'، وفضح فيها علي لسان بطله 'كليون' جنون أثينا بالدينونة والمحاكمة والقتل بالسموم.

 فجأة رأت ذاكرة الزنابير صورتها في المرآة: الامبراطور عاريا تطارده أشباح 112 مليون آدم وحواء ينتمون إلي أكثر من أربعمائة شعب، كانوا يملأون 'مجاهل' العالم الجديد بضحكة الحياة 'لم يبق منهم في إحصاء 1900 سوي ربع مليون'، وتلوح لعيني جلالته مشاهد 93 حربا جرثومية شاملة أتت علي حياة الملايين من هذه الشعوب. هذه الإبادة الجماعية الأعظم والأطول في تاريخ الإنسانية، والتي حاول التاريخ المنتصر محو ذكراها من وجه الأرض، أيقظتها حالات 'الجمرة الخبيثة' بكل أهوالها في مخيلة الزنابير التي بدأت تري مستقبلها في صورة ضحاياها الذين أبيدوا بجراثيم الجدري في خليج ماساشوستس، أو بمبيد الأعشاب البرتقالي وغاز الخردل واليورانيوم المستنفد في كوريا وفيتنام وما بين الرصافة والجسر.

 لم تعترف الولايات المتحدة أبدا بعدد الهنود الذين أبيدوا منذ بداية الغزو الأبيض الذي دشنه خوان َونس دوليون باكتشاف  فلوريدا في فصح 1513، فيما كان يبحث عن 'ماء الشباب' الأسطورية. إن كتبها المدرسية لا تعترف بتاريخ لهذه 'المجاهل'  قبل كولومبس، فقد كانت شبه خاوية من البشر تنتظر من الإله الذي خلع عليه أوليفر كرومويل الجنسية الإنجليزية أن يهبط فيها آدمه ليؤنس وحشتها ويعمرها بالحياة. إن الفيلم 'الوثائقي' الذي يعرض للسياح في مستعمرة َليموث 'أول مستعمرة فيما صار يعرف بنيو إنكلاند' والدليل السياحي في تمثال الحرية بنيويورك كليهما يؤكد لك أن تاريخ الإنسان في مجاهل الشمال الأمريكي، لم يبدأ إلا في أواخر القرن السادس عشر. أما تلك القلة الضئيلة المشاغبة من الهنود الذين لم يتجاوز عددهم يومها المليون فقد حفروا قبورهم بأيديهم في حروب متكافئة شريفة شفافة، كانوا هم مسئولين عن إضرام نارها وحصد أضرارها، أو أنهم 'ماتوا' قضاء وقدرا بالأمراض التي حملها الأوروبيون معهم دون قصد. وتمضي الكتب المدرسية فتصف هذا الموت القدري بأنه 'مأساة مشئومة يؤسف لها'، 'غير مقصودة'، 'لا متعمدة'، 'لم يكن تجنبها ممكنا' و'أضرار هامشية تواكب انتشار الحضارة وطريقة حياتها'، وليس لك هنا بالتالي أن تلوم، إذا أردت أن تلوم إلا القضاء والقدر. وبانتفاء النية والقصد والمسئولية عن فناء هؤلاء 'الأشقياء' يصبح الحديث عن الهولوكست الأمريكي 'متحاملا'، 'متهورا'، 'سلبيا'، 'غير مسئول'، و'ينبع من روح الكراهية' للحضارة و'طريقة حياتها'. ألا تري كيف أكرموا الهنود فرفعوا تمثال امرأة هندية فوق قبة الكاَتول، وجعلوه رمزا للحرية؟

 

* * *

 

 الأرقام الرسمية التي لا تعترف بوجود أكثر من مليون أو مليوني هندي عند وصول الإنسان الأبيض إلي العالم الجديد لا تختلف عن القول، بأن عدد اليهود في أوروبا عند وصول النازيين إلي الحكم لم يكن يتجاوز مائة ألف أو مائتي ألف يهودي،  ولربما أنه سيشجع علي القول مستقبلا إن فلسطين عند إعلان دولة إسرائيل لم يكن في مجاهلها أكثر من عشرة آلاف متوحش. إننا لا نقف هنا أمام جهل بالحساب، أو غش في صفقة تجارية، بل أمام عدم تتطاير أشلاء الذاكرة الإنسانية في هاويته، ومعها تتطاير فرص الحياة لكثير ممن تلدهم أمهاتهم في 'المجاهل'. ولأنه ليس هناك من يعرف عمق هذه الهاوية ، فإن 'المأساة المشئومة' التي واكبت انتشار الحضارة في العالم الجديد تبقي مفتوحة علي كل أنواع الثقافات والأعراق الإنسانية. هذا قدر أمريكا ورسالتها الخالدة التي كتبت لها السماء أن ترافق أشعة الشمس حيث دارت الشمس.

 إن الأرقام الحقيقية لم تتقلص بهذه الشراسة إلا لأن حقيقتها تعري أسطورة 'الأرض العذراء' التي افترعها الزنابير، أو 'الأرض الفارغة' التي نسجت من خيوطها كل أكاذيب التاريخ الأمريكي ووضعت حياة إنسانيتنا باستمرار علي شفا ذلك الثقب الأسود . هذا الإصرار علي أن عدد الهنود لم يتجاوز المليون أو المليونين عند وصول الأوروبيين، وأنه تقلص إلي ربع مليون في عام 1900 يحيل كل قصة الإبادة إلي فيلم تسلية، ويقدم لبهلوانيي التاريخ المنتصر اللغة الأورولية المناسبة لنشاط وزارة الحب. إن بإمكانهم ابتلاع هذه الحسكة الطرية الصغيرة، ولكن كيف سيبتلعون عظام 112 مليون إنسان؟

 وليس 'عامل الأمراض' بأقل لؤما. هناك مئات الكتب التي وضعها التاريخ المنتصر لما أسماه بعامل الأمراض ، وهناك مئات الأبحاث والدراسات التي تسخر من فكرة إبادة سكان أمريكا بالأسلحة الجرثومية. فالجدري والتيفوئيد والخناق والحصبة وغيرها من أوبئة العالم القديم، هي التي قفزت خفية إلي سفن المستوطنين ووصلت سرا إلي شواطيء العالم الجديد، ثم تسللت إلي أرواح الهنود في قراهم ومدنهم قضاء وقدرا.

 أما الهنود فلم يموتوا بسبب 'احتكاكهم' بالأوروبيين أو لأن هذه الأمراض كانت سلاحا من أسلحة الإبادة بل بسبب فقرهم للمناعة الكافية، خاصة أن الإنجليز الأبرياء المسالمين في ذلك الزمان كانوا لا يعرفون شيئا عن خطر هذه الأوبئة!

 

* * *

 

 بهذا المنطق يؤكد التاريخ المنتصر ان حرب الإبادة الجماعية التي أفرغت العالم الجديد من سكانها، وقضت علي أكثر من أربعمائة شعب وأمة وقبيلة كانت تنتشر في الشمال الأمريكي فوق مساحة أكبر من أوروبا بنصف مليون ميل مربع، وكل ما  واكب هذه الإبادة من فظائع كان مجرد 'مأساة غير مقصودة حدثت برغم الرغبة الجادة والأكيدة لدي الأوروبيين في الحفاظ علي حياة الهنود. إن السبب الأول لموت الهنود هو الأوبئة التي لم يكن لديهم مناعة ضدها ­ فالطبيعة، وليس الأذي المتعمد، هي السبب في هذا الدمار' وبالتأكيد فإن صاحب هذه التشويه التاريخي وأكثر المتعصبين حماسة لعامل الأمراض اليوم، هم أولئك الحصريون الذين يحبون أن يحتكروا فكرة الضحية لأنفسهم، ولا يريدون للذاكرة الإنسانية أن تسجل جريمة أكبر من الجريمة التي ارتكبها النازيون بحقهم وحدهم.

 وبهذه العنصرية التي تسللت بكل ساديتها إلي مملكة الموت أقيم متحف الهولوكست في واشنطن، علي أنقاض مدينة نكونشتناكه الهندية وفوق رمم شعب الكونوي الذي أباده الغزاة في .1623 هنا علي ضفاف نهر البوتوماك تورط المستعمرون الإنجليز تلك السنة في إحدي حروبهم الشفافة عند مفاوضاتهم مع القبائل التي كان يعيش بعضها حيث يقام  متحف الهولوكست اليوم. كان الزعيم الهندي تشيسكياك يتولي المفاوضات. وقد دشنها الإنجليز بدعوته هو وكل حاشيته من الهنود لشرب الأنخاب تعبيرا عن 'الصداقة الخالدة بين الأمتين'. وكانت أنخاب الصداقة ­ كالعادة ­ مسمومة طرحت الزعيم تشيسكياك صريعا تحت أقدام مفاوضيه وقتلت معه أسرته ومستشاريه ومائتين من حاشيته5 . ألم يكن جورج واشنطن يعلم بما يجري لشعب الكونوي ومدينته التجارية نكونشتناكه عندما أعلن أن الأرض التي اختارها لبناء عاصمته هي مجرد مستنقعات خاوية ألم يلحظ تخمة الغربان وامتلاء التماسيح؟

عبارة 'العامل الطبيعي' التي يتكيء عليها محتكرو الهولوكست لتبرير انتصار الموت، ليست في الواقع إلا الترجمة الحديثة لعبارة 'العناية الإلهية' التي استخدمها قبلهم أنبياء المستعمرين الإنجليز في أوائل القرن السابع عشر عندما قالوا إن هذه الأوبئة نعمة أرسلها الله لتطهير الأرض التي أعطاها لشعبه. ومنهم من اعتبرها، كما يروي تودوروف، معجزة لا تقل عن معجزة الأوبئة العشرة التي يقال إنها فتكت بالمصريين في زمن موسي. حتي قبل أن تبحر سفينة الحجاج الأولي ماي فلور من ساوث هامبتون، لم ينس الملك جيمس: أن يحمد الله علي هذا 'الوباء البديع الذي أزاح المتوحشين من بين أقدامنا'. وهذا ما أعاد صياغته بلغة مختلفة جون ونثروب الحاكم الأول لمستعمرة ماساشوستس في رسالة إلي ناتنيال ريش بتاريخ 22 مايو 1634، يطمئنه فيها إلي أن كل المستوطنين الأربعة آلاف في صحة جيدة: 'فبفضل الله ونعمته لم يمت منهم في السنة الماضية سوي اثنين أو ثلاثة بالغين وبعض الأطفال، وكنا نادرا ما نسمع عن مرض الملاريا أو غيرها من الأوبئة.. أما السكان الأصليون فإنهم ماتوا كلهم تقريبا بالجدري، وبذلك أعطانا الله صك ملكية هذه الأراضي'.

كانت أكوام الهياكل العظمية تنتشر علي طول شواطيء فرجينيا وكارولينا 'الشمالية والجنوبية اليوم' في منظر ألهم المستعمرين أن يسموا البلاد بالجلجلة الجديدة، لكنها 'جلجلة بهيجة أثلجت قلوب مكتشفيها لأنها آية إلهية تدل علي رضا السماء عن موت الهنود وعن مواكبة العناية الإلهية لاستعمار العالم الجديد'.

 وكان وليم برادفورد حاكم مستعمرة بليموث يري أن نشر هذه الأوبئة بين الهنود عمل يدخل السرور والبهجة علي قلب الله، 'فمما يرضي الله ويفرحه أن تزور هؤلاء الهنود وأنت تحمل إليهم الأمراض والموت. هكذا يموت 950 من كل ألف  منهم، وينتن بعضهم فوق الأرض دون أن يجد من يدفنه. إن علي المؤمنين أن يشكروا الله علي فضله هذا ونعمته. كانت هذه 'المعجزات' الإلهية صورة عن رغبات المستوطنين وطموحاتهم. فلطالما توحدت القدرة الإلهية مع الشعب المختار كما يري كوتون ماذر، أحد أبرز أنبياء الاستعمار، 'فبعد أن ظن هؤلاء الشياطين' أن بعدهم عن العالم سينقذهم من الانتقام استطاع الله أن يحدد مكانهم ويكتشفه، وأرسل قديسيه الأبطال من إنجلترا، وأرسل معهم بعض الأوبئة السماوية القاتلة التي طهرت الأرض منهم. إن الله يفسح مكانا لشعبه في هذه المجاهل إذ هو يقتل الهنود بأوبئة من أنواع مدمرة لا يعرف لها البشر مثيلا إلا ما تحدثت عنه التوراة'.

 وماتزال أرستقراطية الاجتياح إلي اليوم تقيم الصلوات والمهرجانات والتماثيل ابتهاجا بهذا الموت، الذي صنعته بأعمال السخرة تارة وبالتجويع تارة وبتبادل الهدايا المسمومة تارات. إنك لو زرت سان فرانسيسكو وسقت علي الطريق 101 أو 280 ستري فوق رأسك تمثالا عملاقا يرتفع أكثر من عشرة أمتار في السماء ويمد سبابته المكتنزة نحو الأفق كفوهة المدفع القديم. تمثال له شكل الكاَوتشينو البارد شيد تخليدا لجونيبرو سرا مدير أحد أكبر معسكرات الموت في شمال كاليفورنيا. كان سرا يتلذذ بتعذيب ضحاياه وشنقهم بالجملة، وكان صاحب الدعوة الشهيرة إلي تفعيل 'العامل الطبيعي' يذبح كل العرق الهندي: ، إن معسكره مايزال قائما إلي الآن، يحيط بفناء واسع يذكرك بضحايا فناء الكوليسيوم الروماني، وتتقدمه مقبرة كبيرة تجوس فيها أشباح الجلاد المقدس. حتي داروين نفسه في رحلته الاسطورية علي متن السفينة بيجل إلي كثير من بقاع أمريكا وعدد من الجزر و'المجاهل' التي سبقته إليها سفن الغزاة، لاحظ هذا التلازم بين ظهور 'العامل الطبيعي' وبين الاجتياحات الأوروبية، وكتب في مذكرات رحلت ملاحظة لا تقل أهمية عن نظريته في الانتخاب الطبيعي فقال: 'إنه حيثما خطا الأوروبيون مشي الموت في ركابهم إلي أهل البلاد' 'التي يجتاحونها'. وكذلك لاحظ هوارد سيمبسون في مقدمة كتابه الرائع عن دور الأمراض في التاريخ الأمريكي 'جيوش خفية' أن المستعمرين الإنجليز لم يجتاحوا أمريكا 'بفضل عبقريتهم العسكرية، أو دوافعهم الدينية، أو طموحاتهم، أو وحشيتهم، بل بسبب حربهم الجرثومية التي لم يعرف لها تاريخ الإنسانية مثيلا'.

 

 

 حرب الجراثيم وأخواتها

 

 قبل فحص وثائق هذه الحرب الجرثومية، لابد من النظر في بعض العناصر المساعدة التي   رافقتها، فهناك اليوم أكثر من  دليل علي أن هؤلاء الذين ينشرون الأوبئة حيثما تطأ أقدامهم، كانوا يعرفون من تجاربهم السابقة أن سياسة العمل بالسخرة والتجويع الإجباري والترحيل الجماعي وتقويض معنويات الضحايا، تشحذ أنياب الأوبئة وتزيدها فتكا. إن معظم هؤلاء القديسين تمرسوا في الإجتياحات الإنجليزية لإيرلندا، أو في الحروب مع الأتراك. ومعروف أن الكابتن جون سميث مؤسس أول مستعمرة إنجليزية دائمة في العالم الجديد، بدأ نشاطه العسكري ضد الإسبان قبل أن يدرك العشرين، ونال رتبة كابتن حين تطوع في الجيش النمساوي وحارب العثمانيين الذين أسروه وباعوه عبدا لرجل تركي. وقد أمضي سنتين في العبودية قبل أن يقتل سيده ويهرب عائدا إلي إنجلترا.

 وفعلا فقد كان نظام السخرة من أفتك أسلحة الأوبئة في فلوريدا وتكساس وكاليفورنيا وأريزونا ونيومكسيكو. كان الهدف المعلن هو تمدين هؤلاء المتوحشين جسديا وإنقاذ أرواحهم أخرويا. وبالطبع، كان لابد من 'أضرار هامشية' ترافق انتشار الحضارة وطريقة حياتها. فحملات التمدين والتطهير الروحي لم تكن إلا مصائد خرافية لتعليب هذا السردين الآدمي. كان هناك جنود مدربون علي هذا الصيد يطاردون الهنود كما يطارد رعاة البقر جواميس البراري، عبر أسوار منصوبة علي  شكل زاوية حادة تظل تضيق عليها وتضيق إلي أن يصبح أمام هذه البهائم الغافلة 'خيار وحيد' اسمه المصيدة.

 مصائد أشبه بحظائر الكلاب، لا يخرجون منها إلا للتغوط الجماعي المقنن في حفر مفتوحة، أو للعمل الإجباري في الحقول والطواحين والأعمال القذرة من الصباح إلي المساء. خلال أسابيع قليلة كان الهندي يموت من المرض والإجهاد وسوء التغذية، فقد كانت كمية الطعام التي تقدم للعبد الأسود تعادل ثمانية أضعاف الطعام الذي يقدم للهندي. ولم يكن ذلك حبا  بأفريقيا أو غراما بالسود أو تمييزا عنصريا، بل كان سببه الأول والأخير أن الهنود أرخص من السمك، فهم في متناول اليد وكلفة استبدالهم أرخص من إطعامهم، أما استيراد العبد الأفريقي فدونه خرط المحيط.

 

* * *

 

 في عام 1846 احتلت جيوش الولايات المتحدة كاليفورنيا. وتقول الإحصائيات إن عدد هنود كاليفورنيا في تلك السنة كان أقل من ربع ما كانوا عليه في عام .1769 ومع ذلك فخلال العشرين سنة الأولي من احتلال هذه الولاية أبيد 80 بالمائة من هذا 'الربع' بسبب نظام السخرة. إن 'ثروة الأمم' التي أعطت السلطة السياسية لأصحاب مناجم الذهب والمزارع الأسطورية سرعان ما شرعت استعباد الهنود كسلاح غير مباشر، لإبادتهم كما تم قبل ذلك في كولورادو وغيرها من ولايات الذهب.  ولأنه لابد من يد عاملة رخيصة لاستثمار هذه الولاية الغنية، فقد نشطت تجارة خطف أطفال الهنود. ولطالما كتبت صحف تلك الفترة عن الشاحنات المحشوة بأطفال الهنود، وهي تهوي في الطرقات الريفية الخلفية إلي أسواق العبيد في سكرامنتو وسان فرانسيسكو. ومع نقص عدد النساء في سنوات الاحتلال الأولي فقد زاد الإقبال علي خطف الفتيات اللواتي يقدمن خدمة مضاعفة: العمل والمتعة. وهذا ما أحال آباء هؤلاء المخطوفين إلي 'عناصر شغب' تستأهل العقاب، وأدي كذلك إلي هرب معظم الأسر الهندية من منعزلاتها وأماكن سكنها التقليدية. أما شركات الخطف فقد تحولت إلي ميليشيات خيرية، إذ صار الخاطفون يقتلون الآباء ويشاركون الدولة في القضاء علي عناصر الشغب، بينما يعتبرون خطف اليتامي وبيعهم مهمة إنسانية نبيلة وعملا أخلاقيا يتباهون به.

 

* * *

 

 في أوائل 1850، وفي أول جلسة تشريعية لكاليفورنيا سنت الولاية قانون 'حماية الهنود' الذي أضفي الشرعية علي خطفهم واستعبادهم، واقتضت 'حماية' الهنود بموجب الملحقات التي أضيفت إلي القانون في عام 1860 إجبار أكثر من عشرة آلاف هندي علي أعمال السخرة. ولأن معظم الذين هربوا بأرواحهم وفراخهم إلي الغابات والجبال الوعرة صاروا يعيشون، في ما أصبح يسمي بأملاك الولايات المتحدة، فقد تحولوا بموجب قوانين الذين سرقوا بلادهم إلي 'لصوص معتدين علي أملاك الغير'. ولم تمض سنة علي صدور قانون 'حماية الهنود' حتي ضاق حاكم الولاية بيتر بيرنت ذرعا بحمايتهم وعبر عن الحاجة إلي إبادة هذا 'الجنس اللعين'، ووجه رسالة إلي المجلس التشريعي قال فيها 'إن الرجل الأبيض الذي يعتبر الوقت ذهبا، والذي يعمل طول نهاره ليبني حياة سعيدة لا يستطيع أن يسهر طول الليل لمراقبة أملاكه.. ولم يعد أمامه من خيار سوي أن يعتمد علي حرب إبادة. إن حرب الإبادة قد بدأت فعلا، ويجب الاستمرار فيها حتي ينقرض الجنس الهندي تماما'.

 

* * *

 

 ولم يكن الذين تم ترحيلهم جماعيا بأحسن حالا من الذين خضعوا لأعمال السخرة والاستعباد.

 فبعد أن سن الكونجرس في عام 1830 قانون ترحيل الهنود بالقوة من شرق المسيسبي إلي غربه، صار من حق كل مستوطن أن يطرد الهندي من بيته وأرضه وأن يقتله إذا لم يستجب لصوت العقل.

 وكانت 'رحلة الدموع' أولي ثمار هذا القانون. يومها حاصرت قوات من الجيش النظامي من لم يمت بعد من هنود خمسة شعوب هم الشيروكي والشوكتو والشيكسو والكريك والسيمينول وحشرتهم في معسكرات جهزت سلفا لتجميعهم في انتظار يومهم الموعود مع 'الحضارة وطريقة حياتها'. وما أن تأكد الجيش أنه لم يبق بيت ولا كوخ ولا خيمة ولا كهف ولا غابة ولا  مقبرة تؤوي شبحا أحمر حتي سيقت بقايا هذه الشعوب بنسائها وأطفالها وشيبها وعجزتها مئات الأميال عبر ولاية تنسي، فكنتكي، فإلنويز، فيمزوري ليقطفها الصقيع والجوع والمرض والإجهاد روحا فروحا. وككل حفلات الموت التي ترعاها الحكومة فإن منظمي رحلة الدموع ساقوا الهنود عن قصد عبر مناطق يعرف القاصي والداني أنها كانت موبوءة بالكوليرا وغيرها من الأمراض، وأطعموا ضحاياهم من طحين فاسد ولحم منتن.

 كان 'العامل الطبيعي' في أوج نشاطه، فقد مات 15 بالمائة من مهجري شعب الشوكتو الأربعين الفا، وكذلك كانت نسبة من تساقط من شعب الشيكاسو. أما شعبا الكريك والسيمينول فمات منهم أكثر من نصف مهجريهم، سقط معظمهم في الأيام الأولي لرحلة الدموع، بينما حصدت الحمي الصفراء منهم 3500 ضحية. ومات من مهجري شعب الشيروكي 55 بالمائة بالأمراض والجوع والإجهاد المضني الذي عانوه أثناء الترحيل القسري.

 

* * *

 

 ويقول جيمس موني الذي استجوب عددا من الذين شاركوا في عملية الترحيل: 'لقد تم نشر الجيش في معظم مناطق الشيروكي، وبدأ الجنود بتمشيط المدن والقري والغابات والكهوف وضفاف الأنهار لصيد الناس وجمعهم في حصون. كان هؤلاء يرون بأعينهم كيف تأكل النيران بيوتهم وحقولهم وقراهم علي يد مستوطنين يزحفون وراء الجنود للسرقة والنهب  واغتصاب أملاكهم بما في ذلك نبش الفضة والذهب والأحجار الكريمة من باطن قبور أهلهم وأحبابهم'.

 وكان ذلك القرن قرن الترحيل القسري المنظم لكل الشعوب الهندية التي كانت تعيش شرق المسيسيبي. فما جري للشيروكي تكرر بصورة كلاسيكية مع كل الشعوب الهندية في الشمال الأمريكي، من حدود المكسيك جنوبا حتي القطب شمالا، ومن ماريلاند وفرجينيا شرقا حتي أورجون وواشنطن علي المحيط الهادي، كلهم قضوا بنسب متفاوتة، بين شعوب اختفت تماما من الذاكرة البشرية وشعوب تتراوح نسبة الناجين منها بين 15.5 بالمائة مما كانت عليه بعد موجات الإبادة الأولي التي اشترك فيها الإسبان بشكل أساسي ومعهم بعض الشعوب الأوروبية الأخري مثل البرتغال والفرنسيين والألمان. فبعد أقل من ثلاثين سنة مضت علي 'رحلة الدموع' سيق من تبقي من شعب النافاهو أيضا في هجرة قسرية مختلفة تعرف باسم 'المسيرة الطويلة.

 في البداية، تكاتفت جهود الجيش والمستوطنين لصيد 'آخر النافاهو' وتجميع طرائدهم في معسكر خاص بأريزونا استعدادا لترحيلهم مشيا علي الأقدام أو علي ظهور الدواب التي نفق معظمها قبل الإقلاع. ثم تولت قوي الجيش ترحيلهم من أريزونا إلي نيومكسيكو، أكثر من أربعمائة كيلو متر في صقيع شتاء تلك الطبيعة الوحشية حيث مات منهم نصف أحيائهم بحسب أكثر التقديرات تواضعا. كذلك خسر شعب الشايين نصف بقاياه النادرة أثناء ترحيله بالقوة إلي مثواه الأخير في معسكر للموت البطيء في أوكلاهوما. وهناك تعرضوا لسياسة التجويع والحصار التي لم ترفع عنهم جزئيا إلا بعد التوقيع علي اتفاقية تنازلوا فيها عن معظم أراضيهم.

 

* * *

 

 سياسة التجويع والتدمير الشامل للبني الاقتصادية اللازمة للحياة كانت من أهم أسلحة الإبادة سواء في أثناء الترحيل القسري حيث كان الطعام قليلا وملوثا، أو في معسكرات المثوي الأخير حيث تكفلت سياسة التجويع غالبا بصياغة بنود اتفاقيات الهدنة. ويروي كينيث كارلي في 'انتفاضة شعب سو1862' كيف تعرض هنود سانتي داكوتا المسالمون للتجويع القاتل، وكيف أن أندرو ميريك مفوض الدولة الاتحادية للإعاشة أجاب علي احتجاجاتهم قائلا لزعيمهم تاويادوتاالمعروف باسم الغراب الصغير: 'إذهب أنت وشعبك فكلوا من حشيش الأرض وإذا شئتم فكلوا خراءكم'. عندها لم يتمالك تاويادوتا أعصابه فهجم علي المفوض وقتله ثم حشا فمه ­ وكان مهذبا ­ بالحشيش فقط. وهذا ما أدي إلي تعليق مشانق كل زعماء السانتي وإلي انتفاضة شعب السو الشهيرة عام .1862 دأت سياسة التدمير الشامل لكل أسباب الحياة الهندية في العالم الجديد منذ اللحظة الأولي لشروق الشمس الإنجليزية علي جزيرة روانوك التي استقبلهم أهلها عام 1580 بالترحاب فأقطعوهم ماشاءوا من الأرض وآووهم وكسوهم وأطعموهم الطعام علي حبه وعلموهم أسباب البقاء في هذه الطبيعة الغريبة عنهم. ولكن ما أن اشتد ساعدهم قليلا حتي راحوا يخترعون الأعذار للقتل العشوائي ويتحينون الفرص لإتلاف المحاصيل وإحراق القري والحقول وقطع أسباب الحياة عن الهنود عمدا.

 وكان الهنود قد لاحظوا منذ الأيام الأولي أن المستعمرين كانوا ينبشون القبور لسرقة ما فيها أو لأكل جثثها الطازجة أحيانا

 ثم تصاعدت خطة التجويع والتدمير الاقتصادي وازدادت تنظيما وتركيزا واستهدافا علي مدي القرنين التاليين إلي أن أصبحت في القرن التاسع عشر سياسة رسمية معلنة للولايات المتحدة الأمريكية، كما يروي إدموند مورغن.

 وكانت مستعمرة جيمستاون، وهي أول مستعمرة إنجليزية دائمة في شمال أمريكا، قد رسمت الملامح الأساسية لهذه السياسة في عام 1610، أي بعد أقل من ثلاث سنوات من تأسيسها عند مصب النهر الذي سمي باسم جلالة الملك جيمس. فتحت عنوان 'حق الحرب' أعلنت هذه السياسة ­ كما نشر بيانها بعد ذلك في لندن عام 1622 ­ عن حق الإنجليزي باعتباره  من 'الشعب المختار' المتفوق بالوراثة في 'أن يجتاح البلاد ويدمر أهلها'.. 'حيثما تحلو لنا مواطنهم الخصبة.. وأراضيهم التي سنستوطنها بعد تطهيرها من سكانها. إنها مجرد 'أضرار هامشية' ترافق انتشار الحضارة وطريقة حياتها. فتحقيق هذه السياسة التوسعية يحتاج بالتأكيد إلي موجات متلاحقة من الترحيل القسري والمذابح الجماعية وما صار يعرف لاحقا بعقيدة 'القدر المتجلي' التي تقول بحتمية وقدرية التوسع الأمريكي والزحف مع دوران الشمس حيثما تدور من الشرق إلي الغرب، وهي العقيدة التي استعارها هتلر بعد حوالي نصف قرن بكثير من التواضع والحذر وسماها 'سياسة المجال الحيوي'.

 

* * *

 

 وكان مجلس فرجينيا قد أضاف إلي بيان 'حق الحرب' بندا أساسيا لتزييت سياسة التوسع بمعاهدات سلام واتفاقيات تخدر الفرائس إلي أن يحين وقت صيدها، وتمنح شعب الله فرصة أفضل للمباغتة والتدمير. لم يكن لاتفاقيات السلام إلا هدف واحد هو خرق هذه الإتفاقيات. فحين يطمئن الهنود إلي أن الاتفاقية قد كفتهم شر القتال وهم الحذر والحراسة عندها 'كما يقول مجلس دولة فرجينيا' 'يتوجب علينا أن نغتنم الفرصة فنفاجئهم ونتلف محاصيلهم ونحرق حقولهم'.

 في غارة واحدة، كما يروي جيمس أكستل في كتابه 'مابعد كولومبس'، أتلف المستوطنون كمية من الذرة كافية لإطعام أربعة آلاف إنسان لمدة سنة كاملة'. بينما يقدم فيليب بروس في كتابه عن 'التاريخ الاقتصادي لفرجينيا' حسابا آخر لهذه الغارة فيقول إن الإتلاف طال ثلاثة آلاف فدان من الحقول. وفي أواخر الشتاء اعترف هنود امبراطورية البوهاتن بأن عدد موتاهم تلك السنة أكبرمن عدد كل الذين ماتوا خلال الخمس عشرة سنة الماضية التي 'استضافوا' فيها الإنجليز بينهم. وكانت هذه الامبراطورية من أكبر فيدراليات شواطيء الأطلسي الوسطي، تزيد مساحتها علي مساحة الجزيرة البريطانية وينضوي تحت لوائها خمسة شعوب هندية وعدد كبير من القبائل الصغيرة لا يقل عددها عن عدد سكان إنجلترا في تلك الأيام، لكنها، بعد أقل من عشرين سنة من الوجود الاستعماري الانجليزي 'لم تعد أمة' كما أوضح المستوطن روبرت بينت في رسالة شماتة كتبها إلي أخيه إدوارد في 9 يونيو/ حزيران .1623 عشرون سنة وتحولت هذه الامبراطورية العظيمة إلي ما هو 'أقل من أمة'.

 واستمرت إبادة البوهاتن بانتظام ودأب وتصميم، إذا كان يقتل منهم المئات في مناوشة بعد مناوشة، ويقتل المئات بالتسميم الجماعي أو في طراد كلاب الصيد الدموية وكلاب الحراسة التي كانت تتعقبهم.

 وكانت دعوات المستعمرين إلي السلام لا تتم إلا حين الحاجة إلي الاستجمام والراحة وتحضير السموم.

 وقبل أن ينتصف القرن أسر خليفة َوهاتن المعروف باسم أويشنكنو وألقي به في زريبة صغيرة حيث عومل كما تعامل البهائم. ولحسن حظه فقد أطلق مستوطن عليه النار من خلفه فقتله وأنهي عذابه بعد أسبوع من أسره. وكان زعيم البوهاتن يومها عجوزا ضريرا عاجزا عن المشي.

 بعد حوالي قرن من 'انتشار هذه الحضارة وطريقة حياتها' شاءت معجزات 'العناية الإلهية' أن لا تبقي من سكان إمبراطورية الَوهاتن أكثر من 600 إنسان حي، وأن تجعل بلادهم 'مغطاة بالهياكل والجثث التي لم تجد أحدا يدفنها'.

 ولم تكن امبراطورية بوهاتن فريدة في مصيرها، فقد تبنت يومها كل المستعمرات الانجليزية خطة مشتركة أطلقها وليم بيركلي حاكم فرجينيا المتهم من قبل منافسه ناتنيال بيكون بسياسته الممالئة للهنود! وتقتضي الخطة التي وضعت حدا للجدال حول أولوية الإبادة أم الاستعباد بتنظيم حملات إبادة لكل البالغين الذكور علي أن يتم تمويل هذه الحملات من عائدات بيع الأطفال والنساء في أسواق العبيد0

 

* * *

 

 وأعيد سيناريو العمل بالسخرة والتجويع الاجباري والترحيل الجماعي وتحطيم المعنويات مع كل مرحلة من مراحل التوسع. ففي عام 1870، كما يروي ريتشارد درينون في كتابه التحليلي لعنصرية الزنابير 'حارس معسكرات الإبادة '

 اجتاح الجنرال جورج كلارك مناطق هندية تابعة لما صار يعرف اليوم بولايات أوهايو وإنديانا وإلينريز، وكتب في تقديره للأضرار 'الهامشية' الأولية: 'إن أكثر من خمسمائة هكتار من حقول الذرة تم إتلافها، إضافة إلي مزارع كل ما يمكن أكله من خضار ومزروعات حول مدينتي شيليكوت وبيكا الهنديتين التابعتين لشعب الشاوني'. وبيكا وبعد خمسة عشر عاما كتب الجنرال أنتوني واين المعروف لدي أصدقائه وأعدائه باسم أنتوني المسعور 'لعله جد الممثل الكاوبوي جون واين' بعد حملة علي شعب الشاوني وحلفائه: 'أمضينا ثلاثة أيام بلياليها علي ضفاف المومي.. ونحن ندمر البيوت والقري ونتلف حقول الذرة الممتدة إلي نهاية الأفق. وفي بعض الأحيان أحرقنا حقولا للذرة كانت تمتد أكثر من خمسين ميلا 'حوالي 80 كلم' علي ضفة النهر'.

 

* * *

 

 وعلي خطي المستعمرين الأوائل الذين أبادوا شعب البيكو فشعب الناراغنست وغيرهما من شعوب المنطقة التي أطلقوا عليها إسم 'إنجلترا الجديدة' قام مستعمرو كارولينا بإبادة شعب التوسكارورا أحد أكبر شعوب المنطقة وأكثرها قوة ورخاء. وتحت الأعذار الكثيرة التي يتقدمها عذر أن الهنود اعتدوا علي المستعمرين المسالمين فلم يسمحوا لهم بالأستيطان السلمي والتوسع السلمي والنهب السلمي، تم إتلاف محاصيل التوسكارورا وحقولهم ومزارعهم وتعريضهم للجوع والاقتلاع وقضم حياة أبنائهم مناوشة بعد مناوشة. غير أن هذا التدمير المنظم بلغ ذروته ما بين 1711 و 1713 عندما أقنع المستعمرون شعوب الموسكيجي والشيروكي والكاتاوباس بأنهم أصدقاء مسالمون، وأن العدو الذي يهدد الحضارة والحياة هو شعب التوسكارورا القوي، وأن من مصلحة الإنجليز وكل الشعوب الهندية 'المتحضرة' أن يتحالفوا مع الإنجليز ويضعوا حدا لعدوانه وخطره. هكذا بدأ 'التحالف' بسلسلة من الغارات علي قري ومدن التوسكارورا وعلي عاصمته نيهوروكا فأحرقها وأباد أهلها وشرد الكثيرين منهم إلي الشمال حيث التحقوا بالأمم الخمس. غير أنه لم تمض سنوات أربع حتي دارت الدائرة علي 'الحلفاء' الذي تجردوا سريعا من لقب 'التحضر' ولم يكن مصيرهم بأحس من مصير إخوانهم 'الوحوش'.

 

* * *

 

 كان الغزاة الأوائل يسمون بالحجاج أو القديسين. ومايزال التاريخ الأمريكي إلي الآن يضفي عليهم قداسة طوباوية ويعتبرهم أول نموذج للاستثناء الأمريكي الذي فضله الله علي العالمين وأورثه ما أورث بني إسرائيل من قبل، وجعل العهد الذي عقدوه مع الله علي متن سفينتهم الأسطورية Mayflowerمن اللحظات النادرة الخالدة في التاريخ الإنساني كما يقول الرئيس الأمريكي جون أدامس، فعهدهم مع الله جب عهد الإسرائيليين القدامي، وتأسيس مستعمرتهم علي صخرة َليموث ضاهي تأسيس الكنيسة علي صخرة بطرس.

 قصة هؤلاء 'الحجاج' هي الأصل الأسطوري لكل التاريخ الأمريكي ومركزيته الإنجليزية العنصرية . ومايزال كل بيت أمريكي يحتفل سنويا في 'عيد الشكر' بتلك النهاية السعيدة التي ختمت قصة نجاتهم من ظلم فرعون البريطاني و'خروجهم' من أرضه، و'تيههم' في البر، و'عهدهم' الذي أبرموه علي ظهر سفينتهم مع الله، ووصولهم في النهاية إلي 'أرض الميعاد'.

 ويعتبر هذا العيد الطقسي الذي يبجله الأمريكيون وطنيا ودينيا أكثر من أي عيد آخر، بما في ذلك عيد الاستقلال، من أكثر أعياد أمريكا قدسية.. في هذا العشاء الطقسي الذي يذبحون فيه سنويا بين عشرين وثلاثين مليون 'تركي' شكرا لله الذي وقف منذ اللحظات الأولي لاستعمار أمريكا إلي جانب شعبه يستعيد الأمريكيون أسطورة تاريخهم بكل ما يعنيه مرسيا إلياد بطقسية الاحتفال بالأسطورة. فهو طقس يتضمن تقديس فعل الاستعمار الاستيطاني والتأكيد علي التفوق الطبيعي والأخلاقي للمستعمرين، وهو تأكيد علي صدق الأسطورة وحياتها المتجددة، وهو احتفال برعاية الله لكل عناصر أسطورة الولادة المقدسة للتاريخ الأمريكي، وهو ­ من خلال هذا الطقس الاحتفالي ­ يؤكد علي التسامي بالأسطورة ومعايشتها كدين.

 

* * *

 

 وتقول الأسطورة إن الحجاج اختاروا بليموث لجمالها وجداول مياهها العذبة وخيرها الوفير وحقولها الخصبة، كما تعترف بأن هنود البيكو أنقذوهم من الموت جوعا وأنهم لهذا أولموا لهم ودعوهم للاحتفال معهم فيما صار يعرف بعد أكثر من قرنين 'عام 1890' بعيد الشكر. علي الضفة الأخري لهذه الأسطورة يعتقد الهنود الذين قدموا للحجاج مالم يقدمه الأنصار للمهاجرين أن الجحود هو المعني الحقيقي لعيد الشكر، لا لأن العيد كان حصادهم الذي كانت تحتفل به الشعوب الهندية الشرقية سنويا، ولا لأن طعام ذلك العيد كان من صنع أيديهم ومن حلال مالهم وحقولهم وديكة غاباتهم، وإنما لأنهم عضوا اليد التي أطعمتهم وسقتهم وانتشلتهم من الموت المحقق.

 كانت سياسة الإذلال والترويع التي انتهجها الحجاج ومن قبلهم مستعمرو فرجينيا أفضل تعبير عن شكرهم للضيافة الهندية. فكثيرا ما كانوا يقتلون الهنود الذين يحملون إليهم الطعام والهدايا، بل كانوا يقدمون لهم المغريات الكثيرة لزيارتهم من أجل أن يكمنوا لهم ويقتلوهم. وكانت الوسيلة المحببة لاستدراجهم واستخراج ذهبهم خطف أولادهم لما لاحظوه من تراحم الأسرة الهندية فيما بينها وتكافلها ورعايتها لأطفالها.

 لقد أعطي هنود البيكو للحجاج ما أعطاه قبلهم هنود البوهاتن لمستعمري فرجينيا وعلموهم كيف يزرعون الأرض وكيف يعتمدون علي خيراتها. فإذا كان للحجاج أن يشكروا أحدا فليشكروا هنود البيكو، أو ليشكروا سكوانتو علي الأقل، هذا الطفل الهندي الذي خطفه نخاس إنجليزي صغيرا فاستعبده في بريطانيا ثم باعه في ملقا، ثم هرب من العبودية مرتين فعاش في بريطانيا وإسبانيا قبل أن يبدأ رحلة العودة إلي وطنه ويقطع المحيط الأطلسي ذهابا وإيابا ست مرات لاقي فيها من الأهوال ما يجعل من أوديسة أوليس سباحة في بركة البيت. لقد عاد سكوانتو إلي َليموث في عام 1619 ليجد أن 'العامل الطبيعي' قد أباد كل قبيلته. ثم إنه عمل مترجما متطوعا بين الحجاج وبين الهنود. وتكشف قصة سكوانتو مع الحجاج التفوق الأخلاقي والعقلي والحضاري للهنود.

 وتروي عشرات الكتب التي أرخت لهذا الفتي الأسطورة وعشرات الأفلام وقصص التبشير التي استلهمت سيرة حياته وجنت منها الملايين كيف انتشل سكوانتو أسطورة أمريكا من الموت في شتائها الأول حين أحضر للحجاج الطعام وعلمهم كيف يزرعون الذرة واليقطين وأنواع الحبوب والقرعيات، وكيف يصطادون السمك ويسمدون الأرض ببعض أنواعه، بل وكيف يغتسلون ويتخلصون من قذارتهم وروائحهم الكريهة عبثا. وتتحدث فيني زاينر في كتابها عن سكوانتو وروبرت لويب في كتابه عن 'حقيقة الحجاج' وفرانسيس جننغزفي 'اجتياح أمريكا' كيف إن سكوانتو لاحظ أثناء حياته في أسبانيا وإنجلترا أن الأوروبيين يكرهون النظافة وقلما يغتسلون أو يبدلون ثيابهم وكيف إنه تقزز من روائح الحجاج الكريهة وحاول عبثا إقناعهم بالاغتسال والنظافة.

 لقد أتي 'العامل الطبيعي' علي حياة سكوانتو سريعا فألحقه الجدري بأهله الهنود وإن كان الحاكم وليم برادفورد ­ وهو من أبرز من أبرموا العهد مع الله علي متن سفينة الحجاج ماي فلور ­ قد تمني له مآلا أرفع من مآل أهله وثني كنعان الجديدة فرثاه ودعا له بأن تصعد روحه إلي الرفيق الإنجليزي الأعلي في السماء وقد كانت تلك الصلاة عمليا آخر عيد للشكر شهدته أمريكا.

 بعد حوالي 15 سنة علي مصرع سكوانتو أتم الحجاج المرحلة الأولي من إبادة هنود البيكو وحلفائهم بالقتل المباشر وبتدمير كل أسباب حياتهم الاقتصادية، لكن جون مايس الذي أسس قواعد مستعمرة كونتيكت وكتب 'التاريخ الوجيز لحرب البيكو' يري أن القتل المباشر كان السلاح المفضل لدي الحجاج، وأن حرق الحقول والمزارع كان عاملا إضافيا. كان مايسون كغيره من أنبياء المستعمرات يعتقد أنه رسول العناية الإلهية إلي 'أرض كنعان الفارغة' ولطالما أكد علي أن الله هو الذي وعدهم بأرض كنعان التي لا يوجد فيها إلا القليل من البشر.

 وهكذا لم تمض ستون سنة علي ولادة الأسطورة الأمريكية حتي قضي الحجاج ونسلهم المقدس علي الكنعانيين هنود البيكو والنيانتك عبر حرب تدمير منظمة شاملة للقري والمدن والحقول وكل ما يعتبر ضروريا لاستمرار الحياة.

 في عام 1970 سألت وزارة التجارة في ولاية ماساشوستس بقايا هنود الوامبانوج أن يختاروا منهم خطيبا للمشاركة في الاحتفال بالذكري 350 لعيد الشكر، ولكن بشرط أن تعرض الكلمة علي 'زنابير الوزارة' قبل قراءتها. واختير فرانك جيمس لهذه المهمة، فكتب كلمته وأرسلها إليهم.

 وبالطبع لم يسمحوا له بالمشاركة. وكان مما كتبه هذا الهندي: 'هذا يوم عيد لكم وحدكم. إنه ليس عيدي. إنني أنظر إلي ما حدث لشعبي بقلب منفطر، فبعد يومين أو ثلاثة أيام من وصول الحجاج إلي 'كايب كود' بدأوا بسرقة قبور أجدادي ونهب ما لديهم من ذرة وقمح وحبوب. لقد شاهد القائد الهندي العظيم ماساسيوت زعيم شعب وامبانوج ما فعله الحجاج، ومع ذلك فإنه هو وشعبه جميعا رحبوا بالمستوطنين وأبدوا لهم خالص الود.. إنه لم يكن يعرف أنهم بعد أقل من خمسين سنة سوف يبيدون شعب الوامبانوغ وغيره من الشعوب الهندية المجاورة وسوف يقتلونهم جميعا بالبنادق أو بالأمراض. نعم لقد أبادوا طريقتنا في الحياة وقضوا علي لغتنا.. فلم يبق منا إلا القليل من الأحياء. وإنني حزين. وهذا ليس عيدي'.

 

* * *

 

 أدي تطبيق تقنيات العمل بالسخرة والتجويع الاجباري والترحيل الجماعي وتحطيم المعنويات إلي شحذ أنياب 'العامل الطبيعي' وإلي ما يعرف بالشتات الكبير الذي اقتلع عددا كبيرا من الشعوب الهندية من أوطانها وساقها إلي الغرب أو إلي الشمال الكندي فرارا بحياتها وحياة أبنائها من الإبادة الشاملة. وقد كان هذه التدمير سياسة متعمدة سرعان ما اتضحت معالمها مع ما يسمي بحروب الاستقلال. ففي حملة 1776 علي هنود الشيروكي 'حلفاء' البريطانيين تم إحراق المدن الهندية بمن لم يستطع الفرار منها، وأتلفت محاصيل الذرة، وسيق من بقي من الشيروكي إلي الغابات ليفنوا. ولم تمض ثلاث سنوات حتي أصدر جورج واشنطن أوامره إلي الجنرال جون سوليفان بأن يحيل مساكن هنود الأوروكوا إلي خراب، وأن لا يصغي لنداء السلام حت تمحي قراهم ومدنهم وآثارهم من وجه الأرض. وبعد أن نفذ الجنرال أوامر واشنطن كتب إليه يبشره بتحويل هذه 'المنطقة الجميلة من حديقة بديعة إلي أطلال مهجورة تثير الرعب والمقت'. وفي رسالة إلي جيمس دواين السناتور والمفوض السابق للشئون الهندية فسر جورج واشنطن المفهوم الأمريكي للأضرار الهامشية التي ترافق انتشار الحضارة فقال: 'إن طرد الهنود من أوطانهم بقوة السلاح لا يختلف عن طرد الوحوش المفترسة من غاباتها'. هكذا أطلق هنود السينيكا علي أبي الجمهورية الأمريكية الأعظم جورج واشنطن اسم 'هدام المدن' ، فبموجب أوامره المباشرة تم تدمير 28 مدينة من أصل 30 من مدن هنود السينيكا وحدهم، من البحيرات الكبري شمالا erie حتي نهر الموهوك ، وفي فترة قياسية لا تزيد علي خمس سنوات. وهذا ما فعله أيضا بمدن وقري الموهوك والأونونداغا والكايوغا ، حتي إن أحد زعماء الأروكوا قال لواشنطن ذات لقاء في عام 1792: 'عندما يذكر اسمك تلتفت نساؤنا وراءهن مذعورات، وتشحب وجوههن، أما أطفالنا فإنهم يتشبثون بأعناق أمهاتهم من الخوف'.

 ومضي الآباء المؤسسون جميعا علي خطي واشنطن، كما بين ذلك ريشارد درينون في فصل كامل خصصه لذلك. حتي توماس جفرسون نفسه 'رسول الحرية الأمريكية' وكاتب وثيقة الاستقلال أمر وزير دفاعه بأن يواجه الهنود الذين يقاومون التوسع الأمريكي بالبلطة، وأن لا يضع هذه البلطة حتي يفنيهم أو يسوقهم وراء المسيسيبي. نعم إنهم قد يقتلون أفرادا منا، لكننا سنفنيهم ونمحو آثارهم من هذه الأرض. إننا مجبرون علي قتل هؤلاء الوحوش أو طردهم مع وحوش الغابات إلي الجرود.

 وتروي إرنا غنثر في كتابها المثير عن مشاهدات الرحالة والمكتشفين وتجار الفرو في أواخر القرن الثامن عشر كيف دمر المستعمرون صروحا فنية فريدة لا تعوض فتقول 'إن إحدي قري هنود النوتكا وتسمي opitstaeh كانت تضم مائتي بيت في غاية الابداع. فهي جميعا مرسومة الجدران والسقوف ومزينة بتماثيل غريبة الأشكال. أما شبابيكها وأبوابها فلها شكل كائنات حية، ولكي تدخلها فإن عليك أن تعبر بابا له شكل الإنسان ورأس أحد الحيوانات. إنها ثمرة أجيال من العمل الفني دمرت في لمح البصر وقتل جميع أهلها في مذبحة جماعية قال القائد الذي ارتكبها أنه فعل ما فعل مأمورا وأنه نادم علي ما اقترفت يداه .

 

* * *

 

 هناك اليوم أكثر من دليل علي أن حصاد ملايين الأرواح بهذا 'العامل الطبيعي' لم يكن طبيعيا، وأن الزنابير حاولوا متعمدين، عن سابق نية ومعرفة وإصرار، أن يلووا ذراع 'العناية الإلهية' بسياسة العمل بالسخرة والتجويع الاجباري والترحيل الجماعي وتقويض معنويات الضحايا وشن الحرب الجرثومية التي استمرت في زمن 'السلم' وزمن الحرب، مع المحترفين ومع الهواة، وبشكل جماعي منظم يمارسها الجيش و'الحلفاء' من الهنود، أو بشكل فردي تمارسها قطعان المستوطنين. أما الادعاء بأن إبادة 112 مليون إنسان كان مجرد 'مأساة مشئومة غير متعمدة'، و'أضرار هامشية تواكب انتشار الحضارة' وأن هؤلاء الذين نسبوا هذه الإبادة الجماعية الأكبر والأطول في تاريخ الإنسانية إلي العناية الإلهية أو العامل الطبيعي هم أتقياء أبرياء لم تكن لديهم المعرفة العلمية الكافية فهو ادعاء يفتقر إلي البراءة ويتنكر أول ما يتنكر للمعرفة العلمية.

 منذ أيام الطاعون الأسود كان الأوروبيون يعرفون هذا السلاح الجرثومي، وكانوا في حروبهم يستخدمون المنجنيق في قذف جثث الموتي بالطاعون أو جيف الحيوانات الموبوءة إلي داخل المدن التي يحاصرونها.

 ومنذ السنوات الأولي للحج اعترف الحاكم وليم برافدفورد في يومياته بأن الأغطية الملوثة بجراثيم الجدري هي السبب في انتشار هذا الوباء بين الهنود 'الذين نفقوا بسرعة كبيرة مثل أغنام موبوءة.. فلم يعد هناك أحد يستطيع مساعدة المرضي أو يأتيهم بشربة ماء، أو يدفن موتاهم'. وكتب باري هولستون لوبيز في كتابه عن 'الذئاب والبشر' أن مستعمرة مساشوستس حظرت علي المستوطنين استخدام المسدس في المناسبات غير الضرورية أو في أي لعبة إلا لقتل الهندي أو الذئب. كانوا يصنعون لحما مسموما للذئب وغطاء ملوثا بجراثيم الجدري للهندي، وكانوا يغيرون علي وكر الذئب ليقتلوا جراءه كما كانوا يخطفون أطفال الهنود. ولكي يبرروا لك كيف يقتلون جراء الذئاب وأطفال الهنود بطريقة واحدة يحكون لك حكايا عن فظاظة الهنود وعن ذئاب تأكل الخشف حيا'.30 وكان هنود الناراغنستس قد شكوا منذ عام 1633 بأن تكون العناية الإلهية أو 'العامل الطبيعي' وراء هذه الحرب الجرثومية التي حصدت أرواح 700 إنسان منهم بعد أن تلقوا من الحجاج هدايا ارتابوا في أنها مسمومة بجراثيم الجدري. هكذا تم استحضار المتهم الأول الكابتن جون أولدام بالقوة إلي جزيرة بلوك لمحاكمته أمام مجلس خاص من حكماء الهنود بتهمة القتل الجماعي المتعمد. وبعد أن ثبتت لديهم تهمته حكموا عليه بالإعدام.. وقتلوه.

 أما الحجاج فأنكروا التهمة وقالوا إنها بلا دليل، ثم إنهم انتقموا لمصرع جون أولدام بإبادة معظم الناراغنستس في عام 1637، وحسموا بذلك الصراع علي المعرفة العلمية بحرب الجراثيم لأكثر من 130 سنة تفرد فيها 'العامل الطبيعي' وحده بتفريغ الأرض وإعدادها لانتشار الحضارة.

 في أواخر ما يسمي بالحرب الهندية ­ الفرنسية ظهرت أول وثيقة دامغة تثبت استخدام الغزاة للسلاح الجرثومي عمدا، وتؤكد أن إبادة الهنود بالسلاح الجرثومي كان سياسة رسمية. ففي سيناريو كلاسيكي منقح لقصة تسميم الزعيم تشيسكياك ومن معه بأنخاب 'الصداقة الخالدة' علي ضفاف نهر البوتوماك، كتب القائد الانجليزي العام اللورد جفري امهرست

 في عام 1736 أمرا إلي مرؤوسه الكولونيل هنري بوكيه يطلب منه أن يجري مفاوضات سلام مع الهنود ويهديهم بطانيات مسمومة بجراثيم الجدري 'لاستئصال هذا الجنس اللعين'. وقد اشتركت 'قوي الحضارة'، في حرب ضارية لإخفاء هذه الوثيقة وغيرها من الوثائق المشابهة عند اكتشافها في أواخر الثلاثينات، ومايزال المؤمنون بوحدانية الهولوكست إلي الآن يحاولون إثارة الشكوك حولها والتقليل من شأنها واتهامها بأنها من حبك 'عقلية المؤامرة' وأنها ستشجع علي الكراهية.

 وكان هوارد بيكهام رئيس الرابطة التاريخية الأمريكية الذي اكتشف الوثيقة قد أخفاها وما معها من مرفقات لمدة سبع سنين بحجة 'أنها تعطي انطباعا سيئا'، ولم يعترف بوجودها إلا عندما عثر عليها المؤرخ آلن ستيرن بالمصادفة. حتي الكتاب الذي وضعه آلن ستيرن 'بالاشتراك مع شقيقه واغنر' بعنوان 'تأثير الجدري علي مصير هنود أمريكا' اختفي من الأسواق ومن معظم المكتبات الجامعية ولم تدخله مكتبة الكونجرس في فهارسها.

 طلب اللورد إمهرست من الكابتن بوكيه، وبعبارات صريحة لا تحتمل التأويل أن ينشر مرض الجدري بين القبائل التي لم تصب به بعد. وأجاب بوكيه لاحقا: سأحاول جهدي أن أسممهم ببعض الاغطية الملوثة التي سأهديها إليهم، وسأتخذ الاحتياطات اللازمة حتي لا أصاب بالمرض. ولم يخف اللورد فرحه بالفكرة، لكنه نصح له في رسالة جديدة بأن يستخدم الأغطية المسممة وكل وسيلة ممكنة لاستئصال هذا الجنس اللعين. وببطانيتين وبضعة مناديل تم تلويثها في مستشفي الجدري انتشر الوباء بين أربعة شعوب هندية هي الأوتاوا والمينغو والمايامي والليني لونابيه وأتي علي أكثر من مائة ألف طفل وشيخ وامرأة وشاب منهم ولطالما وصفت وثيقة إمهرست بأنها 'حجر رشيد' الحرب الجرثومية التي كانت من أفتك أسلحة الغزاة لتفريغ القارة الأمريكية من أهلها وتحقيق فكرة أمريكا: ' فكرة استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة'. لكن الوثيقة لم تكن إلا البداية في الكشف عن أن هذا 'العامل الطبيعي' لم يكن إلا مكيدة بالحياة. لقد كشفت عن المركزية العنصرية لفكرة أمريكا  وأسطورة 'الاختيار' وما ترتب عليها من سياسات مشحونة بالعنف المميت والتعصب المقدس والرسوبات البدائية المتعجرفة ­ أسطورة أربعة قرون لم تتوقف فيها الجريمة الطقسية يوما عن التضحية بالآخر.

 

إلى صفحة المقالات