لماذا هذا الهوان ؟

بقلم :أبوالمعالي فائق

قال تعالى : وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ

 

 

     أرسل لى أحد القراء يسألني عن سبب انقطاعي لمدة  تربو على الشهر مزيلا سؤاله بسؤال أزعجنى بعض الشئ قائلا : هل مللت الحديث عن الأوضاع التى تمر بها الأمة أو أنك فررت من المعركة ؟؟ وبادئ ذى بدء فإنى  أشكر كل من راسلنى معاتبا ، أو هاجما ،أو منتقدا  ، أو مستفسرا ، ولتسمح لى عزيزى القارئ أن أوجز لك باختصار شديد سبب انقطاعى هذه المدة عن الكتابة وهو برنامج شهر رمضان الفضيل الذى لم يكن بعيدا أبدا عن الأحداث الجارية فى المنطقة ، والذى جعلنى  أوضح هذا الأمر : أن البعض فسر غيابى بأمر آخر لذا لزم التنويه .

 

     والآن نعود إلى موضوع العنوان أعلاه فمنذ بداية شهر رمضان المبارك والأمة العربية والإسلامية فى وضع لا تحسد عليه والأحداث أكثر من أن تحصى ، لكن هناك حدثان وقعا فى هذا الشهر وما زال أحدهما مشتعلا حتى تاريخ كتابة هذا المقال أحد هذين الحدثين هو اغتيال المناضل ياسر عرفات بطريقة تبدو وكأنها طبعية وهى فى حقيقة الأمر كانت بمثابة مشاهدة فيلم ( الشيطان يعظ ) فالمدة التى سبقت وفاة الرئيس عرفات بشهادة الشهود تؤكد أن الوفاة ليست طبعية وهذا أمر طبعى فليس من المعقول أن تكون العصابة الصهيونية قد فقدت كل رشدها بأن تقوم بقصف مقر أو سيارة عرفات بعدة صواريخ مثل ما فعلت مع الشيخ ياسين أو الدكتور الرنتيسى لأنها تعلم أن هذا الأمر سيقلب على السفاح شارون الدنيا رأسا على عقب فكان لا بد من وضع خطة للخلاص من عرفات بطريقة تخفف ردة فعل الشارع الفلسطينى ولا استبعد هنا أن يكون الأمر قد خطط له من بعض المستفيدين من غياب عرفات الذين  وصفتهم أرملته بالمستورثين وكل الشواهد تؤكد  ذلك سواء الشواهد السابقة أم اللاحقة والأيام القادمة أظنها حبلى بالمفاجآت التى ربما يكون بعضها معلوما لنا والبعض الآخر لم يخطر لنا على بال ويكفى أن ندلل على ما نقول بعلاقة محمود عباس ( أبى مازن ) الحميمة برئيس وزراء العدو الصهيونى شارون ، وعلى المخلصين من أبناء الشعب الفلسطينى أن لا يتركوا أمر اغتيال عرفات يمر دون عقاب ، وأن يحددوا بدقة من  المسئول عن اغتيال هذا الرمز الذى إن اختلفنا معه فى بعض الأمور إلا أنه تحمل الصعاب وكان له مواقف ربما عجز الكثير أن يتخذها وكم هى التهديدات التى وجهها السفاح شارون إلى عرفات وقد كان شعاره ردا على تفاهات شارون ( شهيدا .. شهيدا .. شهيدا ) وما أحسبك إلا شهيدا ألحقك الله بمن سبقوك على درب الشهادة رغم أنف الحاقدين والخونة الذين كانوا يستهزئون بك حينما كنت تستشهد فى أحاديثك بآيات القرآن الكريم لكن الله أبى إلا أن تكون فى زمرة الشهداء يا أبا عمار ، والحق أقول إن عرفات أغتيل مرتين إحداهما آنفة الذكر والأخرى  كان اغتيالا معنويا وهو ما حدث له فى القاهرة بحجة تكريمه وهو فى الأساس تهميش للرئيس عرفات فهذا الرجل ليس بالشخص العادى أقصد ليس مثل هؤلاء الذين يستزعمون الذين لو ماتوا جميعا لم يأسف عليهم أحد إلا القليل من هؤلاء الزعماء ! فالجنازة العسكرية التى تمت فى الخفاء بحضور أصحاب الجلالة والفخامة والسمو لم تكن إلا للتأكد من أن الزعيم الحقيقى عرفات قد ذهب دون رجعة لأنهم كانوا شركاء فى اغتياله ماديا ومعنويا وكان يجب على مصر أن تعمل على أن تكون جنازة عرفات شعبية والتى لو تمت لخرج شعب مصر كله لتشييع عرفات كما خرج من قبل لتشييع الراحل جمال عبدالناصر لكن الأشاوس خافوا من أن تتحول جنازة عرفات لانتفاضة شعبية تحرك الشعوب العربية لتكون جنازة للأنظمة العربية لكن ليس بغريب على هؤلاء المستزعمين أن يفعلوا أى شئ للقضاء على كرامتنا ولما لا  وقد شاركوا من قبل فى اغتيال بغداد وأسر الزعيم صدام حسين وخلت الأمة العربية والإسلامية من قائد حقيقى يمثل الشعوب إلا من بعض قادة ربما لا يعدون على أصابع اليد الواحدة فإلى جنات الخلد يا أبا عمار

 

     ما سبق كان أحد أهم الأحداث التى وقعت فى شهر رمضان ويبقى الحدث الأهم وهو ما حدث وما زال يحدث حتى هذه اللحظة فى الفلوجة وما أدراك مالفلوجة إنها لخبر لو تعلمون عظيم ، فى أوقات سابقة كان العدو يخشى أن يهجم على  دولة عربية أو إسلامية فى شهر رمضان فكان يؤجل الهجوم إلى ما بعد العيد إحتراما لقدسية هذا الشهر الفضيل لكن يبدو أن المسلمين هانوا على أنفسهم فهانوا فى أعين غيرهم وها هى الإبادة الجماعية التى قام بها أعداء الله من الكفار والموالين لهم فى مدينة الفلوجة العراقية مستخدمين كل الأسلحة المشروعة وغير المشروعة ..  متى حدثت هذه الإبادة  ؟ فى شهر رمضان وفى العشر الأواخر من شهر الانتصارات وكأن أمريكا تقول للمسلمين كما قال التتار أيضا من قبل للمسلمين ادعوا فلن يسمع دعائكم وليت المسلمين قد دعوا على أمريكا فى شهر رمضان حتى دعاء ختم القرآن فى بيت الله الحرام خلا من الدعاء على أمريكا ويظن بذلك هذا الإمام الذى كان يبكى فى دعائه أنه حكيم وما أراه إلا عميلا من عملاء السلطة والذين هم عملاء أمريكا فالذى يقوم بالدعاء على الصهاينة من باب أولى أن يتوجه إلى الله بالدعاء على أمريكا فلولا أمريكا ما سمعنا ولا رأينا الصهاينة ولمّا أراد أن يحفظ ماء وجهه ودعا لأهل العراق قال اللهم فك الحصار عن المحاصرين اللهم احقن دماء المسلمين فى العراق وكأن المعركة بين أهل العراق لماذا هذا الخلط وهذا الهوان وهذا الزيغ الذى نعيش ( مالكم كيف تحكمون ؟! ) ثم يخرج المفتى العام فى إحدى الدول العربية الإسلامية  ويحرم الذهاب إلى بغداد ويعتبر هذا إلقاء بالأيد إلى التهلكة كبرت كلمة تخرج من أفواهكم إن تقولون إلا كذبا يا دعاة الضلال ويا عبدة الريال والدولار ماذا تنتظرون للإجهار بكلمة الحق أتنتظرون حتى يأتى الجندى الأمريكى ليغتصب نسائكم ألم يكن الأجدر بكم أن تساندوا بيان العلماء الـ 26 الذين أيدوا المقاومة فى العراق وطالبوهم أن يجاهدوا الكفار والمنافقين وأن يغلظوا عليهم إن أحداث الفلوجة وإن كانت دامية ومفجعة إلا أنها أظهرت لنا كثيرا من الحقائق أولى هذه الحقائق هى هشاشة القوة الأمريكية التى لم تستطع أن تتحمل كاميرات الإعلام وهذا يرجع لأمرين أساسيين الأول هو إحكام السيطرة على المعلومة التى تخرج من العراق بحيث لا تظهر قتلى العدو وفرارهم أمام المقاومة مثل الجرذان وخسارتهم التى جعلتهم كالمجانين ، والأمر الثانى وهو التعتيم على الجرائم التى يرتكبها الجندى الأمريكى ضد أهل الفلوجة من المدنيين ولعل إحدى جرائمهم التى أظهرتها وسائل الإعلام لهذا الجندى الحاقد الذى أجهز على الجريح وهو فى المسجد وهذه الصورة ليست الوحيد ة فالمصور الذى نشر هذه الصورة لم يكن لينشر مثل هذه الفضيحة لولا أنه رأى مثلها العشرات والمئات فلم يستطع ضميره أن يتحمل هول مارأى ولم يفعل هذا لنصرة قضية المدنيين بل فعل هذا لأنه لا يستطيع أن ينام من هول ما رأى من جرائم تقشعر لها الأبدان فأراد أن يفعل شيئا ليستريح ضميره بعد أن رأى الجريح وهو يتلوى من آلام الإجهاز عليه بدلا من أن يتم إسعافه ولن أفعل مثل هذه السيدة التى ظهرت على قناة الجزيرة لتخدعنا ببكائها الدكتورة عبلة الكحلاوى وأطالب المنظمات الدولية وحقوق الإنسان أن تتدخل فهؤلاء جميعا ما هم إلا قطع شطرنج تحركها أمريكا كيف تشاء ولو أن الذى يحدث فى الفلوجة على يد جنود الإحتلال الأمريكى حدث فى مكان آخر شرط أن يكون الفاعل غير أمريكى وخاصة لو كان عربيا أو مسلما لسمعنا كل الإدانات والاستنكارات والوعد والوعيد والكل يتبارى فى الدفاع عن المنكوبين مثل قضية دار فور المفتعلة  لكن حينما يكون الضحية عربيا أو مسلما تخرس كل الألسنة حتى الشجب والاستنكار الذى كان لا يعجبنا من حكامنا لم نعد نسمعه الآن وكأنهم أصيبوا بشلل مؤقت لحين انتهاء أمريكا من القضاء على المجاهدين فى الفلوجة وكم كنت أتمنى من الدكتورة عبلة الكحلاوى أن تنتهز فرصة وجودها مع المذيعة اللامعة لونة الشبل والتى كانت متألقة فى برنامجها ( للنساء فقط ) فى الحلقة التى أذيعت بعد العيد مباشرة والتى كانت مرتبطة بالعيد والأحداث الجارية فى العراق وفلسطين كنت أتمنى من السيدة الكحلاوى أن تطالب الجيوش العربية والإسلامية بالتمرد على أنظمتها والتحرك للدفاع عن أهل الفلوجة وأهل فلسطين لا سيما وأن قناة الجزيرة لم تحجر لها على رأى ولا أظنها قد نبهتها إلى عدم الخوض فى الأنظمة العربية التى شاخت وانتهى تاريخ صلاحيتها لكن البكاء وحده لا يكفى يا دكتورة والتلميح فى هذه المرحلة غير مجدى وليس أمام كل حر إلا الجهر بمطالبة كل غالبية الحكام العرب بالتنحى حفاظا على ما تبقى لنا من كرامة إذا كان لنا بعض الكرامة ومما زاد الطين بلة أن أحد دعاة دول الخليج كان فى حديث تلفزيونى يتحدث فيه عن سنة البهجة والفرح فى العيد ويطالب أهل العراق وفلسطين بالابتهاج فى العيد وكأن الذى يحدث فى العراق حادث انقلاب سيارة فى طريق بغداد أو كأن الذى يحدث فى فلسطين قضية ثأر بين عائلتين ومطلوب من الجميع أن ينسى أو يتناسى ويبتهج بالعيد السعيد أمثل هؤلاء الدعاة يصلحوا لأن يكون قادة بعد أن خدّروا الشباب بمعسول الكلام ،  لكن عليهم أن يعلموا أن شباب الأمة أذكى من أن ينخدعوا بمثل هؤلاء الذين باعوا دينهم بدنياهم ، والأمر اللافت للنظر هو موقف شيخ الأزهر الذى خرج علينا بمصطلح جديد واستبدل كلمة الإسلامية بالإنسانية إلى هذا الحد وصلت المهانة حتى أصبحنا نتبرأ من إسلامنا الذى قال عنه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لقد أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة فى غيره أزلنا الله ، والذى يصيبنا بالإحباط  هو ما سيحدث فى شرم الشيخ وكأن شرم الشيخ أصبحت مدينة المؤامرات ضد الشعوب العربية فكل المؤتمرات التى عقدت فى شرم الشيخ كانت ضد ثوابت الأمة وضد شعوبها وليس أدل على ذلك أكثر من أن يلتقى أى مسئول مصرى أو عربى بالقاتل العميل أياد علاوى الذى يعمل خادما لدى القوات الأمريكية ومرشدا على الشرفاء من أبناء وطنه إن مؤتمر شرم الشيخ الذى سيعقد فى قبل نهاية نوفمبر الجارى ما هو إلا مكافأة المجرم على إجرامه من ناحية وتأييد للقوات الأمريكية على إبادتها الجماعية للفلوجة ولا يسعنى فى هذا الأمر إلا أن أتوجه إلى الله بأن يشلّ كل يد تصافح أو تضع يدها فى يد علاوى واسأله فى علاه أن يفرغ على على المجاهدين فى العراق وفلسطين صبرا ويثبت أقدامهم وينصرهم على القوم الكافرين وأن يجعل عدوهم وما يملكون غنيمة للمجاهدين إن ربى على ما يشاء قدير .

إلى صفحة المقالات