ماذا تعرف عن مدينتا الصمود الأبي في زمن الخور والوهن العربي

قال تعالى : لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا يُنصرون

                                                                                                       جنين                                                                                        الفلوجة

 

مدينة جنين الواقعة في شمالي الضفة الغربية هي وريثة المدينة الكنعانية "عين جنيم" ومعناها: "عين الجنائن". لما كان يحيط بها من بساتين وقد فتحها العرب المسلمون في القرن السابع الميلادي بعد طرد البيزنطيين منها. وقد تميز موقع المدينة بأهمية كبيرة عبر العصور التاريخية لأن المدينة تقوم عند النهاية الشمالية لمرتفعات نابلس، كما جاء في الموسوعة الفلسطينية – وتقع فوق أقدام الجبال المطلة على سهل مرج بن عامر، وهي خط التقاء بيئات ثلاث: البيئة الجبلية، والبيئة السهلية، والبيئة الغورية، ومركز طرق المواصلات القادمة من نابلس (التي تبعد عنها أربعين كيلومتراً) والعفولة وبيسان وذلك قبل عام 1948م حيث أصبحت العفولة – الأقرب لجنين- وكذلك بيسان جزءاً من دولة إسرائيل. وكانت جنين نقطة مواصلات مهمة في الطرق المتجهة من حيفا والناصرة شمالاً (قبل نكبة فلسطين) وإلى نابلس والقدس.وقد فقدت الكثير من أهميتها التجارية بعد عام 1948م، حيث انفصلت عن محيطها الشمالي، ولكن عرب المثلث والجليل دأبوا بعد انفتاحهم على الضفة الغربية بعد عام 1967 على التعامل التجاري مع المدينة مما أعاد لها شيئاً من قوتها الاقتصادية. وتمتد المدينة فوق رقعة محصورة بين واديين يرفدان نهر المقطع أحدهما يخترقها من طرفها الشمالي والثاني يكون الحد الغربي للمدينة. وقد ترك موقع جنين بصماته على تاريخها منذ إنشائها،فكانت عرضة للغزاة المتجهين جنوبا أو شمالا من بابليين وآشوريين وآراميين وغيرهم، وبالقرب منها لقي ملك العبرانيين شاؤول وأبناؤه الثلاثة مصرعهم في حربهم مع الفلسطينيين.

 وقد تعرضت جنين للنهب والحرق أثناء الحملة الفرنسية على فلسطين انتقاماً من أهلها الذين حاربواالفرنسيين بجانب العثمانيين في مرج ابن عامر.  وفي عام 1948م طوقتها القوات الصهيونية في 3حزيران من ذلك العام، عشية الهدنة الأولى وقد كان حجم القوات الإسرائيلية هائلاً بمقاييس ذلك الزمان حيث زادوا على أربعة آلاف جندي وقد صمد المدافعون عن المدينة بعد أن تدافع المتطوعون من القرى المجاورة بأسلحتهم البسيطة وأجسادهم للدفاع عن مدينتهم ثم جاءت نجدة الجيش العراقي برئاسة الضابط عمر علي حيث تمكن الجميع من تحرير كافة أحياء المدينة التي دخلها جيش العصابات الصهيونية واندفع الجيش العراقي لمطاردة فلول القوات الإسرائيلية المتقهقرة ووصل إلى منتصف الطريق نحو حيفا قرب "المنسي"، البلدة البدوية التي دافع أبناؤها ببسالة عن مخيم جنين مؤخراً.

 ودارت معركة قاسية قرب مستعمرة "مشمار هاعيمق" وتعني بالعربية: "حارسة المرج: المستعمرة الأكبر والأقوى تسليحاً لحماية سهل مرج ابن عامر الأكثر خصوبة في فلسطين. ومن تلك المستوطنة خرج عدد كبير من قادة الجيش والسياسة في إسرائيل.

 كنت في السادسة من العمر، وسمعت لأول مرة تعبير "ماكو أوامر" وهو التعبير الذي التصق في ذاكرتي حيث ردده كل الناس في بلادنا وفي بلدتي "يعبد" القريبة من جنين."ماكو أوامر" هي الجملة التي قيل إن ضباط الجيش العراقي قد استخدموها لتبرير عدم اندفاعهم نحو مزيد من استرداد الأراضي الفلسطينية آنذاك. إذ أنهم لم يتلقوا أوامر بالاستمرار في التقدم.

 ما زال في مدينة جنين نصب   تذكاري ضخم لتخليد ذكرى الجنود والضباط العراقيين الذين سقطوا في الدفاع عن مدينتنا عام1948 م.

وقد بنى الإسرائيليون على مقربة منهم نصباً آخر لضباط الدبابات الإسرائيليين الذين سقطوا عام 1967م، في معركة دبابات ضارية مع الجيش الأردني في بلدة قباطية المحاذية لمدينة جنين.

 

كانت إحدى وسبعون قرية تتبع مدينة جنين أيام الانتداب البريطاني وقد استولى الصهاينة عام 1948م بموجب اتفاق المثلث على أغلبية تلك القرى ولم يبقَ منها سوى عشرين قرية تقريباً. سكان مخيم جنين قادمون في غالبيتهم من تلك القرى المحاذية للمدينة وبعض القرى الأبعد القريبة من حيفا. أغلب سكان المخيم قادمون من زرعين وصندلة ومقيبلة وعين حوض( التي حولوها إلى منتجع للفنانين) وبلدة إجزم التي جاء بعض سكانها للمخيم فيما غادر آخرون إلى العراق مع الجيش العراقي على أمل عودتهم خلال أيام، وما زالوا ينتظرون. وكذلك قرية صفورية (وقد أقاموا مكانها مستوطنة نسيبوريا) وقد جاء إليها مهاجرون من بلدة عين غزال وجبع والطنطورة والفريديس، لكن غالبية منهم قد انتقلت لأماكن أخرى. وبقيت عائلات رئيسية قادمة من القرى الأقرب لمدينة جنين. لقد أقاموا المخيم في وقت متأخر نسبياً عام 1953م، إذ كان في البداية في منطقة "جنزور" على الطريق بين جنين وعرابة وبعد الفيضانات انتقلت وكالة الغوث لتبني المخيم حيث يقع الآن.

في ذاكرة فتيان المخيم تراث المنطقة النضالي فقد استشهد عز الدين القسام في أحراش يعبد ، قرب جنين وهو قائد الثورة الفلسطينية الأولى  في الثلاثينات ضد الانتداب البريطاني والقسام رجل دين قدم من جبال العلويين ليصبح خطيب مسجد الاستقلال في حيفا.حركة حماس تطلق على جناحها العسكري "كتائب عز الدين القسام" تخليداً لذكرى الشيخ عز الدين القسام، الذي أقام تنظيمياً حديدياً ومروان البرغوثي أسمى ابنه البكر"قسام" وهو رجل دين وفي زمن مبكر،أقضّ مضاجع قوات الانتداب البريطاني لفترة طويلة وقد استشهد في معركة ضارية في منطقة جنين قرب "يعبد" التي حملت "المشعل" من بعده.

 

 ما زال جثمان القسام في بلدة "الشيخ"وقد أصبحت "تل حنان" قرب حيفا وعلى مداخلها، وفي كل بضعة شهور تقريباً يقوم متطرفون يهود بكسرالشاهد الموجود على قبر القسام ويقوم العرب بإصلاحه في كل مرة أيضاً.منطقة جنين إذن تحمل إرثا نضالياً طويلاً وتقاليد كفاحية ففي بعض قرى المنطقة نما تيار سلفي وخاصة في بلدة "اليامون" التي شهدت أكبر معركة ضد الانتداب  فلسطين.إن الفتيان في المخيم  وفي غيره من المخيمات يسمعون قصص الآباء  والأجداد ويتشربون الرغبة في الكفاح. علي الصفوري أحد قادة الجهاد في المخيم،وأحد كبار المطلوبين الذين سعت إسرائيل لاعتقالهم أو اصطيادهم عبر الاغتيالات من خلال طائرات الأباتشي ولم تفلح في ذلك،هو حفيد رجالات صفورية الذين قاتلوا مع عز الدين القسام وقد سار في نهجهم . عائلة التركمان والتي تشكل أكبر حمولة في المخيم قادمون من بلدة "المنسي" قرب حيفا وحيث وصل الجيش العراقي عام 1948م ، بالقرب منها قبل أن يرتد عائداً إلى جنين، وقد تخرج من أبناء هؤلاء البدو الكثير من العلماء وكبار الحاصلين على الدكتوراه في شتى فروع المعرفة ومن أكبر جامعات العالم وأكثرها أهمية.

 

لقد كان هؤلاء الأبناء الذين درّستهم في مدارس المخيم وقبل أن أصل لسن الثامنة عشرة، وقبل أن أذهب لجامعة دمشق لدراسة الأدب العربي، وكانوا يتميزون بذكاء بدوي فطري. للتركمان نائبان في المجلس التشريعي الفلسطيني هما جمال الشاتي رئيس لجنة اللاجئين في "التشريعي" والذي عرفته الفضائيات يبث الحماس في صفوف المقاتلين ويطلب النجدة من العرب أثناء معارك المخيم، وفخري التركمان الذي يتولى محاولات حصر الخسائر،أو المساهمة في هذه المحاولات، لمعرفة حدود الخسائر الباهظة التي وقعت في "عشرة أيام هزت العالم" في ذلك المخيم، فيما لم تصمد جيوش العرب في حزيران 1967م سوى لبضع ساعات واستهلكت الأيام الستة في الانسحاب الذي أسمته إعادة الانتشار لخطوط جديدة تفادياً للاعتراف بالهزيمة وقد أسموها "نكسة" لتخفيف وقع المأساة حيث ما زلنا نعاني من آثار العدوان وقد احتلوا في تلك الحرب"حرب الديلوكس ونزهة الدبابات"كما يسمونها في أد بياتهم السياسية ثلاثة أضعاف مساحة إسرائيل الأصلية في الضفة الغربية وغزة والجولان وسيناء.

 

والشيخ جمال أبو الهيجا الذي عرفته كل الفضائيات العربية  في أثناء الاجتياح الهمجي  للمخيم يتحدث من داخله، دون أن يعثروا عليه، هو ابن عائلة "الهيجاء" القادمة من القرى العربية الموجودة في منحدرات الكرمل ومنها أم الزينات وإجزم وعين حوض وأبو شوشة وينسب لها حسام الدين أبو الهيجا أحد قادة صلاح الدين الأيوبي الذي حرر فلسطين  من الصليبيين وقبره موجود في قرية "كوكب أبو الهيجا" في منطقة الجليل.هكذا إذن تتواصل الأجيال وتحمل الرايات وتواصل المسير دون توقف.في مخيم جنين كنت أسمع طوال الوقت خطابات أسطورية عن شيوخ المنطقة الذين قاتلوا مع القسام ومع عبد القادر الحسيني- الجهاد المقدس- وكنت أسمع عمن أعدمهم الإنجليز وهم في الثمانين من العمر، ومن المؤكد أن هذه الحكايات تشكل الوعي الأول والذاكرة الجماعية لهؤلاء الشباب. في الستينات من القرن الماضي، كان المخيم حسبما أعرفه بؤرة نشاط قومي بشكل رئيسي وكان التيار الديني محدود التأثير.ربما لا يعرف الكثيرون أن أول عملية فدائية قام بها تنظيم "شباب الثأر" التابعين لحركة القوميين العرب قد انطلقت من مخيم جنين، وذلك في أكتوبر 1964م، أي قبل إنطلاق حركة فتح. كان القوميون العرب،وكنت واحداً، منهم يؤمنون أن العمل الفدائي يجب أن ينطلق بالتنسيق مع قيادة عبد الناصر واستخدموا التاءات الثلاثة: تنسيق، توقيت، توريط،أي أنه يجب التنسيق  المصرية – قيادة الإقليم – القاعدة – كما كنا نسميها في ذلك الزمان ، حتى لا تتورط مصر في حرب قبل أوان الاستعداد لها وحتى تتمكن من توقيت المعركة. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر،لا بد من القول أن عبد الناصر قد أنجر لمعركة حزيران 1967م، وتورط بها دون أن يقوم بتوقيتها ، استجابة أو رضوخاً لأصحاب الصوت العالي وخوفاً على شعبية القيادة القومية آنذاك، إذا لم تقم بنجدة سوريا.

 

                            

        مخيم جنين الصمود والمجزرة

 

وأعود لمخيم جنين الذي تحول إلى "أسطورة العرب"وكل الفضائيات العربية والأجنبية أمام قوات "الجيش الرابع في العالم" الذي أعلن خمس مرات أنه سينهي جيوب المقاومة هذا اليوم ولم يفلح في ذلك وغيّر قيادة القوات العاملة في المخيم ثلاث مرات وأنعش القوات حسب تعبير شاؤول موفاز أي دفع بقوات إضافية عدة مرات، وكان موفاز، وما يزال خائفاً على مستقبله السياسي من تداعيات صمود ومجزرة مخيم جنين، ولهذا قالت الصحف الإسرائيلية إنه يعترض على استقبال لجنة تقصي الحقائق، حتى لا تكتشف المذابح والأسماء باتت معروفة والحقائق أيضاً. تساءل التقرير الأولي لمنظمة العفو الدولية:لماذا لم نجد في مستشفى جنين سوى جرحى بإصابات خفيفة ولم نجد سوى جثث متفحمة، أين الإصابات الخطيرة،لماذا لم يصل منها أحد للمستشفى، ألا يشير ذلك لاحتمال نزفهم حتى الموت أو إعدامهم خارج نطاق القضاء . لقد تضمن التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية منذ الانتفاضة الأولى عام 1987م وحتى توقفها عام 1992، ومع الانتفاضة الثانية وحتى يومنا هذا،فقرة خاصة عن الاعدامات خارج  نطاق القضاء الذي تقوم به القوات الإسرائيلية وخاصة "قوة المستعمرين" التي تلقت ضربة قوية في مخيم جنين وهي القوات التي يفتخر إيهود باراك بأنه كان وراء تشكيلها وقد سمح حين كان رئيساً للأركان ببث فيلم تلفزيوني عن تدريباتهم مما فتح عليه نقداً واسعاً في إسرائيل آنذاك. الاعدامات خارج نطاق القضاء تكفي وحدها إذا عرفنا كيف نقدم حولها الأدلة والبراهين القاطعة لجرّ ضباط إسرائيليين لمحاكمات دولية. شاؤول موفاز الذي رفع شعار"دعوا الجيش ينتصر" وما لم يتحقق بالقوة يتحقق بمزيد من القوة، سيغادر الخدمة، بعد أن جددوا له عدة مرات، في تموز القادم ويريد أن يحصل على إنجازات تخدمه في مساره السياسي القادم  مثل الجنرالات في إسرائيل الذين دخلوا الحلبة السياسية بعد أن خلعوا البزة العسكرية: اسحق مردخاي، أيهود باراك، أمنون شاحاك وعدد كبير من الضباط. وقد كان يمكنه أن يدخل الليكود أو حزباً يمينياً لولا ما حدث في مخيم جنين حيث فقدوا ثلاثة وعشرين جندياً وحيث ارتكبوا المجزرة التي باتت واضحة للعيان، وإذا تمكنت لجنة تقصي الحقائق من العمل فإن تداعيات واسعة لا بد أن تبدأ في الظهور وربما تسقط موفاز وتجره إلى أن يصبح مطلوباً للعدالة الدولية.

 

المهم كيف نتمكن من توثيق المجزرة لتصبح شاهدة على جريمة العصر ولتحقق مقولة محمود درويش:"بانتصار الدم على السيف"وانتصار قوة الضعف لدى الفلسطينيين على ضعف القوة لدى الإسرائيليين، إذ أنه في عالم اليوم:عالم الجيل الثالث من أجيال حقوق الإنسان وهو  الإنساني وفي عالم الصوت والصورة التي تصل آخر الدنيا في ثوانٍ وعالم القرية الكونية الكبرى حيث اختفت الحواجز وتدفقت المعلومات بشكل أسطوري، فإن مجزرة بحجم ما حدث في مخيم جنين ستهز ضمير العالم لسنوات وسنوات وتجعل الدم ينتصر على السيف بعد أن عجزت السيوف العربية عن تكسير السيوف الإسرائيلية المزودة بكل أصناف الدمار وأحدث التكنولوجيا المعاصرة.لقد قامت بعض منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية بتصوير فيديو لبعض مشاهد الجريمة ومن هذه المنظمات : "عدالة: التي تعمل من الناصرة وسط عرب 1948م وتوثق الجرائم الإسرائيلية في كل مكان من أرض فلسطين التاريخية،والمركزالفلسطيني لحقوق الإنسان، وجمعية "القانون المقدسية" التي يترأسها المحامي خضر شقيرات،وتنشط العشرات من منظمات حقوق الإنسان للإسراع في التوثيق قبل أن تبرد الجريمة وينشغل العالم بأمرآخرفي عالم السرعة "واختطاف الأحداث"ما زال الأمر بحاجة لجهود جماعية مؤسسية قبل أن يتمكنوا من إخفاء حقائق ما حدث، إذ ما زال مصير عشرات الجثث مجهولاً وقيل إنهم نقلوا بثلاث شاحنات جثثاً إلى غور الأردن لدفنها في مقبرة "الأرقام" . الإسرائيليون يقلدون الجلاد كأسوأ ما يكون تقليد الضحية لجلادها.  وفي عالم جديد لا يشابه عالم الحرب العالمية الثانية حين تعرضوا لما تعرضوا له على أيدي النازيين وحين كانوا يختمون اليهود في معسكرات الإبادة : في أوشفيتز وغيرها بختم الأرقام. إنهم يعيدون الأمر في عالم جديد وقد ختموا العشرات من أسرى المخيم وآخرين غيرهم بوشم الأرقام وقد شاهدهم سكان من المخيم الذين أدلوا بشهادتهم حول الأمر. وتقول إشاعة أخرى أنهم ربما نقلوا بعض الجثث إلى هضبة الجولان وحيث توجد هناك أيضاً، حسب بعض الأقوال، مقبرة الأرقام.

اذكر انه بعد مجازر صبرا وشاتيلا عام 1982م الشاهد الأكبر على جرائم شارون: الرجل الذي لا يتوقف أمام الضوء الأحمر كما يقول عنوان كتاب: عوزي بنزيمان. من هآرتس وهو توثيق لسيرة هذا العجوز الذي كان على الدوام يتجاوز تعليمات مرؤوسيه وهو اليوم في القمة وقادر على عمل ما يريد دون تجاوز أحد من وزرائه ولو تجاوز مشاعر العالم بأسره . بعد تلك المجازر تداعينا وعقدنا الاجتماعات حول ضرورة توثيق المجزرة وقد كانت بشاعتها واضحة كل الوضوح ولم نكن قد دخلنا بعد عصر "الفضائيات والعولمة"، وكانت المفاجأة أن الكاتب الصحفي اليساري أمنون كابليوك الذي يحمل الجنسيتين: الإسرائيلية والفرنسية ويكتب في "اللوموند"،هو الذي أصدر الكتاب الهام حول مجزرة صبرا وشاتيلا،واليوم فإن الصيحة تنطلق من جديد من داخل وخارج الوطن الفلسطيني وفي كل الوطن العربي والعالم الإسلامي لتوثيق سريع لما حدث في عشرة أيام هزت العالم ،   في مخيم جنين غرادحسبما يطلقون عليه  في الصحافة العالمية التي لم تستطع سوى أن تبرز بعض الحقائق الدامغة وقد أرسلت كل صحف العالم الرئيسية مندوبين لها إلى مخيم جنين وكتبوا حول ما رأوه وحول ما تعرضوا له من مضايقات من الجيش الإسرائيلي . جنين غراد نسبة إلى ستاليننغراد (ليننغراد) وهي المدينة الروسية التي صمدت بشكل أسطوري للغزو الألماني في الحرب العالمية الثانية وأوقفت زحفهم لشهور وأسقطت منهم آلاف القتلى.لقد زرت هذه المدينة التي عادت لاسمها القديم (بطرسبورغ) ورأيت كيف يوثقون صمودهم رغم تواضع الأدوات في ذلك الزمان، التي تمكنهم من ذلك.

 

يقولون في كل مكان من الوطن الفلسطيني وخارجه أيضاً بأن أبناء المخيمات هم الذين يقدمون التضحيات وقد أوضحت خلفية مخيم جنين التراثية والكفاحية التي استمد منها شباب وفتيات اليوم هذا الصمود الأسطوري.الفقراء دائماً هم وقود الثورات،إذ ليس لديهم ما يخسرونه وفي العادة يصعد الكبار نحو السلطة على جماجمهم مع الأسف الشديد، هذا يحصل في كل زمان ومكان.أراهن بالقول،كما قلت للعديد من القادة الفلسطينيين ،أن ما حدث في مخيم جنين لو تكرر في عدة أماكن، لسقطت حكومة شارون التي لن تستطيع عندئذ تحمل الخسائر أمام الجمهور الإسرائيلي وخاصة أن ثمة اتجاهاً قوياً ورغم الارتفاع المؤقت لشعبية شارون بأن "عملية السور الواقي" لن تنجح في اجتثاث جذور ما يسمونه الإرهاب. يقول لهم يوري افنيري رئيس كتلة السلام ، إن هذه البنية موجودة في تكوين الشعب الفلسطيني الذي تريدون قهره،وإن الوزراء السبعة والعشرين في الحكومة الإسرائيلية جبناء لأنهم يعرفون الحقيقةويعرفون أن الحل الوحيد هو الإنسحاب السريع من الأراضي المحتلة عام 1967م ، وإزالة تدريجية للمستوطنات التي كانت إقامتها الخطأ الإستراتيجي الأكبر منذ عام 1967،وبمشاركة وتواطؤ كافة الحكومات الإسرائيلية لحزب العمل والليكود،سواءً بسواء.

 لقد كان بنيامين ناتانياهو أثناء فترة حكمه على أبواب اجتياح مدينة جنين حين حجزوا جنود جيشه في "قبر يوسف" ولما قال له رئيس الأركان إننا لا نضمن عدد القتلى،ربما يكون كبيراً، تراجع عن موقفه وما زال قبر يوسف في نابلس بيد الفلسطينيين ويقول شارون إنه سيطالب بعودته للإشراف الإسرائيلي حسب اتفاقات أوسلو التي يختار منها ما يشاء ويمحو منها ما يشاء.

إنني أقرأ بتمعن أسماء الشهداء في المخيم والشباب المعتقلين لاكتشف أنهم في الغالب ، أبناء الذين  ساهمت في تعليمهم في المخيم مطالع الستينات ودخلت مع البعض منهم ، بعد ذلك في قيادة المظاهرات الصاخبة التى تطالب بالوحدة في عز المد القومي في ذلك الزمان.

المقاتلون في المخيم عملوا وحدة  واحدة رغم أنهم ينتمون للعديد من الفصائل الوطنية والإسلامية وقد امتلكوا خبرة كافية من الاجتياحات السابقة للمخيم الذي اجتاحوه للردع عدة مرات قبل الاحتلال الأخير وزرعوه بالألغام في كل مكان وساهم الفتيان في تصميم "الكوع"الذي يرجمون به جنود العدو. وقد أعطاهم التلكؤ الإسرائيلي في دخول المخيم، بعد أن دخلوا المدن الأخرى، فرصة إضافية ثمينة للاستعداد الأقصى ودفع لهم الإسرائيليون المصابون بغرور واستعلاء القوة، في البداية، جنود الاحتياط الذين سرعان ما تم استبدالهم بقوات خاصة وجنود محترفين في القتل من وحدة دوفدوفان والمستعربين والوحدات الخاصة، بعد أن تجرعوا مرارة الرعب في أزقة المخيم. وكان ما كان......

الفلوجة، عاصمة المقاومة العراقية

مدينة المساجد يفضل أهلها الموت على الخضوع للأجنبي، والدين وعادات القبيلة محرك الثورة فيها.
الفلوجة (العراق) – من نور الدين العويديدي

"ارفع رأسك إنك من أهل الفلوجة".. "سلاحك شرفك.. لا تلقي شرفك".. "مدينتنا مدينة الجوامع والمساجد، وجهادنا في سبيل الله والإسلام لا في سبيل الأشخاص".. "قائدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا صدام".. "صدام طاغية لكنه أفضل ألف مرة من قوات الغزو الكافرة".. "قتلنا الأمريكان وسنقتلهم، ولن نتركهم يهدؤون في العراق".. "ذبحناهم ذبحا، وأذقناهم الويل، وأخرجناهم من مدينتنا الطاهرة بالقوة".. "من جاء بلدك بالقوة لن يخرج منه بغير القوة". هذه بعض الكلمات، التي قرأتها مكتوبة على جدران الفلوجة، أو سمعتها من أهلها، وأنا أتأمل الوجوه والأشياء والأماكن، وأحاول أن أفهم سر شهرة هذه المدينة، التي ملأت أرجاء الأرض قاطبة، وسر عنادها وصمودها في وجه قوات الاحتلال، وسر خوف الأمريكان منها، وارتعاش أطراف جنودهم، كلما ذكر اسم هذه المدينة، التي وصفها صحفي عراقي بارع بأنها "منطقة ملتهبة.. نقطة ساخنة.. بقعة حمراء، على خارطة رمادية"، هي خارطة العراق.

من بغداد إلى الفلوجة  كنت أعتزم زيارة الفلوجة من أول كلفت فيه بالتوجه إلى العراق. وعندما وصلت إلى بغداد قبل أكثر من أسبوع، كنت أقول في كل يوم، بيني وبين نفسي، سأتوجه في الغد إلى فلوجة المقاومة، لكن سحر بغداد، وشيئا من الرهبة الغامضة، صرفتني أياما عن تلك المدينة، التي كنت أتوق لرؤيتها ورؤية أهلها، وسبر أغوارهم، لفهم سر هذه المدينة الصغيرة، التي باتت تعرف بعاصمة المقاومة في العراق، والنقطة الساخنة الملتهبة على خارطته. نمت باكرا، استعدادا ليوم عظيم.. إنه يوم في الفلوجة. جاءني السائق مصطفى مبكرا، فخرجت، على عجل، دون إفطار. شغلني غموض ما ينتظرني وشوقي له عن كل شيء سواه. وفي الطريق كنت أسجل كل ما أرى وكل ما أسمع.. أطراف بغداد، على طريق الفلوجة، معظمها مدمر.. مصانع ومعامل وشركات تابعة للدولة، ومعسكرات سابقة للجيش العراقي، دمرها القصف الأمريكي بعنف، وأتم الدمار ما بات يعرف في بغداد اليوم باسم "الحواسم"، وهم اللصوص والمجرمون والغوغاء، الذين اجتاحوا بغداد كالجراد، عقب سقوطها في أيدي قوات الاحتلال، وغياب الدولة والأمن فيها. أطلال خربة بعد عمار.. آثار القنابل والرصاص في الطرقات المحفرة.. بنايات متهاوية، بعضها سويّ بالأرض، وبعضها ظل نصفه أو ربعه واقف وجزؤه الآخر انهار.. مصانع ومخازن لا تزال بعض بقايا أكياس الحنطة والدقيق مكدسة فيها بشكل عشوائي.. حديد متناثر.. حجر أو طوب صناعي مكسور.. زجاج مبعثر في كل اتجاه وفي كل مكان. أوساخ تنتشر في كل مكان.. وأعشاب متوحشة تزحف في كل اتجاه. السيارة تمضي مسرعة. مررنا بمقبرة أبي غريب، بحسب التسمية الشعبية، أو مقبرة الكرخ الإسلامية، بحسب ما تشير إليه لافتة كبيرة نصبت عند بابها. وقال لي مرافقي إن هذه المقبرة قد نالت نصيبا غير منقوص من الصواريخ والقنابل الأمريكية، بعد أن اتخذتها وحدات عسكرية عراقية ملجأ لها، أثناء الحرب. وقبل ذلك مررنا بسجن أبي غريب.. سجن وأي سجن.. جدار عظيم يمتد على مساحة هائلة، لم أتخيل يوما أن سجنا، يمكن أن يبلغ طول جداره، طول جدار أبي غريب.. هنا اعتقل آلاف العراقيين في العهود السابقة.. هنا ذبحت حقوق كثيرة للناس. لكن مرافقي نبهني مشكورا، إلى أن سجن أبي غريب، الذي هالتني ضخامته، قد ازداد ضخامة منذ دخول قوات الاحتلال إلى العراق. فالسجن، الذي كان سجنا رهيبا من سجون "الطاغية"، استمر سجنا رهيبا من سجون قوات "التحرير ونشر الديمقراطية"، بل توسع أكثر، بحسب قول مرافقي. لم يتغير إذن شيء كثير، ومن تغير هو فقط من يعطي الأوامر. هذا ما أكدته لنا بيانات كثيرة، وتصريحات عديدة، لمنظمات وشخصيات عراقية لا تحصى. تجاوزنا سجن أبي غريب.. أراض تعلوها الملوحة على اليمين والشمال، كأنك أمام سبخة تمتد على جانبي الطريق، لا تنافسها سوى الأوساخ وبقايا أنقاض المباني، المجمعة أكواما أكواما، بعضها قرب بعض.. اقتربنا من قرية أبي غريب.. قرية صغيرة على أطراف بغداد، بدت لي عن بعد تلفها غمامة من الغبار الناشئ عن حركة الأرجل، ودوران عجلات السيارات والشاحنات، التي تسير في فوضى، باتت اليوم من أهم ميزات العراق.. بضائع قليلة من مناشئ متنوعة، محلية أو مستوردة.. خضر أو فواكه أو ملابس أو علب غذاء. وجوه مائلة إلى السواد، وملابس بين مدنية وريفية، تجتمع وتتمازج بشكل غريب في أبي غريب.. طوابير طويلة من السيارات تنتظر دورها في التزود بالبنزين. وحركة وصخب وغبار لا يعرف التوقف، وأطفال متسربون من المدارس يبيعون السجائر وأشياء صغيرة تافهة، بوجوه مغبرة، وأرجل حافية أو شبه حافية. السيارة تطوي الأرض مسرعة.. والسائق له قانونه الخاص في السير في الطريق، مثله مثل سائر نظرائه من العراقيين، الذين لا يتقيدون بقانون.. بتنا قريبا من الفلوجة.. بعض الأدخنة السوداء والبيضاء تتصاعد من مصانع قرب المدينة.. آية قرآنية مكتوبة بخط جميل على لافتة كبيرة، تنبئ بالاقتراب من مدينة الجوامع.. "مرحبا بكم في الفلوجة".. صوامع المساجد والجوامع وقبابها بدأت تظهر بوضوح أكثر، وعدد السيارات في الطريق بدأ يتزايد، والسائق خفض في سرعة سيارته.. إننا الآن في الفلوجة، هذه هي المدينة، التي كنت أتوق إليها، وأتهيب الاقتراب منها وأرغب فيه، قد ألقيت بنفسي بين ذراعيها أخيرا، لعلي أسبر بعض أغوارها، وأعرف شيئا عن أهلها، وأفهم بعضا من أسرارها.

مدينة الجوامع ثائرة على الغزاة  تنام الفلوجة بين أحضان الفرات، بل لعلها تضمه بحنان إلى قلبها.. وتضعه بين حنايا الضلوع.. هذا هو النهر، الذي يحمل اسما شهيرا، يعرفه كل عربي، من المحيط إلى الخليج، منذ الفطام، ويحلم سائر العرب بالشرب من مائه، حتى لا يظمأ الواحد منهم بعد ذلك أبدا.. هذا هو النهر، الذي شرب منه الشعراء والأمراء والعظماء، منذ آلاف السنين، وخلده الشعر: ديوان العرب، في آلاف من القصائد، التي لا تعرف النهاية، على مر الدول والعصور والأجيال. يقسم الفرات الفلوجة إلى نصفين.. نصف يطلق عليه أهلها اسم المدينة، ويطلقون على النصف الثاني اسم القرية، ويربط بينهما جسران.. الجسر القديم، وبني في العام 1929، والجسر الجديد، أو جسر الوحدة، الذي يذكر لك كثير من أهل الفلوجة، حتى الأطفال وطلاب المدارس، متى أسس، ويتفقون على أنه أسس في العام 1965، ويذكرون لك من ساهم من الحكام العرب في تأسيسه، ومن صلى في الجامع الكبير من الزعماء العرب. أهل الفلوجة كما يقول الشيخ زين الدين القاضي، شقيق الضابط صلاح القاضي، الذي عرّفه لي الأهالي بأنه من أشهر الضباط في تاريخ الجيش العراقي، والذي انتهى إلى الإعدام على يد الرئيس السابق صدام حسين، بسبب خلاف بين الرجلين في تقدير مصالح الجيش والدولة العراقية، هم عرب أقحاح محافظون مترابطون، الدين هو الحاكم الأول في حياتهم.. خصوماتهم يحلها الأئمة وعلماء الدين، ونادرا ما يلجؤون إلى المحاكم. ويعيش أغلب أهلها على الزراعة في البساتين القريبة التي يرويها الفرات، أو بالعمل في المعامل والمصانع القريبة منها، أو ينتشرون في سائر محافظات العراق، يعملون في تخصصات متنوعة. وتسكن الفلوجة عشائر البوعلوان والجبور والمحامدة والجميلية والبوعيسى، وتنتشر منها في سائر النواحي والأقضية، ويمتد بعضها حتى سورية والأردن وتركيا والسعودية. ويضيف الشيخ القاضي، وهو من كبار وجهاء الفلوجة، واصفا أهلها بأنهم أناس طيبون، ومتدينون بعمق، لا يقبلون الأجنبي إذا جاء إليهم غازيا، ولو على رقابهم، مشددا على أن هذا ليس مجرد كلمات، بل حقائق يعيشها أهل الفلوجة بعمق وبساطة. ويستطرد محدثنا قائلا إن المدينة، التي تضم نحو 300 ألف نسمة، تحتضن بحنو ورفق بين أطرافها أكثر من 180 جامعا، وهو ما أميل إلى تصديقه. لكني قرأت في مصادر لم أستطع التأكد من مدى صحتها، وسمعت من بعض أهل الفلوجة ما يؤيدها، أن سكان المدينة يقدرون بنحو 700 ألف نسمة، وفيها ما بين 400 إلى 500 مسجد وجامع، وربما يكون سبب الاختلاف بين الروايتين اقتصار إحداها على المدينة في تعداد الأنفس والمساجد، وتوسيع الأخرى التعداد حتى يشمل الأقضية والنواحي التابعة للفلوجة. ويقول المهندس محمد العلواني، وهو رجل يقترب من الخمسين، إن أهالي الفلوجة متدينون ومثقفون، وينتشر بينهم أصحاب الشهادات العليا بكثافة، قد تفوق مناطق كثيرة في العراق والعالم، مؤكدا أن الدين هو الحاكم الفيصل في سلوك أهل المدينة، وأنه سبب جرأة أهلها وقدرتهم على تكبيد قوات الاحتلال خسائر لا تحصى، مشددا على أن المساجد والجوامع، التي جال بنا في عدد منها، وذكر لنا تاريخ تأسيس كل منها، هي روح الفلوجة، وهي التي تصبغ المدينة بصبغتها، حتى باتت تسمى مدينة الجوامع. ويفخر المهندس العلواني بأن الدرجات العلمية لأكثر شباب الفلوجة تفوق بكثير الدرجات العلمية لسائر الجنود والضباط الأمريكيين، الذين يحاولون إخضاع المدينة الثائرة. ويسر لي المهندس الكهل، الذي بدا لي أكبر من عمره، الذي ذكره لي، بأنه واجه العديد من الضباط والجنود الأمريكان بالقول لهم إن عليهم أن يتعاملوا مع أهل الفلوجة بكل التقدير والاحترام، لأنهم يتفوقون عليهم في العلم والذوق والأدب. جوامع الفلوجة ساحرة جميلة.. صوامعها تناجي السماء، وقبابها مزخرفة بأيد بارعة، ألوانها وأشكالها تأخذ بالألباب. أشهر جوامع الفلوجة الجامع الكبير، وأسسه الشيخ عبد العزيز السامرائي، في نحو عام 1899 على نهر الفرات، وتعتقل قوات الاحتلال إمامه، الذي دعا جهارا نهارا إلى الجهاد ضد الأمريكان. ويجل أهل الفلوجة الشيخ السامرائي، ويحتفون بذكراه، باعتباره أيضا مؤسس مدرسة الجامع الكبير، التي تخرج منها الكثير من علماء المدينة، وكثير من علماء الهند وباكستان ودول كثيرة، كما ذكر لي الأهالي. ومن الجوامع الشهيرة جامع الخلفاء، وجامع أبي بكر الصديق، وجامع عمر بن الخطاب، وجامع عثمان بن عفان، وجامع علي بن أبي طالب، وجوامع أخرى كثيرة.. وأسماء الجوامع تكشف عن الانتماء المذهبي لأهل الفلوجة، فهم من أهل السنة والجماعة، وفيهم من يتطرف في محبة أهل السنة، والإشادة بهم، والتنكير على مخالفيهم. وأشهر مطاعم الفلوجة مطعم زرزور، ومطعم البادية، ومطعم حجي حسين، وهي قريبة من بعضها البعض.. تقدم أطباقا لذيذة شهية، لكنها متشابهة، وأسعارها متشابهة أيضا، وأهمها الكباب، كما قال لي مرافقي. أدخلنا مضيفنا مطعم البادية، وكنت أميل بشكل غامض للأكل في مطعم زرزور، لأني جربت الأكل في فرعه في بغداد، والمرء يميل إلى ما يعرف، وينفر مما يجهل، دون معرفة الأسباب. لكن مطعم البادية لم يخذلنا، وقدم لنا طعاما لذيذا أكلناه بنهم، بعد جولة مطولة ومتعبة، لكنها كانت ممتعة، في أرجاء الفلوجة وأزقتها، وبين حواريها الجميلة القذرة. والفلوجة خالية من مقرات الأحزاب. وأهلها ينظرون إلى مجلس الحكم المؤقت باعتباره مجلسا تابعا للأمريكيين، يخدم أعتاب الاحتلال. لكن ما لفت نظري هو وجود مقر فخم للحزب الإسلامي العراقي، الذي قيل لي مرات كثيرة في الفلوجة وخارجها، إنه بات يمثل مرجعية سياسية لأهل السنة في العراق، الذين باتوا يتخوفون من تنامي نفوذ الأحزاب المتطرفة في العراق، فمالوا لهذا الحزب، الذي يحاول أن يقف في منطقة وسط، تحت الخطوط الحمراء لقوات الاحتلال، وقريبا من نبض الشارع السني، معبرا عن أشواقه وتطلعاته.

كيف بدأت المقاومة؟  يذكر الشيخ زين الدين القاضي، وهو أحد اثنين مدّاني بمعلومات كثيرة عن الفلوجة، أن قوات الاحتلال، بعد سقوط بغداد، دخلت المدينة دون الكثير من القتال، مشيرا إلى أنها وضعت أيديها على مؤسسات الدولة الرسمية، وعلى مقرات حزب البعث الحاكم سابقا في العراق، وعلى سائر المدارس، ونشرت فيها قواتها، باعتبارها أماكن استراتيجية بالمنطق العسكري، للسيطرة على المدينة، والتحكم في سائر مجرياتها. وأشار إلى أن ذلك آذى كثيرا أهالي المدينة المحافظين بطبعهم، فتطوع خيرون كثيرون من وجوه الفلوجة وقادة عشائرها ومثقفيها، كما قال، للحديث مع قوات الاحتلال، لإقناعها بالخروج بالحسنى من المدارس، التي تنتشر في معظم الأحياء، ويطل منها الجنود الأمريكان على بيوت الناس، ويهتكون ستر نسائهم، بحسب ما ذكر لنا.. لكن الأمريكان رفضوا ذلك بإصرار، مما جعل الأهالي يفكرون في الخيار العنيف لإخراجهم من المدينة. ويتطوع شاب، متخصص في الترجمة إلى اللغة الفرنسية، عمره يناهز الثلاثين عاما، ليشرح لي الأمر بالقول "الأمريكان دخلوا بلدنا بالقوة.. كانوا يعمدون إلى إذلالنا.. قتلوا 13 وجرحوا 7، من خيرة شبابنا، في يوم واحد، حين طالبناهم، بشكل سلمي، بالخروج من مدينتنا، فلم يكن أمامنا سوى اللجوء إلى القوة، لأن من دخل بالقوة لا يمكن أن تخرجه من مدينتك إلا بالقوة، لأنه لا يفهم منطقا سواها". الناس في شوارع الفلوجة وأزقتها، العامرة بكثير من الأوساخ والحفر ومياه المجاري، سوداء اللون، يجمعون على تأكيد هذه الرواية، حتى وإن اختلفوا في صياغتها، وفي طريقة التعبير عنها، لكنهم يؤكدون جميعا أن الأمريكان هم من خلق المقاومة، بجهلهم للطرق المناسبة للتعامل مع العراقيين عامة، وأهل الفلوجة خاصة. ويؤكدون لك بقول، يكاد يتطابق، أن ابن الفلوجة لا يقبل الضيم، وأن عادات الحشمة وخلق الدين والعشيرة، التي تميزه لا تجعله يقبل بالكافر الأجنبي يطلع على حرمات نسائه وبنات عشيرته أو حيه. وقال لي أستاذ للغة العربية في المدينة، وهو كاتب وشاعر، كثيرا ما أسمعني، خلال الجولة، من عيون الشعر، مما يحفظ ومما ينظم، إنه يفضل الشهادة، وأن يجتز عنقه، أو يفصل رأسه عن جسده، على أن يقبل بأن ينتهك علج أمريكي كافر، كما يصف جنود الاحتلال، شرفه، أو يطلع على ستر نساء حيه أو مدينته، مشيرا إلى أن غرور القوة لدى الأمريكان وجهلهم بالعراقيين، هو الذي سيقودهم إلى حتفهم.

مقاومة غير منظمة لكنها شرسة  مما جمعته من معلومات، من مصادر مختلفة، بطرق متباينة، بتّ أميل إلى أن المقاومة في الفلوجة مقاومة لا ينتظمها هيكل محدد، فهي عمل تقوم به جماعات صغيرة مختلفة تنظيميا، قد تكون علاقات القرابة، أو علاقات الجيرة في الحي أو الشارع أو الزقاق، هي ما يربط أفرادها ببعض، لكن ثقافة تكاد تكون موحدة تجمع بين أطرافها، هي ثقافة الجهاد والمقاومة وحب الشهادة في سبيل الله ثم الوطن. وتحصل تلك المجموعات على السلاح بطرقها الخاصة.. أفرادها يعملون في النهار في مهن مختلفة، كثير منها مهن بسيطة، وينخرطون منذ بداية الغروب في المقاومة، لكن ثمة من الميسورين من تفرغ للمقاومة ليلا ونهارا، في حين تفرغ آخرون لتطوير السلاح وتصنيعه بوسائل محلية، استفادة من خبرتهم السابقة في القتال أو في التصنيع العسكري. أهل الفلوجة يحدثونك بإسهاب عن عمليات ناجحة للمقاومة ضد قوات الاحتلال.. الجميع يحدثونك وكأنهم أعضاء في المقاومة، أو كأنهم خبراء عسكريون متمرسون.. "في هذا المكان طحناهم طحنا".. "في هذا المثلث، بين الجسرين، أذقناهم الويل، وقطعنا رؤوس الكثيرين منهم".. "طائرات الشينوك الأمريكية المتطورة أسقطنا عددا كبيرا منها وتركنا (الرئيس الأمريكي جورج) بوش مذهولا". هذه الكلمات، أو كلمات قريبة منها، سمعتها مرات ومرات في الفلوجة. وكان أكثر ما يجمع بين قائليها الشعور بالفخر والاعتزاز الكبير بما تحققه المقاومة من نتائج، والشعور بالرضا أن يكون المرء من أهل الفلوجة.. ألم أقرأ في أماكن عديدة مكتوبا على جدران المدينة "ارفع رأسك إنك من أهل الفلوجة".

سلاحك شرفك  سلاحك شرفك فلا تلقي شرفك".. "هبوا يا شباب العراق الشرفاء قاوموا الأمريكان".. "لا شرف بلا جهاد".. "عاش مجاهدو الفلوجة الأبطال الشرفاء".. شعارات كثيرة منتشرة في مدينة الفلوجة تقرن الجهاد والسلاح بالشرف.. فالغيرة على الشرف، وحب الشهادة طلبا للعزة والكرامة، ورفض الغرباء الغزاة، وهي مفاهيم دينية وقبلية في ذات الوقت، يمكن اعتبارها مفاتيح شخصية ابن الفلوجة، ويمكن من خلالها تفسير ثورة المدينة العارمة على المحتل، وإجماع أبنائها على المقاومة، كما يمكن من خلالها أيضا تفسير معاناة الاحتلال الأمريكي مع هذه المدينة الصغيرة الثائرة.

عمليات نوعية للمقاومة  كان اللقاء بمقاومين في الفلوجة أحد أهم أهدافي من زيارة المدينة.. كنت أريد أن أتحدث إليهم من دون واسطة، وأسمع منهم، وأسألهم عن أشياء كثيرة تدور في خاطري، لكن من يثق في صحفي جاء من بلد بعيد.. قواته شريكة في احتلال العراق. كنت أتفرس الوجوه، وأحاول أن أخمن إن كان محدثي من المقاومة أم مجرد ناقل خبر من أخبارها، تختلط لديه الحقيقة بالوهم، وتحجب لديه المبالغة وجه الحقيقة. كنت أجمع المعلومات، وأسمع الكلمات، وأدونها في دفتر كان بيدي، حتى انقضى النهار.. غربت الشمس، وكانت أضواء المدينة خافتة ضعيفة، بالكاد تسمح لي برؤية الزقاق، وتبصرني بمسارات المجاري والحفر الكبيرة، حتى لا أقع فيها. وفي أزقة معينة يختفي نور الكهرباء تماما، وتتشابه الوجوه، ولا يستطيع المرء "تمييز وجه صديقه من عدوه".. في واحد من تلك الأزقة شعرت بيد تحط بحنو على كتفي، وقال صاحبها:

- السلام عليكم ورحمة الله.

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

- الأخ صحفي.

- نعم صحفي.

- أنا مصطفى من المقاومة.

- يا مرحبا.. يا مرحبا.. كنت أبحث عنكم طيلة النهار، وجئتني عندما أسدل الليل ستاره.

- أعذرنا فنحن في ظرف احتلال وملاحقات أمنية لا تهدأ.

كانت هكذا البداية.. وغرقنا في حديث مطول عن المقاومة والإعلام وعن العمليات والأمريكان.. "نقتل مائة منهم كل شهر في الفلوجة ودوائرها على أقل تقدير".. "قتلنا منهم في عملية 10 جنود، فأعلنوا أن واحدا من جنودهم جرح.. لقد أحصى المجاهدون القتلى وسلبوا سلاحهم، لكن قوات الاحتلال أعلنت عن جرح أمريكي واحد".. "الأمريكان كذابون".. "الأمريكان يرمون جثث جنودهم في الأنهار، أو يلقونهم في الصحراء حتى تأكلهم الذئاب والجوارح للتخلص منه، بعيدا عن الإعلام".. هكذا قال لي مصطفى بكل ثقة. لم أصدق الأمر.. كان أكبر من أن أصدقه، لكن مصطفى أدرك ما يجول بخاطري فقال "قد لا تصدق ما أقوله لك، لكن يمكنني أن أوفر لك بعض الصور في وقت لاحق.. بل يمكن أن آخذك إلى بحيرة الثرثار، ويمكن أن تشاهد بنفسك بعض بقايا جثث الأمريكان، وقد بدأت تتحلل.. هم يرمون جنودهم في الوديان ومقالع الرمل والحصى أو في بحيرة الثرثار". وذكر أسماء مواقع كثيرة توجد فيها جثث للجنود الأمريكان، لكنها غابت الآن عن ذاكرتي، إذ كان الظلام لا يسمح لي بتسجيل كل ما أسمعه على ورق. قال مصطفى إن ما يعلن الأمريكان عن قتله أو جرحه من قواتهم إنما هم الجنود الحاصلون على الجنسية الأمريكية، أما الذين لم يحصلوا عليها بعد، فيرمونهم في أماكن مختلفة، حتى صار الناس، في أماكن ذكرها لي ونسيتها الآن، يضجرون من روائح الجثث المرمية.. قال إنهم يرمون الجثث بالطائرات، أو يفرغونها من العربات في أكياس، دون أن يدفنوها، ويولون هاربين. وذكر أن أهالي بعض المناطق، حين اكتشفوا جثث العشرات من الجنود، ذهبوا للأمريكان لإعلامهم بما عثروا عليه، لكن قوات الاحتلال أنكرت أن تكون الجثث عائدة لجنودها. ومضى مصطفى يقول معددا عمليات المقاومة "في منطقة القرطاسي سرية بأكملها أبدناها.. نصبنا لها كمينا وأبدنا كل من فيها". ويضيف "أسقطنا 8 مروحيات على الأقل، منها طائرة نقل ضمت أكثر من 60 جنديا كانوا في عطلة، وقد قتلناهم جميعا، لكن الأمريكان اعترفوا بمقتل 15 جنديا فقط". وأضاف "نقتل ما لا يقل عن مائة جندي في الشهر". "معسكرات الأمريكان في الحبانية وفي معسكر طارق وقرب مصنع العامر، أو صدامية الفلوجة (بحسب ما أذكر) نرجمها كل يوم بالهاونات وبالصواريخ فنقتل من نقتل منهم، وننغص حياة الباقين". ويتحدث مصطفى عن عملية نوعية، وقعت قبل نحو شهر، واصفا إياها بـ"الكارثة" على قوات الاحتلال. قال إن عدد القتلى الأمريكان فيها تجاوز الـ400 قتيل، وأشار إلى أن المقاومة استخدمت فيها أسلحة نوعية، وقد شعرتُ من حديثه عن الأسلحة النوعية بأنه يلمح إلى أن المقاومة استخدمت فيها أسلحة، قد تكون كيمياوية، وحين سألته عن ذلك رفض النفي أو التأكيد، وتركني أسبح في أوهامي وخيالاتي. ويفخر مصطفى بأن المقاومة نجحت في إخراج قوات الاحتلال من مدينة الفلوجة، وأنها حصرتهم في معسكرات على أطرافها، تتعرض للقصف باستمرار، كما قال. وأضاف "جاؤوا لفرض حظر التجول على المدينة، ففرضناه عليهم، وسنخرجهم من العراق بأسره بالقوة".. كانت تلك من آخر الكلمات، التي سمعتها من مصطفى، لكني سمعتها عشرات المرات من آخرين قبله. ودّعت الرجل الذي صافحني بيد خشنة، وسلكت طريق العودة، بعد أن سمعت انفجارا قويا لم أتبين كنهه.. فلعل المقاومة بدأت عملها، وطريق العودة إلى بغداد بات محفوفا بالمخاطر، من قنابل المقاومة على جنبات الطريق، ومن رصاص الأمريكان الطائش الهائج، لكنني اخترت مهنة المتاعب، وآن لي أن أتمتع بما في المغامرة من مشاعر متناقضة، من جرأة وخوف، وحب فطري للسلامة، وحب فطري لمعرفة المجهول.. وصلت بغداد وقد تقدم الليل.. مروحيات تجوب السماء، وطلقات رصاص ثقيل، وتفجيرات، تسمع من مكان بعيد، كانت تهدهدني، فنمت على أنغامها نوما عميقا.

قدس برس

إلى صفحة المقالات