الكذب وشريعة الغاب في سياسة وقوانين الفاشية الأمريكية

أ. د. محمد العبيدي

 قال تعالى : وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ

في الحركة الفاشية الشتراوسية هناك مبدأ يلتزم به المرتبطون بها، ألا وهو رفض فهم الآخرين، حيث يعتبر هذا المبدأ من أهم وسائلهم السياسية، بل هم ينشرون أفكارهم السياسية الهجومية المتشددة وأفعالهم وأكاذيبهم ضد الحكومات التي لا يعتبروها صديقة للولايات المتحدة. وفي نفس الوقت فإنهم يرفضون السماح للآخرين بتقرير مصيرهم وخطهم السياسي لأن ذلك برأيهم ليس خياراً قابلاً للنقاش. فمهما يكن الآخرون، فإنهم مرفوضون من هؤلاء الفاشيين إلا إذا قالوا "نحن معكم"، وهذا بالضبط ما طرحه جورج بوش بكلمته الشهيرة بعد أحداث 11/9 حين خاطب العالم بقوله "أنتم أما معنا أو ضدنا".

 

كذلك، من قمة الإدارة الأمريكية إلى قاعها، يمثل الكذب زبدة السياسة لديهم. ومن خلال سياستهم هذه تراهم يعبرون عن طبيعة الوقائع والحقائق بعبارات السخف والإستهزاء والتهكم والسخرية، وبهذا فإن الأكاذيب بنظرهم هي حقائق والحقائق أكاذيب. وذلك ليس غريباً على أعضاء الإدارة الأمريكية الذين جلهم من اليمين المتطرف الفاشي الذين ينتمون إلى الحركة الفاشية الشتراوسية والتي تحدثنا عنا في مقالة سابقة. فهؤلاء يؤمنون، وفقاً لأيديولوجية تلك الحركة، بالسيطرة مهما كان الثمن، وبسيطرتهم على البيت الأبيض والكونغرس ومؤسسات صنع القرار الأخرى فإنهم ينشرون المبادئ العامة للحركة في كل الكيانات المؤسساتية وفي جميع أنحاء العالم من خلال شبكة معقدة من الملتزمين بالفكر الفاشي الشتراوسي غرضها السيطرة على الحقائق ونشر الأكاذيب. ولكي يبقوا مسيطرين دولياً ومحافظين على تلك السيطرة فإنهم يكذبون ويستمرون بالكذب، بل ويوفرون كل ما يمكنهم من أموال لشراء ذمم من يستطيع أن يدعم كذبهم وسيطرتهم سواء كانوا أشخاص أو حكومات. والكذب هو في صلب تفكيرهم لتحقيق الأهداف وإخفاء الحقيقة عن الشعب لكي يجمعوا القوة من أجل إساءة إستخدامها.

 

ولكي تتم السيطرة لهم من خلال الكذب، الذي لا يميز الإدارة الأمريكية الحالية فقط بل هو سمة الوجود الأمريكي منذ بداية تأسيس أمريكا، خاضت أمريكا 190 حرباً منذ عام 1890 بحجة ترسيخ الديمقراطية التي هي سمة إدعاءاتهم الكاذبة. وقد إستخدموا كلمة الديمقراطية كمنفذ لتعميم أفكارهم، وكما أشار إليها مؤسس الحركة الصهيوني ليو شتراوس حين قال، " يجب أن نجعل العالم بأجمعه ديمقراطياً ". إلا أن عبارة شتراوس هذه تتناقض من ناحية أخرى مع تصريحه بأن " بعض المجتمعات تستحق القيادة والبعض الآخر يجب أن تقاد، والعدالة تقتضي أن نكون بجانب القوي وأن من يستحق القيادة هم أولئك الذين يؤمنون بعدم وجود الأخلاق والذين وحدهم لهم حق واحد هو حق القوي لحكم الضعيف "، وتلك هي شريعة الغاب بأبسط تعريف لها. وأضاف شتراوس يقول، " ولأن الجنس البشري بحد ذاته دنئ وحقير، لذا يجب حكمه من سلطة قوية، ولكي تسيطر تلك السلطة، يجب عليها أن تحكم بالقوة من قبل أشخاص متحدين حيث يتحد هؤلاء الأشخاص فقط ضد أناس آخرين ".

 

إن الخداع والكذب في السياسة  الأمريكية الحالية يأتي بكامله من نظرية ليو شتراوس الفاشية اليمينية المتطرفة التي وضعت أيضاً مقولة " الإيمان بكفاءة الكذب المتعمد في السياسة "، وبهذا فإن جميع من يرتبط باليمين المتطرف هم كذابون ملتزمون بهذه النظرية، وقد كانوا وراء خلفية الإدعاء بخطورة النظام العراقي السابق وأسلحة الدمار الشامل وغيرها من الأمور التي ثبت الآن أنها لم تكن إلا من أكاذيب القائمين على الإدارة الأمريكية الأعضاء في هذه الحركة الفاشية. وبالنسبة لهؤلاء فإن الكذب القذر هو مفتاحهم للحصول على السلطة السياسية وأن تلك السلطة يجب أن لا تعتمد على الحقيقة.

 

وإضافة لذلك فهم من إبتدعوا نظرية " الحرب الإستباقية " ضد الدول التي يدعون أنها تمثل خطراً عليهم كما حدث في العراق، بالرغم من أن تلك الدول، ومن ضمنها العراق، لا تمثل في الحقيقة أي خطر على الولايات المتحدة، بل من المضحك الإدعاء بذلك. ولا عجب هنا أن يصف البعض هؤلاء الفاشيين بأنهم " أطفال الشيطان والكذابون السفلة الذين يقفون خلف حروب بوش التي لن تنتهي ".

 

فمن يا ترى يقود الحركة الفاشية الشتراوسية في الإدارة الأمريكية الآن؟

 

في شباط من هذا العام، ألقى بوش خطاباً في  معهد المؤسسات الأمريكي American Enterprise Institute قال مخاطباً فيه أعضاء ذلك المعهد من الصحفيين والسياسيين من أعضاء الحركة الشتراوسية الفاشية، " إنكم مجموعة من أفضل عقول بلدنا، وأن حكومتي فخورة لإستعانتها بخبرة عشرين منكم ". ومن ضمن هؤلاء العشرون: ديك تشيني، رامسفيلد، بول وولفويتس، إليوت أبرامز (مدير شؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي والذي حكم عليه لدوره في فضيحة إيران كونترا الشهيرة)، ريتشارد بيرل، وليام كريستول (رئيس التحرير المؤسس لمجلة The Weekly Standard التي يمتلكها الصهيوني روبرت مردوخ) وآخرون.
 
 

وعندما أعلن ديك تشيني مقولة " الحرب الإستباقية " ضد العراق التي كان قد عرضها في عام 1991 أيام كان وزيراً للدفاع في إدارة بوش الأب على أعضاء في إدارة بوش الحالية من اليمين المتطرف، ظهر الفاشي "مايكل لدين" مبتهجاً ببداية ما سماه " حرب الحضارات الأبدية " التي تستهدف واقعياً و بشكل خاص جميع الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط بعد أن تم التحضير لها لسنوات عديدة قبل الإعلان عنها من قبل ديك تشيني، ولكي ترسم بشكل دائم خريطة الشرق الأوسط من خلال حروب إمبريالية لا تنتهي . وفي الحقيقة فإن الشتراوسيون كانوا قد إنتظروا 30 عاماً لهذه الفرصة لكي يعلنوا فيها آرائهم بهذا الشكل، وقد كانت أحداث 11/9 فرصتهم التأريخية التي كانوا قد تهيأوا لها منذ زمن طويل.

 

إن أخطر عناصر اليمين الفاشي المتطرف في الإدارة الأمريكية هما ديك تشيني وبول وولفويتس، اللذان كانا حانقين على بوش الأب لعدم سماحه للقوات الأمريكية بإسقاط النظام العراقي السابق، كما يدعون، في نهاية حرب الخليج الأولى. بل والحقيقة هي أن الصهيوني بول وولفويتس، مهندس الحرب على العراق، كان مهتماً بإسقاط النظام في العراق وقلب رقعة الشطرنج في الشرق الأوسط منذ نهاية السبعينات. ومن هنا يتبين أن التخرصات التي وضعها هؤلاء الفاشيون كأسباب لشنهم الحرب على العراق ما هي إلا أكاذيب مفضوحة، إذ أن إنهاء النظام في العراق قد كان جل تفكيرهم منذ سبعينات القرن الماضي. كما أن الفاشيون الموالون للصهيونية في وزارة الدفاع الأمريكية كانوا قد أنشأوا مكتباً مخابراتياً منفصلاً داخل الوزارة مسؤولاً عن صياغة الأكاذيب وفبركة القصص غير الحقيقية عبر وسائل الإعلام التابعة لهم، والتي إستعملها المتنفذون في إدارة بوش لكسب الدعم الشعبي لحربهم العدوانية على العراق لمنفعة إسرائيل وسرقة ثروات العراق .

 

ومن أغرب ما عبر عنه الفاشيون الجدد في الإدارة الأمريكية هو ما قاله في حينها ريتشارد بيرل، والذي ردده بعده عميلهم أحمد الجلبي، " إن الحرب على الإرهاب ستفشل بدون شن حرب على العراق، بل وسيكون هناك رقص في الشوارع لو تمت إزاحة صدام حسين، وأن ردة فعل فرحة العراقيين ستنعكس على العالم العربي ". وبهذا فإن بيرل لم يكن متوهماً فقط، بل كان كاذباً أيضاً. إنه الكذب الذي تكرر مرات ومرات من قبل ديك تشيني ومن قبل العديد من الفاشيين الجدد الأخرين. وكانوا جميعاً يرددون إفتراءات أحمد الجلبي في سبيل شن حرب على العراق. فقد بدأت دسيسة الشتراوسيون الفاشيون في اللحظة التي تولى فيها بوش الرئاسة الأمريكية، والتي بدأت بحملة دعائية مشابهة لحملات النازي غوبلز أيام هتلر وعلى شكل زرع قصص مثيرة في وسائل الإعلام عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، حيث كان مصدر كل تلك القصص المخيفة للغرب هو أحمد الجلبي وأعضاء في تنظيم المؤتمر الوطني الذي يقوده وحتى من عوائلهم. وقد فبرك الجلبي وأعوانه 108 قصص على الأقل نشرتها وسائل الإعلام المرتبطة باليمين الفاشي الأمريكي والتي كانت نتيجة عمل " برنامج جمع المعلومات " في تنظيمه الذي قبض عنه ملايين الدولارات.

 

الآن، وبعد أن تبين عدم وجود أسلحة الدمار الشامل والعلاقة الأكيدة بين العراق والقاعدة، يسأل الجميع ما هو سبب الحرب على العراق إذاً ؟ وبوقاحة لا نظير لها يجيب الفاشيون الأمريكان أن إحتلال العراق لم يكن سوى " الدفاع عن الحضارة الغربية " كما يصورها فكر ليو شتراوس. أما العراقيون فيسألون من سيدفع تكاليف حرب إجرامية قذرة إستندت على أكاذيب نسجتها مخيلة فاشيون عنصريون يمتلكون السلطة والقرار في الإدارة الأمريكية ؟ وبإباء وشجاعة يجيب المقاومون الأبطال في أرض الحضارات الإنسانية، أرض الرافدين، أن أمريكا وعملاءها هم من سيدفع ثمن هذه الجريمة، وسيدفعونها غالياً.
 

23/10/2004

 إلى صفحة المقالات