بين الإصلاح العربي المطلوب والتخريب الإستعماري المرفوض

شبكة البصرة

كمال شاتيلا *

لا يمكنك كعربي حر يعمل للنهضة العربية أن تقبل بمهمة الدفاع عن نظم استقال زعماؤها من مسؤولياتهم في التعبير الأصيل عن شعوبهم، سواء في إجراء إصلاحات داخلية سياسية واقتصادية، او في انتهاج سياسة خارجية حرّة ترفض شروط العبودية الأميركية.

فالاصلاح كلمة أرادت تفسيرها الادارة الأميركية، ومعها الصهيونية وبعض الأوروبيين، لتبديل الأوضاع العربية بما يخدم أعداء التقدم العربي لتأبيد التخلف في امتنا.

إنها كلمة حق يراد بها باطل، فالأمة ما كادت تخرج من السيطرة العثمانية حتى تسلّط عليها الحلفاء الاوروبيون ما بعد الحرب العالمية الأولى 1914 ­ 1918، فقاموا بتقسيم المشرق الى دول بين فرنسا وبريطانيا، وكان للسيطرة الاستعمارية مداخل وأبواب وأقفال، فالضمانة للهيمنة تبدأ بتقسيم الأمة ثم زرع الكيان الصهيوني في وسطها للحيلولة دون قيام وحدة عربية بين المشرق والمغرب، وبهذا استنسخوا حرباً صليبية بنمط متطور. هم يعرفون ان التقدم مرتبط بوحدة الكيان القومي، فالولايات المتحدة لم تتقدم حينما كانت ولاياتها منفصلة، ولم تتقدم المانيا الاّ بعد وحدتها بقيادة بسمارك في القرن التاسع عشر، ولم تصبح فرنسا قوة الاّ بعد اتحاد ولاياتها وقيام ثورتها.

العلاقة بين الوحدة والنهضة

ومع الإدراك العميق للأمريكيين وقبلهم الأوروبيين بأن تقدّم الامة العربية مرتبط بوحدتها، فان كل المخططات الاستعمارية تمركزت حول العمل الدؤوب، وبكل الوسائل، لمنع توحيد الأمة العربية، فالتوحيد يحقق الاستقلال العربي الكامل وحرية القرار، والتوحيد هو التكامل الاقتصادي لاستثمار الثروة في خدمة النهضة، والتوحيد هو القوة الرادعة لكل من تسوّل له نفسه التدخل في الشؤون العربية. ولأن طبيعة الاستعمار قائمة على نهب ثروات الشعوب، فإن تقسيم الكيان العربي الواحد هو الضمانة لاستباحة الامة في قرارها القومي ومقدراتها الاقتصادية، وهكذا كان.

ان الرئيس جورج بوش ردد مراراً بأن مجموع اقتصادات البلدان العربية يساوي انتاج اسبانيا وحدها، لكنه لم يقل كل الأسباب، هناك فساد نظم، نعم، وهناك جهل زعماء واضطراب في الأولويات، لكن السبب الأهم في تراجع التنمية وجود نظم تحت الحماية الامريكية المباشرة، ونظم تعتبر التوحيد العربي مشكلة لنظامها السياسي، وهناك نظم تقدس العصبية القطرية على حساب التضامن العربي.

لم يقل الرئيس بوش أن السبب الرئيس في تخلف امتنا هو تبعثر كياناتها وسيادة المنطق القطري على حساب وحدة الأمة. واذا لم يعرف بوش الشهير بغبائه وتخلفه الفكري السياسي، فإن ادارته تعرف تماماً بأن التخلف التنموي العربي سببه الأول غياب التضامن العربي، وبأن الولايات المتحدة لم تقصّر يوماً في دعم اسرائيل ومحاربة الوحدة العربية لنصبح على ما نحن عليه الآن.

الاستنزاف الصهيوني لمقدرات الأمة

ان اسرائيل التي تشن علينا الحروب مرة كل عشر سنوات تقريباً، تفرض على البلدان العربية خاصة ما يسمى دول الطوق مصر وسوريا والأردن والعراق الى حد ما، اقتطاع الجزء الأكبر من الموازنة للشؤون الدفاعية ولإزالة آثار حروب اسرائيل علينا. في حين ان الدعم المفتوح الذي يقدّمه الغرب عموماً لاسرائيل مع المنظمة الصهيونية العالمية يعوض خسائرها ويمدّها بأحدث الأسلحة وأسرار التكنولوجيا، ويفتح لها كل الأسواق لمنتجاتها.

ان اسرائيل على هذا الأساس تحرس التخلف لأن وجودها وعدوانيتها وأطماعها التوسعية تفرض على البلدان العربية تحويل الاستثمارات المفترض وضعها للتنمية الى الدفاع والتسليح، وما أرداك بالتسليح. صحيح أن نظماً عربية تتذرع بخطر اسرائيل لتقيم حكماً مركزياً فتصادر الحريات العامة وتعادي المشاركة الشعبية في القرار وتعطل أسس النهج الديمقراطي)فصل السلطات المشاركة، مجلس نيابي.. الخ( لكن الصحيح أيضاً هو أن الخطر الصهيوني التوسعي يتطلب اعلاء شأن الدفاع عن الوطن على أي اعتبار آخر احياناً.

أستدرك هنا لأقول ان الخطر الصهيوني يصبح أحياناً شماعة لتعليق حقوق المواطن، لكن الإصلاح من وجهة نظرنا هو عملية توفيق وتكامل بين حرية الوطن وحرية المواطن، وهذا ما لم تستدركه نظم عربية، بل أن بعضها الذي نقل تجربة حكم الحزب الواحد اطاح بحقوق المواطن الأساسية تحت ذريعة هذا الخطر الخارجي.

الغرب ومشاريع الاصلاح العربية

ان اسرائيل تمثل الفاصل بين المشرق والمغرب فتعطل بوجودها وعدوانيتها التواصل الجغرافي بين الأقطار. وبرغم الخريطة التقسيمية للأمة التي رسمها المستعمرون بعد الحرب العالمية الأولى، فإن المنطقة العربية شهدت ثورات وانتفاضات ومحاولات وحدوية لم تتوقف من أجل التحرر والوحدة والاصلاح. فكيف كانت مواقف الغرب عموماً وأمريكا خصوصاً من مشاريع الاصلاح العربية؟

لقد طالب جمال عبد الناصر تمويلاً من البنك الدولي في الخمسينيات لاقامة اكبر مشروع انمائي في مصر، هو السد العالي الذي يوسع المساحات المزروعة، ويوفر مياه الري والشرب، ويولّد الكهرباء لمعظم مدن وبلدات مصر، والكهرباء هي العصب الأول للتصنيع، لكن امريكا وقفت وضغطت على البنك الدولي ليرفض. ودعا عبد الناصر الاستثمارات الأجنبية الى بلاده وفق شروط تحافظ على حقوق المصريين لا كما كان يجري أيام الاستعمار البريطاني، ولم تأت الاستثمارات. قام بثورة تصنيع بلغت نحو ألفي مصنع، فسدّت أمريكا أبواب بلادها لمنع الاستيراد من مصر.. واليوم يتحدثون عن نسبة الأميّة المرتفعة في البلاد العربية، فأين كانت امريكا؟ وأين كانت مساعداتها لمكافحة الأمية في ذلك المشروع العملاق الذي أطلقه عبد الناصر في مصر وحقق نتائج باهرة؟

وبعد غياب عبد الناصر فرضوا على الرئيس أنور السادات تفكيك القطاع العام، وقد كانت الرقابة القضائية على القطاع العام المصري ضعيفة مما أتاح المجال للفساد، لكن القطاع العام حقق نمواً لمصر بلغ عام 1973 سنة حرب تشرين، نسبة 6 بالمئة وكانت النسبة بعد "الانفتاح" عام 1999 صفر بالمئة؟

رؤيتهم للإصلاح

فما هو الاصلاح الاقتصادي المفروض على البلدان العربية؟

اولاً: تصفية القطاع العام وخصخصته. وهنا لا يطلبون من اسرائيل تفكيك القطاع العام العسكري والمدني التابع للجيش الاسرائيلي! والخصخصة لا تعني ان يشتري رجال اعمال عرب المصانع والشركات الحكومية، بل تعني حرية الشركات الأجنبية في الاستيلاء بالخصخصة على الاقتصاد الوطني. كل البنوك تريدها امريكا ان تكون خاصة ومفتوحة على الرأسمال الاجنبي للسيطرة على الاقتصاد الوطني.

ثانياً: مطلوب ان نكون مورداً لهم في المواد الخام، وهم يصنعون ويصدّرون لنا ما نأكله ونشربه ونزرعه ونلبسه. أليست "الغات" هي الطريق لسيطرة المتقدم على النامي والقضاء على الصناعات المحلية لمصلحة الشركات المتعددة الجنسية؟

ممنوع علينا اتخاذ أي اجراء لحماية منتجاتنا الزراعية والصناعية، وحين يأتي أوان التصدير، فان شروطهم في الاستيراد من بلادنا لا تجعله ممكناً الاّ في حدود ضيقة جداً!

انهم لا يريدون تنمية عربية، يريدون تطبيعاً شاملاً بين العرب واسرائيل وفق مشروع الشرق أوسطية لمؤسسه الأول شيمون بيريز واختصاره هيمنة اسرائيلية امريكية على الاقتصاد العربي. ومن يسيطر على الاقتصاد يسيطر على السياسة.. وعلى القرار المستقل السلام!

أعمدة الإصلاح الاميركية

والاصلاح السياسي الذي يريدونه لنا ليس مشاركة أهلية محلية في القرار العام، انه هامش محدود لا يتحرك الاّ في الاطار المرسوم، والاطار المرسوم هو أمر لا تستطيع مناقشته أو ردّه لانه يصل الى مرتبة القداسة عن الامريكيين.

واعتماداً على وثائقهم المنشورة وغير المنشور نختصر أبرز أعمدة الاصلاح الاميركية:

1 ­ ان العقيدة الاسلامية مصدر الارهاب، ففي مقالة له بنيويورك تايمز في 7 آب/ أغسطس 2001، قال بزيغينو بريجنسكي مستشار الامن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر: "إن الادارة الأميركية تعتقد خطأ ان الاسلام بطبيعته نظرية ارهابية".

2 ­ وطالما الأمر كذلك، فان فصل الدين من الحياة العامة للمواطنين يصبح مسألة حتمية، وترجمة ذلك اغراق برامج التعليم بنظرية داروين وأمثاله، وخلق مؤسسات )مجتمع مدني( تحارب الدين بحجة محاربة الارهاب، وازالة أي فكرة اسلامية عن الصهيونية، واحتواء المراجع الدينية والعبث ببرامج التعليم وكتب التاريخ لصناعة اجيال لا تعرف دينها ولا تاريخها ولا حتى أمتها، ولنشر العولمة اللغوية الأمريكية بديلاً.

3 ­ الا أن التبشير الامريكي بالمسيحية لا يستهدف الاسلام والمسلمين فقط، فالمطلوب انتشاره امريكياً هو مدرسة الكنيسة الصهيونية المعزولة عن سائر المدارس البروتستانتية والارثوذكسية والكاثوليكية، وليس المسيحية الشرقية التي يعتبرونها عائقاً أمام حملاتهم التبشيرية في بلادنا، وهذا ما نبّه اليه البابا شنودة والبطريرك حكيم والبطريرك لحام والبطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير، وسواهم من أركان الكنائس الشرقية.

4 ­ والقومية العربية لا يعترف بها الأميركيون لأنها مشروع وحدوي عربي مستقل، وتهديد للصهيونية، وتهديد للنفوذ الاستعماري، وتهديد لما يعتبرونه مصالح لهم في بلادنا، وتهديد للتخلف الناتج عن التجزئة وعن العدوانية الاسرائيلية، لذلك تم بناء مشروع الشرق الاوسط الكبير على انقاض الرابطة العربية: بلد عربي منفصل عن الآخر ومرتبط بالمحور الاميركي الاسرائيلي، والجامعة العربية يجب أن تزول لتحل مكانها جامعة شرق أوسطية تكون اسرائيل محورها في إطار الشرق الاوسط الكبير، وأن لا نكون أمة مستقلة لها خصائصها وطبيعتها وتركيبتها، بل ساحة ومنطقة جغرافية لا تخص العرب الذين هم طوائف ومذاهب واعراق، ولكل طائفة "الحق" بكيان خاص بها، والنموذج قانون ادارة العراق الذي قسّم الشعب العراقي الى طوائف وأعراق لأن هذا البلد تعددي حسب هذا الدستور وليس دولة عربية!

من حق أوروبا الاتحاد وليس من حقنا، من حق امريكا ان تقرر ولايات متحدة رغم وجود كل أجناس وأديان الأرض فيها، ولكن ليس من حق الأمة أن تكون لها دولتها بل ليس من حقها أن تتوحد بالحد الادنى وهو التضامن العربي، هذا هو جوهر الاصلاح الأمريكي للمنطقة العربية.

الأطلسية والتطبيع

لقد اشاد الرئيس جورج بوش بالديمقراطية الموريتانية والأردنية والقطرية، ومعلوم ان هذه "الدول" ليست ديمقراطية حسب المفهوم الديمقراطي الغربي، لكن الإشادة الاميركية بها جاء على خلفية أن هذه البلدان سارت على طريق التطبيع مع اسرائيل، وهنا يصبح الأمر واضحاً فليس المطلوب تطبيق الديمقراطية في البلدان العربية، يكفي ان تقبل النظم بمسألتين أساسيتين وبعض الأمور الأخرى لمنحها الشهادة الأميركية بالديمقراطية والعراقة:

أولاً: ان ترتبط بمشروع الشرق الأوسط الكبير وبالحلف الأطلسي الذي له "الحق" في الهيمنة العسكرية والسيطرة على القوات المسلحة المحلية وأجهزتها الامنية.

وثانياً: التطبيع مع اسرائيل.

ان اشادة الرئيس جورج بوش مراراً بالتجربة التركية الاسلامية الديمقراطية نابع من التزام تركيا بهاتين المسألتين: الأطلسي والتطبيع. فرجال الأعمال العرب الموالون لأمريكا ليست لهم شعبية تمكّنهم من قلب الاوضاع، فلا بأس من الاستعانة "بإسلاميين" يقبلون بالاطلسي والتطبيع وتحت شعارات اسلامية!

برنامج الإصلاح الأميركي

وحسب المفكر الأميركي هنتنغتون صاحب نظرية صراع الحضارات، فان الخطر الأول على الغرب يأتي من العرب والمسلمين والصين. من هنا كان مشروع الشرق الاوسط الكبير يعتمد على ثلاث ركائز حسب وثيقة هارت رودمان لعام 2001 )خلاصة ابحاث الرئاسة والبنتاغون والمخابرات عن التوقعات خلال الـ 25 سنة الأولى من القرن الواحد والعشرين(: اسرائيل، تركيا، والهند، بصرف النظر عن التحوّلات في تركيا وعن التغييرات في الهند والتي ليست كلها لصالح هذا المخطط.

من هنا جاءت فكرة العمل من الخليج الى مراكش وبنغلادش، اي العالم الاسلامي، والصين المرشّحة لمنافسة الولايات المتحدة على المسرح الدولي.

إن اهمال الدين وازالة القومية، الرابطة العربية، وتحييد الدولة الوطنية من أي عمل انمائي، وتحويل البلاد الى أسواق من غير انتاج صناعي متقدم، وضرب أي توجه وحدوي أو تكاملي عربي، كل ذلك يشكل اطار ثوابت الإصلاح الأميركية للأمة العربية.

ثم لإغراء المرأة العربية بهذا الاصلاح الامريكي ينطلق الضجيج عن حقوق المرأة. ولاستمالة الأقليات تُطرح مشاريع الكانتونات لها للانسلاخ عن العرب والتحوّل الى قواعد معادية لوحدة الامة وهويتها ومصالحها. ولاستمالة الشباب تُطرح مشاريع وهمية للمستقبل والعصرنة، باطلاق أكبر قدر ممكن من وسائل اللهو والحرية الجنسية المنفلتة من كل قاعدة دينية اخلاقية، وتشجيع السطحي من الفنون وتقديس الفردية وعبادة الشخصانية بعيداً عن هموم العائلة والمجتمع وقضايا الوطن والامة.

وعلى الهامش تطرح قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان والمشاركة بعيداً عن أي بحث لحقوق الأديان والأوطان وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني والشعب العراقي وسواهما. فحق تقرير المصير هو للاقليات فقط وللأعراق والأثنيات. فما يفكك الأوطان مشروع، وما يصهر الشعب في وحدة وطنية أو وحدة عربية غير مشروع. هذا هو جوهر الاصلاح الديمقراطي الأميركي للأمة العربية، وهنا يطرح سؤال جوهري نفسه: هل بهذا البرنامج الأميركي يمكن فعلاً أن تتقدم الأمة العربية؟

السؤال خطأ من الأساس، لأن أمريكا لا تعترف بوجود الأمة العربية، بل تنطلق من تثبيت التجزئة العربية. فلكل دولة سيادتها ضد دولة عربية اخرى، ولا سيادة لها في إطار مشروع الشرق الاوسط الكبير. فالسيد الاطلسي هو السيد العسكري على الجيش المحلي. والسيد الامريكي هو السيد على القرار السياسي والسيادي المحلي. والسيد الأميركي مع الاسرائيلي هما السيد على الاقتصاد المحلي. والسيد الامريكي هو السيد الموجّه للبرامج الدينية والتربوية.

ان الشرق الأوسط الكبير يحوّل الدولة الوطنية العربية الى حكم ذاتي تحت السيادة الاستعمارية، حكم ذاتي شبيه بالنظرية الصهيونية الأمريكية لما يجب أن تكون عليه السلطة الفلسطينية. كل السيادة للأمريكيين ولا سيادة للسلطة المحلية العربية.

الديمقراطية الشكلية

لقد جرب الأوروبيون الديمقراطية الاستعمارية في عدن ولبنان وسوريا والعراق ومصر، فكان القرار العسكري والسيادي للدولة المحتلة، والبرلمان لمن يريد أن يتكلم بحرية في الحدود المرسومة! مع توفير الحرية المظهرية الشكلية للمواطن، حرية تعبير نسبية، وتمثيل نيابي محدد ومحدود، مقابل التنازل عن حرية الوطن.

ان المحور الديمقراطي في الأصلاح الاميركي لبلادنا، هو ديمقراطية شكلية للمواطن على حساب حرية الوطن واستقلاله وسيادته، وكل العالم يعلم أن كل القرارات التي أصدرتها السلطات المحلية الفرنسية تحت الاحتلال الالماني لفرنسا جرى تمزيقها واعتبارها غير شرعية، وتحتفل قوات الحلفاء كل عام بتحرير أوروبا من النازية، ولا تعترف بل تحاكم السلطات المحلية التي كانت تتعاون مع الاحتلال، ومع ذلك تطالبنا أمريكا ان نعتبر قراراتها في العراق شرعية، وصنيعتها الحكومة شرعية بل إن بوش يقول بأن تجربة العراق الديمقراطية هي النموذج للعالم الاسلامي! إنني استغرب مواقف معظم الليبراليين العرب ومواقف معظم جمعيات حقوق الإنسان العربية. أين مواقفهم من الإحتلال الاميركي للعراق الذي يستبيح الإنسان العراقي، ويسرق ثروته ويدمّر ادارات الدولة ويستبيح الناس.. فيما ممنوع محاكمة جرائم الجندي الاميركي محلياً ودولياً؟ هؤلاء الذين يروّجون للديمقراطية الاميركية في بلادنا أين هم من جرائم الصهاينة في فلسطين؟

إن مشروع الإصلاح الأميركي )الشرق الاوسط الكبير( لن يحقق نمواً للأقطار العربية لأنه يحارب الصناعة مثلما يحارب التكامل الاقتصادي العربي. وبدون هذا التكامل لا نمو ولا تنمية ولا تقدم. ان الأمريكي حينما يحرم البلد من مشاريع يعجز عن القيام بها القطاع الخاص وتستطيع الدولة ان تقوم بها، مع معرفتنا بالقدرة المالية المحدودة للقطاع الخاص، فإنه يحكم على البلد بالتخلف الأبدي.

النموذج المصري

لقد وعدوا الرئيس أنور السادات بإستثمارات أمريكية واسعة لمصر، فأين هي هذه الاستثمارات؟ دلّونا على مشروع صناعي واحد متقدم أقامته أمريكا في مصر يعادل مصنع حلوان للحرير والصلب، أو السد العالي، أو معامل الغزل والنسيج؟ ان بلداً عربياً خليجياً واحداً له في مصر استثمارات تفوق استثمارات امريكا بضعفين، وها هو الاقتصاد المصري يعاني من الضغوط الاميركية التي تستنزف مصر حتى لا تقوم بدورها الطبيعي في الدفاع عن أمنها الوطني المحاصر الآن، وعن ارتباطها بوحدة الأمن القومي العربي.

أين المستشفيات المتقدمة في مصر حيث يتباكى الرئيس بوش على أوضاع التعليم والصحة في البلاد العربية؟

ان السادات حيّد مصر عسكرياً، وصالح اسرائيل، وفكك القطاع العام، وصادق أمريكا.. ومع ذلك لم تتقدم مصر بالمعنى التنموي وفق نصائح البنك الدولي والصداقة مع أمريكا. لم تعد المسألة بالنسبة للأميركيين مجرد صداقة، كانت كذلك أيام وجود الاتحاد السوفياتي، أما الآن فالمطلوب أكثر من الصداقة، المطلوب تبعية مطلقة وموافقة بلا تحفظ على مشروع الشرق الاوسط الكبير. ممنوع على مصر ان تتدخل لمصلحة القضية الفلسطينية أو تكون مقراً للجامعة العربية أو يكون لها دور في الأمن القومي العربي، فتحييد مصر تمهيداً لتقسيمها طائفياً بصواريخ عرقية انفصالية آتية من السودان هو الأمر المطلوب!

الرؤية الأميركية للسعودية

ولا يكفي أن تصادق السعودية أمريكا وتتبادل معها مصالح اقتصادية مشتركة، وان تكافح التطرف وتحافظ على نهج الاقتصاد الحر، فالمطلوب من السعودية الآن، وهي محور الشر والارهاب حسب وثيقة الهيئة الاستشارية للبنتاغون عام 2002م، أن تفكك الوطن الى ثلاث دويلات، وأن تتبع العلمانية، وأن تسمح لجمعيات الماسونية وشهود يهوه والكنيسة الصهيونية بالعمل بكل حرية في وطن المقدسات الاسلامية، مطلوب من السعودية ان تكون الرياض عاصمة التطبيع الاقتصادي مع اسرائيل، مطلوب منها تمويل المشاريع للشرق الاوسط الكبير، مطلوب أن تكون قواتها المسلّحة تحت أمرة حلف الأطلسي، فلا يمكن تفسير الحملة العنصرية الأميركية الصهيونية ضد السعودية الاّ بالوثائق الاميركية نفسها: معهد بروكنغز، مركز دراسات انتربرايز، مقررات الكنيسة الصهيونية، محاضر الكونغرس الاميركي، وتصريحات مسؤولين كبار: باول، رايس وولفوويتز.. لذلك فإن التطرف المسلح في السعودية الذي يضرب المقدسات وعصب الاقتصاد والتجمعات السكانية، لا يمكن تبرئته من هذا المخطط الشامل، سواء فعلها بقصد أم بغير قصد.

الضغوط على سوريا

وحينما نقرأ الشروط الأميركية المقترنة بتهديدات على سوريا، فإنك تكتشف بأن المسألة ليست عملية انتقال من حكم الحزب الواحد الى الديمقراطية المفتوحة. ولا يقتصر الأمر على تغيير منهج الاقتصاد من موجّه الى مفتوح على اقتصاد السوق، فمطلوب من سوريا تحجيم جيشها الى سبعين الفاً، وتفكيك وتسليم أسلحتها المتقدمة نوعياً، والتطبيع مع اسرائيل فوراً بدون تطبيق القرارات الدولية حول الانسحاب الاسرائيلي من الجولان..

مطلوب من سوريا ان تترك لبنان يفاوض اسرائيل على قاعدة اتفاق 17 أيار لعام 1983 الذي يجعل لبنان يُطلّق روابطه العربية والسورية لمصلحة الارتباط بالمحور الاسرائيلي.

هل نصدق ان الادارة الامريكية تريد نظاماً ديمقراطياً في سوريا يُستفتى فيه الشعب ليختار بين العروبة والشرق أوسطية؟ مع التطبيع أو ضد التطبيع؟

زيف الديمقراطية الأميركية

ثم لماذا لم تُطلق أمريكا الحملات على الرئيس أنور السادات باعتباره غير ديمقراطي حينما فرض على شعب مصر معاهدة كامب دايفيد عام 1979 بدون استفتاء شعبي؟ ولماذا لم نقرأ صحيفة أمريكية تحاكم نظام موريتانيا بسبب تجاوزه الدستور وإقامة علاقات تطبيعية مع اسرائيل خلافاً للارادة الشعبية؟ ولماذا لا نشاهد برنامجاً في قناة "الحرّة" ينتقد ادارة البحرين لانها منحت قاعدة بحرية ثابتة للأسطول الأمريكي بمعزل عن استفتاء شعبي أو قرار برلماني؟

فحينما يتعلق الامر بمصلحة أمريكية تُسحب شعارات الديمقراطية الأميركية من التداول، فالمصلحة الاميركية هنا هي المعيار وليست الديمقراطية هي المعيار. هل تقبل الادارة الامريكية، على سبيل المثال، باستفتاء ديمقراطي يجري في المنطقة بين خيارين أحدهما مع حرية واستقلال فلسطين والآخر مع إبتلاع صهيوني لفلسطين، مع التجزئة أم مع التكامل العربي؟ مع الشرق أوسطية بكل شعاراتها الديمقراطية أم مع العروبة كهوية قومية للمنطقة؟

هنا يتضح الزيف الديمقراطي للأمريكان، ويتضح ان الديمقراطية التي يريدون فرضها على المنطقة هي ديمقراطية استعمارية، ديمقراطية تسمح بابتلاع الثروة العربية تحت شعار "تحرير" الاقتصاد واقتصاد السوق، ديمقراطية الحرية الجنسية "المتحررة" من الاخلاقية العربية وقواعد الرسالات السماوية، ديمقراطية تسمح بامتلاك الشركات المتعددة الجنسية لمفاتيح الاقتصاد المحلي، ديمقراطية داخل أسوار القطرية لاحتواء كل قطر عربي بمفرده على الطريقة الصهيونية في الحرب: استفراد كل دولة وحدها في ساحة المعارك.

ان المسألة ليس بين خيارين للاصلاح والتقدم، بين نهج امريكي ونهج نظم عربية شديدة المركزية في تجميع السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية تقوم على الاحتكار السياسي والاقتصادي للقرار وتقمع أية معارضة سلمية تطالب بالاصلاح. لسنا مضطرين كعرب أحرار أن نضع أنفسنا بين هذين الخيارين: أمريكي أم استبدادي، دون أن ننسى ان الامريكيين يتعاطفون مع كل حركة عرقية او طائفية انفصالية في أي مكان من الأرض العربية، فها هم يقفون مع الحركة الانفصالية في جنوب السودان، ويتعاطفون مع إنفصاليين من بربر الجزائر، ويحتضنون أقباطاً أدانهم البابا شنودة ممن يدعون الى تقسيم مصر بين اقباط ومسلمين.

النموذج العراقي

وها هم في العراق يقسّمون الشعب الموحد الى عرقيات ومذاهب، فالأكراد والأشوريون يعاملونهم ككيانات منفصلة عن وحدة العراق. ان قانون ادارة الدولة الذي أصدره الحاكم العسكري بريمر في العراق في نيسان )ابريل( 2004 وما أحتواه من عناصر تقسيمية تحت شعار الفدرالية، يوضح لنا أن شعار الديمقراطية الذي تريد أمريكا تعميمه عربياً واسلامياً على مساحة الشرق الاوسط الكبير ملتصق عضوياً بالفدرالية التقسيمية. فالأوراق الأمريكية "الاصلاحية" حزمة واحدة متكاملة لا تجزئة ولا اقتطاع من محتوياتها، فلا ديمقراطية سياسية من غير تطبيع مع اسرائيل ولا اصلاح من غير تقويض أية بنية صناعية محلية، ولا استقلالية دفاعية محلية أو قومية لان المرجعية الأمنية هي لحلف الاطلسي وليست للعرب، سواء كانوا منفردين أم مجتمعين.

لقد كشف الإجتياح الأميركي العسكري للعراق جملة أمور:

1 ­ فقد اتضح عملياً الاختراق الاميركي لسيادة الدول واستقلالها وحريتها.

2 ­ واتضح إن أميركا لم تكن ضد النظام البعثي للرئيس صدام حسين بقدر ما كانت ولا تزال ضد وحدة الكيان الوطني العراقي، فدمّرت الوزارات والادارت والمصانع والجامعات والمدارس والمتاحف والقوات المسلحّة.

إنها ليست عملية تغيير نظام، بل تدمير دولة. وحصار السنوات الثلاثة عشر لم يكن على أركان النظام بل على الشعب العراقي، وحينما نتصفح أوراق مؤسسات دولية كأمينست وأطفال العالم واليونسييف وبعض لجان حقوق الانسان، نكتشف أن التحالف الأميركي البريطاني أراد قتل أكبر عدد ممكن من الشعب العراقي، فلقد شرب هذا الشعب مياهاً ملوثة نحو 13 سنة لأن لجنة الحصار، وخلافاً لمنظمة الصحة العالمية، منعت دخول مادة الكلور الى العراق، فكم ضحية وقعت نتيجة لهذا التلوث؟ وحليب الأطفال ممنوع وأدوية القلب ممنوعة لأنه يمكن تحويلها الى أسلحة كيماوية، هكذا كانت قرارات لجنة الحصار الامريكية البريطانية.

من يحاسب امريكا على استعمال أسلحة الدمار الشامل أثناء إجتياح العراق؟ وما هي الديمقراطية التي يجري تطبيقها في العراق؟

ان العالم بأسره شاهد الاجتياح الأميركي بدون تفويض من الامم المتحدة، شاهد ويشهد عمليات نهب النفط والثروة العراقية وسرقة المصانع والمنشآت، شهد ويشهد القتل الجماعي في بغداد والفلّوجة والنجف والبصرة ومعظم المدن والبلدات، فأين حقوق الانسان العراقي في ظل الاحتلال الاميركي؟ حسناً هذا هو النموذج الأميركي للديمقراطية.

انجازات تنموية عربية

من جهة أخرى، لا نستطيع التقليل من انجازات عربية تحققت على طريق الاصلاح، فالمرأة في مصر منذ الستينيات شريكة حكم وعمل وعلم للرجل. البنية التحتية في السعودية تم تشييدها في زمن قياسي ترافقها مستشفيات ومدارس وجامعات ومصانع في طول البلاد وعرضها. الجزائر أقامت مفاعلاً نووياً سلمياً منذ الستينيات وخاضت معركة التصنيع.

لا نريد الاستطراد في عمليات الاصلاح، لكن قصدنا القول بأن إصلاحات كثيرة جرت في العالم العربي، فلو عدنا خمسين سنة الى الوراء حينما سيطر علينا الأستعمار الاوروبي، كيف كانت أحوالنا الديمقراطية وقتها؟ وكيف كانت البنية التحتية وأحوال الصحة والتعليم في المغرب وتونس ولبنان وسوريا والامارت؟

نحن مع القائلين بأن أوجه التقدم هذه لم تكن كافية قياساً الى ما حققته الصين أو ماليزيا، هذا صحيح، ولكن الصحيح أيضاً أن التقدم لا يمكن بناؤه على التجزئة وعلى الصراع العربي الاسرائيلي المفتوح، هناك فساد في نظم واحتكار للسلطة في نظم، وقمع وتضييق على الحريات السياسية، كل ذلك صحيح، لكن الوصول للحقيقة يتطلب تكامل الرؤية بين عجز الانظمة وبين المفروض علينا من تقسيمات استعمارية ومداخلات في شؤوننا الداخلية لم تتوقف منذ زمن طويل.

رؤيتنا للاصلاح

ان الإصلاح الذي نتطلع اليه هو توقف الأنظمة عن الاحتكار السياسي، وان تعلم بأن الاصلاح الداخلي الذي ترفعه شعاراً لا معنى له إن لم يترجم مشاركة فعلية أهلية في القرار العام، وشفافية في وزارات الحكم، ومحاسبة دستورية للمسؤولين. فالاصلاح المطلوب، هو نهج اقتصادي حر مع دور تنموي للدولة يحافظ على اسس الاستقلال الوطني ويسير عن طريق التكامل العربي، اصلاح للمسألة التعليمية يستفيد من تجارب الصين واليابان والمانيا، اصلاح في توحيد المنهج التاريخي التعليمي في البلاد العربية لدفع الناشئة نحو التكامل العربي، اصلاح يوفّق بين الحرية السياسية والحرية الاجتماعية، فالحرية الاجتماعية بدون الديمقراطية السياسية تجربة سقطت مع سقوط الشيوعية، والديمقراطية السياسية بدون الديمقراطية الاجتماعية طريق للاحتكار الطبقي السياسي في السيطرة على السلطة بعيداً عن ارادة الاغلبية.

ما نحتاجه من اصلاح هو إقامة هيئة عليا من العلماء الواعين المستنيرين للإفتاء بالقضايا المعاصرة، والعمل على توحيد دور الفتوى في خطاب إسلامي معاصر يحاكي روح العصر، ويعزل الخوارج ويحاصر بؤر التطرف والجاهلية. ما نحتاجه من اصلاح سياسي هو البدء في عملية فصل السلطات، مع الإشارة إلى ان فصل السلطات هو من صميم الفكر الاسلامي الذي أقر باستقلال القضاء عن السلطة التنفيذية منذ ما يزيد عن ألف وأربعماية عام، وقبل ان يطرح مونتسكيو الفرنسي نظريته في فصل السلطات.

ما نحتاجه هو تشجيع وحماية علمائنا ليبدعوا وينتجوا في أوطانهم وليس في المنافي والمهاجر، ما نحتاجه من اصلاح زراعي هو توسع الرقعة الزراعية وتشجيع الشباب على الزراعة لأنها عصب الاقتصاد في معظم دول العالم. فمن المعيب أن نستورد المنتوجات الزراعية ونحن نملك عربياً كل المقومات لتصدير زراعتنا الى الخارج.

ان الاصلاح السياسي العربي يبدأ بتطوير الجامعة العربية باتجاه اتحادي تكاملي، وطرد القواعد العسكرية الأميركية من بعض البلدان العربية التي ترفع شعار السيادة بوجه العرب وتنساه في اتفاقاتها العسكرية مع الأميركيين.

نماذج فاشلة

وفي كل الأحوال لاحظنا أن بلداناً عربية مشت في ركاب الأميركيين منذ زمن طويل لم تتقدم اقتصادياً ولا سياسياً ولا ديمقراطياً، وفي المجال العربي القومي، سقطت تجربة الضم القسري كسبيل للوحدة، وابتعد الشعب عن أي مشروع وحدوي يحكمه حزب واحد يعادي التعددية، وفشلت مشاريع وحدوية بمضمون اشتراكي ماركسي. ان فشل هذه التجارب عزز المنطق القطري وجعل المستعمرين يحتفلون مع سقوط كل تجربة وحدوية، حتى أصبحت العصبية القطرية هي ملاذ الحكام. فهل حققت هذه القطرية تنمية حقيقية؟ وهل حققت القطرية أمناً وطنياً لحكامها؟ هل حصّنت القطرية الوحدة الوطنية الداخلية من الشقاقات العرقية والطائفية ذات الطابع الانفصالي؟

أبداً، فاذا كانت القومية الحزبية ذات النزعة الشمولية قد أخفقت في تحقيق الحرية والوحدة والتقدم، فإن الخطاب الطائفي الاسلامي المتطرف لم يقدم البديل الأفضل، أحياناً قدّم هذا الخطاب تكفيراً للأمة فأحدث حروباً داخلية جعلت النظم تستفيد أكثر مما تخسر. لم يقدم هذا الخطاب الطائفي برنامجاً جدياً للاصلاح الديمقراطي، وقد حفل تاريخ الخوارج دائماً بالتدمير وليس بالتعمير، حتى أن شريحة سياسية اسلامية في السودان ساهمت وتساهم في تجزئة هذا البلد بعد أن كانت تطمح للوحدة الاسلامية. لم يستطع المتطرفون الحفاظ على وحدة كيانات أوطانهم مثل حالة الحزب الاسلامي العراقي الذي وقّع على قانون ادارة الدولة الأميركي الانفصالي.

ومهما قيل في الحركة القومية العربية القائمة على العروبة والاسلام، فإنها استطاعت الانتصار الكامل على الاستعمار الاوروبي، وواجهت اسرائيل في معارك متوالية ولم تستسلم، وحطّمت الأحلاف الاستعمارية، وحافظت على وحدة الكيانات الوطنية العربية، ودعمت الوحدات الوطنية، وأهتمت بمشاكل الأقليات في إطار وحدة الأوطان، واقامت مشاريع صناعية متقدمة. لكن القطريين وليبراليي أمريكا ومعظم عناصر الخطاب الاسلامي الطائفي المتطرف، لم يحرروا وطناً ولا حققوا انجازاً تنموياً معتبراً، ولا وحّدوا بلدين، ولا كانوا نموذج الاصلاح في أي مكان. بل اهتموا بضرب نهج العروبة والاسلام المقاوم للصهيونية والاستعمار، فقسموا ولم يوحدوا، ووقفوا بوجه الإصلاح العربي الحقيقي في موقع صدارة التخلف، وما كان الاسلام يوماً متخلفاً، فاسلامنا وعروبتنا حوّلا الاندلس الى إشعاع فكري وتنموي عالمي، وحوّلا بغداد الى منارة حضارية. كل التقدم العربي الحاصل في امتنا تاريخياً لم يكن صناعة أمريكية، وكان ولم يزل التقدم الصيني بدافع قومي وليس بنهج أمريكي. نحن اليوم أمام تحركات وجودية مصيرية على الكيان العربي، فالحرب المعادية ليست على طبقة عربية ولا على بلد عربي معيّن، وليست فقط على العراق أو فلسطين، إنها حرب شاملة متعددة الوسائل لتجريدنا من الانتماء العربي ومن الهوية العربية ومن السيطرة على مقدراتنا، انها حرب ارادات.

فالصراع مفتوح، وتباشير النصر، نصرنا على مخطط الشرق الاوسط الكبير بزعامة أمريكا، يلوح في الأفق. فما يجري في العراق من مقاومة اسطورية لأكبر جيش في العالم، شاهد على ما نقول. وما يجري في فلسطين من مقاومة للصهاينة وأسطورتهم النووية، شاهد على ما نقول، مما يعجّل في انتصار المشروع الجدي للإصلاح العربي لمواجهة التخريب الامريكي.

* رئيس المؤتمر الشعبي اللبناني

شبكة البصرة

الجمعة 6 جماد الثاني 1425 / 23 تموز 2004

 

إلى صفحة المقالات