فقهاء السلطان وفقهاء الاستعمار

 د. إحسان الثامري

 

 قال الله تعالى : بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق

 

دلّ مصطلح الفقه في صدر الإسلام على الشرع نفسه، أي فهم كل ما شرع الله سبحانه وتعالى من أحكام العقيدة والأخلاق والمعاملات والأعمال. واستمر هذا الفهم حتى القرن الثاني الهجري. ولكن بظهور الخلاف في مسألة الأسماء والصفات، طرأ شيء من التخصص على بعض المصطلحات، فعرف الفقه على أنه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستدلة من الأدلة التفصيلية. ومن هنا اكتسب الفقهاء سمة العلم، وأطلق عليهم (العلماء).

ومع موجة الفتوحات الإسلامية لنشر الدين الحنيف، وتمصير الأمصار، انتقل عدد كبير من الصحابة والتابعين إلى البلدان المفتوحة، فتشكلت ملامح مدارس فقهية، منها المدرسة الفقهية العراقية، وهي تختلف عن المدرسة الحجازية التي تعتمد النص اعتمادا كبيرا. وساعد على ظهور وتميز هذه المدرسة العراقية أخذها بالقياس والرأي، مما جعل فقهاءها يتخذون مواقف متباينة إزاء السلطة الأموية، وخاصة فقهاء الشيعة الذين استمروا في حمل السيف بوجه الأمويين منذ واقعة كربلاء سنة 61هـ.

وغني عن القول كيف كان أولئك الفقهاء يتمتعون بدرجة احترام وتقدير عاليين من قبل المجتمع، لما رآه فيهم من خير وزهد وورع وتقوى وتمسك بالدين وعدم الخشية في حقوق الإسلام لومة لائم أو بطش باطش.

وفي نفس الوقت نظر المسلمون إلى الفقيه الذي يفرط في حقوق الله نظرة ريبة وشك، في حين انتقد العلماء بعضهم بعضا إن رأوا منهم ما يشين مواقفهم. فقد وقف كثير من الفقهاء موقف المدافع عن السلطة العباسية وعن شرعيتها، وأنكروا على من خرج عليها كالقاضي زفر بن الهذيل الذي كان ينكر على أبي حنيفة موقفه غير المتعاون مع العباسيين.

وقد تمادى بعض الفقهاء في تأييدهم للسلطة العباسية في حالتي الصواب والخطأ، فلبسوا السواد تمشيا مع تقاليدهم، وصنفوا كتبا في مناقبهم وشرعية حكمهم وأحقيتهم بالخلافة، بل وضع بعضهم أحاديث منسوبة للنبي e تؤكد أهمية الوقوف إلى جانبهم، وتدعم مصالحهم السياسية، كالقاضي أبي البختري وهب بن وهب الذي انتقده أحمد بن حنبل ومالك بن أنس وابن الجوزي ويحيى بن معين.

وشهد القرن الثاني الهجري بعض القضاة والفقهاء الضعاف ممن لا يتحرجون من إبداء الرأي والحكم وفق هوى ومراد السلطة وذوي النفوذ، يحثهم على ذلك حب الدنيا والرغبة في المنصب، والخوف من العقاب، غير آبهين بخشية الله وعقابه.

واستمرأت السلطة العباسية هذا الوضع، فكافأت الفقهاء المتعاونين معها ببعض المناصب السياسية والإدارية، وعلى وجه الخصوص المناصب الدينية كالحسبة والإمامة والقضاء وجباية الصدقات. لهذا، دخل إلى سلك تلك الوظائف الهامة فقهاء غير مؤهلين لحمل هذه الأمانة العظيمة، أطلق عليهم (فقهاء السلاطين)، لأنهم يحكمون بأوامر السلاطين لا بأوامر الله عز وجل. (أنوه هنا إلى منصب فقيه دار السلطان الذي ظهر في المشرق الإسلامي، فهو لا يمت بصلة لما نتكلم عنه، بل هو فقيه يختص بالإجابة على أسئلة السلطان ويكون دائما بالقرب منه).

أعود فأقول، إن تلك الفئة من الفقهاء (فقهاء السلاطين)، وجّه لهم العلماء الملتزمون أشد أنواع الانتقاد، ونظر لهم المجتمع نظرة ازدراء وإنكار. ومارس العلماء والناس عموما ضغوطا متنوعة على فقهاء السلاطين لثنيهم عما هم فيه من غي وانحراف، وتراوحت تلك الضغوط بين المقاطعة النهائية، وبين عدم الأخذ بمروياتهم.

إن التاريخ الإسلامي مليء بقصص تدور حول أولئك الفقهاء المتعاونين (فقهاء السلاطين). وقد رفضهم المسلمون لكونهم لا يمثلون كلمة الله التي هي العليا دائما، فرأينا من يفتي للسلاطين العثمانيين بجواز قتل إخوتهم كي لا يطمعوا في العرش وتقوم الفتنة، متذرعين بالآية الكريمة ]والفتنة أشد من القتل[.

ومع هذا، فإننا لم نسمع عن فقهاء يسوغون احتلال بلدهم، ويضفون عليه شرعية لتدنيس أرض الإسلام في حركة استعمارية جديدة هي آخر أشكال الاستعمار الغربي لبلاد المسلمين. إنهم (فقهاء الاستعمار) الذين رموا شرع الله وراء ظهورهم، وقبلوا أن يكونوا أداة طيعة بيد المحتل الغاصب يستنبطون له الدلائل الشرعية لتشريع الاحتلال، فهم رجال اتخذوا من الدين وسيلة للوصول إلى مطامع دنيوية، مادية وسياسية، وليسوا علماء يقودون الأمة إلى سواء السبيل. ولم يجد (رجال الدين) أولاء أدنى حرج في إلغاء عبارة (الله أكبر) من العلم العراقي امتثالا لأوامر أعداء الإسلام. فهل (الله أكبر) شعار عراقي؟! أم هي من رموز النظام السابق؟ّ! ثم أين ما ادّعوا به يوم مجيئهم على صهوات الدبابات الأمريكية الغازية من حقوق الترشيح والانتخاب والديموقراطية الموعودة؟ ولماذا نجدهم يهرولون إلى المناصب السياسية دون الالتفات لانتخاب أو رأي الشعب العراقي، وكأنهم فراش يتهافت إلى النار؟!

لقد رفض الفقهاء في الزمن الأول المناصب والجوائز طاعة للنبي e ، ودرءاً للشبهات، وقالوا: من ولي القضاء فقد ذُبح بغير سكين. فكيف يغرف الآن رجال الدين أولاء رواتب من أموال العراق المغتصبة؟ وبشهية مفتوحة إلى أبعد الحدود؟!

إن فقهاء الشيعة – وعلى مر السنين- لم يروا الحق إلا حقا، ولم يروا الباطل إلا باطلا. فالعدل عدل، والظلم ظلم. لهذا، أيدوا ثورات العلويين ضد السلطة العباسية لأنهم رأوا فيها إحقاقا للحق. كما في ثورة محمد ذي النفس الزكية التي اشترك فيها غالبية فقهاء البصرة إما حملا للسلاح أو في الدعوة والإفتاء. وكان موقف الإمام أبي حنيفة قويا في دعم هذه الثورة. ونتيجة لهذه المواقف تعرض الفقهاء للمطاردة والضرب والسجن والتشريد وغير ذلك صنوف الاضطهاد. لكنهم كانوا ثابتين على آرائهم، مفضلين الوقوف مع الحق، مقدمين كلمة الله على غيرها.

ومادام الحق واضحا، والباطل واضحا، فإن أمريكا اعترفت وعلى رؤوس الأشهاد أن عملها في العراق إنما هو احتلال عسكري. وقد رأينا بأم أعيننا قصف المساجد والأضرحة، ودهم المنازل والأماكن الآمنة، وقتل الناس بالشبهة ودون النظر لأبسط أعراف حقوق الإنسان. فهل بعد هذا ظلم واستعباد؟! فماذا ينتظر فقهاؤنا كي يؤدوا الأمانة على وجهها الصحيح؟ وماهي الظروف التي يجب أن تتوفر كي يقتنعوا أن هذا هو احتلال، واستعمار جديد وتحكم بمصير العراق ومقدراته وثرواته؟ّ! هل ينتظرون جرائم أكثر من خطف الفتيات القاصرات وبيعهن في أسواق النخاسة، كما في تقارير المنظمات الدولية؟! أم جرائم أكثر من إلغاء تدريس مادة التربية الإسلامية في المدارس العراقية؟! إنه حقا العجب العجاب.

وما دامت أمريكا قد اعترفت بأنه احتلال، فهل هناك احتلال بدون مقاومة؟! إن المعادلة الطبيعية التاريخية تؤكد أن لا وجود لمفردات في العلاقات النسبية، فكما لا وجود لزوج بدون زوجة، ولا وجود لابن بدون أب، فلا وجود لاحتلال بدون مقاومة. إن المقاومة العراقية البطلة – أيا كان وراءها- تثبت أنها المرجعية الوحيدة الواجب اتباعها والالتزام بها، بالإضافة إلى العلماء العاضين على دينهم بالنواجذ.

فليتق فقهاؤنا الله في أنفسهم، وفينا، وفي أرض المسلمين، وفي مقدسات الإسلام، وليستذكر فقهاء الشيعة تاريخهم النضالي والبطولي الطويل في الخروج على الظلم والاضطهاد، وليأخذوا دروسا من الثورة العراقية الكبرى سنة 1920 حينما صدرت الفتوى عن المرجعية بالجهاد، فتلقى المستعمر صفعات من أيدي الشعب العراقي الواحد بكل أطيافه ومرجعياته، وليثبت فقهاؤنا ولاءهم للإسلام والعراق وليس لأحد غيرهما. وأراني لست بحاجة إلى تذكيرهم بقول الإمام الحسين أبي الشهداء : "كونوا في دنياكم أحرارا" .

 

إلى صفحة المقالات

 

  وللمزيد فضلا اضغط  هنا  و هنا   و  هنا