«إسلاميو» الحرب الباردة يعودون من جديد

 

بقلم :د.ابراهيم علوش

قال تعالى : ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا

 

الشيخ حمزة يوسف على قناة «أم بي سي» يعظ المسلمين ضد المقاومتين العراقية والفلسطينية ويدعو لمحبة اليهود واقتصار  التبرعات على الأكل والشرب وليس الجهاد! بعض الأصدقاء يقولون إن تأثيره كبير، خاصة بعدما بهر الناس في رمضان الماضي  بحديثه عن روعة الإسلام والحضارة الإسلامية...

 

الطريف أن حمزة يوسف موظف رسمي في الإدارة الأمريكية، إذ يبدو أن الأخيرة ملّت الانتظار وترغب بحرق المراحل في إنتاج حركة  إسلامية موالية لها.

 

وخلال الحرب الباردة، رعت الأنظمة المتعاونة مع أمريكا وبريطانيا نموذجاً يدعي الإسلام يخدم مصالحها في محاربة المد الوطني  التحرري في الوطن العربي وفي احتواء التأثير السوفياتي حول العالم.

 

وكانت هذه النسخة من فقهاء السلاطين تبشر بإسلام يهادن الحكام (بشرط أن يكونوا من أنصار الغرب)، وتجعل من الدين مجرد شعائر  وقواعد تحكم الحياة الشخصية في المأكل والملبس والموسيقى وما شابه (أي دون جهاد ضد الاستعمار والظلم، إلا إذا كان الظلم من  أنظمة معادية لأمريكا)، وتركز على فوائد التجارة (مع القليل من الزكاة على الهامش). وكان هؤلاء يستطيعون ممارسة العمل  السياسي في الوقت الذي تقمع فيه القوى الأخرى التي تحارب الظلم فعلاً، سواءٌ كانت إسلامية أو غير إسلامية.

 

وعندما كان حال بعض الحركات الاسلامية هكذا، لم تكن لتجد في فلسطين أو جنوب لبنان للقوى الإسلامية شأناً يذكر، فالناس لا ينخدعون  بمن يجعل قضية الدين قضية لباس أو موسيقى فحسب على حساب قضايا الأمة الكبرى من وحدة وتحرير وتنمية التي تتمحور كلها حول  مواجهة الطرف الأمريكي-الصهيوني والقوى والشرائح العربية المتعاونة معه أو المهادنة له.

 

ولأن الناس يقفون مع من يقف مع قضاياهم، فإنهم لم يترددوا بدعم حماس والجهاد وحزب الله وابن لادن حتى النهاية عندما تحمل اولئك  ضريبة الدم من أجل الأمة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تبني الخطاب الفكري لأي هذه الأطراف بالكامل، بل إنك تجد في لبنان مسيحيين  يصطفون مع حزب الله، وتجد في فلسطين مسيحيين يصطفون مع حماس والجهاد.

 

وبالعكس، تعطي القوة السياسية التي تتبنى قضايا الناس مصداقية للعقيدة التي تتبناها.

 

ولذلك ارتبط صعود نجم الحركات الإسلامية الجهادية في الثمانينيات والتسعينيات بتراجع الآخرين وتحمل تلك الحركات عبء المواجهة  مع الطرف الأمريكي-الصهيوني وأذنابه في المنطقة عسكرياً وثقافياً.

 

ولكن يبدو أن الطرف الأمريكي-الصهيوني وأذنابه قرروا أن الوقت قد حان لإبراز نموذج «إسلامي» جديد على نمط الحرب الباردة  لمواجهة الإسلام الجهادي وكل حركات المقاومة في المنطقة، وهو ما تؤكده دراسات وتقارير عدة، كخطة العمل الموجودة حالياً على موقع  مؤسسة «راند» على الإنترنت لتغليب ما تسمية «الإسلام المدني الديموقراطي» على الإسلام الجهادي!

 

والنموذج الجديد ليس جديداً في الواقع، لأنه يجتر الطروحات السابقة القائمة حول مهادنة السلطان والتركيز على الشعائر والحياة  الشخصية والترويج لفوائد التجارة، مع القليل من الإحسان على الهامش.

 

ولعل النموذج التركي «للإسلام» مضى أبعد من غيره على هذه الدرب من حيث استمرار الحكومة «الإسلامية» هناك بالتعاون مع  أمريكا والعدو الصهيوني في الوقت الذي تترافع فيه عن فوائد الحجاب، ولذلك، لم يكن غريباً أن تجد نوح فلدمان اليهودي الذي كلف بكتابة  دستور العراق، يتغنى «بالإسلام» التركي مطالباً بتعميمه.

 

ومن أبشع الأمثلة على هذا «الإسلام» الأمريكي المناقض على طول الخط للإسلام الجهادي بيان مجلس العلاقات الإسلامية -  الأمريكية (كير) الذي يدين عملية حيفا التي قامت بها البطلة هنادي جرادات:

 

«إن كير لتدين هذا الهجوم الآثم بأقوى لهجة ممكنة. ولقد كان التفجيركريهاً بشكلٍ خاص لأنه أتى عشية أقدس عيد للمجتمع اليهودي.  وإننا نقدم تعازينا لعائلات الضحايا وندعو لاعتقال الجناة بشكلٍ سريع».

 

ويلاحظ في نهاية البيان أن «كير» هي أكبر مجموعة حقوق مدينة إسلامية في أمريكا، وأن مقرها في واشنطن، وأن لها 16 مكتباً  إقليمياً في أمريكا، وفي كندا...

 

وهي مجرد حالة من حالات العودة الجديدة لإسلاميي الحرب الباردة وهناك غيرها الكثير من الحالات، منها جماعة الحكيم وبحر العلوم  المتعاونين مع الاحتلال في العراق، بالإضافة إلى هجين جديد من الكتاب والصحفيين الذين يحاولون مزج الإسلام بالنفس الليبرالي ليصلوا  للاستنتاجات نفسها ولو بطرق جديدة، غير مبتكرة.

 

والرد دائماً تبني نهج المقاومة دون أدنى تحفظ.

 إلى صفحة المقالات