أمريكا والكنعانيون الحمر  ... سيرة الإبادة (3-3)

 قال تعالى : ان الذين كذبوا باياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم ابواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين

 بقلم :منير العكش

 

 وتتضارب الأرقام النهائية لعدد ضحايا العنقاء بين شهادة وأخري. فبينما يعترف وليم كولبي، وكان يومها يدير عمليات السي آي إيه في الفيتنام، بأن حصيلة القتلي بين المدنيين في نهاية 1971 بلغت 20587 و 28978 معتقلا 'تبين لاحقا أنهم أبيدوا' و 17717 تولت أمرهم حكومة سايجون، يقول تقرير لجنة تشيرش  لعام 1976 أن عدد القتلي من المدنيين بين 1968 و 1970 زاد علي العشرين ألفا.

أما وزارة الدفاع فتعترف بأن عدد القتلي المدنيين في فيتنام الجنوبية وحدها كان 26369 بينما بلغ عدد المعتقلين .33358 ويتحدث روي بروسترمن أستاذ القانون في جامعة واشنطن عن نشاطات جانبية لعملية العنقاء خاصة بإصلاح الأراضي في فيتنام والفيلبين والسلفادور فيقول إن عدد ضحايا فيتنام وحدها من هذه العملية ما بين 1968 ومنتصف 1971 زاد علي الأربعين ألفا. ومهما كانت حقيقة الأرقام فإن برنامج العملية يقتضي تصفية كل من يشتبه بأنه من الفييتكونغ أو يتعاطف معهم بمعدل 1800 فييتنامي شهريا علي اقل تقدير .83 وكان المدنيون المشتبه بتعاطفهم مع الفييتكونغ أكبر الضحايا فقد كانوا يعتقلون بالآلاف ويقتلون تحت التعذيب. ويروي بارتون أو سبورن أحد ضباط العملية في شهادة له أمام لجنة الكونغرس للشئون العسكرية لعام 1973 صورة مما كان يجري اثناء التحقيق فيقول: 'كنت أنظر في قضية مشتبه يقول أحد عملائي إنه متعاطف مع الفييتكونغ. وكان التحقيق يجري في مجتمع التجسس المضاد لفرق المارينز. وحين دخلت لمتابعة ما يجري كان الرجل قد فارق الحياة بعد أن دكوا في فتحة أذنه سيخا حديديا طوله ست بوصات اخترق دماغه وقتله.. لقد كانت حرب إبادة منظمة'. وتصف مجلة counterspy في عدد ربيع/ صيف 1975 عملية العنقاء بأنها: 'أكبر برنامج للقتل الجماعي المنظم شهده العالم منذ معسكرات الموت النازية'.

في الساعات الأخيرة من وجودهم في فييتنام، وبعد أن القوا عليها 14 مليون طن من القنابل، انصب كل جهد الدولة الأمريكية علي إنقاذ 'البيض'. لم يتخلوا عن حلفائهم الفييتناميين وحسب بل تخلوا حتي عن جنودهم الملونين وعن كل ما ليس بأبيض من المئات من موظفيهم المتجمعين في Hotel Duc والآلاف عن عملائهم المحتشدين أمام السفارة. وكان الأمر الصادر من الدولة الأمريكية حاسما وواضحا: 'انقذوا السادة أصحاب البشرة البيضاء . وقبل أن تقلع الهيلوكبتر بالقنصل هنري بودرو أطل من علاه وتفحص الحشود في  مبرك السيارات وقال بكثير من الارتياح: 'لم أر أي وجه أبيض هناك' .

إن أمريكا الحديثة منذ ترومن حتي بوش حاولت التوسع في غرب 'الغرب الأمريكي' وحيثما شاء 'القدر المتجلي'. لقد حاولوا التصدي للشيوعية والتوسع الصيني وبسط سيطرتهم علي منابع النفط العربية، وهم في كل خطوة من هذا التوسع 'لم يتخلوا قيد أنملة عن السياق التاريخي العنصري والدموي' كما يوضح دانيال إلسبرغ

 قبل أن يصدر رمزي كلارك وزير العدل السابق كتابه عن جرائم أمريكا في حربها علي العراق، كانت الفرقة الجوية القتالية السابعة والسبعون قد أنتجت ووزعت كتاب أناشيد تصف فيه ما ستفعله الفرقة في 'الخليج' وتنذر هذا 'المتوحش القميء'.. 'خدن الأفاعي' بأن يستعد للإبادة فيما ينتهي أحد هذه الأناشيد بخاتمة  تقول: 'الله يخلق أما نحن فنحرق الجثث . والكتاب كما يصفه كريستوفر هيتشنس في خليط من السادية والفحش. ومعظمه تشنيع وتشهير وشتائم بذيئة للعرب والمسلمين باعتبار أنهم أعراق منحطة و'حشرات' و 'جرذان' و 'أفاع' . وقد اعترف نورمن شوارزكوف في عدة مقابلات تلفزيونية بأنه كان يريدها معركة فناء، وأشار إلي أنه كان يخطط لأن تكون علي شكل معركة كاناي القرطاجية التي يطلق الطليان علي موقعها اليوم اسم 'حقل الدم'. ومن يدري ما ستكشف عنه وثائق هذه الحرب وما تلاها من حصار حين ترفع السرٌية الكاملة عنهما يوما يتطاير فيه الريش مع رؤوس من تبقي من هذا الجنس اللعين!

 

 كمائن الاتفاقيات

 

قبل أن يبني جورج واشنطن عاصمته فوق ما أسماه بالسباخ أو المستنقعات الخاوي والتي تبين لاحقا أنها كانت جزءا من مدينة هندية عامرة علي ضفاف نهر البوتوماك أمضي حياته في الاستيلاء علي أراضي الهنود والمضاربة بها وبناء ثروة هائلة وضعته علي قمة هرم أغنياء العالم الجديد.. ومن خلال هذه القرصنة العقارية بني واشنطن معظم ملامح سياسته الهندية التي هيأت بعد ذلك لقانون الترحيل القسري. لقد طور أعظم آباء أمريكا هذه التجربة الشخصية الناجحة في مشروع قرار يسمح للدولة الفيدرالية الفتية بأن تستولي علي أراضي الهنود بسهولة أكبر وكلفة أقل. وفي عام 1782 وافق الكونغرس علي مشروع واشنطن الذي يتلخص بخردقة الأراضي الهندية بالمستوطنين واستدراجهم باستمرار إلي كمين الموت. فالمعروف أن المستوطن في مستعمرات نيوإنكلندا كان بحاجة إلي خمسين هكتارا من الأرض لنفسه وخمسين هكتارا آخر كمجال حيوي. وبما أن هذا المجال الحيوي يتحول بسرعة إلي ملك فإن هناك حاجة لاتنتهي إلي مجال حيوي جديد للمجال الحيوي القديم. هكذا امتد المجال الحيوي الاستيطاني من شواطيء الأطلسي في القرن السابع عشر إلي شواطيء الهادي في منتصف القرن التاسع عشر، وكان كل مجال حيوي جديد يحتاج إلي نشاط 'العامل الطبيعي' ومعجزات العناية الإلهية وأضرارها الهامشية.

 في خطاب معبر يصف الزعيم 'الحية الرقطاء' لشعبه هنود الكريك هذا الزحف اللانهائي للمستوطنات والمستوطنين فيقول: 'أيها الأخوة، لقد سمعنا حديث أبينا الكبير. إنه حديث مفعم باللطف. إنه يقول إنه يحب أبناءه الحمر. عندما وصل الإنسان الأبيض من أعالي البحار كان إنسانا ضئيلا جدا. كان ساقاه  متشنجتين  لطول مكثهما

 

 في جزمته الكبيرة. وكان يستعطفنا أن نعطيه قطعة أرض صغيرة. وما أن وصل حتي أعطاه الهنود الأرض التي يحتاجها وأشعلوا له النار ليدفئوه ويريحوه. ولكن ما أن أحس الإنسان الأبيض بالدفء وانتعش جسده بنار الهنود، وما أن ملأ بطنه من طعام الهنود حتي صار كبيرا جدا يناطح قمم الجبال وتملأ قدماه بطون الوديان. أما يداه فاستحوذتا علي بحار الشرق والغرب. ثم إنه أصبح أبانا الأعظم وأحب أبناءه الحمر، لكنه قال: 'يجب أن تنزحوا قليلا حتي لا أسحقكم سهوا'. بقدم واحدة لبط الرجال الحمر عبر الأوكوني (مقاطعة في كارولينا الجنوبية اليوم)، وبالقدم الثانية مسح مدننا وقبور آبائنا. وفي مناسبة ثانية قال: 'أزيحوا أكثر، وانزحوا إلي ما بعد الأوكوني فهناك مكان بهيج لكم، ولسوف يكون لكم هذا المكان البهيج إلي الأبد'. وها هو يقول لنا الآن: 'إن الارض التي تعيشون فوقها ليست لكم. إنزحوا وراء الميسيسيبي فهناك متسع. وهناك تستطيعون البقاء ما نبت العشب وجرت الأنهار'. ألن يجيء أبونا الأعظم إلي هناك أيضا؟ غالخطبة ألقيت في 1829 قبل اجتياز الميسيسيبيف. إنه يحب أبناءه الحمر ولسانه ليس مشطورا. يا أخوتي، لقد سمعت من الأب الأعظم أحاديث بديعة، لكنها كلها كانت تبدأ وتنتهي: 'انزح قليلا فأنت قريب مني'.

 

* * *

 

 كانت حرب ما يسمي بالاستقلال قد وضعت أوزارها وصار متقاعدوها عبئا اقتصاديا واجتماعيا. وكانت خطة واشنطن ترمي إلي اقطاع أراضي الثغور لهؤلاء المحاربين المتقاعدين، واستثمار طاقتهم القتالية اقتصاديا وسياسيا بحيث يستمر التوسع داخل أراضي الهنود دون الحاجة إلي الجيوش والحرب الشاملة. ومضي الرئيس الذي يشع وجهه من الأيقونة المقدسة لورقة الدولار يذكر أعضاء الكونغرس بأن هؤلاء المستوطنين ليسوا رجالا عاديين بل إنهم أبناء الحروب والمعارك وأصحاب تجربة عسكرية وحنكة قتالية تمكنهم من ترويع الهنود وإنزال الرعب في قلوبهم ودفعهم إلي الفرار. إنهم يستطيعون إخماد مقاومة الهنود إذا اختار الهنود طريق المقاومة، ويشكلون ميليشيا ممتازة للدفاع عن 'استحقاقات' الولايات المتحدة في بلاد أوهايو.

 في هذا التقليد الانكليزي العريق الذي يقول ما لا يفعل ويعد بما لايفي اقترح واشنطن عقد سلسلة من الاتفاقيات مع الهنود بهدف الاستيلاء علي الأراضي الغنية والمناطق الاستراتيجية اللازمة لأمن المستوطنين في مقابل... 'وعود'... بعدم المساس بما تبقي لهم من الأرض. ومن هذه الوعود التي يقدمها المتفاوضون للهنود أن الولايات المتحدة ستفعل ما في وسعها للحيلولة دون قيام مواطنيها بالصيد أو الاستيطان في أراضيهم. هذا يعني أن الأب الأعظم للولايات المتحدة في خطته الرامية إلي تعزيز الاستيطان يقر رسميا بأنه يريد أن يكذب علي الهنود قبل أن يفاوضهم، ويؤكد أن الهدف الاول هو خداع الهنود وكسب ما يمكن كسبه علي طاولة المفاوضات في مقابل 'وعود' يقرر سلفا وعلنا عدم الوفاء بها. ولضمان ذلك يوصي واشنطن بأن تكون وعود المفاوضين شخصية وغير ملزمة للحكومة الأمريكية. لقد أحلته عقدة الاختيار والتفوق من أي التزام إنساني أو قانوني وأوهمته بأنه يملك حق تقرير الحياة والموت لهذه الكائنات التي لم يستطع أن يراها إلا كما يري الذئاب. إنه في رسالته إلي جيمس دواين يؤكد علي أن 'التوسع التدريجي للمستوطنات' يقتضي 'أن يفر الهنود المتوحشون علي أعقابهم كما يفعل الذئاب، فالذئاب والهنود كلهم وحوش مفترسة وإن اختلفوا في المنظر'. وقد تم إقرار خطة واشنطن باجماع أعضاء الكونغرس الذين قال بعضهم إن هذا الأسلوب من الاتفاقيات لن يبقي للهنود في النهاية سوي منعزلاتهم. أما الذين سيحاولون الوقوف في وجهها فإن مصيرهم التهجير القسري أو الإبادة إن الهندي، كما يقول إدموند مورغن في كتابه المذكور عن 'العبودية والحرية في أمريكا' لايستطيع أن يدافع عن نفسه، لأنه لايملك حقا يدافع عنه. يكفي أن يفكر في أن يكون له حق حتي يصبح معتديا وحتي تنطلق عفاريت التدمير والقتل من قمقمها.

 وكانت هذه الخطة التي تم تنفيذها قبل إقرارها رسميا أول تشريع لنظام الترحيل القسري الذي توجه الرئيس جاكسون بعد ذلك برحلة الدموع. فبمجرد دخول أندرو جاكسون إلي البيت الأبيض ضمت ولاية جورجيا أجزاء كبيرة من بلاد الشيروكي، وذلك في حيل قانونية طالما استخدمها جاكسون لتبرير اغتصاب أراضي الهنود. وظن الشيروكي أن نزاهة القضاء كافية لإنصافهم فلجأوا إلي المحكمة العليا. وبينما كانت القضية تواجه جدلا بيزنطيا في المحكمة العليا كان اكتشاف الذهب قد جذب أكثر من أربعين ألف مستوطن إلي أراضي الشيروكي بتشجيع من الحكومة. كان العدل يأخذ مجراه فيما كان المستوطنون يصادرون المزارع، ويتملكون، الأراضي، ويطاردون ويطردون الشيروكي إلي الغابات، ويتملكون بونانزا أقفرت من أهلها. وأصر الشيروكي علي المقاومة السلمية فربحوا قضيتهم في المحكمة العليا بعد أن حكم القاضي جون مارشال لهم باستعادة أملاكهم. أما جاكسون فاعتبر القرار انتصارا للديمقراطية وفصل السلطات ودولة القانون، وقال  وهو يحيل قرار المحكمة للتمسيح:

'لقد أصدر القاضي مارشال حكمه. وعليه الآن أن يجد من ينفذه'! هكذا نال الشيروكي بالمقاومة السلمية قرارا تاريخيا من المحكمة العليا انتهي تنفيذه بطردهم من معظم أراضيهم إلي غرب المسيسيبي حيث لم تكن أيدي القدر المتجلي قد طالته أو أعلنت عن أطماعها فيه.

أما الهنود الذين عاكسوا انتشار الحضارة ورفضوا الاحتكام إلي القانون فسرعان ما تولاهم 'العامل الطبيعي' بالطرد والقتل، أو كما يعبر عن ذلك توماس جفرسون بدون مواربة: 'لقد أبيدوا'. وكان شعب الهودينوسوني أول من اكتوي بنار الاتفاقيات، فبرغم حقهم في أكثر من نصف ما صار يعرف اليوم بولاية نيويورك بموجب معاهدة فورت ستانويكس لعام 1784، فإن حاكم الولاية جيمس كلينتون سرعان ما استلبهم بالشمال ما أعطتهم الاتفاقية باليمين، واضطرهم هم وما تبقي من 'الأمم الست' إلي الانكفاء بالقوة داخل منعزل بور صغير. أما شعب الأونيدا الذي اطمأن إلي الاتفاقيات والوعود وأبلي إلي جانب جورج واشنطن في حرب الاستقلال بلاء 'الحلفاء' المخلصين منتظرا عيد الشكر فإن كلينتون تنكر لكل اتفاقياته ووعوده فطرد المسالمين منهم إلي وسكنسون وأما المشاغبون فإنهم انتهوا في معصرة غضب الرب. إن كل ما تبقي من هذا الشعب اليوم أسماء رمزية لمدن لايسكنونها ومقاطعات وأنهار استعصت علي أشباحهم.

هكذا أدركت الاتفاقيات من الهنود ما أدركته الأوبئة والحروب المتواصلة، فلم تمض فترة طويلة علي خطة واشنطن حتي كان الشمال الشرقي للولايات المتحدة قد تطهر من الشعوب الهندية، وبدأت عيون 'القدر المتجلي' تتطلع بعيدا، إلي الغرب من نهر الميسيسيبي حيث انهارت فكرة تخصيص هذا الغرب وطنا للهنود. في أقل من 75 سنة ابتلعت هاوية الاتفاقيات ما يعرف اليوم بولاية ميزوري، وأركنسوا، وإيوا، وأتت الاجتياحات علي الباقي، فمن لم يمت بالسيف مات بالاتفاقيات. وكان الغزاة في أثناء ذلك قد اجتاحوا تكساس، وضموا أورغمون، وأيداهو، وواشنطن التي تخلي عنها البريطانيون بعد حرب الاستقلال لأعدائهم الثوار ورفضوا أن يعطوها لحلفائهم الهنود الذين حاربوا إلي جانبهم وبذلوا دمهم في سبيل تاجهم. وفي عام 1848 عندما اجتاحت الولايات المتحدة المكسيك واستولت علي كاليفورنيا وأريزونا ونيفادا وأوتاوا ونيومكسيكو وجنوب كولورادو صار غرب الميسيسيبي أقتل من شرقه وأطبق الحصار علي هؤلاء الأشقياء من كل جانب.

 في البداية، ظن المستعمرون أن 'غرب الميسيسيبي' هو المزبلة المناسبة للهنود، وأن هذه الصحراء الأمريكية التي تتضمن ما يعرف بالسهول الكبري هي المنفي المثالي لتهجير من لم يقطفه سيف المنون. وقد اعترفت الولايات المتحدة في كل الإتفاقيات التي عقدتها مع الهنود في فورت لارامي عام 1851 بأن كل ما يعرف بالسهول الكبري هو منطقة هندية ذات سيادة تخص هذا الشعب الهندي وذاك، وتعهدت بأن لاتنشيء فيها مستوطنة أو تجمعا سكنيا دائما. لكن اكتشاف الذهب بعد سنوات قليلة في التخوم القريبة من هنود الشايبين وتدفق المغامرين بأعداد كبيرة اضطر الحكومة الفيدرالية في 1861 إلي 'فبركة' وثيقة مزورة يتخلي فيها الهنود دفعة واحدة عن 90 بالمئة من أراضي السهول الوسطي. وعندما رفض زعماء الشايين الاعتراف بهذه الوثيقة المزورة وأبرزوا المعاهدة الأصلية التي مايزال كل الذين فاوضوا عليها ووقعوها علي قيد الحياة اتهمتهم الحكومة الفيدرالية بخرق المعاهدة واعتبرت تصرفهم إعلانا للحرب. وسرعان ما تعالت نداءات الإبادة، لكن القائد العسكري سكوت أنتوني فضل سياسة الإبادة بالحصار والتجويع والتدمير الشامل للبني الاقتصادية اللازمة للحياة لأنها أسهل من الحرب المسلحة وأجدي وأقل كلفة، ولأنها لن تترك أمام الشايين من خيار سوي الهجرة أو الموت جوعا.

 

* * *

 

 ومع اكتشاف الذهب والفضة والثروات الخام هنا وهناك تحت اقدام الهنود تكرر خرق الاتفاقيات في معظم مناطق السهول الكبري وتعرضت الشعوب الهندية لحرب تجويع شرسة أبيد فيها بين ما أبيد كل احتياطي الجواميس في هذه المناطق الممتدة طبيعيا من حدود المكسيك جنوبا حتي القطب شمالا. أما الذين قاوموا، كشعب السانتي، فأصبحوا هدفا مشروعا لحرب الإبادة. وفعلا فقد وجه حاكم داكوتا دعوة علنية إلي إبادتهم أو ترحيلهم. ولما رفضوا التهجير زحف إليهم الجنرال هنري سيبلي علي رأس بضعة آلاف من الميليشيا فأعملوا فيهم تقتيلا وتهجيرا، وصادروا كل أملاكهم لتغطية نفقات الحملة العسكرية، وساقوا الذين استسلموا  منهم، وكانوا في حدود الألفين، إلي زرائب مهجورة حيث أقيمت أكبر حفلة إعدام جماعية في تاريخ أمريكا. ثم أعلنت الولاية عن مكافأة لكل من يأتي بفروة رأس لأحد 'الفارين'، فاستعر صيد الرؤوس لأكثر من سنة إلي أن تتوج بنصب كمين للزعيم لتل كراو العائد من كندا حيث قتل، وتلقي قاتلوه خمسمائة دولار إضافة إلي مكافأتهم، ثم نصبت فروة رأسه وجمجمته في مكان عام من سانت بول للذكري والاعتبار .

 

 

اقتل الهندي واستثن الجسد

 

 لم يدر بخلد الغزاة أن هذه الشظايا التي بقيت من أوطان الهنود تكتنز ثروات باطنية هائلة. لم يحشروهم في هذه المفازات القاحلة من الأراضي ولم يتخلوا لهم عنها (مؤقتا) إلا لأنهم ظنوا أنها مجرد ثقوب سوداء يمتص  فيها الموت من تبقي من أمم الهنود حيث لايراهم أحد ولايبكيهم أحد. كان الخوف من استحالة الإبادة الجسدية الكاملة من أقسي الكوابيس. إن القاتل لايطيق أن يري أحدا يشهد. وكان لابد لهذه الإبادة من سلاح آخر يبيد 'هندية' الهنود.

 منذ 1870 و 'هندية' الهنود تشرب الأنخاب المسمومة. كانت صيحات التذويب الثقافي تواكب حفلات السلخ وتدعو إلي تدمير هذه الهندية وإعادة بنائها بحجارة التاريخ الأبيض والدين الأبيض واللغة البيضاء، إن نهب ما تبقي من أرض الهنود لايتم إلا بتدمير هندية الهنود: ثقافتهم وبنيتهم الاجتماعية التي لاتؤمن بالملكية الفردية. لقد صارت 'ثقافة الهنود مضرة بالمصلحة الوطنية' وليس هناك عدوان علي أمريكا أخطر من الإضرار بمصلحتها الوطنية التي قد تشمل كل ما يخطر علي بالك بدءا من السطو علي حسابك المصرفي (وحياتك عند اللزوم) وانتهاء باستثمار آبار نفطك وثروات بلادك. والتزاما بهذه المصلحة كان لابد من خلق جديد لهندي ليس له من هنديته إلا البيولوجيا. لابد من صياغة جديدة لوعيه وذاكرته وأخلاقه ومسلمات عقله. فإذا تعذر قتل الجسد لابأس من استبطان الموت، ولا بأس به كائنا ممتلئا ومزينا بالريش، أو تمثالا حجريا منصوبا فوق قبة الكابيتول، 'رمزا غسادياف للحرية'. وليعرف هذا الهندي كل شيء إلا ذاته. وفي هذا الإطار اعتبرت الشعائر الروحية للهنود خطرا وتم تحريم ممارستها. هكذا يمارس الهندي اليوم شعائر روحية منتقاة بأسلوب يتناغم مع 'المصلحة الوطنية' ومع البرامج السياحية التي ينظمها البيض.

 

* * *

 

 ولكن تؤتي حملة التذويب ثمارها فتقتلع جذور الكراهية غير المبررة من نفوس الهنود وتشرح صدورهم للتخلي عن أراضيهم فقد رفعت شعار مفوض الشئون الهندية فرانسيس لوب : إقتل الهندي واستثن الجسد (حرفيا: استثن الرجل). وكان أنبياء الوول ستريت قد وضعوا مئات الدراسات عن تلازم الحضارة والملكية الفردية وعن وحشية وشيطانية هؤلاء الذين لا يؤمنون بها. بل إن مارتن لوثر الذي يعتبر الملكية معيارا للتفريق بين الإنسان والحيوان اتهم القديس فرانسيس الاسيزي بأنه 'مختل العقل، طائش، أحمق، شرير' لمجرد أنه كان يطلب من أتباعه أن يتخلوا عما لديهم للفقراء! ومنذ نزولهم في جيمستاون عام 1607 لم يستطع القديسون أن يميزوا بين السماء وعجل الذهب: 'لقد وجدنا أرضا واعدة أكثر من أرض الميعاد، فبدلا من اللبن وجدنا اللؤلؤ، وبدلا من العسل وجدنا الذهب'. وكان الكونغرس قد أقر في 1887 قانونا لتقسيم الأراضي يهدف في النهاية إلي نسف تقليد الملكية الجماعية عند الهنود، واستبداله بتقليد 'حضاري متنور' يعتمد الملكية الفردية. ويقضي القانون بأن يمنح الهندي قطعة مناسبة من أرض بلاده. أما ما تبقي فيعتبر 'فائضا' تتصرف فيه الحكومة الأمريكية وفقا لمصلحتها، كأن تستثمره بواسطة الشركات 'البيضاء'، أو تعلنه محميات طبيعية ومناطق عسكرية. بهذا التزوير المناسب لثقافة الهنود تسيطر المصلحة الوطنية علي مئة مليون فدان جديد من أصل 150 مليون فدان ما تزال ملكا للهنود. كذلك اقتضت المصلحة الوطنية ترحيل أطفال الهنود عن أهلهم وأخضاعهم في أبكر سن ممكنة لغسيل دماغ منظم داخل معسكرات مدرسية أعدت خصيصا لنحت أرواحهم. وتتولي 'الهيئات الفنية' إعادة صياغة ذاكرتهم الجماعية ووعيهم لأنفسهم وللعالم: هيئات فنية ذات طبيعة بوليسية تمنع علي الاطفال أن يتحدثوا بلغتهم، أو أن يمارسوا شعائرهم الدينية، أو أن يرتدوا ملابسهم التقليدية، أو أن يزينوا شعورهم علي ما تعود عليه آباؤهم وأجدادهم. بل إنها تقتلعهم نهائيا من عالمهم فتضرب حصارا علي كل اتصال ممكن بينهم وبين أهلهم أو أحبائهم 'المتوحشين'. هكذا تحشي أدمغة هؤلاء الاطفال بكراهية أنفسهم ومجتمعاتهم والشغف بمتابعة غراميات الأميرة ديانا وأخبار اصطبلات جلالة الملكة إليزابيت والاستمتاع بقتل الهنود في أفلام الكاوبوي. أما علي الصعيد العملي فإنهم يتخرجون عمالا يدويين لا أمل لهم إلا بخدمة 'المصلحة الوطنية' فيما قد يعين المتفوقون منهم سدنة لمعابدهم الشريفة أو خبراء في مؤسسات إعلامية. وقد تم تتويج هذا التذويب الثقافي في عام 1924 عندما أجبر كل الهنود علي حمل الجنسية الأمريكية.

 وعلي الرغم من نجاح خطة التذويب في زرع بعض الألغام الثقافية داخل المجتمعات الهندية إلا أنها لم تكسر بنيتها 'الأسيزية'. وظلت هذه الأراضي الغنية بالذهب والنفط والفحم واليورانيوم ملكا مشاعا عصيا علي الإختراق. لهذا عززت الولايات المتحدة خطة التذويب الثقافي الكلاسيكية بسلطة إستعمارية داخلية يشبهها الهنود بالتفاحة، حمراء الظاهر، بيضاء الباطن. وكان قانون 'إعادة تنظيم الهنود الذي أقره الكونغرس في 18 حزيران؟ يونيو 1934 قد أطلق علي هذه السلطة اسم 'مكتب الشئون الهندية' وألحقها بوزارة الداخلية التي تعني عادة بثروة الولايات المتحدة من الحيوانات البرية والغابات والأنهار والمحميات الطبيعية.

 وبالطبع فإن مواد القانون أعطت للهنود شكلا ظاهريا من أشكال الحكم بينما ساعدت خطة التذويب الثقافي علي خلق الأطر المناسبة لهذا الإستعمار الداخلي وجعله الشكل الأمثل للقضاء علي هندية الهنود ولسيطرة الولايات المتحدة علي ثرواتهم واستغلالها لقاء عائدات رمزية يستثمر معظمها في زراعة التفاح.

 ومنذ البداية أراد عضوا الكونغرس اللذان اقترحا قانون 'إعادة تنظيم الهنود' وسمي باسمهما Wheeler - Howard Act - أن تجترح هذه السلطة الاستعمارية الداخلية أكبر معجزات العناية الإلهية وأن تضع اللمسات الأخيرة علي خطة الإبادة الشاملة وتتولي تنفيذ سياستها. وفي إطار هذه السياسة تنشط خطة التذويب الثقافي والنجاح في شطب 108 شعوب من قائمة الشعوب الهندية المعترف بها رسميا، بكل ما يعني ذلك من تبخر حقوقهم التاريخية في أرضهم وثرواتهم. ومن ذلك أيضا المساعدة علي تعقير 42 بالمئة من النساء الهنديات القادرات علي الحمل قبل أن تفتضح هذه الجريمة في منتصف السبعينات ويتوقف العمل بها ظاهريا دون معاقبة أحد ومن دون أن يخسر وظيفته أحد. ومن ذلك تحويل الهنود إلي حقول تجارب في المختبرات الطبية والبيولوجية، بدلا من الفئران، كما حدث في منتصف الثمانينات عندما أجرت شركة نورث سلوب علي هنود الإنويت تجارب طعم التهاب الكبد الذي منعت منظمة الصحة العالمية استخدامه لتسببه في مرض الإيدز. ولما علم زعماء الإنويت بذلك ورفضوا الاستمرار في 'قتل' أطفالهم نجحت السلطة في نقل التجارب إلي الغافلين من هنود الجنوب.

 لقد جرب الجلاد المقدس أسلحة صيد كثيرة، لكنه أبدا لم يتخل عن هاجس الإبادة الكاملة. إن إبادة 112 مليون إنسان ينتمون إلي أكثر من أربعمائة أمة وشعب جريمة لم يعرف التاريخ الإنساني مثيلا لها في حجمها وعنفها وفظاعتها لكنها جريمة لم تكتمل فصولا ولم تصل إلي غايتها المرسومة.

 

 

 المعني الإسرائيلي لأمريكا

 

إننا نقرأ التاريخ لنتعلم من خبرات الذين سبقونا إلي المجاهل، ولنعتبر بتجاربهم وأخطائهم إذا كنا فعلا نحب الحياة ونعتقد بأننا نستحق هذه الحياة. إن أمريكا ليست إلا الفهم الإنكليزي التطبيقي لفكرة إسرائيل التاريخية، وإن كل تفصيل من تفاصيل تاريخ الاستعمار الانكليزي لشمال أمريكا حاول أن يجد جذوره في أدبيات تلك الإسرائيل، ويتقمص وقائعها وأبطالها وبعدها الديني والإجتماعي والسياسي، ويتبني عقائدها في 'الاختيار الإلهي' وعبادة الذات وحق تملك أرض وحياة الغير. لقد ظنوا أنفسهم، بل سموا أنفسهم 'إسرائيليين' و'عبرانيين' و 'يهود' وأطلقوا علي العالم الجديد اسم 'أرض كنعان' و 'إسرائيل الجديدة'، واستعاروا كل المبررات الأخلاقية لإبادة الهنود (الكنعانيين) واجتياح بلادهم من لاهوت إسرائيل.

 ولا أنكر أن هناك شيئا من التضليل في الانسياق وراء قياس التمثيل في دراسة الحوادث التاريخية. لكن السؤال عن وجوه الشبه ووجوه الاختلاف بين حادثتين تاريخيتين يجاب عنه دائما بلا، وبنعم. فعلي مستوي معقول من التدقيق والتمحيص في التفاصيل لابد من اكتشاف بعض وجوه الاختلاف، وعلي مستوي معقول من التجريد لابد من اكتشاف بعض وجوه الشبه. وبرغم اقتناعي بأن وجوه الشبه عديدة علي المستويين التجريدي والتفصيلي، يبقي علينا أن نجيب: هل إن السؤال عن المعني الإسرائيلي لأمريكا ممكن، ويستحق العناء. وهل إن المستوي التجريدي الذي يكشف عن إسرائيلية أمريكا هو فعلا مستوي معقول ويمكن البناء عليه؟

 إن فكرة أمريكا، فكرة 'استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة' عبر الاجتياح المسلح وبمبررات 'غير طبيعية' هي محور فكرة إسرائيل التاريخية. وإن عملية الإبادة التي تقتضيها مثل هذه الفكرة مقتبسة بالضرورة بشخصيات أبطالها (الاسرائيليين، الشعب المختار، العرق المتفوق) وضحاياها (الكنعانيين. الملعونين، المتوحشين البرابرة) ومسرحها (أرض كنعان، وإسرائيل) ومبرراتها (الحق السماوي أو الحضاري) وأهدافها (الاستيلاء علي أرض الغير واقتلاعه جسديا وثقافيا) من فكرة إسرائيل التاريخية.

هذا الاعتقاد بأن هناك قدرا خاصا بأمريكا وأن الأمريكيين هم الإسرائيلييون الجدد و 'الشعب المختار' الجديد يضرب جذورا عميقة في الذاكرة الأمريكية، ومايزال صداه يتردد في اللغة العلمانية الحديثة أو ما صار يعرف بالدين المدني . إنه اعتقاد يتجلي لعينيك في معظم المناسبات الوطنية والدينية وفي كل خطابات التدشين التي يلقيها الرؤساء الأمريكيون مفاده أن 'الله، القدر، حتمية التاريخ.. الخ' اختار الامة الأمريكية (الأنكلوسكسونية المتفوقة) وأعطاها دور المخلص (الذي يعني حق تقرير الحياة والموت والسعادة والشقاء لسكان المجاهل).

 ولطالما كانت فكرة الإختيار الإلهي محركا لولبيا في التاريخ الأمريكي، ولشد ما أشعلت النيران في الحماسات والمشاعر والبواريد وفي القري والمدن والجثث في أكثر من أربعين دولة، وعززت القناعة بأن لأمريكا قدرا أعلي من كل أمم الأرض، وأنه مهما حل بإسرائيل فوق أرض فلسطين فإن إسرائيل الامريكية تبقي القلعة المحصنة لإعادة بنائها ولقيمها ومبادئها وأخلاقها. إن يهود الروح الذين يمثلهم الانكلو سكسون هم الذين يحملون رسالة 'إسرائيل' التي تخلي عنها اليوم يهود اللحم والدم، وهم الذين أعطاهم الله العهد والوعد، وهم الذين ورثوا كل ما أعطاه الله تاريخيا ليهود اللحم والدم. لقد أختار الله يهود اللحم والدم مؤقتا، وبشروط أخلفوها، ولكنه اختار الأمة الأمريكية (الأنغلوسكسون) مؤبدا، لأنها تستأهل الاختيار، ولأنه وهبها كل ما يلزمها من قوة وثروة لأن تكون 'شعب الله' و'فوق كل الشعوب' إلي الأبد.

 

* * *

 

 منذ الفترة الاستعمارية الأولي كان أطفال القديسين يتعلمون أن مسيرة التاريخ التي ترعاها يد الله الأنكليزي ونعمته أعطتهم دورا خلاصيا. وكانت هذه الافتراضات تقترن بإيمان قيامي مزدوج الهدف: تجميع يهود العالم في فلسطين للتعجيل بمجيء المسيح، وتدمير قوي الشيطان التي كانت تتمثل يومئذ بالعثمانيين والكاثوليك والهنود الكنعانيين. وبالطبع فقد وجد بعض السياسيين الإنكليز في استعمار العالم الجديد فرصة لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه في وطنهم. وبذلك تأكد لهم أن خروجهم من جزيرتهم يضاهي الخروج الأسطوري للعبرانيين من أرض مصر، ولم يساورهم الشك في اخلاقية استعمارهم وحقهم في إبادة الهنود  ومقارنة ذلك كله باجتياح العبرانيين لأرض كنعان وتأييد السماء لإبادة أهلها.

 

* * *

 

 كل أدب المستعمرين الأوائل يؤكد علي هذه القدرية التاريخية التي نالت ذروة إبداعها في موعظة جون ونثروب الذي أصبح أول حاكم لمستعمرة ماساشوستس والذي سماه كاتب سيرته الذاتية بنحميا الأمريكي وكتب عنه كتيبا بهذا العنوان تأسيا بنحميا الذي خرج بالعبرانيين من سبيهم في أرض بابل وعاد بهم إلي أورشليم فبني معبدها من جديد. وكان ونثروب قد ألقي هذه الموعظة في الحجاج علي متن السفينة الاسطورية أربيلا وأكد فيها علي العهد الجديد بين الإسرائيليين الجدد وبين يهوه، وعلي الرسالة التي يحملونها إلي مجاهل أرض كنعان الجديدة: 'إننا سنجد رب إسرائيل بيننا عندما سيتمكن العشرة منا من منازلة ألف من أعدائنا، وعندما سيعطينا مجده وأبهته، وعندما يتوجب علينا أن نجعل من غنيوإكلندف مدينة علي جبل غرمز أورشليم الذي يستخدم إلي الآن للدلالة علي المعني الإسرائيلي لامريكا. وقد سمعت بأذني آخر أربعة رؤساء أمريكيين يستخدمون هذا الرمز في مناسبات مختلفة: ريغان، بوش الأب، كلينتون، بوش الابنف.

 في منتصف القرن السابع عشر، ساد الاعتقاد بأن الله عاتب علي شعبه الجديد وأن هناك بوادر خصومة عبر عنها ميخائيل ويغل وورث أحد أكبر شعراء عصره في قصيدة ملحمية بعنوان 'خصومة الله مع نيو إنكلندا' ندب فيها فشل المستعمرين في أداء واجبهم الرسالي. وتبدأ الملحمة بمقدمة طويلة تصف شيطانية الهنود وظلاميتهم ووحشيتهم وكيف أن هؤلاء العماليق والكنعانيين الملعونين تنطحوا لمحاربة رب إسرائيل ثم انهزموا مذعورين أمام جنوده. وهناك عشرات المحاولات لتقليد هذه القصيدة الملحمية من قبل شعراء ثانويين، كلهم ردوا غضب الله إلي خيانة العهد معه ودعوا إلي تجديده كما فعل العبرانيون القدامي.

 ومع انطلاقة ما يسمي بالصحوة الكبري في منتصف القرن الثامن عشر تجدد الأمل في أن الله لن يتخلي عن شعبه ولن يهجره، وأن الشمس ستطلع من أمريكا لتضيء العالم. وكان جوناثان إدواردس أعظم فلاسفة الاستعمار الانكلوسكسوني في القرن الثامن عشر قد وضع الأسس الفكرية لهذه اليقظة التي ستكون بداية 'التجديد الإلهي' لكل الإنسانية. وأكد إدواردس علي المعني الإسرائيلي لامريكا وضرورة أن تصبح أورشليم الأرض (مدينة علي جبل) حتي لاتفقد روحها ومعناها. وقدم تفسيرا طوبولوجيا للتاريخ البشري حاول أن يفسر فيه لماذا ستقوم 'مملكة الله' في أمريكا ولماذا سينتشر نورها قريبا في أنحاء العالم.

 وعلي الرغم من أن 'الصحوة الكبري' جددت فكرة المعني الإسرائيلي لأمريكا، وأكدت علي أن أمريكا هي أرض الميعاد فإن ولادة الجمهورية علي غير المتوقع اعطت تصديقا جديدا لهذا الاعتقاد. 'إن آلام ولادة الثورة التي أدت إلي الاستقلال أيقظت أبناء المستعمرات علي رسالة جديدة في المجاهل' كان انتصار الثورة آية علي مباركة الله للطموحات الانكلوسكسونية. لقد تحولت إسرائيل الله إلي جمهورية، وصار القدر الاستعماري قدرا وطنيا (وكلمة 'وطني' أو 'قومي' في الولايات المتحدة تعني إجماع الجماعات العرقية والطبقات الاجتماعية المختلفة علي ما يريده الزنابير 'البيض، الأنكلوسكسون، البروتستانت'، وما تقتضيه مصلحة 'ثروة الأمم'. ليس هناك إجماع وطني أو قومي علي قضية لاتخدم الزنابير أو تفيد ديناصورات وول ستريت).

 في كتابه: 'الولايات الامريكية التي تضطلع بدور بني إسرائيل في المجاهل'

 يقدم نيكولاس ستريت صورة عن لهفة أنكلوسكسون العصر إلي التوسع الاستعماري بعد النكسات التي   أعاقتهم عن نشاطهم الأول. إنه يعيد إلي الأذهان ما كتبه ميخائيل ويغل وورث في معلقته 'خصومة الله مع  نيو إنكلند' حيث أكد بلهجة الوعاظ علي أن ما لحق بالنشاط الإستعماري من فتور هو نتيجة حتمية للخطايا والآثام ولإخلاف الوعد مع يهوه. ونبه ستريت إلي أن ظلم فرعون لندن يجب ألا يحجب العيون عن شرور إسرائيل الله الأمريكية، فما لم يتواضع شعب الله لربه، ويتوب إليه، ويحافظ علي عهده فإنه  لن يتحرر من القيد البريطاني ويعبر البحر الأحمر إلي الأرض الموعودة ويحقق استقلالها.

وكان وضع الدستور قد شجع علي تأصيل المعني الإسرائيلي لأمريكا كما كتب رئيس جامعة هارفرد صموئيل لانغدون في رائعته 'جمهورية الاسرائيليين: نبراس للولايات الأمريكي' ، وهي في الأصل خطبة ألقاها في المحكمة العليا. إن قارئها لن يتردد لحظة في الشك في أنه يقرأ مقاطع من سفر الخروج أو التثنية، بل إنه فعلا يفتتح كلامه عن ولادة الدستور بهذا المقطع من سفر التثنية: 'لقد علمتكم فرائض وأحكاما كما أمرني الرب إلهي لكي تعملوا بها في الأرض التي أنتم داخلون إليها لتتملكوها. فاحفظوا واعملوا، فتلك هي حكمتكم وفطنتكم في عيون الشعوب الذين سيسمعون عن هذه الفرائض ويقولون: ما أعظم هذا الشعب وما أحكمه وأفطنه!...'. والواقع أن كل الرائعة هي شرح واستطراد وتعليق وقياسات تمثيلية بين شريعة موسي والدستور الأمريكي وبين الاسرائيليين والأمة الأمريكية. فالدستور مناسبة للتأكيد علي وجه الشبه بين ما نزل علي موسي من 'ألواح' وبين ما نزل علي قلب واضعي الدستور. وهي مناسبة للتذكير بأن إسرائيل القديمة والجديدة أمة مختارة، باركها الله قديما بشريعة ليس لها مثيل وجعلها 'فوق كل الشعوب' نبراسا للعالم عبر كل العصور، ثم أكرمها حديثا بدستور ليس له مثيل وجعلها 'فوق كل الشعوب' مثالا يحتذي عبر كل العصور. فإذا تعلم الناس منهم (طريقتهم في الحضارة) رفعوا من شأنهم، وإذا استكبروا وأبوا جروا علي أنفسهم الدمار والخراب (والأضرار الهامشية). هذا نرسيس الأعمي مرة ثانية يحدق في مياه النهر فتلتبس عليه اسرائيل التاريخية بإسرائيل الأمريكية، وما جري في كنعان الفلسطينية بما يجري في كنعان الأمريكية. وها هو يدير أسطوانة الخروج والعبودية لفرعون مصر وفرعون لندن، ويتذكر بأن الأمتين المختارتين لم يكن لديهما جيش لحظة الخروج لكنهما بعد اجتياز البحر الاحمر والمحيط الأطلسي أعانهما رب الجنود علي دخول كنعان وتملكها وتدمير أهلها. 'هذا شعب... لاينام حتي يأكل فريسة، ويشرب دم قتلي' (سفر العدد)23: 24. إن تأسيس مجلس الشيوخ أيضا ليس إلا استمرارا لما فعله موسي عندما اشتكي إلي يهوه أنه لايطيق الحكم فأمره باختيار سبعين رجلا من الحكماء والرتباء. ولم يجد لانغدون حرجا من القول بأن حكومة موسي كانت 'جمهورية' وقائمة علي المباديء الجمهورية وأن قبائل إسرائيل كانت تحكمها حكومات محلية لاتختلف عن الولايات الأمريكية.

 

* * *

 

 ولم يكن الأباء المؤسسون للدولة الأمريكية مثل جفرسون، وآدامس، وفرانكلين، وباين أصحاب الاتجاه العقلاني والمذهب الطبيعي بأقل حماسة للمعني الإسرائيلي للأمة الأمريكية من الحجاج والقديسين وصاموئيل لانغدون. ومعروف أن فرنكلين وجفرسون كليهما أصر علي صورة 'الخروج الإسرائيلي' من مصر إلي كنعان كمثل أعلي 'للنضال الأمريكي' من أجل الحرية. وفي الرابع من تموز/ يوليو 1776 (عيد الاستقلال) عهد الكونغرس لفرانكلين وجفرسون أن يضعا تصميما لخاتم الولايات المتحدة. أما فرانكلين فاختار رسما لموسي رافعا يده، والبحر الأحمر منفلق، وفرعون في عربته تبتلعه المياه مع شعار رائج في تلك الفترة: 'التمرد علي الطغاة طاعة لله'. وأما جفرسون فاقترح رسما لبني إسرائيل في التيه يرشدهم السحاب في النهار وعمود النار في الليل. وكان الرئيس جفرسون من أبلغ من تحدث عن المعني الإسرائيلي لأمريكا.. بل إنه ختم خطابه التدشيني لفترة الرئاسة الثانية بتعبير يشبه الصورة التي اقترحها لخاتم الجمهورية: 'إنني بحاجة إلي فضل ذلك الذي هدي آباءنا في البحر كما هدي بني إسرائيل وأخذ بيدهم من أرضهم الأم ليزرعهم في بلد يفيض بكل لوازم الحياة ورفاه العيش'.

 

* * *

 

 في القرن التاسع عشر صار المعني الإسرائيلي للأمة الأمريكية يتمحور حول التوسع باتجاه الغرب وبسط السيطرة علي جيران كنعان 'وراء النهر' الميسيسيبي: المؤابيين والحثيين والأموريين والفرزيين والحويين والييبوسيين والصيدونيين والمديانيين وبني إسماعيل الذين أسرعت اليهم العناية الإلهية فأنبتت في رؤوسهم الريش وسمتهم جميعا بالهنود وأعطت أرضهم وأرواحهم لشعب الله. كل هذه الشعوب الهندية وراء النهر  كانت تضم بين جنباتها مهاجرين أو لاجئين من هنود كنعان الجديدة، وكان معظمها متحالفا مع البريطانيين ومطمئنا إلي وعودهم وصداقتهم، ولم يكن يدور بخلد فرد منهم أن سيوف شعب الله قاب قوسين أو أدني من رقابهم.

 لم يبدأ التوسع باتجاه الغرب إلا بعد أن اشتري الرئيس جفرسون أراضي لويزيانا من نابليون عام .1803 فهذا التملك ضاعف مساحة الأراضي التي يستعمرها الإنكليز، ووفر الشروط الآمنة للملاحة في الميسيسيبي. وفتح الشهية لاجتياح الغرب الأقصي. وكانت سعة 'المجاهل' الجديدة وغناها بالثروات قد عززت القناعة بمواكبة العناية الإلهية لتوسع شعب الله، وأن هذه البلاد ما خلقت إلا لكي يتملكها بنو إسرائيل الجدد. ومع تقدم المستوطنين بالبندقية والبلطة والمذابح، واقتضامهم الغرب ميلا بعد ميل، تضاعف الاعتقاد بالمعني الإسرائيلي لأمريكا وبالإختيار لإلهي للزنابير. وقد عبر ريتشارد نيبر عن ذلك في كتابه 'مملكة الله في أمريكا بقوله: إن الفكرة القديمة عن شعب الله الامريكي قد أعطت دورها لفكرة الأمة الأمريكية المختارة والمفضلة عند الله. ولطالما تناول أدب القرن التاسع عشر توسع أرض كنعان إلي ما وراء الميسيسيبي باعتباره خطوة لابد منها لتصحيح مسار رحلة كولومبس إلي الهند الحقيقية المنتظرة منذ زمن طويل، وباعتباره أول قطف ثمار لبستان العالم . لقد صار علي غرب الميسيسيبي أن يستعد لاستقبال 'الأضرار الهامشية' للحضارة وعاداتها، عادات الأنكلوسكسون وثقافتهم أو ما صار يصطلح عليه بعد ذلك باسم 'طريقة الحياة الأمريكية'.

 وكانت عقيدة القدر المتجلي التي سادت منذ أربعينات القرن التاسع عشر قد أدت إلي بعض الجراحة التجميلية للمعني الإسرائيلي لأمريكا. فالاصطلاح كما يعرفه ألبرت وينبرغ في كتاب بعنوان 'القدر المتجلي' يعبر عن الثقة المطلقة بالنفس وبالطموحات التي أقرها القدر نفسه بآيات واضحة جلية، بدءا بآية السفينة التي حملت الحجاج إلي بليموث وانتهاء بالتوسع غرب الميسيسيبي الذي رعته العناية الإلهية. ومن أبرز مبررات هذه العقيدة ما يسمي بنظرية 'القضاء والقدر الجغرافي'، أو الزعم بأن يد القضاء هي الذي ترسم الحدود الجغرافية للأمم (لاتعترف الولايات المتحدة، كإسرائيل، إلي الآن بحدود جغرافية لها، وليس في دستورها إشارة إلي  ذلك). ومنذ أن أطلق جون أوسوليفان هذا الاصطلاح في مقالة له بعنوان 'التملك الحق' تحول 'القدر المتجلي' إلي عقيدة سياسية مفادها أن هذا العالم كله 'مجاهل' وأن قدر أمريكا (الأنكلوسكسونية) الذي لاينازعها فيه أحد أن تتملك منه ما تشاء من أرض لأن ذلك حقها الطبيعي، ولأن إله الطبيعة والأمم هو الذي أورثها هذه الأرض.

 

* * *

 

 وفي هذه العيادة القدرية أجريت الجراحة التجميلية للمعني الإسرائيلي لأمريكا وفكرة الإختيار والتفضيل الإلهي التي بدأت تزايد علي عقدة الإختيار الإسرائيلي. فالسبب الأسمي لاختيار الله لإسرائيل هو سر غامض من أسرار يهوه (النص المقدس يقول إن الإختيار تم وفقا لمكيدة اسرائيل بأبيه الأعمي وليس سرا من الأسرار كما يعتقد سوليفن)، أما الآن مع عقيدة القدر المتجلي فإن الله اختار شعبه الجديد لأسباب جلية واضحة، بسبب تفوقه العرقي وغناه وموقعه الجغرافي ومؤسساته الدستورية والخيرية... الخ. 'لقد تم فك سر الإرادة الإلهية' كما لاحظ ألبرت وينبرغ، وشهدت العلوم الإنسانية ولادة 'انثروبولوجيا قدرية' تولي الله فيها توظيف قضائه وقدره في شركة جورج واشنطن للقرصنة العقارية وسلخ الرؤوس.

 اجتياح غرب الميسيسيبي وتصحيح مسار رحلة كولومبس إلي الهند الحقيقية هو محور قصيدة والت ويتمان 'القومية': معبر إلي الهند التي أعطت عقيدة 'القدر المتجلي' أعذب معانيها الشعرية. ومن المفارقات أن ويتمان  لم 'يعبر' الميسيسيبي في حياته ولم يشهد هذا الغرب الذي غناه في قصائد كثيرة من أبرزها 'أيها الرواد' التي تغزل فيها بأبطال اجتياح الغرب الذين خلقوا مصيرا جديدا للعالم. في قصيدة 'معبر إلي الهند' التي نشرها عام 1871 ومجد فيها ثلاثة انجازات إنسانية ربطت 'أوصال العالم' هي شق قناة السويس، وإنشاء 'سكة حديد الهادي'، ومد 'خط الاتصال الأطلسي' تحت الماء باح ويتمان بإيمانه بقدر أمريكا المتجلي وراء البحار، وقال إن التاريخ البشري كشف عن هدفه الغامض بعد أن وصلت رحلة كولومبس إلي نهاية مطافها. ويري الأمريكيون أن هذه القصيدة تعبر عن ذروة الطموح إلي مد جسر إلي الشرق الساحر، وتفسر الإيمان الشائع بأن أمريكا بدأت تمسك بخيوط التاريخ الإنساني.

 بعد وضع اليد علي الفيلبين وسعار التوسع وراء البحار كتب جوسيا سترونغ أشهر كتبه الرائجة 'بلادنا'  وأشار فيه إلي الارتباط العضوي بين القدر المتجلي وبين الأنكلوسكسون. وبين سترونغ أن تصميم الله لمستقبل الإنسانية يعتمد كليا علي الأنكلوسكسون باعتبار أنهم هم الذين قدموا الفكرتين المتلازمتين: الحرية المدنية والمسيحية الروحية الصافية. ولأن الفرع الأمريكي للعرق الأنكلوسكسوني هو الذي أعطي هاتين الفكرتين صورتهما الكاملة فقد صارت أمريكا هي المؤهلة لأن تمسك بمصير الإنسانية. ولكي يحقق الله لأمريكا هذه السيطرة علي مصير الإنسانية فقد أوكل إليه سترونغ مهمة العمل علي جبهتين: في الجبهة الأولي يغدق الله علي شعبه الجديد، العرق الأنكلوسكسوني، كل ما يحتاجه للإمساك بهذا المصير، ويهييء الميسم الذي سيدمغ به غظهورف شعوب الأرض، وفي الجبهة الثانية يسخر الله من يعد غظهورف شعوب الأرض لتدمغ بهذا الميسم . (طبعا إن فكرة العرق الأنكلوسكسوني كذبة لايعترف بها علم الأعراق. وكل الذين أسسوا لها عرقيا كانوا يشيرون إلي ذلك الخليط المهجن للجماعات البشرية التي تسكن الجزيرة البريطانية من الجرمان والسلت والفايكنغز.. ثم عمموه زنبوريا علي تلك الإخوة الضبابية للناطقين بالإنكليزية من البيض..  فقط)

 وكان دخول أمريكا الحربين العالميتين هو أوسع معبر إلي قدر أمريكا المتجلي وراء البحار لدمغ ظهور البشرية بدمغة الأنكلوسكسون الحضارية، أو ما صار يسمي في الاصطلاح الأمريكي بنظام العالم الجديد. وكالعادة في كل حرب فإن الرئيس الأمريكي (وكان يومها وودرو ولسون) خرج علي مواطنيه ليعلن عن ظهور مجاهل جديدة ووحوش جدد هم 'الهون الذين خلقوا الشيطان' وليقول إنه لم يورط أبناء الولايات المتحدة في الحرب إلا للدفاع عن الحضارة ضد الهمجية وللدفاع عن 'طريقة الحياة الأمريكية'. وفي الحرب العالمية الثانية أيضا أعلن الرئيس روزفلت لمواطنيه أن أمريكا تدخل الحرب من أجل إنقاذ العالم، ودفاعا عن الحضارة وعن طريقة حياتها.

 خلال الحربين كان السياسيون ونجوم السينما والإذاعات والصحف و'عروض الفرجة' كلهم يمجدون الدور الأمريكي 'الخلاصي' ويركزون علي الإختيار الإلهي ووحدة المصير الأنكلوسكسوني وارتهان مصير الإنسانية كلها لمصير العرق الأنكلوسكسوني المختار، كما عبر عن ذلك رينهولد نيبور في مقالته 'المصير والمسئولية الانكلوسكسونية' قبل قصف هيروشيما وناغازاكي بالقنابل النووية وتدشين عصر الإبادة من السماء.

 بعد أربعة قرون من مواكبة 'العناية الإلهية' لحركة التوسع الاستيطاني نحو الغرب أعلن فردريك تيرنر أحد أبرز فلاسفة 'الثغور' أن 'الجبهة القارية' الداخلية انتهت ووضعت أوزارها، وبانتهائها ختمت أمريكا حقبتها التأسيسية اللازمة للتوسع وراء المحيط ولبناء إمبراطوريتها الكونية. وعندما نشر كتابه 'مشكلة الغرب أكد علي أن التوسع والحرب كانا أساس النماء الاقتصادي الأمريكي، ولابد لاستمرار هذا النماء من استمرار التوسع وعدم إطفاء نار الحرب. ودعا تيرنر إلي شق قناة لهذا التوسع عبر المحيط والاستفتاح بضم الجزر والبلدان القريبة. إنها حتمية الولادة الأبدية للثغور التي تتقدم باستمرار، وحتمية الولادة الأبدية للحياة الأمريكية علي هذه الثغور والجبهات التي ستصل الغرب بالشرق لتكمل شمس الحضارة الانكلوسكسونية دورتها حول الأرض.

 

* * *

 

 لقد نجا شعب الله الجديد من ظلم فرعون وخرج إلي كنعان الجديدة فقهر قديسوه مجاهلها. وظل الغرب يفر أمام زحوفهم ويتراجع حتي لم يبق أمامهم من غرب، وإلي أن صار عليهم أن يخترعوا لزحفهم غربا ولو في أول الشرق. تلك هي 'جبهة القتال'، أبرز ثوابت التاريخ والنماء الأمريكي كما رآها أحد أبرز مؤرخي الولايات المتحدة في القرن العشرين: إنها الآية التي ورث بها شعب الله أرض كنعان، وإنها التجربة الحية والمستمرة لفكرة أمريكا، 'فكرة استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة'. منها بني المستعمرون لحم أكتافهم واقتصادهم القائم علي 'حق النهب' والفردية المتوحشة، وبها رفعوا صرح مدنهم علي أنقاض المدن الهندية وسوروا حدائقهم بعظام الهنود. لقد كانت هذه 'الجبهة' المتقدمة دائما الوجه السحري لأسطورة أمريكا حيث كتب القضاء والقدر للحضارة أن تنتصر علي الهمجية، وللإنسانية علي 'الوحوش'، وللنور علي الظلام، وللخير علي الشر، ولله علي الشيطان، وللتسامح علي التعصب، وللحب علي الكراهية، ولإسرائيل علي  كنعان.

 صحيح أن كل الشعوب تفرغ أعداءها من إنسانيتهم لأسباب مختلفة وبأشكال مختلفة. لكن قديسي شعب الله الإنكليزي جردوا ضحاياهم من إنسانيتهم قبل أن يروهم، وكرهوهم وحكموا عليهم بالموت قبل أن يشرعوا سفنهم إليهم. إنهم لم يستطيعوا أن يروهم في مكانهم أو في زمانهم أو علي حقيقتهم. لقد اخترعوهم من أساطيرهم وشحم غرائزهم ونحتوهم من مركب زواحفهم وتعصبهم المقدس، وراحوا يعبدون الله ويقتلون ضجرهم بتكسير هذه الدمي.

 وكان المكان (كنعان) في ذلك الغرب لايختلف عن هذه الصورة. إنه اختراع. وهو مثال في الذهن مستمد من شبكة معقدة من الجنون الديني ووظائف الأعضاء. فأرة تلتقمها الأفعي بلقمة واحدة. هنا في هذا الفضاء السحري لكل مكان جديد وثغر جديد خضعت أخلاق كراهية الكنعانيين لحالة استيلاد جديدة من الذاكرة ومن نظام الهذاء البارانويي ومن وحشية 'ثروة الأمم'، ومن الغرور المدفون عميقا في طبيعة المقدس نفسه.. المقدس الذي لايتعمد إلا بالدم: 'هوذا شعب... لاينام حتي يأكل فريسة ويشرب دم قتلي'. ولقد صارت هذه 'الأخلاق الإبادية' بنفاقها وبسماتها الانكليزية المسمومة 'عقيدة وأيديولوجيا، بل صارت النواة الصلبة للقومية الأمريكية التي ماتزال تخصب الأدب والفن والسينما وصناعة الجريمة والموت وتعطي أوضح صورة لمفهوم الأمريكي عن نفسه وعن العالم.

 

* * *

 

 هذه الأخلاق الإبادية التي ضربت جذورها في عقدة الاختيار وكراهية الكنعانيين، ورافقت بناء أمريكا لحظة  لحظة وجبهة بعد جبهة، هي التي جعلت 'الأمريكيين' يعتقدون اليوم كما كان أجدادهم المستعمرون الأوائل يعتقدون قبلهم بأن لهم الحق المطلق في أن يقتحموا أي غرب في أي مكان من الأرض. إن ميتافيزيقا 'اقتحام الغرب' التي نسفت نظام البوصلة وأعدت العصر الذهبي لنظرية الأنكليزي مالثوس جعلت الغرب الأمريكي في كل الجهات وفي كل الأرحام. إنه 'الغرب' اللانهائي، اللامكان، وإنه كل مكان. إنه فضاء الزنابير، الثقب الأسود الذي يمتص كل شيء، الأرض التالية، وراء الجبهة التالية، وراء الغرب التالي، وراء المجاهل التالية، وراء الإبادة الجماعية التالية. إن عالمنا كله يعيش اليوم تحت رحمة مافيا كولومبس الذي أوصي باستثمار ذهب أمريكا في 'تحرير أورشليم'، وإن الهنود الحمر الذين أبيدوا بالنيابة عنا، نحن الكنعانيين علي الحقيقة ما  يزالون يعيشون فينا.

 

إلى صفحة المقالات