إنهم يختبئون خلف المدنيين!

 قال تعالى : وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

 

بقلم :د.إبراهيم علوش

 

في حوار مع الصديق محمد أبو النصر، الذي يعد أسبوعياً منذ عام ونيف تقريرين على الأقل عن فعاليات المقاومة العراقية باللغة الإنكليزية، لاحظنا وجه التشابه في الخطاب الإعلامي المعادي في العراق وفلسطين من زاوية محددة: إدعاء الطرف الأمريكي-الصهيوني المتكرر أنه يقصف وينكل بالمدنيين بزعم اختباء «الإرهابيين» بينهم!

 

هذا الخطاب الأجوف، على الرغم من أن المواطن العربي عامةً يتلقاه بكل الاستهزاء والشخير الذي يستحقه، فإنه في الواقع الخط الإعلامي الرسمي للطرف الأمريكي-الصهيوني في فلسطين والعراق بصدد الاستهداف المنهجي لآلاف المدنيين. وهو خطاب مقنع على الأقل للرأي العام في المعسكر المعادي، وللنخب المحلية المرتبطة به، ولكنه يهدف أيضاً لدق الأسافين بين المقاومة وقاعدتها الجماهيرية، كما نلاحظ من طريقة تناول العدو الصهيوني لإطلاق صواريخ المقاومة من غزة. فالتبرير الرسمي الصهيوني للمجازر هناك هو: دعوا السكان يخرجون مطلقي الصواريخ من بينهم!

 

ومنذ الانتفاضة الأولى، كان نتنياهو يخرج على شاشات التلفزيون الأمريكي ليدعي أن «الإرهابيين» يدفعون بالنساء والأطفال إلى مقدمة المظاهرات ليطلقوا النيران من خلفهم، مما يدفع قناصة جيش «الدفاع»!! مضطرين، لإطلاق الرصاص المطاطي بشكل منهجي طبعاً على أعين آلاف الأطفال من رماة الحجارة وعلى أعمدتهم الفقرية!

 

وفي العراق، كلما قصف جيش الاحتلال بيوت المواطنين وسياراتهم، وكلما شرع بإطلاق النار عشوائياً من حوله، خاصة بعد تعرضه لعملية فدائية، قال بيان أو ناطق رسمي أو عسكري أمريكي بأن العملية كانت تستهدف مجموعة «إرهابية» مختبئة بين المدنيين أو جماعة من «المسلحين الأجانب» لا نرى لها أثراً بعدها بين جثث الأطفال، وهي مفارقة طريفة بالتأكيد أن يتحدث أبناء العم سام عن العرب والمسلمين كأجانب في العراق!

 

ومن يراقب إعلانات المقاومة العراقية منذ بدأت، كما يقول محمد أبو النصر، يلاحظ أنها لم تألُ جهداً في تحذير العراقيين من السير أو الوقوف بمحاذاة مواقع وآليات جيش الاحتلال وأذنابه، وقد أجهضت الكثير من العمليات كي لا تصيب الناس بالضرر. بالمقابل، يحاول جنود الاحتلال أن يحيطوا أنفسهم بالأطفال حيثما حلوا بتوزيع الحلوى والكرات الرياضية والقمصان القطنية، ثم يشرعون بإطلاق النار عليهم إذا سمعوا صدى مفرقعة من بعيد.

 

لكن حجة «الإرهابيون يختبئون بين المدنيين» حجة مريحة للمواطن الأمريكي أو الصهيوني الذي يصدقها لأنها تشعره أن مشكلته ليست مع شعب أو أمة تتعرض للاحتلال، بل مع حفنة من «الإرهابيين المتطرفين»!! وهي أيضاً ضربة معنوية استباقية لأي شعور بالذنب عند التنكيل بنا، تماماً كالمحرقة أو العنصرية البيضاء أو اليهودية.

 

ومن الناحية السياسية الصرف، تفيد هذه الحجة في تصوير المقاومة كجماعات معزولة لا مستقبل لها، وبالتالي لزيادة التأييد للحرب في المعسكر المعادي. أما بالنسبة للرأي العام في معسكرنا، فإن هذه الحجة جزءٌ من استراتيجية عزل المقاومة عن قاعدتها الاجتماعية التي تحتضنها لأن مصلحتها تكمن في التحرير، فتدفع من جراء ذلك باهظ الأثمان من أرواح أبنائها وبناتها ومن ممتلكاتها وراحتها وأمنها وحريتها.

 

وتمثل المجازر، بالنسبة للقيادة العسكرية والسياسية للطرف الأمريكي-الصهيوني، والتجريف والقصف العشوائي والاعتقالات الجماعية ونسف المنازل امتداداً طبيعياً لسياسة العقاب الجماعي ضد السكان بهدف فرض الاحتلال بالقوة عليهم، أولاً لأن العدو محتلٌ غريبٌ لا يقيم اعتباراً لهم بل لتحقيق أهدافه السياسية والعسكرية، وثانياً لأن سياسة العقاب الجماعي بحد ذاتها دليلٌ على فقدان القيادة السياسية والعسكرية للطرف الأمريكي-الصهيوني السيطرة على الموقف الميداني، أي على اقتراب النصر. وهو ما يجب أن تشرحه المقاومة باستفاضة للشعب في مواجهة محاولة العدو أن يفصم بالإرهاب عرى العلاقة العضوية بينهما.

 

فالمشكلة هنا يصورها لنا العدو هكذا: نقتل المدنيين لأن «الإرهابيين» يهاجموننا. ولكنها من وجهة نظر المقاومة: لا بل تقتلون المدنيين لأن المقاومة من أبناء الناس ولحمهم، ولذلك حولتم الناس إلى رهائن، تماماً كما تقولون إن الإرهابيين يفعلون، كي تخففوا من فعالية المقاومة بالابتزاز الصريح، حيث عجزتم عن القضاء عليها.

 

فالرد الصحيح على إرهاب العدو وسلوكه الإجرامي هو تصعيد المقاومة، لا التخفيف منها. وفي النهاية، ولدت المقاومة كردٍ على الاحتلال، ولم يلد الاحتلال كردٍ على المقاومة. والأمة ككل أفضل حالاً لو ضحت كثيراً من أجل التحرير مما لو سكنت قليلاً من أجل العبودية.

إلى صفحة المقالات