لعبة الاعلام الغربى فى تشويه قضية مسلمى الفلبين

طلعت رميح

قال تعالى : لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ

 

لو سألت عربيا فى منطقتنا العربية أو مسلما فى أطراف الأمه الاسلامية البعيدة عن الفلبين-مواطنا عاديا كان أو حتى سياسيا أو مثقفا ، إلا قليلا -عن قضية مسلمى الفلبين..لماذا يقاتلون ..أو لماذا يعارضون السلطة المركزية فى مانيلا ..ولماذا يطالبون بالإستقلال أو الحكم الذاتى ..لن تجد لديه للاسف –إلا قليلا- من معرفه أغلبها ما يسمعه عن عمليات إختطاف جماعة أبو سياف-لاحظ التركيز الشديد على هذا الإسم للقائد الفلبينى المسلم عبد الرازق جنجلان لما لهذا الإسم من دلالات فى اللغة –للأجانب وقتلهم ، لا أكثر ولا أقل وكأننا أمام قاطع طريق أو مجرد عصابه مسلحه..ولا كلمه فى الإعلام الغربى عن طبيعة مهام هؤلاء المختطفين "الاجانب" فى جنوب الفلبين –هم ليسوا إلا مبشرين أجانب وليسوا سياح -ولا عن لماذا يختطفون ولا عن قضية مسلمى الفلبين ذاتها وكيف أصبحوا أقلية بعدما كانوا الأغلبية فى الفلبين لمدة تزيد عن 100 عام ولا عن المذابح التى جرت ضدهم وما تزال ولا عن الفقر المفروض عليهم ولا عن عدم تنفيذ الحكومة المركزية فى الفلبين لكل الإتفاقات الموقعه معهم ..لاشئ من كل ذلك فقط أبوسياف خطف ..أبو سياف قطع رأس ضحية ..أبو سياف قتل.

 حتى جبهة مورو الموصوفه بالإعتدال –وهى محاولة لشق الصفوف الاسلامية بإظهار البعض معتدلا والآخر متطرفا وإرهابيا-والتى منح بوش للحكومة الفلبينية 38 مليون دولار لاجراءات السلام معها لا تجد حديثا عنها فى وسائل الإعلام الغربية إلا ما ندر. أما نور ميسوراى الذى سبق وأن انفصل عن جبهة مورو وإختار طريق الاندماج تحت السلطة المركزية للحكم الفلبينى ، ثم عاد بعدما وجد الطريق مغلقا وإنفصل عن السلطة المركزية  طورد ووجه بالسلاح حتى هرب وبعد القبض عليه فى ماليزيا وتسليمه للحكومة المركزية.. أعلنت رئيسة الفلبين أنه إرهابى وناشدت بوش إعتباره إرهابيا وهكذا وبين ليلة وضحاها تحول الرجل من حاكم لإقليم منداناو إلى إرهابى!.

تعانى قضية مسلمى الفلبين إذن من التشويه والتعتيم أيضا.هذا فى الوقت الذى تطرح هذه القضية العديد من القضايا الإستراتيجية للعدوان الراهن ضد العرب والمسلمين فى كل أنحاء العالم العربى والاسلامى..فالمهاجم واحد وشعارات تغطية الهجوم واحدة وشعارات المقاومة واحدة ،بل إن هذه القضية هى من أهم القضايا التى تكشف نفاق السياسة الدولية تجاه قضايا العرب والمسلمين أو ما أصبح مشتهرا بسياسة الكيل بمكيالين.

 

أصل القضية

يعامل الإعلام الغربى- وللأسف الكثير من وسائط الإعلام العربى تنقل عنها – مشكلة مسلمو الفلبين بإعتبارها حالة تمرد على السلطة المركزية ،حيث يسود وصف "المتمردين فى جنوب الفلبين" فى وسائل الإعلام –والأصل أنها حركة تحرير ومقاومة-ومؤخرا تطور الأمر فيدور الحديث عنها بإعتبارها حركة إرهابية حيث يجرى الترويج لعلاقة لبعض فصائلها بالشيخ أسامه ين لادن لإعطاء المبرر الإعلامى للأمريكان لإيفاد قواتهم للعمل ضدها على خلفية الحملة الظالمه تحت شعارات مكافحة الإرهاب.هذا الإعلام الغربى لا يذكر أبدا أن الفلبين كانت فى أصلها دولة أغلبيتها للمسلمون جرى عبر استعمارها وفى غفلة المسلمون تغيير معتقدات كثير من أهلها رويدا رويدا حتى أصبح أهلها المسلمون أقلية محصورة فى الجنوب ، وقد حدث ذلك عبر فترة طويلة رزحت فيها الفلبين تحت نير الإستعمار الغربى ( سقطت الفلبين تحت الاستعمار الأمريكى فى عام 1898  بعد أن استمر إحتلال أسبانيا لها نحو 350 عاما) وأصبحت الفلبين رسميا تحت السيطرة الامريكية بعد توقيع اتفاقية باريس التى أعطتها هذا الحق من قبل المستعمر السابق لا من قبل سكان البلاد ،وقد حرصت أمريكا بعد إحتلالها للفلبين على إضافة مناطق الجنوب –المسلمة -إلى سيطرتها وداخل جسد الدولة الفلبينية رغم أنها كانت تتمتع بإستقلال عن الحكم فى الفلبين كما أنها لم تخضع من قبل للسيطرة الاسبانية..و خلال الحرب العالمية الثانية كانت الفلبين وبالذات المناطق الإسلامية فى الجنوب مقرا للقواعد الأمريكية فى قتالها ضد اليابان وظلت الفلبين تحت الإحتلال الامريكى إلى أن إستقلت فى عام 46 ، غير أن القوات الامريكية التى ظلت فى قواعد فى الفلبين إستمرت تفرض حصارا بشريا وثقافيا ودينيا على مسلمى الفلبين الذين كانوا قد تمكنوا من توثيق روابطهم مع الجوار الإسلامى ،خاصة فى ماليزيا حيث كانت القوات الأمريكية تلقى القبض على ركاب الزوارق المسلمون كما وضعت قيودا صارمة على سفر المسلمين الى المناطق المجاورة.وبعد الإنسحاب الأمريكى ، قدمت الولايات المتحدة مساعدات لا حصر لها للديكتاتور الفلبينى ماركوس خاصة فى مجال سلاح الجو الذى قام من خلاله بإرتكاب أبشع المذابح ضد المسلمين حتى سيطر على المناطق الاسلامية الأمر الذى جعل المسلمون يدافعون عن أنفسهم من خلال ثورة مسلحة فى مواجهة حرب الإبادة الحكومية التى استخدمت سلاح الجو فى قصف عشوائى بلا أية قواعد قانونية أو اخلاقية كما جرى تهجير مسلمى الشمال الذين دخلوا إلى الإسلام –جراء النشاط الدعوى الاسلامى الذى نشط فى مواجهة أعمال التبشير المسيحية - إلى الجنوب وتم الإستيلاء على ممتلكاتهم وأراضيهم ومنحها للمهاجرين . ومع مجىء إسترادا للحكم فى الفلبين تكررت نفس المأساه فقد حشد 70% من القوات الفلبينية فى مواجهة المسلمين فى مينداو مهددا بسحق المسلمين ومحوهم عدة مرات و قام بهجوم شامل ضد المسلمين وقواهم المجاهدة . وقد تكررت نفس الجرائم خلال حكم اكينو وراموس. ولقد عقد المسلمون أربعة إتفاقات مع السلطات المركزية خلال عهود كل الحكام للحصول على حكم ذاتى ، لكنها لم تنفذ جميعا . فقد عقدت إتفاقية أثناء حكم ماركوس فى عام 76 للحكم الذاتى ، ولم تنفذ . وعقدت إتفاقية فى عهد كورازين أكينو(86-92) ولم تنفذ .وعقدت إتفاقية فى عهد راموس فى عام 94 ولم تنفذ . وعقدت أخرى فى عام 97 ولم تنفذ .وها هى جلوريا اوريو الرئيسة الحالية  تتعامل مع المسلمين من بوابة الحرب على الإرهاب.فتحت شعارات مكافحة الارهاب وعد بوش الرئيسه الحالية بالعمل مع الكونجرس بمساعدة تبلغ 100 مليون دولار ورفع المساعدة العسكرية الى 19 مليون تضاف اليها 10 ملايين دولار من المعدات و10 ملايين تحت بند مكافحة الارهاب ، كما ستخفض الولايات المتحدة رسومها الجمركية على الصادرات الفلبينية بمقدار مليار دولار سنويا وستزيد استيرادها من المنسوجات الفلبينية بنسبة 27% وسيطرح بوش على الكونجرس 340 مليون مليون دولار .ولكى تظهر الصورة جلية لمدى ما تعطيه الولايات المتحدة من اولوية لإضطهاد المسلمين هناك نشير على سبيل المفارقة إلى أن باكستان التى فعلت كل ما فعلت ضد طالبان والقاعدة والتى فتحت قواعدها وأجوائها للقوات الامريكية المعتدية على أفغانستان لم تحصل إلا على 50 مليون دولار من الولايات المتحدة !.

 ويعيش المسلمون فى أسوا الأوضاع فى الفلبين بل ويعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية رغم ان مناطقهم هى الأوفر بالثروة وهى التى تمد الخزانة الرسمية للدولة الفلبينية بحوالى 70 % من مداخيلها..ويكفى للدلالة على ذلك الإشارة إلى التمييز فى التعليم بين المناطق المسلمة وغيرها ، ففى حين يوجد فصل دراس لكل 10 الاف مواطن فى الجنوب الإسلامى يوجد فى الشمال فصل دراسى لكل 3000  مواطن فقط.

 

الكيل بمكيالين

أول ما تطرحه قضية مسلموا الفلبين إذن هو نفاق السياسة الغربية فيما تطرحه من شعارات حول الحريات الدينية وحق تقرير المصير ..فبعيدا عن القضية الفلسطينية ..وفى نفس الأرخيل ..كانت هناك قضية إنفصال تيمور الشرقية التى وقف الغرب على قدم واحده ولم يجلس إلا بعد فصلها عن جسد إندونيسيا .إن مقارنة بسيطة بين الحالتين تظهر هذا النفاق باصاله..فبمقياس عدد السكان فإن تيمور الشرقية لا يصل تعداد سكانها إلى المليون ..بل إن عدد سكانها ليس إلا الرقم الاضافى فوق الخمسه مليون الذين هم عدد السكان المسلمين فى جنوب الفلبين  ومع ذلك رأوا فى الغرب أن العدد فى تيمور الشرقية كاف لبناء دولة مستقلة ، فى الوقت الذى لم يروا أن عدد يقل قليلا عن 6 مليون فى جنوب الفلبين كاف لاقامة دولة وباتوا يصمون جهادهم بالإرهاب والتمرد.وبمقياس تاريخ المطالبه بالإستقلال فإن نضال مسلمى الفلبين الذى بدأ منذ عام 62 إنما يسبق مطالبة أهالى تيمور الشرقية  بالانفصال بأكثر من 30 سنه  . وبمقياس عدد الضحايا فقد قدم مسلموا الفلبين حوالى المليون إنسان أى أكثر من عدد سكان تيمور الشرقية نفسها . ونشير أخيرا إلى أن الدول الغربية التى عارضت بكل شدة إيفاد قوات دولية لحماية الشعب الفلسطينى من الذبح والقتل ..وتحركت بسرعة البرق لإيفاد قوات دولية لتيمور الشرقية ..وافقت بالمقابل على إيفاد –ونشر- قوات أجنبية إلى الفلبين لكنها للأسف كانت قوات  أمريكية مهمتها مواجهة حركة الجهاد الاسلامى هناك.

 

وحدة قضايا الأمة

ثانى القضايا التى تطرحها قضية مسلمو الفلبين هى وحدة قضايا الأمة ووحدة المعتدين أيضا سواء كان الولايات المتحدة الأمريكية أو الكيان الصهيونى.أما وحدة قضايا الأمة فقد أصبحت الحقيقة التى تزداد رسوخا كل يوم هو الترابط بين قضايا المسلمين على أرض الواقع حيث تتشابك القضية الفلسطينية وقضية العراق والقضية الأفغانية ..والقضية الأفغانية تترابط مع قضايا الفلبين والشيشان إلخ.أما وحدة المعتدبن فبدورها باتت واضحة كما كانت فى السابق لكن هذه المرة بلا مواربة .

الولايات المتحدة التى تقصف افغانستان وتحاول تدويل قضية جنوب السودان وتعمل على فصله من الجسد السودانى وتقف فى مواجهة المجاهدين الكشميرين فى كشمير فى صف الهند وتصف المجاهدين بالارهابيين ..وتقف ضد المجاهدين الفلسطينين وتتهم بالارهاب..هى نفسها الولايات المتحدة التى تقف بقواتها تدرب القوات الفلبينية بل وتوجه مباشرة القوات المجاهدة تحت نفس شعارات مقاومة الارهاب حيث وضعت جماعة أبو سياف على لائحة الارهاب واغتنمت رئيسة الفلبين الفرصة لتضع ميسورى على لائحة الارهاب .

وضباط الموساد الذين يعملون ضد مجاهدى كشمير وقتل المجاهدين عددا منهم..هم نفس ضباط الموساد الذين الذين يتواجدون فى شمال العراق وهم انفسهم الذين يتواجدون هناك فى الفلبين ويعملون ضد المجاهدين فى الفلبين الذين قتلو بعضهم ايضا .وقد أعلنت ذلك الرئيسة الحالية بكل وضوح أن ثمة خبراء إسرائليين يقومون بتدريب قوات كوماندوز فى الفلبين على مكافحة الإرهاب.الرئيسة قالت أيضا ان هناك إسرائيليين يعملون منذ مدة طويلة حتى أن بعضهم مستقر حاليا فى الفلبين.

العدوان واحد والقوات والقوى المضادة واحدة ايضا.

وكان من الطبيعى ان يكون الشعار الاسلامى واحد..فى فلسطين كان الشعار هو الجهاد وكذلك فى كشمير ..وفى افغانستان وفى الفلبين ايضا

 

الإعلام الإسلامى

اما ثالث القضايا التى تطرحها قضية مسلموا الفلبين فهى قضية الإعلام الإسلامى المستقل ..المستقل  عن الحكومات محدودة الحركة أو التى تتحرك تحت ضغوط ..والمستقل عن الهيمنة الغربية.هذه القضية تطرح إشكالية عدم وجود إعلام إسلامى قادر على موافاة القارئ المسلم فى كل مكان بأحوال المسلمين فى كل انحاء العالم ..وتطرح قضية سيطرة الإعلام الغربى بالمقابل ونقله الأحداث التى تجرى للمسلمين فى العالم من وجهة نظر المصالح الغربية .والأمر يسير إذ يكفى فى البداية أن تقوم الصحف ووكالات الانباء ومواقع الويب بتعيين مراسلين محليين لها لتزويد القراء المسلمين بمعلومات صحيحة لمواجهة الظرف الراهن .هذا أقل ما يجب وعلى وجه السرعة حتى تتحقق المشروع المؤجلة بإنشاء وكالة الأنباء الإسلامية والقناة الفضائية الإسلامية..الخ.

عن موقع طلعت رميح

إلى صفحة المقالات