كشف الطوية في العمليات الإستشهادية

 

 قال تعالى : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ

بقلم :د : يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

بين حين وحين يصدر لغط من بعض الحكماء التجميليين الذين يدينون العمليات الاستشهادية ضد الاحتلال الأجنبي : يظهرون كأنهم يجملون الإسلام وفقا لمقاييس الجمال الغربي ، وما دروا أن جمال الإسلام في ذاته ، وأين هم من مقاييس الجمال في الإسلام في جمال ساقي الصحابي الذي أراد تغطيتهما بالثوب الطويل لعيب ظنه فيهما ، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا  أن وجهه إلى مقياس الجمال في الإسلام الدائر حول محوره في خلق الله وشريعة الله ، كما جاء في مسند أحمد بسنده أن رسول الله أبصر رجلاً يجر إزاره فأسرع إليه أو هرول فقال: { إرفع إزارك واتق الله }، قال: إني أحنف تصطك ركبتاي. فقال: { ارفع إزارك كل خلق الله حسن }، فما رئي ذلك الرجل بعد إلا إزاره يصيب أنصاف ساقيه. [صحيح، رواه الإمام أحمد4/390].

 

في سياق  " قتالهم " ضد المقاتلين في سبيل الله - يأتي إنكار الطابور الخامس من العلمانيين المتأمركين وغير المتأمركين  لورود مصطلح " الشهادة " في القرآن الكريم تعبيرا عمن يقتل في سبيل الله ، ويأتي إنكارهم هذا تفريعا على إنكارهم للسنة التي كثر فيها ورود هذا المصطلح ، ، وجهلا منهم بأن المصطلح وارد أيضا في القرآن الكريم الذي يزعمون أنهم يؤمنون به ، وذلك فيمن  يقول فيهم القرآن الكريم ضمن فئات مقربة أخرى : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا . ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما ) 69 - 70 النساء في سياق الحديث عن الجهاد والقتال في سبيل الله يمتد من الآية 66 إلى الآية 105

 

وقوله تعالى : " وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ،  ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون " 69 - 70 الزمر

وقوله تعالى : " إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم . والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم " 18-  19 الحديد

 

وقد ربط القرآن بين القتال في سبيل الله والجهاد ردا على جهالة من يفصل بينهما بطريقة تميزت بالسذاجة إذ يقتحم أحدهم ساحة الاجتهاد بغير علم أو منهج صحيح  - ولم لا أليس أنه لا كهانة في الإسلام ، أليس أولئك العلماء رجال ونحن رجال كما يقول أطفال الجماعات الإسلامية - وفي هذا السياق يقول  بعضهم -  : الجهاد في الإسلام شيء غير القتال ، ولا قتال في الجهاد ، ليقدم هذا الزيف هدية لسادته في الغرب في حربهم على الإرهاب ‍‍، وهو عليم بأن بضاعته مزجاة على الضفتين وعليه أن يلعب غيرها ، وهي أشبه بلعبة جحا " ودنك منين " إذ غاية ما صنع أن استبدل القتال بالجهاد في حملة الغرب عليه ، وكلاهما مقرر في الإسلام ، وإن الغرب ليلعب على الاثنين .

إذ يقول تعالى ردا على الطائفتين : ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا ويعلم الصابرين ، ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ) 142 - 142 -آل عمران في سياق إلى الآية 180

ويقول تعالى فيما يفيد التداخل بين القتال والجهاد في علاقة يسميها المناطقة العموم والخصوص  : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى ، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما ) 95-96 النساء

( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين . الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون . يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم . خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم ) 19-22 التوبة ، في سياق آيات عن القتال من 12-29  التوبة

( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين ) 44 التوبة في سياق آيات عن القتال من 38- 53 التوبة

( فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ) 81 التوبة في سياق عن القتال إلى آية 96 التوبة

( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ، وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي  ، تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل . إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون . لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم ، يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير  .  قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم ، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا ، حتى تؤمنوا بالله وحده ، إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير . ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ، واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم . لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد . عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم . لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين . إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم  أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) 1- 9 الممتحنة 

 

وذلك عدا آيات كثيرة وأحاد يث صحيحة في جزاء المجاهدين الذين يقتلون في سبيل الله رغم أنف من يسمون أنفسهم القرآنيين .

 

نعم هناك شروط ينظر في توافرها قبل الإقدام على هذه العمليات

أن يبتغى بهذه العمليات وجه الله تعالى ، وأن يتأكد أن هناك مصلحة عامة من ذلك الفعل، ويعرف هذا بمشورة القيادة العامة إن رأت أن هذا من المصلحة ، و أنه سبيل لدفع العدوان .. وأن يكون القتال ضد أعداء الإسلام المعتدين قصدا على حرماته ، ولا يقصد به مسالم معاهد أو ذمي ، - أخذ عهده أو ذمته من سلطة شرعية -  وأن يكون قرار القتال خاضعا لحسابات دقيقة ، محسوبا بالفائدة للمسلمين وفقا لأصول الفقه وقواعده : من دفع الضرر ، وسد الذرائع ، وجلب المصلحة ، وغيرها من الأصول ، وليس اندفاعا إلى الشهادة بغير حساب  . وأن يكون مفتوحا لتقبل السلام بشروطه المعروفة شرعا ، وأن يخضع ذلك لقيادة مسئولة شرعا ، مع التنسيق اللازم مع القيادات المعنية لكي نتجنب  ضرر الفتنة الأشد .

 

ومع ذلك يستمر لغط اللاغطين " الحكماء التجميليين " حول " العمليات الاستشهادية " التي يقوم بها الاستشهاديون وهم يدافعون عن دينهم وعرضهم وأمتهم وأرضهم - وهي أرض الإسلام-  وفقا لأحكام الجهاد ، ؛ قصدا منهم إلى تشويهها أو تجريمها أو التشكيك فيها بينما هي في حقيقة الأمر : من أوثق وأعلى منازل الشهادة

بشهادة ما يأتي :

أولا : فهي من ناحية الرجوع إلى النص القرآني : نموذج للتطابق الكامل مع قوله تعالى ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة : يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون )

 

ثانيا : وهي من ناحية القدوة المعتبرة نموذج يلتقي مع مثال الصحابي الذي أقدم على المعركة وهو على يقين من عدم النجاة

فقد أخرج مسلم بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه في حديث طويل وفيه ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :   " قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض قال : يقول عُمير بن الحمام الأنصاري : يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض ؟ قال : نعم ، قال بخ بخ . فقال رسول الله :  ما يحملك على قولك بخ بخ . قال : لا ، والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها ، قال فإنك من أهلها ، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه ، إنها لحياة طويلة  . قال فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل)

 

وفي مثال آخر : أخرج مسلم بسنده عن أنس رضي الله عنه قال عمي الذي سُميت به - يعني أنس بن النضر - لم يشهد مع رسول الله بدراً ، قال فشق عليه ، قال : أول مشهد شهده رسول الله غُيبت عنه ، وإن أراني الله مشهداً فيما بعد مع رسول الله ليراني الله ما أصنع . قال : فهاب أن يقول غيرها . قال فشهد مع رسول الله يوم أحد . قال : فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس : يا أبا عمرو أين ؟ فقال : واها لريح الجنة أجده دون أحد . قال فقاتلهم حتى قتل قال : فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية قال فقالت أخته عمتي الرُبيع بنت النضر : فما عرفت أخي إلا ببنانه . ونزلت هذه الآية : { رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً } [ 23 / الأحزاب ] قال فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه

 

ولا يصح إيراد الاعتراض الساذج على هذه العمليات بالحكم الشرعي بأن قتل النفس من بين المحرمات

وذلك لأن  قتال العدو وما يترتب عليه من قتل النفس يأتي استثناء من تحريمها  ، وإذا كان الاستثناء قد جاء في عملية القتال مع العدو فهو يصدق على الجهتين- قتل النفس أو قتل الآخر -  بشروطهما المذكورة أعلاه ونخص بالذكر والتأكيد الشروط الآتية :

 

اشتراط الضرورة

واشتراط : حصول غلبة الظن في تحقيق المصلحة والنكاية بالعدو  ، على المستوى البعيد إن لم يكن على المستوى القريب

واشتراط : أن تقررها قيادة شرعية خبيرة

 

وفي شرح هذه الضرورة  يقول الأستاذ الدكتور عجيل النشمي أستاذ الشريعة بجامعة الكويت -  - ( أن يكون قتل النفس الطريق الوحيد لإحداث القتل في العدو أو الطريقة الأكثر تأثيرا بالعدو، فإذا غلب على الظن أن هذا الأسلوب في القتل لن يؤثر في العدو، ولن يحقق قتل أحد منهم، أو كانت هناك وسائل أنجح في تحقيق الغاية، فلا يقدم على هذا العمل.) نقلا منا من إسلام أونلا ين

 وكما يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي عند ما يكونون : ( مضطرين لهذا الطريق لإرعاب أعداء الله، المصرين على عدوانهم، المغرورون بقوتهم، وبمساندة القوى الكبرى لهم والأمر كما قال الشاعر قديماً:

إذا لم يكن إلا الأسنة مركب ) فما حيلة المضطر إلى ركوبها !       

ومن أهم شروطها : نية الجهاد في سبيل الله --  إذ يدافعون ضد الاحتلال عن أرضهم - وهي أرض الإسلام- وعن دينهم وعرضهم وأمتهم  -- وهذه هي الفارقة بينها وبين الانتحار وهو فرق في الأثر كما هو فرق في النية

ففي الأثر - و على مستوى العمليات الحربية - يتحقق بها  للمقاتل المسلم تصحيح لميزان الردع المائل أصلا بسبب ضعف السلاح في يد الجيش المسلم ،  وهنا يأتي تصحيح  هذا الميزان عن طريق هذه العملية الاستشهادية التي لا يملك العدو منها شيئا باعتبارها سلاحا شديد الخطر ، يتمثل هذا السلاح فيما يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي : " أن يصبح المجاهد (قنبلة بشرية) تنفجر في مكان معين وزمان معين في أعداء الله والوطن، الذين يقفون عاجزين أمام هذا البطل الشهيد، الذي باع نفسه لله، ووضع رأسه على كفه مبتغياً الشهادة في سبيل الله ".

 

كما أنه فرق في النية ، وكما يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي: ( إن هذه العمليات تعد من أعظم أنواع الجهاد في سبيل الله ، وهي من الإرهاب المشروع الذي أشار إليه القرآن ، في قوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم" الأنفال: 60.

وتسمية هذه العمليات (انتحارية) تسمية خاطئة ومضللة، فهي عمليات فدائية بطولية استشهادية، وهي أبعد ما تكون عن الانتحار، ومن يقوم بها أبعد ما يكون عن نفسية المنتحر.

إن المنتحر يقتل نفسه من أجل نفسه ، وهذا يقدم نفسه ضحية من أجل دينه وأمته

المنتحر إنسان يائس من نفسه ومن روح الله ، وهذا المجاهد إنسان كله أمل في روح الله تعالى ورحمته

المنتحر يتخلص من نفسه ومن همومه بقتل نفسه، والمجاهد يقاتل عدو الله وعدوه بهذا السلاح الجديد، الذي وضعه القدر في يد المستضعفين ليقاوموا به جبروت الأقوياء المستكبرين )

 

وكما يقول الأستاذ الدكتور عجيل النشمي في التفرقة بين هذه العمليات وبين الانتحار  : الانتحار يحتاج إلى القصد، فإن انتفى القصد فلا يعد الفعل انتحارا. والمراد أن يقصد الانتحار أساسا ولا يتحقق ذلك بمجرد أن يقع منه القتل على نفسه :  فقد روى أبو داود عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "أغرنا على حي من جهينة فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم، فضربه فأخطأه، فأصاب نفسه بالسيف. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أخوكم يا معشر المسلمين، فابتدره الناس، فوجدوه قد مات. فلفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بثيابه ودمائه، وصلى عليه. فقالوا: يا رسول الله: أشهيد هو؟ قال: نعم، وأنا له شهيد.". وقد جاءت هذه القصة بتسمية من وقعت لهم : وذلك  فيما روي عن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه- قال: " قلت يا رسول الله ، زعم أسد بن حضير أن عامر بن سنان بن الأكوع حبط عمله، وكان ضرب يهوديا فقطع رجله ورجع السيف على عامر فعقره فمات منها، فقال: كذب من قال ذلك، إن له لأجرين : إنه جاهد مجاهد،  (المصدر : " السير الكبير"  لمحمد بن الحسن الشيباني وشرحه للسرخسي 1/102).

وكما يقول الدكتور النشمي : ( والشاب الذي يقتل نفسه بحزام ناسف أو سيارة أو أية وسيلة لا يعتبر منتحرا، إلا إذا قصد أن يقتل نفسه دون غاية من وراء ذلك، فإن كان قصده من التسبب بقتل نفسه بهذه الوسائل إحداث القتل والنكاية بالعدو، وإعلاء كلمة الله، فلا يعد منتحرا بل يعد شهيدا إن شاء الله، ولا شك أن التسبب بقتل النفس بفعل مباشر من الشخص أشد على النفس من قتل الغير له، فهذه " شهادة " مع " عزيمة،"  وهذا الحكم ليس مطلقا وإنما هو مقيد بقيود إن توافرت كان شهادة إن شاء الله

 

ومن صورها الخارجة عن حكم الانتحار ولا يشترط فيها رأي القيادة أو مراعاة المصلحة كما قررها جمهورالفقهاء وكما يقول الدكتور النشمي :

 : ( لو كان الهجوم عليه من العدو واحدا أو أكثر، فيبادرهم حينئذ بكل ما يستطيع ولو بتفجير نفسه على ظن أنهم قاتلوه لا محالة ويقتل منهم أكبر عدد يستطيع، ولا يتقيد تصرفه حينئذ بما ذكرنا من رأي جماعته، ومراعاة المصالح، فحاله حينئذ حال من صال عليه العدو، فيجب عليه - على رأي جمهور الفقهاء- أن يقتل من هجم عليه وصال، لقوله - تعالى: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" (البقرة:195) .. إذا أسلم أمره لهم ليقتلوه، أو يستدلوا به على غيره، فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة، وربما تسبب في هلكة غيره، فإن قتل فهو شهيد، لقوله -صلى الله عليه وسلم: "من قتل دون دمه فهو شهيد." (الترمذي 4/30 وقال: حديث حسن صحيح).

 

ومنها في رأي الدكتور النشمي : (  بل لو لم يستطع أن يرد من يعزم الجهاد عليه، أو حوصر موقعه، وليس لديه ما يدفع به عن نفسه، وعنده من الأسرار التي لو أجبر على إظهارها عند الأسر يعرض غيره للهلاك ويتسبب في إفشال خطط المسلمين، بكشف عورتهم، جاز أن يقتل نفسه أو يستسلم لهم، ويرجع تقدير ذلك له، فإن علم من نفسه صلابة لا تلين تحت التعذيب فلا يفشي سرا، استسلم وسلم نفسه، وإن غلب على ظنه أو تيقن أنه لا يتحمل ذلك، قتل نفسه، ولا أرى قواعد الشرع تأبى عليه ذلك. )

 

وهو يستدل على ذلك بما نص عليه الفقهاء من أن  ( من تعين موته بسببين واستويا في السوء، فله أن يتخير بينهما كمن احترقت سفينته ولا يحسن السباحة أو كانت الأسماك المفترسة تحته، فلو اختار موته غرقا أو احتراقا جاز، وإن غلب على ظنه أن أحد السببين أهون من الآخر، فيتبع الأهون وبه. رأي الشافعية :

قال جمهور الفقهاء. قال ابن السبكي: "لو وقع في نار محرقة ولم يخلص إلا بماء يغرقه، ورآه أهون عليه من الصبر على لفحات النار، فله الانتقال إليه في الأصح." )

 

 وفيما نقله أد : عجيل النشمي من أقوال الفقهاء القدماء : 

وقد نص الحنفية على جواز دخول المجاهد في معركة لا نجاة  له منها  إذا كان له فيها نكاية بالعدو أو تشجيع للمسلمين على دخولها ولهم فيها نكاية به . حيث قال الإمام الجصاص في كتابه (أحكام القرآن للجصاص، 1/309).: " قال محمد بن الحسن الشيباني: لو أن رجلا حمل على ألف رجل وهو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية. فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية، فإني أكره له ذلك لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين. وإنما ينبغي للرجل أن يفعل هذا إذا كان يطمع في نجاة أو منفعة للمسلمين، فإن كان لا يطمع في نجاة أو نكاية ولكنه يجرئ المسلمين بذلك حتى يفعلوا مثل ما فعل، فيقتلون وينكون في العدو فلا بأس وأرجو أن يكون فيه مأجورا."

 

وعند المالكية : قال القرطبي في تفسير قوله -تعالى: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" عن بعض علماء المالكية: "لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بين في قوله - تعالى: "ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله" (البقرة:207)، …

وقد ورد من أسباب نزول هذا الآية أنها فيمن يقتحم القتال ، كما حمل هشام بن عامر -رضي الله عنه- على الصف في القسطنطينية فقاتل حتى قتل، فقرأ أبو هريرة -رضي الله عنه: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله" وروى مثله عن أبي أيوب (القرطبي، 3/21).

 

 

وفيما نقله الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي -- عن الفقهاء القدماء في الموضوع تفسيرا لقوله تعالى "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" البقرة: 195--  :

 

وقال الإمام القرطبي المالكي في تفسيره: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده ، فقال القاسم بن مخيرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، إن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة.

وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فيحمل، لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بيّن في قوله تعالى: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله".

وقال ابن خويز منداد: وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة، فعمد رجل منهم، فصنع فيلاً من طين وأنس به فرسه حتى ألفه، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل، فحمل على الفيل الذي كان يقدمها، قيل له: "أنه قاتلك. فقال: لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين! وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل من المسلمين: ضعوني في الحجفة-  الترس يتخذ من الجلود - وألقوني إليهم، ففعلوا وقاتلهم وحده حتى فتح الباب.

 

وروى الإمام الطبري بسنده في تفسيره عن أبي اسحق السبيعي قال: قلت للبراء بن عازب (الصحابي): يا أبا عمارة، الرجل يلقى ألفاً من العدو، فيحمل عليهم، وإنما هو وحده (يعني: أنه مقتول في العادة لا محالة) أيكون ممن قال الله تعالى فيهم: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"؟ فقال: لا، ليقاتل حتى يقتل، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم "فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك" النساء: 84.

 

وذكر نحو ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في فتواه المشهورة في قتال التتار، مستدلاً بما روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم من قصة أصحاب الأخدود، وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه، لأجل مصلحة ظهور الدين (حين طلب إليهم أن يرموه بالسهم ويقولوا: باسم الله رب الغلام) قال: ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين.

ما قاله صاحب تفسير المنارالعلامة رشيد رضا : "ويدخل في النهي : النطوح في الحرب بغير علم بالطرق الحربية، التي يعرفها العدو، كما يدخل فيه كل مخاطرة غير مشروعة، بأن تكون لاتباع الهوى لا لنصر الحق وتأييده ".

ومفهوم هذا أن المخاطرة المشروعة المحسوبة التي يرجى بها إرهاب عدو الله وعدونا، ويُبتغى فيها نصر الحق لا اتباع الهوى، لا تكون من الإلقاء باليد إلى التهلكة.) المصدر : نقلا عن المركز الفلسطيني للإعلام

*****

ومن هنا فإنه لا يصح الاعتراض على هذه العمليات بأنها من المحرمات بقوله تعالى ( ولا تلقوا بأيديكم إى التهلكة ) فقد جاءت هذه الآية في سياق الكلام عن القتال والإنفاق في سبيله وبما لا  يفيد ما قصد إليه الاستسلاميون ، وأصحاب السلام الاستراتيجي

 

وإنه ليجب التسوية - على الأقل - في منزلة الشهادة بين من قتل نفسه بيده ومن قتل نفسه بسلاح عدوه إذا كان كل منهما قد دخل إلى المعركة وهو على يقين من الموت وهذا بيت القصيد في مخالفة بعض المفتين

بل إنا نقول : وإنه لمن باب أولى  أن يكون الحكم بشرعية من يسعى إلى الشهادة وهو على يقين من الموت أولى ممن يسعى إليها وهو على رجاء بالنجاة  - مع الاحتفاظ بنسبة من الرجاء في جميع الأحوال - وكما يقول الأستاذ الدكتور عجيل النشمي : ولا شك أن التسبب بقتل النفس بفعل مباشر من الشخص أشد على النفس من قتل الغير له، فهذه " شهادة " مع " عزيمة،"

ونقول بغير مبالغة : إن هؤلاء الاستشهاديين سبقوا - من حيث هذا الفعل المبتكر -  سلفهم من أجيال الشهداء ، فهم قد أبدعوا  السلاح الذي أعاد ميزان الردع والرعب بعد فقدانه ولفترة طويلة مع عدو الإسلام ، إلى حد ما نراه من انزعاج أعداء الله ، وتخبطهم في تعريفه كتخبطهم في مقاومته ، وعلى رأسهم  أمريكا العاتية ، وهي من هي في ترسانة للأسلحة  زادت تكاليفها على عشرات مئات البلايين من الدولارات دون جدوى

ولا باس من الاعتراف لهؤلاء الاستشهاديين  بهذا السبق فقد شهد رسول الله به لأجيال تأتي من بعد جيل الصحابة والقرون الأولى لعلهم يدخلون في ظله :

 

روى البخاري في خلق أفعال العباد من حديث أبي جمعة ولفظه: كنا مع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول اللّه هل من أحد أعظم منا أجراً. آمنا بك واتبعناك ؟  قال صلى الله عليه وسلم : : وما يمنعكم من ذلك ورسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء ، بل قوم يأتون من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين فيؤمنون به ويعملون بما فيه أولئك أعظم منكم أجراً.

وفي سنن الترمذي بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوّله خير أم آخره) [سنن الترمذي، حديث رقم 2869].

واخرج الحاكم في مستدركه وصححه الذهبي عن أبي جمعة قال : (تغدينا مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )  ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، قال: فقلنا: يا رسول الله أحد خير منّا ؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك ؟ قال: نعم! قوم يكونون بعدكم يؤمنون بي ولم يروني)

 

 

وفي نيل الأوطار : أخرج أبو داود والترمذي من حديث ثعلبة - ورفعه -  : ( تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين . قيل : منهم أو منا يا رسول اللّه ؟  قال‏ :‏ بل منكم .

وذكر أنه جمع جمهور العلماء  - أي بين هذه الأحاديث وحديث " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " - : بأن التنصيص على فضيلة الصحابة باعتبار فضيلة الصحبة ، وأما باعتبار أعمال الخير فهم كغيرهم ، قد يوجد فيمن بعدهم من هو أكثر أعمالًا منهم أو من بعضهم فيكون أجره باعتبار ذلك أكثر ، فكان أفضل من هذه الحيثية ، وقد يوجد فيمن بعدهم ممن هو أقل عملًا منهم أو من بعضهم فيكون مفضولًا من هذه الحيثية )

والمقصود أن تأتي الأفضلية نتيجة مضاعفة اجر العمل إلى خمسين ضعفا

 

ثم يقول في نيل الأوطار -  بعد مناقشة كثير من الإشكالات التي ترد حول هذا الموضوع -

( والذي يستفاد من مجموع الأحاديث أن للصحابة مزية لا يشاركهم فيها من بعدهم وهي صحبته صلى اللّه عليه وآله وسلم ومشاهدته والجهاد بين يديه وإنفاذ أوامره ونواهيه ، ولمن بعدهم مزية لا يشاركهم الصحابة فيها وهي إيمانهم بالغيب في زمان لا يرون فيه الذات الشريفة التي جمعت من المحاسن ما يقود بزمام كل مشاهد إلى الإيمان إلا من حقت عليه الشقاوة

وأما باعتبار الأعمال فأعمال الصحابة فاضلة مطلقًا من غير تقييد بحالة مخصوصة كما يدل عليه لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا الحديث‏.‏ إلا أن هذه المزية هي للسابقين منهم على المخاطبين في الحديث .. فالذين قال لهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا هم جماعة من الصحابة الذين تأخرت صحبتهم فكان بين منزلة أول الصحابة وآخرهم أن إنفاق مثل أحد ذهبًا من متأخريهم لا يبلغ مثل إنفاق نصف مد من متقدميهم

 

وأما أعمال من بعد الصحابة فلم يرد ما يدل على كونها أفضل على الإطلاق إنما ورد ذلك مقيدًا بأيام الفتنة وغربة الدين حتى كان أجر الواحد يعدل أجر خمسين رجلًا من الصحابة فيكون هذا مخصصًا لعموم ما ورد في أعمال الصحابة فأعمال الصحابة فاضلة وأعمال من بعدهم مفضولة إلا في مثل تلك الحالة ومثل حالة من أدرك المسيح إن صح ذلك المرسل

 وبانضمام أفضلية الأعمال إلى مزية الصحبة يكونون خير القرون ويكون قوله لا يدرى خير أوله أم آخره باعتبار أن في المتأخرين من يكون بتلك المثابة من كون له أجر خمسين

هذا باعتبار أجور الأعمال وأما باعتبار غيرها فلكل طائفة مزية كما تقدم ذكره

 لكن مزية الصحابة فاضلة مطلقًا باعتبار مجموع القرن لحديث خير القرون قرني فإذا اعتبرت كل قرن قرن ووازنت بين مجموع القرن الأول مثلا ثم الثاني ثم كذلك إلى انقراض العالم فالصحابة خير القرون

ولا ينافي هذا تفضيل الواحد من أهل قرن أو الجماعة على الواحد أو الجماعة من أهل قرن آخر ‏

 

وفي الختام فقد تبين حكم هذه العمليات الاستشهادية شرعا بشروطها ورفعة شأنها ؛ إنه كما يقول الأستاذ  الدكتور يوسف القرضاوي : ( أعتقد أن الحق قد تبين، وتبين الصبح لذي العينين، وأن هذه الأقوال كلها ترد على أولئك المتطاولين، الذين اتهموا الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى، والذين باعوا أنفسهم لله، وقتلوا في سبيله بأنهم قد انتحروا، وألقوا بأيديهم إلى التهلكة. فهم - إن شاء الله - في طليعة الشهداء عند الله، وهم العنصر الحي المعبر عن حيوية الأمة، وإصرارها على المقاومة وأنها حية لا تموت، باقية لا تزول.

كل ما نطلبه هنا: أن تكون هذه العمليات الاستشهادية بعد دراسة وموازنة لإيجابياتها وسلبياتها، وينبغي ن يتم ذلك عن طريق تفكير جماعي من مسلمين ثقات. فإذا وجدوا الخير في الإقدام أقدموا وتوكلوا على الله "ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم" الأنفال: 49.)

والله أعلم

 إلى صفحة المقالات