الفتاوى التجميلية  ودورها  في "مقاومة المقاومة"

وتعطيل فريضة الجهاد !!

 قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ

 

بقلم :د . يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

 

من المظاهر السلبية التي فقست عنها العلمانية الخبيئة ما يقع فيه بعض أصحاب الفتاوى " التجميلية " المستأجرة لجهات علمانية سلطوية تعمل -  بما بين يديها من إمكانات إعلامية هائلة النفوذ - على تحريف الخطاب الديني بمجاهدة الجهاد ، ومقاومة المقاومة ، ، وذلك بالطعن الحاد على بعض تصرفات المجاهدين في المقاومة الفلسطينية أو العراقية أو الشيشانية أو الأفغانية إلخ لمجرد طاعتها لله ورسوله في قيامها بفريضة الجهاد ، وهي فريضة معلومة من الدين بالضرورة كفريضة الصلاة ، بل هي سنام الإسلام ـ أو  لوقوعها في بعض الاجتهادات التي  يتصورونها خاطئة حرصا كما يظنون على تجميل وجه الإسلام ، وهو في واقع الأمر في غنى بجماله الإلهي عن تجميلهم البشري الممسوخ بما يسمونه السماحة ، والمسموم  بما يسمونه السلام ، والموءود بما يسمونه المودة .

 

وقبل أن نناقش هذه الفتاوى التجميلية نستفتح بما هو خير : بذكر الفتاوى الهادية إلى شرع الله ، الناصعة المضيئة في تاريخ الفتوى في الإسلام ، الداحضة لفتاوى التجميليين والصادرة على الجانب الآخر عاملة على تجلية  الجهاد وتأكيده والدعوة إليه وتشجيع المجاهدين وترشيد خطواتهم .

 

في سياق فتاوى الدعوة إلى الجهاد صدر بيان المكتب الإعلامي لمدينة العلم للإمام الخالصي الكبيربتاريخ 26 أيار مايو 2004 ( المصدر شبكة البصرة ) ، وتضمن الإشارة إلى الاحتلال الأمريكي باعتباره العدوان الأساسي الدافع شرعا للجهاد والمقاومة بقوله :  ( مع كل يوم إضافي من أيام الاحتلال البغيضة، نشهد جريمة جديدة على المقدسات والعلماء والمواطنين والممتلكات، دون رادع أو وازع من خلق أو ضمير أو مبدأ، وأنّى لنا أن نبحث عن الخلق والمبدأ مع من يتصور جرائمه تعليما للناس أصول الديمقراطية، والتي لا تعني في عرفه إلا الاعتداء على أقدس رموز البلاد والمسلمين على أرضنا العراقية ) ثم تحدث البيان عن المثبطين عن الجهاد بقوله ( إنه من المؤلم، أن نرى بين ظهرانينا من يساوي بين المحتل المعتدي الغاصب واضح الكفر، المحارب من أجل الصهيونية العالمية، وبين المدافعين عن حرمات المسلمين في النجف الأشرف، وكربلاء المقدسة، والكوفة الذين أثبتوا وفاءهم للإسلام وللرسول (ص) ولأهل بيته (ع)، ولا يحمل المدافعون الأبطال إلا أسلحة بسيطة، قبالة عدو يعرفون جبروته وقوته، وبذلك يثبتون أنهم على خطى أبي الأحرار الحسين(ع)، لا يؤثرون طاعة اللئام على مصارع الكرام.)

ثم يؤكد شرعية المقاومة ويدعو إلى مؤازرتها وتأييدها وأن خذلانها هو من باب موالاة أعداء الله وحكمهم في الشريعة معروف وذلك بقوله : (  إننا نؤكد مرة أخرى ، أن نصرة المدافعين والعلماء المجاهدين الثابتين هو بمثابة تولي أولياء الله ، بينما خذلانهم واستهدافهم وطعنهم في الظهور، هو بمثابة تولي أعداء الله ، وجزاء ذلك جهنم وبئس المصير.

في هذه الظروف العصيبه نجدد دعوتنا للشعب العراقي المسلم الموحد للتمسك بدينه وبوحدته والدفاع عن مقدساته ومصالحه ومكافحة المخططات الصليبيه والصهيونيه التي تستهدف العراق و شعبه الأبي.

اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة.)

 

ثم اصدر نحو ست وعشرين  داعية وعالما سعوديا خطابا مفتوحا للشعب العراقي ..دعوهم فيه إلى التوحد ومقاومة المحتلين مؤكدين في بيان نشر على شبكة الإنترنت مشروعية المقاومة و"وجوبها شرعا".

 وذكر البيان الذي نشره موقع " الإسلام اليوم"، الذي يشرف عليه الشيخ سلمان العودة، أن المقاومة حق وواجب "شرعي"، وأفتى الموقعون بحرمة التعامل مع المحتلين ضد المقاومة، كما أكدوا حرمة دم المسلمين ، وضرورة التكاتف ونبذ الفرقة لمواجهة الاحتلال : وأنه " لا يجوز لمسلم أن يؤذي أحداً من رجال المقاومة ، ولا أن يدل عليهم فضلاً عن أن يؤذي أحداً من أهلهم وأبنائهم، بل تجب نصرتهم وحمايتهم".

وقع هذا البيان شخصيات من أبرز علماء ودعاة السعودية من الذين إن لم يكن  من بينهم أي من أعضاء ما يسمونه " هيئة كبار العلماء " الرسميين فإنهم كانوا الأكثر قبولا على مستوى الرأي العام ، وكان من بين الموقعين على الرسالة الشيخ سفر بن عبدالرحمن الحوالي ، والشيخ سلمان بن فهد العودة والشيخ أحمد الخضيري ، والشيخ أحمد العبد اللطيف أستاذ العقيدة بجامعة أم القرى، والشيخ عوض القرني والشيخ ناصر العمر ، والشيخ محمد بن سعيد القحطاني ، و الشيخ مسفر القحطاني ، وهم جماعة من الفقهاء والدعاة وأساتذة الجامعات المرموقين

 وتزامن إعلان البيان مع الهجمات الشاملة على مدينة الفلوجة من قبل قوات الاحتلال ، مما جعل البيان  محاولة للتعاطف مع المقاومة  في تلك المدينة، ودعما لفتاوى علماء السنة في العراق وغيرهم من بعض المراجع الشيعية .

وأكد الموقعون على الخطاب الموجه الى "الشعب العراقي المجاهد" أن ما دعاهم إلى توجيهه هو: "الحالة الاستثنائية التي يمر بها أهل العراق ، و التي توجب التناصر والتضافر، وتبادل الرأي والمشورة والنصيحة التي هي من حق المسلم على أخيه "، ولأن العراق أضحى مفتوحا "على كافة الاحتمالات بغير استثناء ، من حرب داخلية إلى تفكك أو انقسام، إلى قيام حكومة  تابعة للمحتل".

وأكد البيان  أن "جهاد المحتلين واجب على ذوي القدرة وهو من جهاد الدفع، وبابه دفع الصائل، ولا يشترط له ما يشترط لجهاد المبادأة والطلب، ولا يلزم له وجود قيادة عامة".
وأضاف البيان أن " المحتلين هم ولا شك من المحاربين المعتدين الذين اتفقت الشرائع على قتالهم حتى يخرجوا أذلة صاغرين بإذن الله ، كما أن القوانين الأرضية تضمنت الاعتراف بحق الشعوب في مقاومتهم ".

و شدد البيان على عدم التعرض لمن وصفهم بالمستضعفين الذين لا علاقة لهم بالمجهود الحربي، مبينا أنه من المصلحة الظاهرة للإسلام والمسلمين في العراق وفي العالم ألا يستهدف المستضعفون ، ممن ليسوا طرفاً في النـزاع ، وليست دولهم مشاركة في الحملة العسكرية على العراق ، كمن يقومون بمهمات إنسانية أو إعلامية أو حياتية عادية لا علاقة لها بالمجهود الحربي".. ( المصدر جريدة الرأي العام )

 

 ثم جاء البيان الختامي  للاجتماع الثاني لمجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي صدر يوم الجمعة 19-11-2004 في بيروت بحضور أعضاء مجلس الأمناء ، وتوقيع أمين عام الاتحاد الدكتور محمد سليم العوا ورئيس الاتحاد الأستاذ الشيخ يوسف القرضاوي ،  ليؤكد : أن  مقاومة الشعب العراقي المجاهد لجيوش الاحتلال الأجنبي بغية تحرير الأرض واسترجاع السيادة الوطنية يعدّ واجباً شرعياً على كل مستطيع، داخل العراق وخارجه، ما دام ينتمي إلى أمة الإسلام . وأن  ما ترتكبه الجيوش الأجنبية الغازية للعراق من فظائع لم يسبق لها مثيل يمثل وصمة عار في جبين الدول التي تقوم بها، وأن عليها أن تنسحب من العراق انسحاباً فورياً، بعد تسليم السلطة مؤقتاً إلى هيئة دولية معترف بها ، تقوم بالإشراف على انتخابات حرة ونزيهة ، يتولى بعدها الشعب العراقي إدارة شؤون بلاده بنفسه.

وأكد البيان أنه لا يجوز لأي مسلم تقديم الدعم للمحتلين ضد الشعب العراقي ومقاومته الشريفة، لأن في ذلك إعانة لهم على الإثم والعدوان، وموالاة للمعتدين ضد شعب مسلم مظلوم.

 وإذا كانت ظروف بعض العراقيين تدفعهم إلى العمل في الجيش أو الشرطة فإن عليهم أن يسعوا جهدهم لتجنّب إلحاق الأذى بمواطنيهم ، وعلى المقاومة الشريفة أن لا تتعرض لهم بسوء ما داموا لا يحاربون شعبهم ولا يوالون عدوهم .

وحذر البيان مما يتعرض له  العراق اليوم من مؤامرة خطيرة تهدف إلى تمزيق نسيجه الاجتماعي ولو بقي دولة واحدة ، وذلك عن طريق إثارة النعرات المذهبية والقومية ، وتضخيم نقاط الاختلاف. وإن الواجب الشرعي والوطني يقتضي من العراقيين نبذ خلافاتهم ووقوفهم صفاً واحداً من أجل طرد الاحتلال .

كما تحدث البيان عما يحدث في فلسطين  وقرر أن ما يصيب هذه الأمة من جرحها النازف منذ نيّف ونصف قرن في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس من أرض فلسطين التي بارك الله فيها، يوجب على المسلمين حيثما كانوا أن يعينوهم بشتّى أنواع الجهاد : بالمال واللسان والقلم والنفس ، وقرر أن الانتفاضة المباركة والمقاومة الفلسطينية الباسلة تمثّل واحدة من أنبل مواقف هذه الأمة في القديم والحديث، ومن الواجب على كل فرد منّا أن يقدّم لها ما يستطيع من دعم.

كما تحدث عما حدث ولا يزال يحدث في أفغانستان من مؤامرة تستهدف دين الشعب الأفغاني المسلم وقيمه ومثله، فضلاً عمّا يعيش فيه من بؤس ، وقرر أنه على جميع المسلمين في كل مكان أن يفضحوا هذه المؤامرة الخبيثة وأبعادها، وأن يقدموا إلى الشعب الأفغاني المجاهد ما يستطيعون من دعم.

و تحدث البيان عما يعاني منه المسلمون في مختلف أنحاء العالم من اضطهاد واعتداء، من قبيل ما حدث بالأمس القريب في تايلاند ونيبال وهولندة وقبل ذلك في كشمير وغيرها من بلاد العالم، وأنه يوجب على كل مسلم أن يعمل على الجهاد بقلمه ولسانه وماله لحماية إخوانه في البلاد التي يؤلفون فيها أقلية.

 وأكد بيان الاتحاد على ضرورة قيام الدول الإسلامية بإصلاح نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومناهجها التربوية بصورة تنبع من ثوابت الأمّة الشرعية وخصوصيتها الحضارية وهويتها الثقافية بما يحفظ عليها مقوماتها التاريخية ولا يخلّ بقيمها الوطنية والدينية، ولا يكون استجابة لإملاء خارجي .

 

ثم جاء بيان جبهة علماء ومفكري الأمة بمصر المنشور بجريدة الشعب بتاريخ 19 \11\2004    بتوقيع مجموعة أصيلة من العلماء والمفكرين المشغولين بهموم المسلمين ، وفيه توجيه التحية : ( للمجاهدين العراقيين الذين وسعوا جبهة المواجهة إلى كل مكان في العراق خاصة ، فى الرمادي و الموصل و بغداد و بعقوبة و غيرها من مدن و قرى العراق الباسلة ) . ثم أكد :

 (1)( أن مقاومة المحتل الغاصب جهاد مشروع بلا خلاف بين علماء الأمة ، و أعرب عن تأييده لبيان علماء جزيرة العرب (26 عالما ) الذين أكدوا هذا المعنى الشرعي .

(2)  أن واجب المسلمين فى شتى أنحاء العالم و على رأسهم مسلمو دول الجوار تقديم الدعم بكافة السبل و الوسائل للمقاومة العراقية .

(3) أن من أهم واجبات الحركات الإسلامية في هذه اللحظة تصعيد وتيرة العمل السياسي الرافض للهيمنة الأمريكية و النفوذ الأمريكي في مختلف البلاد العربية و الإسلامية ، و باعتبار أن التعامل أو التعاون أو الصداقة مع المحاربين للإسلام ، حرام شرعا .

(4) أن حكام العرب و المسلمين الذين يواصلون صداقة الولايات المتحدة يرتكبون أكثر المحظورات الشرعية خطرا ،  و هى موالاة المعتدين من الكفار و المشركين ،  .. و هو الأمر الذي نهى عنه الله سبحانه و تعالى و حذر منه في قوله تعالى : ( و من يتولهم منكم فانه منهم ) وقوله تعالى : ( و من يتولهم فأولئك هم الظالمون) ..

(5)  أن هذه الحملة الصليبية الحاقدة المعادية للإسلام و التي لم تعد تخفى وجهها القبيح بالاستباحة المتعمدة لدور العبادة المقدسة (المساجد) بهدمها و تدميرها و قتل من فيها من الجرحى ، إن هذه الحملة الحاقدة لن يصدها إلا إعلان شامل بالجهاد ، و أن حكام المسلمين الذين لا يعلنون الجهاد في هذه اللحظة فانهم يفتقرون إلى الشرعية و المشروعية ، بل يكشفون تواطأهم مع العدو الزاحف على أرض المسلمين . و لن يغفر الله لهم هذه الخيانة ، و لن يغفر الله لنا إذا ما نحن صمتنا عليهم اللهم إننا بلغنا اللهم فاشهد )

 

 

وفي تقديرنا أن هذه البيانات قد ألقمت حجرا لكل المشككين في شرعية المقاومة الإسلامية في العراق وفلسطين وأفغانسان وغيرها من الشعوب الإسلامية ، و نرى أن من واجبنا هنا أن نبادر  إلى التعرض بشيء من التفصيل للشاردين عن الخط العام ممن نسميهم أصحاب  " الفتاوى التجميلية" ودورهم في مقاومة المقاومة  : كأنهم يريدون تجميل وجه الإسلام بماكياجهم المغشوش عن التسامح الذي هو التخاذل والسلام الذي هو عين الاستسلام

 

وفي هذا السياق تأتي الفتوى الخطابية من مفتي دمشق يوم الجمعة 19\11\2004 وهو يصف مجاهدي المقاومة العراقية التي تقتل من درج الإعلام على تسميتهم بالمخطوفين بأنهم " خوارج " وما درى الشيخ - أو على الأقل يدرينا على من كان خروجهم ؟ هل الثورة على الكفار الأجانب الذين يحتلون البلاد يعتبر في فقه الشيخ " خروجا "  وهل ينسحب هذا الوصف في رأيه على ثوار دمشق وبغداد والقاهرة وطرابلس والجزائر والمغرب والسودان الذين قاوموا الاستعمار بثورة أو ثورات في القرنين الماضيين ؟ أم أن خروج من وصفهم بذلك -  في اعتباره هو على السلطة الشرعية في العراق فهلا دلنا أو دلهم على هذه السلطة ؟ وأين تكون في " المنطقة الخضراء " ؟ وهلا استحضر الشيخ موقف المجاهدين  في قضية " الولاء والبراء " من هذه السلطة أيا كانت مهما اختلف معهم في تفسيرها ؟ أم تراه يراها سلطة شرعية وإذن يحق لمن يراه خارجا على استقامة الفتوى  أن يراه أحق بوصف الخارجي ؟ أم تراه اهتز مرتعدا في رومانسية مستوردة  أمام دعايات الإعلام الغربي عندما يفزع  نفاقا أمام قطع الرءوس ؟ وهل كان القتال إلا قطعا  للرءوس ، قدرا مكتوبا  على المقاتلين وإن فزعت منه الغانيات صاحبات جر الذيول ؟ وهل كانت الرصاصة إلا تدميرا وحشيا لجسد حي ، وهل كانت القنبلة إلا تمزيقا بربريا لأشلاء القتيل ، أم ترانا خضعنا لغسيل المخ الغربي فأصبحنا نرى القتل وحشيا مقززا حيث يكون بالسيف الذي قاتل به محمد صلى الله عليه وسلم ، غير ممهور سلفا بتوقيع  الخواجة المتحضر  ، ولا نراه وحشيا حيث يكون ممهورا بالرفيق من كلاشنكوفه ، والرقيق من أباتشيـــــِّه  والصاعق من نوويـِّه ، والماحق من قنابله  والمحرم من كيماويِّه ويورانيومه ونابالمه ؟

وهل كان " المخطوفون"  إلا تسمية مضللة واصطلاحا مصنوعا في ورشة الإعلام العلماني الغربي ، أم ترى مفتينا قد اهتز أمام دعايات هذا الإعلام  في تسمية هؤلاء " مخطوفين" ؟ وما هم غير أسارى  نبذ المقاومون المجاهدون إليهم عهدهم ، وطلبوا إليهم الخروج من بلاد المسلمين  ، في سياق خلع العهد من السلطات المزيفة  ، فهي إذن منظومة متصلة تستحق النظر والمناقشة والتبصير مع الذين اعتنقوها في أصلها وجوهرها لا في فرعها وعرضها ، وهم أخيرا  أسرى تحت الاختيار الشرعي  : إثخانا في الأرض أو منا أو فداء ؟

 

ثم تأتي فتوى تحريم الجهاد ، التي نقلتها الأخبار بتاريخ 11\11\2004: ردا على البيان الذي قدمناه والذي أصدره ست وعشرون  من العلماء السعوديين إذ دعا العبيكان هؤلاء العلماء  إلى أن " يتقوا الله " حسب مفهومه للتقوى! ، لان هذه المقاومة تخلف حسب تعبيره المآسي والدمار على العراق وأهله ، ساكتا سكوت المريب  عمن سبب الدمار للعراق ممن فتحوا حدودهم  في الأرض والجو والبحار والذين جاءوا على ظهر الدبابات والذين عملوا أدلاء لمرور الغزاة الذين لا يزالون يحتلون العراق المنكوب

. وأضاف أن « هذه المقاومة ليست شرعية من حيث الدليل   كما أنها لو كانت صحيحة من حيث الدليل، فهي لا تصح في الواقع لانها تجلب المآسي والدمار على العراق والفلوجة وأهلها»، فماذا عند الشيخ الجليل في قوله تعالى ( هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بايدينا فتربصوا إنا معكم متربصون ) 52 التوبة ، وهل من كلمة عنده بعد ذلك للتنديد بمن يصبون هذه المآسي  وهذا الدمار على الفلوجة وأهلها من قوات صليبية وفدت إليهم من وراء البحار والمحيطات لغير سبب معروف ، بتشجيع ومعونة من قوات تسكن الجوار ، ومن قوات مستأجرة من أعداء البلاد في داخل البلاد .


 

ودعا إلى تحريم جهاد المقاومة العراقية عملا بقوله تعالى ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) ولست أدري ماذا بقي للجهاد من مجال وهو الفريضة المعلومة من الدين بالضرورة - بعد غلقه بسبب التهلكة في تصور هذه الفتوى ، وما هي التهلكة التي أجازت الجهاد في أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي منذ بضع سنين ، ولكنها تحرمه اليوم في العراق ضد الاتحاد الأمريكي متعدد الجنسيات ، ، وكأني بفتوى مفتي المملكة  تأتي في توظيف رائع لتتطابق مع فتوى " مفتي الولايات المتحدة الأمريكية لو أنها كان لها من يفتي (!!) " إذ يقول هذا لحكومته السنية في البيت الأبيض (!!) : اصنعوا للمسلمين تهلكة وأنا كفيل لكم باستسلامهم ، فيفعلون فيأتي مفتي السعودية ليقوم بدوره المرسوم قائلا لهؤلاء المسلمين : وأنتم لا تلقوا بأيديكم فيها !!

وبعبارة أخرى إذا كان المفتي يدعو المجاهدين إلى الهرب من التهلكة أفلا تكون تلك دعوة صريحة منه وإن لم تكن مقصودة - إلى العدو كي ينصبها لهم ؟ وكفى الله المفتي شر القتال ؟

وهكذا يتم المراد من رب " العبيد"  القاطن في قصره العتيد في الولايات المتحدة الأمريكية : يتم مراده في غزو أوطاننا وبالتالي "غزو " المقاصد الشرعية الخمسة في النفس والمال والعرض والدين والعقل جميعا . بفضل فتاوى  تعمل وياللكارثة - عمل فرقة المارينز في صفوف المجاهدين

 

وماذا عند الشيخ في  أن الآية إنما جاءت في سياق الكلام عن القتال والإنفاق في سبيله وبما يفيد أن التهلكة هي ما تأتي نتيجة ترك الإنفاق في  الجهاد والقتال ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) 195 البقرة كما فهمها الصحابة والتابعون والسلف الصالح والأئمة الذين تلقتهم الأمة بالقبول بغير شذوذ من جهة إسلامية أو فقهية ذات اعتبار .

 فلقد روى الإمام ابن حزم في المحلى  عن أبي إسحاق السبيعي قال : سمعت رجلاً سأل البراء بن عازب : أرأيت لو أن رجلاً حمل على الكتيبة ، وهم ألف ، ألقى بيده إلى التهلكة ؟ قال البراء : لا ، ولكن التهلكة أن يصيب الرجل الذنب فيلقي بيده ، ويقول : لا توبة لي . قال : ولم ينكر أبو أيوب الأنصاري ، ولا أبو موسى الأشعري أن يحمل الرجل وحده على العسكر الجرار ، ويثبت حتى يقتل .

وروى الإمام أحمد عن أبي إسحاق ، قلت للبراء : الرجل يحمل على المشركين ، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة ؟ قال: لا. لأن الله عز وجل بعث رسول الله صلى عليه وسلم فقال : { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك } إنما ذاك في النفقة .

وروى الإمام ابن المبارك وابن أبي شيبة عن مـدرك بن عوف الأحمسي- واختلف في صحبته قـال : كنت عند عمر رضي الله عنه إذ جـاءه رسول النعمـان بن مقرن - الصحـابي المشهور رضي الله عنه - فسأله عمر عن الناس ، فقـال : أصيب فلان وفلان وآخرون لا أعرفهم ، فقال عمـر رضي الله عنه : لكن الله يعرفهم . فقال : يا أمير المؤمنين ! ورجل شـرى نفسه ، فقال مدرك بن عوف : ذاك والله خالي يا أمير المؤمنين ، زعـم الناس أنه ألقى بيده إلى التهلكة ، فقال عمر: كذب أولئك ، ولكنه ممن اشترى الآخرة بالدنيا.

وما رواه الأئمة أبو داود والترمذي والحاكم وغيرهم عن أبي عمران قال : كنا بمدينـة الروم فأخرجـوا إلينا صفـاً عظيمـاً من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم وأكثر ، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر ، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسـلمين على صف الروم حتى دخـل بينهم فصاح الناس وقالوا : سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكـة ، فقام أبو أيـوب رضي الله عنه فقال : يا أيها الناس: إنكم لتؤولون هذا التـأويل، وإنما نزلت فينا الآيـة معشـر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه ، فقد قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه ، فلما أقمنا في أموالنا وأصلحنا ما ضاع منها أنـزل الله تعالى ما يرد علينا ما قلنا : { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقـوا بأيديكم إلى التهلكة} وكانت التهلكـة الإقامة على الأمـوال وإصلاحها وتَرْكنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم .


وما  قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" عن بعض علماء المالكية: "لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بين في قوله – تعالى: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله" (البقرة:207)

وقال ابن خويز منداد: وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة، فعمد رجل منهم، فصنع فيلاً من طين وأنس به فرسه حتى ألفه، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل، فحمل على الفيل الذي كان يقدمها، قيل له: "أنه قاتلك. فقال: لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين! وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل من المسلمين: ضعوني في الحجفة-  الترس يتخذ من الجلود - وألقوني إليهم، ففعلوا وقاتلهم وحده حتى فتح الباب.

 

وروى الإمام الطبري بسنده في تفسيره عن أبي اسحق السبيعي قال: قلت للبراء بن عازب (الصحابي): يا أبا عمارة، الرجل يلقى ألفاً من العدو، فيحمل عليهم، وإنما هو وحده (يعني: أنه مقتول في العادة لا محالة) أيكون ممن قال الله تعالى فيهم: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"؟ فقال: لا، ليقاتل حتى يقتل، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم "فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك" النساء: 84.

وذكر نحو ذلك شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في فتواه المشهورة في قتال التتار، مستدلاً بما روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم من قصة أصحاب الأخدود، وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه، لأجل مصلحة ظهور الدين (حين طلب إليهم أن يرموه بالسهم ويقولوا: باسم الله رب الغلام ) قال: ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين.

أما ما قاله صاحب تفسير المنارالعلامة رشيد رضا : "ويدخل في النهي : النطوح في الحرب بغير علم بالطرق الحربية، التي يعرفها العدو، كما يدخل فيه كل مخاطرة غير مشروعة، بأن تكون لاتباع الهوى لا لنصر الحق وتأييده " فمفهومه  أن المخاطرة التي يرجى بها إرهاب عدو الله وعدونا، ويُبتغى فيها نصر الحق لا اتباع الهوى، لا تكون من الإلقاء باليد إلى التهلكة.

 

 

ومن هذا القبيل ما جاء في حلقة من حلقات قناة  "اقرأ" بتاريخ 28\10\2000  : على لسان الأستاذ محمد حامد  { وما زلنا نتوسم  فيه خيرا ونجابة بسبب ما وجدناه منه في حلقات سابقة ولاحقة ونرجو له من الله التوفيق وتجنب العثرات } من عدم جواز قتل المسلم للمدنيين من أعدائه ( لأنه لا يجوز قتل المدنيين لأي سبب من الأسباب )

وهذا في إطلاقه غير صحيح فهناك في بعض الأحيان سبب  للاستثناء من هذه  القاعدة وإلا لأبطلنا تشريع القصاص أصلا ، وقد بحثنا بالتفصيل قضية المدنيين في مقالنا بالشعب بتاريخ 24\9\2004 . 

ثم أفتى  : بأنه لا يجوز للمسلم قتل المدنيين من أعدائه  في قتاله معهم وإن قتل العدو المدنيين من المسلمين تطبيقا لمبدأ ( الغاية لا تبرر الوسيلة )

وهذا المبدأ في إطلاقه غير صحيح إذ يحتاج إلى تقييد أو تخصيص وإلا لأبطلنا مبدأ " الضرورات تبيح المحظورات " ، ومبدأ " ارتكاب أخف الضررين " ، وهي مبادئ أصولية فقهية مقررة ، وإلا لما جاز مثلا إجهاض جنين لإنقاذ حياة أمه ، ولما جازت غزوات وسرايا وحروب وفتوح يعرفها الصغير والكبير .وإذن ينتقل الكلام إلى شروط هذا المبدأ أو تلك القاعدة

وأفتى : : بأنه لا يجوز للمسلم قتل المدنيين من أعدائه  في قتاله معهم وإن قتل العدو المدنيين من المسلمين لأن  المدنيين من العدو قد يكونون على جهل بظروف المعركة وأسبابها عند المسلمين ، وهات يا جلد الذات ضد تقصير المسلمين في الدعاية لأنفسهم

وهنا كأنما يأتي الحديث  إلينا من المريخ متجاهلا في الحالة الفلسطينية على الأقل أن الأجيال المتتالية من الصهاينة  التي احتلت فلسطين إنما جاءوا منذ عقود قليلة ضمن برامج الهجرة التي قامت على وعي كامل بإحلال الشعب اليهودي محل الشعب الفلسطيني وأن ما حدث هو احتلال ديموجرافي . 

 

وأفتى : : أن قتل المسلم للمدنيين من أعدائه لا يجوز ولو كان من باب الثأر أو التعامل بالمثل لأن المسلمين كما يقول مكلفون بأن يكونوا أفضل من غيرهم تمسكا بكونهم ( خير أمة أخرجت للناس )

وهذا في إطلاقه غير صحيح عملا بقوله تعالى قوله تعالى مثلا ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) 194 البقرة ، ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) 126 النحل . وهو غير صحيح أيضا عملا بفقه الأولويات إذ لا يقول عاقل إن على الفلسطيني مثلا الذي  يشرده الجيش الصهيوني ويهدم بيته ضمن عشرين بيتا كل يوم تقريبا ويحوله إلى ملايين اللاجئين منذ عقود .. عليه أن يتنازل عن حقه في الثأر والقصاص حرصا على هذه " الخيرية " التي يصح الكلام عنها في مناسبات أخرى ، ولو راعى المسلمون مبدأ الخيرية هذا في ظروفهم الحاضرة وهم إنما يجاهدون جهاد الدفع ، ويردون الصائلين عليهم في عقر دارهم ويعانون من الضعف الظاهر في الوسائل والإمكانات لكان تقييدهم بهذا المبدأ نوعا من الانتحار والإبادة أمام تقنيات جديدة لحضارة غازية وضعت قتل المدنيين في أولويات المعركة كما حدث في حروب الولايات المتحدة مع الهنود الحمر ، وفي القرن الماضي : الحرب العالمية الأولى ، والثانية ، وهيروشيما ونجازاكي ، وأفغانستان  وفلسطين والعراق ، والفلوجة ، وتحت عناوين مضللة مثل : ضرب البنية الأساسية للعدو بما فيها المياه والكهرباء والمستشفيات وسيارات الإسعاف وتعمد ترك الأشلاء والقتلى في الشوارع ليالي وأياما وقتل الجرحى داخل المساجد ،  وهدم البيوت فوق سكانها المسالمين بدلا من القبض عليهم وإثارة الذعر بين الأطباء والمدنيين وإرهابهم وتحويلهم إلى قوة ضاغطة لمصلحة الغزاة . إلخ  . وهاهي آخر حروبهم ضد المسلمين في العراق واليوم في الفلوجة تحديدا تسفر عن مقتل مائة ألف قتيل من قبل وما يتبع : أغلبهم من النساء والأطفال منذ بداية القتال إلى اليوم معظمهم قتلوا في الغارات الأمريكية ، حسبما جاء في التقرير الذي نشرته مجلة لانسيت الطبية البريطانية مما أحدث إحراجا شديدا في الحكومة وضجة في الصحف البريطانية بوصفه مجزرة للمدنيين كما جاء في جريد الوفد المصرية بتاريخ 30\10\2004  أو هيروشيما جديدة كما جاء بجريدة القدس العربية بالتاريخ نفسه ، أو عملية إبادة وتطهير النيوت والمساجد والمستشفيات والأرض من البشر كما هو الوصف القانوني لما يجري حاليا في الفلوجة

ومع ذلك فإن الخيرية الإسلامية تظهر في ضرورات جهاد الدفع في التزام المسلمين بعدم البدء في ضرب المدنيين ، وعدم الزيادة على المثل الذي تشرعه الآية المذكورة بغير خلاف في ذلك  ،  أما الخيرية على المستوى الإنساني الشامل فلا تطلب ممن يمارسون الدفاع عن النفس ، وإنما تكون عندما يظهر المسلمون في العالم كدولة قائدة للحضارة ، كما كانت في بعض أدوارها في التاريخ  ، فيفرضون عند ذاك ثقافتهم وقيمهم ، ومن المغالطة أن يلقى عبئها على من يدفعون الغزاة عن أبواب بيوتهم وشرف مراقدهم ، إن مطالبة هؤلاء بالخيرية  يتحول عندئذ إلى نوع من تكريس الاستسلام والانسحاب من المعركة  .

 

وأفتى : :  بأن المسلم لا يصح أن يتعامل في قتاله مع العدو بقتل المدنيين إلا بعد أن يكون على " يقين " من انهم مقاتلون أو ممن يساعدون المقاتلين

 وهذا في إطلاقه غير  صحيح لما هو معروف من أن أغلب الأحكام الشرعية مبنية على غلبة الظن هذا من جهة ، وأن للفقهاء القدماء اختلافا واسعا حول حكم الشريعة في هذا الموضوع ما بين الأحناف والمالكية والشافعية والظاهرية ، يجري التغطية عليه لأسباب لا تخفى ، وهو لا يصح أيضا من جهة أخرى لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بقتل بعض المدنيين غير المقاتلين مثل قتل عصماء بنت مروان في سرية عمير بن عدي ، وقتل أبي عفك اليهودي في سرية سالم بن عمير .. وقد بينا تفاصيل ذلك في مقالنا بالشعب بعنوان " دراسة حول حكم الشريعة في وضع المدنيين أثناء القتال " بتاريخ 24\9\2004

وأفتى : : بأن المقاومة الإسلامية ضد بعض النظم المحلية تحت دعوى التكفير لهذه النظم غير جائزة ، متجاهلا وجهة نظر المجاهدين المقاومين في تطبيق مبدأ " الولاء والبراء " الذي لم يشر إليه من قريب أو بعيد ، هذا من ناحية المجاهدين المقاومين ، ومبدأ التقية من ناحية النظم ، وإذن ينتقل الكلام إلى شروط تطبيق هذين المبدأين ومدى صحة أو عدم صحة تطبيق المجاهدين المقاومين لهذه الشروط  قبل أن تفتح المجالات المختلفة للتطبيع والتحالف والتعاون والتمكين في السياسة  والأرض والبشر والمال مع كل عدو للإسلام  يدمن طرق الأبواب وفي يده دعوة من " مؤسسة الخيار الاستراتيجي للسلام "

وهم لا غطاء لهم في رخصة  " التقية " أو " التقاة " التي في قوله تعالى ( إلا أن تتقوا منهم قتاة " )

وكيف تكون التقية من أجل المحافظة على الدين في سياسة تعمل للقضاء على ما يزعم أنه تقية له ؟

كيف تكون التقية من أجل المحافظة على الدين في دواء هو السم نفسه الذي من شأنه أن يقضي بداهة على الدين  ؟ 

كيف تكون التقاة من أجل المحافظة على الدين في سلاح هو العلمانية إنما صمم خصيصا للقضاء على الدين

كيف تكون التقية أو "التقاة " من أجل المحافظة على الدين في سياسة لا تكتفي من التقية  بما يقي وإنما تمتد إلى مظاهر تحالف حميم ممتد على مدى العقود والعصور ، منذ أكثر من مائة عام للقضاء  على كل حركة إسلامية في مهدها مظنة أنها تهدد الكراسي والقصور والعروش والثروات والأيديولوجيات المناهضة للدين ؟ 

؟

وفي الولاء والبراء حكم القرآن الكريم بمروق من هم أقل جرما من هؤلاء المتحالفين مع العدو  في قوله تعالى ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم  ) المجادلة 22  ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ) 113 هود ، ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي ، تسرون إليهم بالمودة ، وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل ) 1 الممتحنة ، ( إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم  ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ) 9 الممتحنة ، ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ، بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم ، إن الله  لا يهدي القوم الظالمين ، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) 51 52 المائدة

 وما كان أجدر القوات العراقية بالاستجابة الفورية  لدعوة كل من الشيخ عبد السلام الكبيسي بتاريخ 24\9\2004 ، ودعوة الشيخ المجاهد الأستاذ الدكتور حارث الضاري وهيئة علماء المسلمين بالعراق - بعد الهجوم الثاني على الفلوجة بتاريخ 8\11\2004  - إلى عدم التعاون مع  قوات الاحتلال الغازية المغتصبة  مع التوبة والاستغفار عسى الله أن يعفو عما بدر منهم من عون أثيم لقوات الاحتلال.  لكنها العلمانية وقد تكلست على القلوب والأنوف  فحالت بينها وبين شم رائحة الخبث الذي يفوح من قادتهم الأرذلين

أما أن في هذه المقاومة الجهادية مصلحة للمسلمين فهذا ما يجهله أو يتجاهله أولئك المفتون التجميليون الذين يغيب عنهم فقه حرب العصابات وأصولها وطبيعتها وموازناتها وتاريخها ،  وكان عليهم أن يلموا بها إن لم يتفقهوا فيها ، وهي التي طالما قامت بين جيوش المستعمرين الجرارة  وبين الفدائيين من قبل ، وكيف تحررت شعوب مسلمة بذلك كما كان الحال على سبيل المثال في استقلال السعودية عن تركيا ، واستقلال مصر عن بريطانيا ، واستقلال ليبيا عن إيطاليا ، واستقلال الجزائر عن فرنسا ، وتطهير جنوب لبنان  من نجس الصهيونية ، وتطهير أفغانستان من نجس الشيوعية والاتحاد السوفيتي ، وخضوع إسرائيل للاعتراف بما لم تكن تعترف من وجود الشعب الفلسطيني ثم الاعتراف باستحقاقه دولة مستقلة قادرة على الحياة ، وشعوب غير مسلمة في بقاع أخرى ،  ولو استمع هؤلاء  إلى أمثال هذه الفتاوى لوقعوا في التهلكة الحقيقية باستمرارهم ثم فنائهم بين براثن  الاستعمار بأشكاله المختلفة

وبصدد الجدوى التي أثمرتها هذه المقاومة وهي ما زالت في البداية يجب - لو حسنت النيات - أن نذيع بكل ما لدينا من إمكانات ما أعلنته المقاومة العراقية من إنجازات ، لا أن نعتم عليها بكل ما لدينا من إمكانات ، وما هو البديل لبيانات المقاومة أليست هي الأكاذيب التاريخية لما يذيعه العدو من بيانات ؟ : ولقد أعلنت بيانات المقاومة  كما أكدها مجلس شوري المجاهدين في بيانه الأخير أنها كبدت قوات الاحتلال الأمريكي خسائر فادحة في عملية الاجتياح التي شنتها علي مدينة الفلوجة، منذ الثامن من نوفمبر الحالي إلى اليوم 20\11\2004 وتحولت فيها المدينة الباسلة إلي جحيم لقوات الاحتلال. حيث  أن العمليات التي تمت خلال الأيام القليلة الماضية قد أسفرت عن إسقاط طائرتي F-16  وأحد عشر مروحية وخمس مسيــّرة وطائرة شينوكتقل على متنها نحو ستين جنديًا أمريكيًا.

وأضاف بيان مجلس شورى مجاهدي الفلوجة أن 136 عسكريًا أمريكيًا، و15 عسكريًا بريطانيًا ، و123 من جيش علاوي [الحرس الوطني] قد سقطوا أسرى في أيدي المقاومة، بينما قتل نحو 400 عسكري أمريكي، إضافة إلى 140 من جنود علاوي  . وأكد البيان تدمير 11 دبابة من طراز »أبرامز« و9 مركبات عسكرية و13 سيارة من طراز همفي. ولم يكتف المقاومون بالقتال في الفلوجة بل وسعوا جبهات القتال في الرمادي والموصل وبغداد وبعقوبة وقاموا بعمليات ضد القوات البريطانية( المصدر شبكة البصرة على الإنترنيت )

وأعلن بيان المقاومة فرار ضابط أمريكي وجنوده من صفوف القوات الأمريكية وانضمامهم للمقاومة العراقية للقتال إلي جانب المقاتلين.

فلا نامت أعين الجبناء


أما إن كان أصحاب هذه الفتاوى التجميلية يتألمون حقا لما يحدث للمقاتلين المجاهدين من المسلمين في العراق وفلسطين فلماذا لم يتذكروا قوله تعالى ( هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بايدينا فتربصوا إنا معكم متربصون ) 52 التوبة ،  أم تراهم يتذكرونها بألسنتهم ولكنهم بقلوبهم لا يستيقنون ؟ ولكن المجاهدين ما هكذا يفعلون ، أو لماذا لم يصرخوا ويلحوا في الصراخ بدعوة إخوانهم من المسلمين إلى اليقظة ومدهم بالعون والتأييد بدلا من بث الرعب في نفوسهم مما يصب أخيرا في مصلحة جيوش الكفر والاستعمار ؟

وما ذا تريد العلمانية الصريحة أو النفاقية من مفتي الإسلام غير ذلك من أجل تثبيط المجاهدين عن جهادهم في سبيل الله  ؟

أليست العلمانية بظاهرها وخباياها هي أم المشاكل وبيت الداء ؟

وأخيرا نقول : هلا غادر هؤلاء الناصحون التجميليون أبراجهم التي يصدرون في مناقشاتهم عنها وذهبوا ليفهموا المجاهدين في حواريهم وأزقتهم وخيامهم وأقبيتهم ونجوعهم وصحاريهم وانتقلوا بالجدال الصريح معهم إلى أصل القضية وهو انطلاقهم من حقائق غابت عن المفتين ، أو من ثوابت أهملوها ، أو شكهم العميق في شرعية النظم التي لا يستجيبون لقراراتها وشرعية الكلمة التي تأتي منها ؟

ألا يخشى هؤلاء المفتون التجميليون أنهم سوف يسألون يوم القيامة : ماذا قدمتم للمجاهدين ضد الاحتلال الأجنبي من مظاهر الفهم أو التوعية أو التخطيط أو التنظير أو تنزيل الأحكام على الوقائع .. غير الدعوة إلى المقاومة السلمية أمام خصم شديد البطش ، لا يلقي بالا في غير وسائل الإعلام الكاذبة لشيء من القيم الإنسانية أو الخلقية أو الدينية أو القانونية ، متجاهلين أن مقاومة الشعب العراقي المجاهد لجيوش الاحتلال الأجنبي تأتي حسب تعبير اتحاد علماء المسلمين بغية تحرير الأرض واسترجاع السيادة الوطنية مما يعدّ واجباً شرعياً على كل مستطيع، داخل العراق وخارجه، ما دام ينتمي إلى أمة الإسلام. وقد أذن الله عز وجلّ بذلك: (أذن للذين يقاتَلون بأنهم ظلموا) وخاطب المسلمين بقوله: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم). وهذا القتال هو من باب جهاد الدفع الذي لا يلزم له وجود قيادة عامة وإنما يُعمل فيه بحسب المستطاع

 ولا يخفى أن مقاومة الاحتلال  حق مشروع أقرته المواثيق الدولية وشرعة الأمم المتحدة.

وأن ما ترتكبه الجيوش الأجنبية الغازية للعراق من فظائع لم يسبق لها مثيل،

كما لا يخفى  ما ترتكبه هذه الجيوش من استعمال أسلحة الدمار الشامل على نطاق واسع ضد العراق وهم الذين غزوا العراق للحيلولة دون استعمال مثيلاتها من أسلحة مزعومة أثبت الواقع أن وجودها خرافة

 كما لا يخفى على التجميليين  ما ترتكبه هذه الجيوش من خرق فاضح لاتفاقية جنيف وسائر الاتفاقيات المتعلقة بالمدنيين في أثناء الحروب، وبالعاملين في الخدمات الصحية، وبأسرى الحرب، ومن استخدام لأنواع الأسلحة المحرّم استخدامها دولياً، ومن تخريب للبيوت والمباني والمساجد والكنائس وسائر دور العبادة، والبنية الأساسية، وإهلاك للحرث والنسل.. ومن قتل للجرحى في المساجد ومنع الإمدادات الإغاثية عن المنكوبين وقصف المستشفيات ومنع الفرق الطبية من أداء واجبها الإنساني نحو الجرحى والمصابين. إن هذا كله يمثل وصمة عار في جبين الدول التي تقوم بها.

 

وإذا كان ما تفعله هذه الجيوش الغازية يقطع نياط قلوب القاعدين ومنهم بعض الفقهاء التجميليين فإنه لقد كان من  شأنهم بدلا من أن ينكروا بعض أعمال المقاومة - أن يستذكروا  أن في الإسلام إيجابية كافية للتعامل مع أمثال هؤلاء الغزاة في قوله تعالى مثلا ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) 194 البقرة ، ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) 126 النحل كأنما الإسلام وحدهعند هؤلاء المفتين هو المطلوب منه أن يكون أنثويا رفيقا رقيقا مهما حدث للمسلمين ، وكأنما فقهاؤه لم يسمعوا بعد عن مستنقعات الدم الفوارة التي يكتوي  فيها المسلمون في أرجاء البلاد الإسلامية تحت حرب أعلنت مرارا أنها صليبية ؟  وما ذا كان للمقاومة  أن تفعل باسم عمليات التجميل  غير أن تسكن سكون الموتى كما فعل الآخرون جميعا فهل كان وجه الموت هو وجه الجمال ؟

أليس هؤلاء المفتون الناصحون التجميليون واقعين ربما دون علم أو قصد - في مجرى العلمانية العريض الذي منع إمام مسجد الأزهر على سبيل المثال من صلاة الغائب على الشهيد الكريم الشيخ أحمد ياسين إثر صلاة جمعة ، بفتوى منه أنه لا صلاة للغائب ، بينما هذا الإمام  يصلي صلاة الغائب على الشيخ زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات المتحدة في صلاة الجمعة بتاريخ 5\11\2004 ، المصدر جريدة الشعب الألكترونية 5\11\2004 ففي الصلاة الأولى تحريك الشعور الديني في مجال " الجهاد " وهو ممنوع ، أما الثانية فهي محض مجاملة بين النظم الحاكمة وهو ود مستحب . 

والله أعلم

أد : يحيى هاشم حسن فرغل

إلى صفحة المقالات