كشمير ..بين التآمر الدولي والضعف الإسلامي

رؤية عامة للقضية الكشميرية


قال تعالى : يا ايها الذين امنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون

 

تحتل كشمير موقعا جغرافيا إستراتيجيا بين وسط وجنوب آسيا حيث تشترك في الحدود مع أربع دول هي الهند وباكستان وأفغانستان والصين. وتبلغ مساحتها الكلية 86023 ميلا مربعا، يقسمها خط وقف إطلاق النار منذ عام 1949، ويعرف منذ اتفاقية شملا الموقع عليها عام 1972 بخط الهدنة. وتبلغ مساحة الجزء الهندي 53665 ميلا مربعا ويسمى جامو وكشمير، في حين تسيطر باكستان بطريقة غير مباشرة على 32358 ميلا مربعا يعرف باسم ولاية كشمير الحرة (آزاد كشمير)، وهناك مساحة صغيرة خاضعة للصين منذ عام 1962 تسمى أكساي تشين. التقسيم الإداري كانت كشمير وقت تقسيم شبه القارة الهندية تتكون من خمس مناطق هي وادي كشمير، جامو، لاداخ، بونش، وبلتستان وجلجت. وبعد عام 1947 سيطرت الهند على جامو ومنطقة لاداخ، وبعض الأجزاء من مقاطعتي بونش وميربور ووادي كشمير -أخصب المناطق وأغناها، في حين بسطت باكستان سيطرتها على ما يسمى الآن بكشمير الحرة وهي مناطق بونش الغربية ومظفر آباد وأجزاء من ميربور وبلتستان. واتخذت الهند من مدينة سرينجار عاصمة صيفية للإقليم ومن مدينة جامو عاصمة شتوية له، في حين أطلقت باكستان على المناطق التي تسيطر عليها آزادي كشمير أي كشمير الحرة وعاصمتها مظفر آباد. *القمم الجبلية في كشمير تغطي كشمير 10 سلاسل من الجبال المتوازية أهمها من الشمال إلى الجنوب هي: 1) سلاسل جبال "الكراكورم" Karakorams: وهي جبال متصلة بجبال الهندكوش في أفغانستان، وفيها ثاني أعلى قمة في العالم والمسماة بـK 2, فيها معابر رئيسية هامة مثل معبر كراكورم الذي يربط لاداكيه بالتبت.. ومشهورة بمنطقة ساشان الجليدية.. ثاني أبرد مكان بعد سيبريا وأعلى قمة حربية في العالم. 2) سلاسل جبال لاداكيه Ladakh: وتقع في جنوب الكراكورم وموازية لها, تبدأ عند معبر "شوباط" الذي يصل لاداكيه بـ بلدستان. 3) سلاسل جبال زانسكار Zanskar: التي تقطع وادي نهر الإندوز في كشمير, تمنع الرياح الجنوبية الغربية من الوصول إلى الوادي فتجعله معتدل الحرارة طوال العام، وهو أمر ليس بالمعتاد في جو كشمير. 4) جبال الهيمالايا: تمتد من الجزء الغربي من الحدود الشمالية للهند، وفيها معبر "الزوجي" الذي يربط الوادي بـ لاداكيه.. وهي سلاسل جبلية ممتدة ومتفرعة على مساحات شاسعة. 5) البربانجال Pirpanjal: هي السلاسل التي تقع في أقصى الجنوب، تقطع وادي كشمير، وفيها معبر البرمولا الذي يربط جامو بشمال وادي كشمير.. ومعبر "بانهال" أعلى المعابر الجبلية على قمتها الثلجية. يوجد أيضا عدد من الجبال البركانية التي تسببت في الزلازل المدمرة في تاريخ كشمير؛ حيث شهدت كشمير 12 زلزالا مدمرا كان آخرها عام 1885م.. مثل جبل "سيومجى" (1860مترا) شمال هندورا وقمة "الكاريوا" التي تقع في فالجم، وتتمتع هذه المنطقة جيولوجياً بأنواع عديدة من الصخور والمعادن. *المدن الكشميرية أرض كشمير المعروفة بهذا الاسم هي ولاية جامو وكشمير، حدودها مع باكستان وطاجكستان وأفغانستان والصين, وتقسم كشمير إلى 5 مناطق رئيسية هي: - لادكيه: كبرى هذه المناطق حيث تصل مساحتها إلى 5900 كم2، تقع في المنطقة الشرقية والشمالية الشرقية للولاية, يصفها الجغرافيون بأنها من أجمل بقاع الأرض, ويطلق عليها التبت الصغيرة لثقافاتها المشابهة للتبت، كانت في الماضي محطة لتجارة الحرير, سكانها قليلون يعيشون الحياة البدوية ومعظمهم من البوذيين، بالإضافة إلى بعض مسلمي الشيعة الذين يسكنون منطقه تسمى "كارجال". - جامو: هي المنطقة الجنوبية الغربية للولاية، مدينتها الأساسية أيضاً اسمها جامو, ويقطن بها أغلبية هندوسية, وأقلية مسلمة وقليل من السيخ (ذلك حسب الإحصائيات الهندية). - جلجيت: منطقة إستراتيجية عند حدود باكستان الشمالية الغربية وأفغانستان وطاجكستان.. وهي منطقة جبلية تسكنها الطائفة الإسماعيلية الشيعية، والتي ما زالت تحت حكم ما يسمى بالأغاخان. - بلدستان: تقع في الجنوب الشرقي لجلجيت بها معبر إستراتيجي يربط الشمال الغربي من كشمير بلادكيه، ويقطنها أناس من أصول وسط آسيوية. - وادي كشمير: هو أهم أودية ولاية جامو وكشمير على الإطلاق -برغم كثرتها- ويعتقد علماء الجيولوجيا أنه كان بحيرة منذ ملايين السنين تسمى "ساتيار"، ولكنها تأثرت بزلازل عديدة كانت سبباً رئيسياً في ظهور الوادي, وقد سمي هذا الوادي بكشمير؛ لأن قبائل "الكاش كاست" سكنت فيه منذ قديم الأزل.. غالبية أهله من المسلمين ويتحدثون باللغة الكشميرية. تبلغ مساحة الوادي 15.520كم2، ويرتفع 1700 متر عن سطح البحر, تحيط بالوادي جبال "البنجابل" و"زانسكار" من جميع جوانبه, والوادي تملؤه الحدائق التي يعود تاريخها للعصر المغولي. ويقطعها نهر "الجهلم" أحد أهم أنهار كشمير, وتبلغ المسافة التي يقطعها النهر في الوادي 177مترا، ويصل إلى حدود باكستان، لكن تتوقف عند هذه الحدود الملاحة فيه حيث يصير ضحلا وهائجاً بدرجة كبيرة. *الأهمية الاستراتيجية للموقع فى برقية بعث بها نهرو إلى رئيس وزراء بريطانيا بتاريخ 25-10-1947م: "أن كشمير، كما تعلمون، ترتبط من الناحية الشمالية بحدود مشتركة مع ثلاث دول هي أفغانستان والاتحاد السوفيتي والصين، وهو ما يجعل أمن كشمير أمرًا حيويًّا لأمن الهند.. خاصة وأن الحدود الجنوبية لكشمير مشتركة مع الهند، فمساعدة مهراجا كشمير إذن واجب يمثل مصلحة قومية للهند". وعلى الجانب الآخر تعتبر باكستان أن كشمير منطقة حيوية بالنسبة لأمنها؛ نظرًا لأن الطريقين الرئيسيين وشبكة السكة الحديدية في سرد وشمال شرق لبنجاب تجري محاذية لكشمير؛ لذا فإن احتلال الهند لكشمير يمثل تهديدًا مباشرًا لباكستان، وخصوصًا أن فيها ثلاثة أنهار تعتبر المغذي الرئيسي للنظام الزراعي في باكستان، تصب كلها من كشمير. وقد لخَّص الأستاذ ظفر الله خان وزير خارجية باكستان هذه الأهمية في قوله: "إن إلحاق كشمير بالهند لا يمكن أن يضيف شيئًا كثيرًا إلى اقتصاد الهند أو أمنها الإستراتيجي، بينما يمثل أمرًا حيويًّا لباكستان، فإذا ما انضمت كشمير إلى الهند، فإن باكستان -سواء من الجانب الإستراتيجي أو الاقتصادي- إما أن تصبح جزءاً خاضعًا لسلطة الهند، أو ينتهي وجودها كدولة ذات سيادة مستقلة". وبعيدًا عن هذه التعليلات السياسية والإستراتيجية للقضية، فإن المحرك الرئيسي لسياسات أطراف النزاع، يكمن في "صراع النظريات" الذي نشب بين نظرية الشعب الواحد ونظرية الشعبين، وهو ما عبَّر عنه نهرو بصراحة حينما قال: "إن الأمر لا يتعلق بكشمير، بل بصراع أعمق من ذلك بكثير، يقف في وجه العلاقات الباكستانية - الهندية، ويجعل الوضع خطيرًا جدًّا، فنحن لا نستطيع أن نتخلى عن أهدافنا الأساسية التي حملناها طويلاً والتي تعتبر أساس دولتنا". - أهمية كشمير بالنسبة للهند تمثل كشمير أهمية إستراتيجية للهند جعلها شديدة التمسك بها على مدى أكثر من خمسين عاما رغم الأغلبية المسلمة بها ورغم الحروب التي خاضتها واستنزفت من مواردها البشرية والاقتصادية الكثير، وتتلخص هذه الأهمية فيما يلي: 1- تعتبرها الهند عمقا أمنيا إستراتيجيا لها أمام الصين وباكستان. 2- تنظر إليها على أنها امتداد جغرافي وحاجز طبيعي مهم أمام فلسفة الحكم الباكستاني التي تعتبرها قائمة على أسس دينية مما يهدد الأوضاع الداخلية في الهند ذات الأقلية المسلمة الكبيرة العدد. 3- تخشى الهند إذا سمحت لكشمير بالاستقلال على أسس دينية أو عرقية أن تفتح بابا لا تستطيع أن تغلقه أمام الكثير من الولايات الهندية التي تغلب فيها عرقية معينة أو يكثر فيها معتنقو ديانة معينة. - أهمية كشمير بالنسبة لباكستان أما أهمية إقليم كشمير بالنسبة لباكستان التي تعتبرها خطا أحمر لا يمكن تجاوزه أو التفريط فيه، فيمكن تلخيصها فيما يلي: 1- تعتبرها باكستان منطقة حيوية لأمنها وذلك لوجود طريقين رئيسيين وشبكة للسكة الحديد في سرد وشمالي شرقي لبنجاب تجري بمحاذاة كشمير. 2- ينبع من الأراضي الكشميرية ثلاثة أنهار رئيسية للزراعة في باكستان مما يجعل احتلال الهند لها تهديدا مباشرا للأمن المائي الباكستاني. عدد السكان اختلفت المصادر التي تتحدث عن تعداد السكان في كشمير ما بين المصادر الباكستانية والهندية. فطبقا لإحصائية هندية أجريت عام 1981 بلغ عدد سكان الولاية 6 ملايين نسمة تقريبا، شكل المسلمون منهم 64.2% والهندوس 32.25% والسيخ 2.23% والبقية ما بين بوذيين ومسيحيين وأقليات أخرى. وتذكر بعض المصادر أن تعداد السكان قبل السيطرة الهندية كان 4 ملايين نسمة تقريبا، بلغت نسبة المسلمين فيهم 77% والهندوس 20% والسيخ والأقليات الأخرى 3%. أما المصادر الكشميرية شبه المستقلة فتقدر تعداد الكشميريين في الجانبين الهندي والباكستاني وفي الدول الأخرى بـ13.5 مليون نسمة، بواقع 8.5 ملايين نسمة في جامو وكشمير، و2.5 مليون نسمة في كشمير الحرة، ومليون نسمة في حلجت وبلتستان و1.5 مليون نسمة موزعين في الهند وباكستان ودول الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. غير أن الحقيقة المتفق عليها هي وجود أغلبية مسلمة في الإقليم. الإسلام فى كشمير دخل الإسلام إلى كشمير خلال القرن الرابع عشر الميلادي، حيث اعتنق وينشان -وهو حاكم بوذي كشميري- الإسلام في 1320م على يدي سيد بلال شاه المعروف، يعرف كذلك باسم بلبل شاه، وهو رحالة مسلم من تركستان. وقويت شوكة الإسلام خلال حكم شاه مير (1339 -1344م)؛ وقد انخرط العلماء المتصوفة في صفوف الجماهير لتبليغ دين الله. ومعظم هؤلاء العلماء قدموا من وسط آسيا، ومن بينهم سيد بلال شاه، سيد جلال الدين من بخارى، سيد علي الهمداني وابنه... الخ. ورغم الجهود التي بذلها كل هؤلاء العلماء، فإن جهود سيد علي الهمداني المعروف باسم شاه همدتن قد تميزت عن غيرها. فقد وُلِد في منطقة همدتن بإيران في سنة 1314 واضطره غزو قوات تيمورلنك لوسط آسيا إلى الهجرة إلى كشمير، التي خصَّها بثلاث زيارات في سنوات 1372 و1379 و1383م على التوالي، برفقة 700 من أتباعه، حيث وفق في نشر الإسلام بين الآلاف من الكشميريين. وقد تعقب ابنه سيد محمد الهمداني خطاه، وأقنع الحاكم المسلم آنذاك إسكندر (1389 - 1413م) بتطبيق الشريعة وقد تميز الحاكم المسلم زين العابدين بن إسكندر (1420 - 1470م) بتسامح كبير تجاه الهندوس، وازدهرت كشمير خلال فترة حكمه، حيث أدخل العديد من الصناعات والحرف، من بينها: صناعة الورق والحرف اليدوية وغيرها، وهو ما اشتهرت به كشمير. وفي نهاية القرن الخامس عشر الميلادي كان أغلبية سكان كشمير قد اعتنقوا الإسلام. ومما تجدر الإشارة إليه، أن انتشار الإسلام في كشمير وتكاثر أتباعه، كان يتم عن اقتناع كامل وليس قسرًا أو إكراهًا، حيث مهدت ظروف عديدة الطريق نحو هذا الانتشار الواسع للإسلام، ومن أهمها: رغبة الطبقة الدنيا من الهندوس في إحراز المساواة الاجتماعية والفرص العادلة للازدهار، وهو ما جعلها ترى في الإسلام أفضل بديل عن الحياة التي كانت تحياها. إضافة إلى سهولة تعاليم الإسلام مقارنة بالتعاليم البوذية وتعاليم البراهمة، دون أن نغفل عوامل أخرى، من بينها: فشل الحاكم الهندوسي في قمع الغزو المغولي، وحالة الفوضى التي كانت تشهدها البلاد تحت حكمهم. وقد استمر الحكم الإسلامي في كشمير قرابة خمسة قرون من 1320 إلى 1819م اتفاقية "أمريتسار"

ترجع وضعية جامو وكشمير الحالية إلى سنة 1846م حينما باعها البريطانيون لـ"جلاب سيند" بمبلغ 5.7 مليون روبية بموجب "اتفاقية أمريتسار" وكان مدة هذه الاتفاقية تنتهي عام (1366هـ= 1946م)؛ لذلك كان المفكر الكبير العلامة "أبو الأعلى المودودي" يقول: "إن رجال السياسة البريطانيين هم الذين أوجدوا قضية كشمير". . وقد علق "ناث بزاز" على هذه الصفقة، وهو أحد الوجوه السياسية المعروفة في كشمير بقوله: "مليونان من البشر في وادي كشمير وجلجت بيعوا كما تباع الشياه والأغنام لمغامر غريب، دون أن يكون لهم أدنى رأي في الموضوع". وذلك غداة الحرب الأولى التي نشبت بين الإنجليز والسيخ، وقد علّق "بريم ناث بزاز" على هذه الصفقة، وهو أحد الوجوه السياسية المعروفة في كشمير بقوله: "مليونان من البشر في وادي كشمير وجلجت بيعوا كما تباع الشياه والأغنام لمقامر غريب، دون أن يكون لهم أدنى رأي في الموضوع". وقد استطاع جلاب سيند بمزيج من الغزو والدبلوماسية أن يسيطر على جامو وكشمير بما في ذلك مناطق لاداخ وبلتستان وجلجت، وأنشأ نظام حكم لعائلة "دوجرا" التي حكمت كشمير حتى سنة 1947م. وقد أعقب جلاب سيند ثلاثة حكام هم رانبير سينج (1858م) وبارتاب سينج(1885م) وهاري سينج (1925م) الذي كان آخر حكام هذا النظام إلى تاريخ انقسام شبه القارة في 1947م.

ولقد كانت عائلة "دوجرا" شبيهة بالحكم السيخي من حيث إلحاق الأذى بالمسلمين عن طريق فرض الضرائب الباهظة وسن القوانين التمييزية وسد سبل التعليم في وجوههم، ومن مظاهر هذا الاضطهاد كذلك نظام الجباية الذي كان قاسياً، فبالإضافة إلى أخذ 50% من المحاصيل، كان المسئولون يأخذون ضرائب على النوافذ والمواقد وحفلات الزواج، وعلى قطعان الماشية بل وحتى على مداخن بيوت المسلمين، وكان ذبح الأبقار ممنوعاً بموجب القانون وتوقع على فاعله عقوبة الإعدام، وكانت المساجد تابعة للحكومة، كما أن جريمة قتل المسلم كانت تعدُّ أهون شأناً من قتل غير المسلم، إضافة إلى سحق أي مظهر من مظاهر الاحتجاج السياسي بوحشية. ولذا فقد شهدت المنطقة حوادث عديدة تم فيها حرق عائلات مسلمة بأكملها بحجة انتهاك القوانين المذكورة، كما أن عمال مصنع الحرير التابع للحكومة الذين احتجوا على الأجور المنخفضة في سنة 1924م، أغرقوا في النهر بأمر من المهراجا. وتولى حكم الولاية المهراجا الهندوكي "جولاب سينج"، وكانت تلك المرة الأولى التي تدخل فيها أغلبية مسلمة تحت حكم أقلية غير مسلمة منذ دخول الإسلام إلى الهند، وظل المسلمون طوال قرن من الزمان يتعرضون لصنوف شتى من الاضطهاد والظلم، فلم يسمح لهم بتولي الوظائف المدنية أو العسكرية، وفُرضت عليهم الضرائب الباهظة وفرضت عليهم قيود شديدة في أداء العبادات. ويذكر التاريخ أن ذبح الأبقار كانت عقوبته الإعدام، واستمر هذا القانون مفروضًا حتى خفف سنة (1353هـ= 1934م) إلى السجن عشر سنوات مع الأشغال الشاقة وحرم على المسلمين حمل السلاح، كما أن الهندوكي إذا أسلم صودرت أملاكه على عكس المسلم إذا ارتد فإنه يجد فرصة ذهبية لحياة رغدة، ويذكر التاريخ أنه خلال القرن الذي حكمت فيه أسرة الدواجرا كشمير تولت الحكم فيها (28) حكومة لم يكن فيها مسلم واحد.
ولقد كان الاهتمام الإستراتيجي البريطاني في إنشاء إمارة في المنطقة يرجع إلى رغبة بريطانيا في إيجاد "حاجز" بين إمبراطوريتها الهندية وبين الإمبراطوريتين الروسية والصينية من جهة الشمال. وعندما لفت وفد يمثل المسلمين أنظار نائب الملك البريطاني اللورد ريدينج أثناء زيارته لسرينجار في 1924م إلى ما يعانيه المسلمون من محن، تم نفي أعضاء الوفد بالكامل كما تمت مصادرة ممتلكاتهم. ويذكر أن الإنجليز عينوا لجنة يرأسها ب. ج. جانسي لتقصي مصداقية الشكاوى التي تقدم بها المسلمون، وكان أن أكدت اللجنة وقوع مظالم ضد المسلمين، غير أن المهراجا أهمل توصياتها. الحركة الإسلامية:إرهاصات وقد لعبت مدرستان إسلاميتان -وهما مدرسة "مير واعظ" التابعة لمسجد "الجمعية" بسرينجار ومدرسة "شاه همدتن"- دورًا فعَّالاً في تسليط الأضواء على المظالم التي كان يتعرض لها المسلمون في المجالين الاجتماعي والاقتصادي، غير أن الوعي السياسي لم يتبلور في أذهان مسلمي كشمير إلا عندما برزت إلى الوجود الطبقة المثقفة من الشعب الكشميري، حيث تم في سنة 1922م إنشاء اتحاد الشباب المسلم في جامو من قبل تشودري غلام عباس، وأضيفت هذه الجهود إلى جهود شيخ محمد عبد الله في 1930م لتحريك المسلمين. وقد اندلعت الحركة الشعبية الكشميرية في 1931م حينما منع موظف حكومي إمام المسجد من إلقاء خطبة الجمعة، فقام شخص يدعى عبد القدير بإلقاء خطاب حماسي حول القرارات التي يصدرها المهراجا ضد المسلمين. وفي 13-7-1931م قتل 22 مسلمًا كشميريًّا حينما فتحت الشرطة النار على مظاهرة عارمة كانت تحتج على اعتقال عبد القدير، وفي 14-10-1932م تم الإعلان عن إنشاء مؤتمر مسلمي جامو وكشمير تحت قيادة شيخ محمد عبد الله، وقد أصبح المؤتمر أداة أساسية في تحريك الجماهير ضد حكم المهراجا المتعسف. غير أنه لم يمضِ كثير من وقت، حتى أصبح الوضع السياسي في كشمير يخضع لسياسة الهند البريطانية بعد أن تبنى حزب الكونجرس الوطني الهندي نظرية "الشعب الواحد" التي مفادها أن الهند شعب واحد رغم تعدد طوائفها وأعراقها، في حين كان المسلمون يتبنون نظرية "الشعبين" أي أن شبه القارة الهندية تحوي شعبين مختلفين تمامًا هما الهندوس والمسلمون. لكن انقسامًا حدث بين المسلمين كذلك حينما مال شيخ عبد الله إلى تبني النظرة العلمانية القومية التي ينطلق منها الكونجرس الوطني الهندي، وهو ما دعاه إلى تغيير اسم مؤتمر مسلمي جامو وكشمير.. فسماه المؤتمر الوطني. إلا أن مخاوف تشودري غلام عباس من أن يصبح هذا المؤتمر امتدادًا للكونجرس الوطني الهندي دفعته في أكتوبر 1941م إلى بعث الحياة في مؤتمر مسلمي كشمير، الذي استطاع -من خلال الأغلبية التي يتمتع بها في المجلس التشريعي- تمرير قرار يقضي بانضمام كشمير إلى باكستان؛ وذلك بتاريخ 19-7-1947م. وفي عشية تقسيم شبه القارة، كانت هناك ثلاث قوى سياسية في كشمير هي كالتالي: 1-المؤتمر الوطني بقيادة شيخ عبد الله الذي كان يرغب في الانضمام إلى الهند. 2- مؤتمر مسلمي كشمير بقيادة تشودري غلام عباس الذي كان يرغب في الانضمام إلى باكستان. 3-المهراجا هاري سيند الذي كان يفضل الاستقلال عن باكستان والهند؛ لأنه كان يعلم أن الانضمام إلى أحداهما يعني زوال عرشه واستبدال حكمه المتسلط بحكومة ديمقراطية؛ ولذا فقد وضع المهراجا -أثناء التقسيم- كل قادة المؤتمرين الوطني والإسلامي خلف القضبان. عودة الوعي وهكذا عاش 80% من الشعب المسلم مضطهدًا من قلة حاكمة لا تزيد على 20%، وكان لهذا الأمر أثر بالغ في إحساس المسلمين بالمرارة والظلم؛ فأدى ذلك إلى ظهور انتفاضات للمسلمين في تلك المناطق، والمعروف أن المسلمين والهندوس في القارة الهندية تحالفوا معًا في معركة الاستقلال عن بريطانيا رغم التنافر والتناقض الديني، وبرزت الدعوات بتشكيل دولة للمسلمين في المناطق ذات الأغلبية المسلمة، وتأسست عام (1324هـ= 1906م) الجامعة الإسلامية التي أخذت تطالب باستقلال الهند بالتعاون مع حزب المؤتمر الهندي الذي كان يتزعمه غاندي، ومع التعصب الهندوسي بدأ حزب الجامعة الإسلامية يتبنى فكرة قيام دولة مستقلة منفصلة للمسلمين. وفي كشمير اشتد اضطهاد الهنادكة للمسلمين، الذين اجتمعوا وأسسوا حزبًا عُرف باسم "المؤتمر الوطني الإسلامي" تحت زعامة محمد عبد الله، وضم الحزب بين صفوفه بعض الهندوس، وحضر جلسته الأولى سنة (1351هـ= 1932م) أربعون ألف شخص، غير أن هذا الحزب اعتبر فرعًا لحزب المؤتمر الهندي، وتم تشكيل حزب آخر عُرف باسم حزب "المؤتمر الإسلامي الكشميري" بزعامة "شودري غلام عباس"، الذي دعا من أول يوم عقد فيه اجتماع للحزب إلى إنقاذ كشمير من براثن المهراجا الهندوسي "هوي سنج، وانضمامها إلى دولة باكستان (الأرض الطاهرة) عندما تنشأ. ولما رأى الهندوس النجاح الذي حققه حزب المؤتمر الإسلامي والتجاوب الواسع له بين سكان الولاية، عملوا على تأسيس فروع لحزب المؤتمر الهندي في كشمير، وذلك بالتفاهم مع المهراجا "هري سيند، وذلك عام (1358هـ= 1939م)، وكان هدف هذا الحزب ضم الولاية إلى الهند. كما عمل الهندوس على الوقيعة بين الحزبين الرئيسين للمسلمين، وهما: حزب المؤتمر الإسلامي، وحزب المؤتمر الوطني، وهو ما دفع الزعيم الكبير لمسلمي الهند ومؤسس دولة باكستان "محمد علي جناح" أن يقوم بزيارة لكشمير سنة (1363هـ= 1943م) لرأب الصدع بين هذين الحزبين والعمل على ضمهما معًا في حزب واحد كبير يشمل مسلمي كشمير، إلا أنه لم يتمكن من ذلك لرفض محمد عبد الله هذا الأمر، وكانت الحكومة الكشميرية تضطهد رجال حزب المؤتمر الإسلامي؛ فاعتقلت كثيرًا منهم، ورفضت نتائج الانتخابات التي أجريت عام (1347هـ= 1928م) في الولاية التي حصل فيها الحزب على أغلبية المقاعد، بل رفضت أوراق ترشيح أعضاء ذلك الحزب. وفي عام (1365هـ= 1944م) قام المسلمون بثورة، وقاطع الحزبان الكبيران في الولاية المهراجا، فقبض على محمد عبد الله، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، فأرسل له الزعيم الهندي نهرو محاميًا ليدافع عنه. التقسيم والمذابح وبعد مرور قرن على اتفاقية "أمريتسار" التي باعت فيها بريطانيا ولاية كشمير، أصدر البرلمان البريطاني قانون استقلال الهند، والمعروف أن الهند كانت تتقسم إبان الاحتلال البريطاني لها إلى قسمين أساسيين هما الإمارات والأقاليم، وكانت الأقاليم تخضع للحكم المباشر من البريطانيين، وعندما صدر إعلان تقسيم الهند إلى دولتين إحداهما مسلمة والأخرى غير مسلمة في (27 من رمضان 1366هـ=14 من أغسطس 1947م) أصبح محمد علي جناح أول رئيس للدولة الإسلامية الجديدة التي حملت اسم باكستان. وأعطى قرار التقسيم الإمارات الحرية في أن تظل مستقلة أو تختار الانضمام إلى الهند أو باكستان، مع مراعاة الوضع الجغرافي والعوامل الاقتصادية والإستراتيجية، ثم رغبات الشعب، غير أن تطبيق هذا الأمر في الواقع كانت له بعض الاستثناءات الخطيرة، فمثلا ولايتا حيدر آباد وجوناكاد الواقعتان بالقرب من باكستان، كانتا ذات أغلبية هندوسية وإن كان حاكماها من المسلمين، إلا أن أخطر هذه الاستثناءات كان إقليم كشمير الذي كان يسكنه في ذلك الوقت أربعة ملايين نسمة غالبيتهم من المسلمين وحاكمهم هندوسي. واتفق البريطانيون مع حزب المؤتمر الهندي على أن تضم كشمير للهند، وكان الهدف من وراء ذلك أن تصبح كشمير بؤرة الصراع المزمن بين الهند وباكستان، وبالتالي لن تصبح هناك دولة قوية كبرى في شبه القارة الهندية تشكل تحديًا للمصالح التجارية والإستراتيجية للإنجليز في المنطقة. وشهدت كشمير قبل صدور قرار التقسيم حركة مقاومة عنيفة نظمها المسلمون ضد ممارسات الطائفية للحاكم الهندسي، وقرر المؤتمر الإسلامي قبل صدور قرار التقسيم بأقل من شهر ضرورة الانضمام لباكستان، وقرر الشبان المسلمون أن يقوموا بحركة جهاد لتحرير الولاية وضمها إلى باكستان. وأمام هذا الوضع وقع المهراجا اتفاقًا مع باكستان بأن يبقى الوضع على ما هو عليه مع التعاون بين الولاية وباكستان؛ وذلك لأن كشمير كانت تتبع قبل التقسيم السلطات المحلية الموجودة في مدينة لاهور التي انضمت إلى باكستان، وبذلك أصبحت باكستان مسئولة عن الدفاع عن كشمير وعن شؤونها الخارجية باعتبارها جزءًا منها، وفي نفس الوقت ألَّف المهراجا عصابات وسمح لعصابات إرهابية هندوكية تسمى "آر. سي. سي" و"الجان سينج" و"الهندو مهاسابها" بممارسة عمليات إرهابية بشعة ضد المسلمين قتل خلالها عشرات الآلاف من المسلمين. فقامت مظاهرات عنيفة من جانب المسلمين بقيادة "جودري حميد الله خان" في (19 شوال 1366هـ= 5 سبتمبر 1947م) ردًا على هذه الاعتداءات؛ فتصدت لها الشرطة بالرصاص؛ فسقط كثير من القتلى، وهم يطالبون بالانضمام إلى باكستان. مؤتمر الفلاحين وفي (1 من ذي القعدة 1366هـ= 16 من سبتمبر 1947م) عُقد مؤتمر الفلاحين الكشميريين، وطالب بانضمام الولاية إلى باكستان، لكن المهراجا رفض هذا الطلب، وقام بتوزيع الأسلحة على الهنادكة؛ فسارع رجال القبائل من باكستان لنجدة إخوانهم الكشميريين، ولما رأى محمد عبد الله الذي أفرج عنه المهراجا تأزم الأوضاع خشي من انفلات الأمور فأعلن وقوفه بجانب المهراجا، وتسلم رئاسة الحكومة وقتل يومها من المسلمين حوالي (62) ألفًا، وفي هذه الأثناء فر المهراجا سنج إلى الهند، واستقر في دلهي العاصمة تاركًا كشمير تغرق في بحار الدماء. واستطاع المسلمون الكشميريون تحرير جزء من الولاية، وقام المجاهد محمد إبراهيم (19 من ذي القعدة 1366هـ= 4 أكتوبر 1947م) بتشكيل حكومة كشمير الحرة "آزاد كشمير"، وتأليف الجيش الكشميري الذي استطاع أن يسيطر على كثير من المناطق ويقيم حكومة، وعندما وجد المهراجا أن الأمور خرجت عن سيطرته وقدرته أراد أن يضرب ضربته الأخيرة ضد المسلمين الكشميريين، فعقد مع الهند أثناء وجوده في دلهي اتفاقية في (12 من ذي الحجة= 27 من أكتوبر] تتضمن انضمام الولاية إلى الهند ورغم أن هذه الاتفاقية المجحفة لا يوافق عليها أغلبية الشعب، وتتناقض مع اتفاقيته السابقة مع باكستان، بالإضافة إلى عدم تمتعه بالشرعية لانتهاء المائة عام من الحماية التي نصت عليها اتفاقية أمريتسار لأسرته، فإنه أعلن انضمامه للهند لتبدأ فصول مأساة جديدة. مأساة جديدة وعندما حققت قوات الثوار المسلمين انتصارات في كشمير، واقتربت من مدينة سرينجار عاصمة الإقليم، أرسلت الهند قواتها المحملة جوًا لوقف تقدم الكشميريين، وكان برفقة هذه القوات المهراجا، ووقعت إشتباكات بين الجانبين، وأكد الزعيم الهندي نهرو في برقية بعث بها إلى حكومة باكستان أن الهند تتعهد بسحب قواتها العسكرية من كشمير بعد عودة السلام إليها، وتعهد أن يترك لمواطنيها الحرية في حق تقرير المصير. وأعنت الحكومة المؤيدة للمهراجا في كشمير أن من يرغب في الهجرة إلى باكستان فسوف تسهل له الحكومة الهجرة وتقدم له المساعدة، وأن على راغبي الهجرة أن يجتمعوا في مكان واحد، فظن الكشميريون أن الحكومة جادة في إعلانها، فاحتشد المسلمون فأُطلقت عليهم النيران بكثافة وسقط آلاف القتلى، وهتكت أعراض آلاف الشابات الكشميريات، ومن ضمنهن ابنة شودري غلام عباس مؤسس حركة تحرير كشمير، وصدرت الأوامر إلى الجيش الباكستاني للمشاركة في المعارك ضد الجيش الهندي. وعندما تطور الأمر إلى احتمال حدوث صراع مسلح بين الدولتين رفعت الهند القضية إلى الأمم المتحدة التي تدخلت واتخذت قرارًا بوقف إطلاق النار في (1369 هـ = 1949م]، وأن يتم إجراء استفتاء حر في الإقليم تحت إشراف الأمم المتحدة، وانتشرت قوات حفظ السلام على جانبي خط وقف إطلاق النار، ولم تنفذ بقية البنود، واستمرت هذه القوات حتى عام (1392هـ = 1972م) عندما طالبت الهند بانسحابها فانسحبت من الجانب الهندي. وأصبح الجزء الشمالي من كشمير يخضع لسيطرة باكستان، ويعرف باسم "آزاد كشمير"، أما باقي كشمير فتحت السيطرة الهندية، ويشمل ثلثي الإقليم، وأكثر من 60% من السكان غالبيتهم من المسلمين، ومنذ ذلك الوقت لم تهدأ حركات المقاومة والجهاد الكشميري ضد الاحتلال الهندي، وأصبحت تلك القضية موضوعًا لقرارات عديدة من الأمم المتحدة، جرى تجاهلها جميعًا، خاصة قرار سنة (1369هـ 1949م) الذي تتمسك به باكستان، وينص على إجراء استفتاء حر في الإقليم تحت إشراف الأمم المتحدة. أما الهند فقد رفضت كافة المقترحات التي تقدم بها وسطاء الأمم المتحدة، وتبنت موقفًا مؤداه أن كشمير انضمت إلى الهند برغبتها، وأن الحل الوحيد المقبول لحل القضية هو انسحاب القوات الباكستانية منها، وعندما رفع الأمر إلى مجلس الأمن عام (1377هـ=1957م) وجدت الهند نفسها في عزلة دولية حتى من حلفائها؛ فأصرت على رفض أي دور للأمم المتحدة في تسوية المشكلة؛ لأنها تمثل مشكلة داخلية ليس للمنظمة الدولية اختصاص بها، ثم أعلنت في عام (1383هـ = 1963م) أن جامو كشمير ولاية هندية مع وضعية تتساوى فيها مع غيرها من الولايات الهندية، وأن هذا الضم نهائي. وبدأت الهند في مخطط مدروس لتغيير الطبيعة السكانية في الإقليم، فدفعت بموجات كبيرة من الهندوس خاصة ممن خدموا في الجيش الهندي إلى الاستقرار في الإقليم ومنحتهم الوظائف المختلفة، وأغلقت مئات المدارس الإسلامية، وصادرت كثيرًا من الممتلكات، وأغلقت (200) معهد إسلامي، وغيّرت المناهج نحو التعليم الهندوسي، وبدأت في عمليات قمع رهيبة ضد المسلمين، وكان نتيجة هذه الإجراءات الهندية العنيفة نشوب صدامات مسلحة بين باكستان والهند بسبب القضية الكشميرية حرب 1965 حيث عاد التوتر بين الجانبين، وحاول الرئيس الباكستاني دعم المقاتلين الكشميريين لكن الأحداث خرجت عن نطاق السيطرة وتتابعت بصورة درامية لتأخذ شكل قتال مسلح بين الجيشين النظاميين الهندي والباكستاني في سبتمبر/ أيلول 1965 على طول الحدود بينهما في لاهور وسيالكوت وكشمير وراجستان واستمر الصراع العسكري 17 يوما لم يتحقق فيه نصر حاسم لأي من الدولتين، وانتهت الجهود الدولية بعقد معاهدة وقف إطلاق النار بين الجانبين في الثالث والعشرين من الشهر نفسه. مؤتمر طشقند 1966 كانت الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية على أشدها في منتصف الستينيات وخشيت موسكو من استغلال الاضطرابات الإقليمية في آسيا الوسطي لصالح المعسكر الغربي أو لصالح الصين التي لم تكن على وفاق متكامل معها آنذاك، فحاولت التدخل بقوة في الصراع الدائر بين الهند وباكستان بشأن كشمير ورتبت لمؤتمر مصالحة بينهما عقد في يناير/ كانون الثاني 1966 طشقند، وبعد مفاوضات مضنية بينهما توصل الطرفان إلى تأجيل بحث ومناقشة قضية كشمير إلى وقت آخر، وبوفاة رئيس الوزراء الهندي شاستري المفاجئة إثر نوبة قلبية انتهى المؤتمر إلى الفشل. حرب 1971 عاد القتال بين الجارتين ليتجدد مع مطلع السبعينيات إثر اتهامات باكستان للهند بدعم باكستان الشرقية (بنغلاديش) في محاولتها الانفصالية، وكان الميزان العسكري هذه المرة لصالح الهند الأمر الذي مكنها من تحقيق انتصارات عسكرية على الأرض غيرت من التفكير الإستراتيجي العسكري الباكستاني وأدخل البلدين في دوامة من سباق التسلح كان الإعلان عن امتلاك كل منهما للسلاح النووي أهم محطاته. وأسفر قتال 1971 عن انفصال باكستان الشرقية عن باكستان لتشكل جمهورية بنغلاديش. اتفاقية شملا 1972 دخل البلدان في مفاوضات سلمية أسفرت عن توقيع اتفاقية أطلق عليها اتفاقية شِملا عام 1972، وتنص على اعتبار خط وقف إطلاق النار الموقع بين الجانبين في 17 ديسمبر/ كانون الأول 1971 هو خط هدنة بين الدولتين. وبموجب هذا الاتفاق احتفظت الهند ببعض الأراضي الباكستانية التي سيطرت عليها بعد حرب 1971 في كارجيل تيثوال وبونش في كشمير الحرة في حين احتفظت باكستان بالأراضي التي سيطرت عليها في منطقة تشامب في كشمير المحتلة.

القضية الكشميرية ومراحل تطورها

عرضت الهند قضية كشمير على مجلس الأمن الدولي في الأول من يناير 1948، وقد انصرف مجلس الأمن الدولي إلى معالجة هذه القضية عبر عدد من القرارات، تضمنت اتفاقاً لوقف إطلاق النار في جامو وكشمير، واتفاقية للهدنة بين البلدين، وإجراء مشاورات مع اللجنة المشكلة من مجلس الأمن لتحديد الشروط العادلة والمنصفة التي تكفل التعبير الحر عن إرادة سكان كشمير وفق حق تقرير المصير. وعلى رغم جهود مجلس الأمن مع الطرفين، فقد أخفقت الأطراف في إجراء الاستفتاء الإقليمي بفعل غياب أساس مشترك لإدارة الاستفتاء، بيد أن الإقليم خضع عملياً للتقسيم بالقوة منذ ذلك التاريخ. فقد ورد في تقرير ممثل الأمم المتحدة المستر "ديكسون" أن الحدود الهندية- الباكستانية الفعلية في دولة جامو وكشمير ستصبح لسنوات خطاً لوقف إطلاق النار، وبالفعل أدى اتفاق كراتشي في 27 يوليه 1949 لتحديد خط وقف إطلاق النار إلى تشكيل الحد الحقيقي لسيادة الدولتين، حيث أفضى إلى تقسيم جامو وكشمير بين مظفر آباد عاصمة لحكومة آزاد كشمير ونواة لدولة كشمير المتحررة من الهند والمهراجا من وجهة نظر باكستان، وسرينا غار العاصمة التقليدية لجامو وكشمير تحت سيطرة القوات الهندية المؤيدة للشيخ عبد الله (أسد كشمير) الذي عارضت باكستان نفوذه تحت طائلة اتهامه بالتعاون مع الهند.

*النزاعات بين الهندوباكستان خلال الفترة من أكتوبر 1947- ديسمبر 1971 أولاً: النزاع الأول عام 1947-1948 بدأ النزاع الأول بين الدولتين في أكتوبر 1947 حول ولاية جامو وكشمير. وكانت الولاية التي تقع في أقصى الشمال من شبه القارة الهندية في إقليم الهمالايا، أكبر الإمارات الهندية، حيث يبلغ مساحتها 84.500 ميلاً مربعاً تقريباً. وبلغ عدد سكانها حسب تعداد عام 1941، أربعة ملايين نسمة منهم ثلاثة ملايين مسلم يحكمهم مهراجا هندوسي هو سير "هاري سيند". وفي 17 يوليه 1947 أصدر البرلمان البريطاني قانون استقلال الهند الذي أنهى الحكم البريطاني. وتم تنفيذه اعتباراً من 15 أغسطس 1947. وبناءً عليه، نشأت دولة باكستان الجديدة. وكان على الولايات والإمارات الهندية، طبقاً لهذا القانون أن تنضم إمّا إلى الهند أو باكستان. وانضمت معظم الولايات والإمارات إما إلى الهند أو باكستان في تواريخ مختلفة، إلا أن مهراجا ولاية جامو وكشمير لم يستطع أن يتخذ بسرعة أي قرار. ولم ترحب كل من الهند وباكستان بتردد المهراجا. وكان من الصعب تحقيق استقلال كشمير، حيث أنها تعتمد اقتصادياً على الهند وباكستان. وشهدت الولاية منذ يوليه 1947 ثورة مسلحة في إقليم "بونش" في الجزء الأوسط الغربي من كشمير، حيث تمكن الثوار من إقامة أول حكومة لـ "آزاد كشمير" أو كشمير الحرة. وقد أمدت باكستان الثورة بالسلاح وأيدتها. وفي شهر أغسطس من نفس العام قامت جماعات إرهابية من الهندوس والسيخ بمذابح طائفية ضد المسلمين، أدت إلى فرار حوالي خمسة ملايين مسلم من المنطقة لجأ معظمهم إلى أراضي "آزاد كشمير". وقد اشترك مهراجا ولاية جامو وكشمير وأعوانه في هذه الفتنة الطائفية مما أشعل منطقة الحدود بين كشمير وباكستان. وفي 14 أغسطس 1947، عقدت حكومة كشمير اتفاقاً مؤقتاً مع باكستان تقوم فيه الأخيرة بإمداد الولاية بالمواد الغذائية وإدارة المواصلات والبرق والبريد. وفي أوائل أكتوبر 1947، بدأ المهراجا يشكو من حصار اقتصادي تفرضه باكستان على كشمير. وزعم أن باكستان لا تفي بالتزاماتها طبقاً لاتفاق 14 أغسطس 1947. وأرسلت باكستان السكرتير المساعد لوزارة الخارجية الباكستانية إلى كشمير لتسوية الخلاف، ولكن المهراجا رفض إجراء أي مباحثات معه. وفي 18 أكتوبر 1947، طلبت حكومة كشمير تحقيقاً محايداً لمشكلة الحصار الاقتصادي، وقد تضمن هذا الطلب تهديداً لباكستان أنه في حالة عدم قبوله، فإن كشمير ستقوم بطلب المساعدة من الأصدقاء. وبينما كانت باكستان وكشمير تتبادلان الاتهامات، بدأ رجال القبائل المسلحة غزو كشمير في 23 أكتوبر 1947، قادمين من مناطق شمال غرب باكستان. وواصل الغزاة تحركهم نحو العاصمة، ولم تكن قوات ولاية كشمير قادرة على صد هذا الغزو. وفي 24 أكتوبر 1947، أرسل المهراجا يطلب مساعدة الهند العسكرية، وأعلن لورد "مونباتن" الحاكم العام للهند إلى أنه لا يمكن إرسال أي قوات هندية إلا بعد انضمام كشمير إلى الهند. وأضاف أن انضمام مهراجا كشمير يجب أن يكون مؤقتاً لحين معرفة رغبات شعب كشمير. وسرعان ما وقع المهراجا وثيقة انضمام كشمير إلى الهند وطلب الإستعانة بالقوات الهندية. وفي 27 أكتوبر 1947، وافقت الهند على انضمام كشمير إليها. وفي أول ضوء من هذا اليوم، بدأت القوات الهندية في الوصول بطريق الجو إلى "شري نجر" واستطاعت أن تدافع عن العاصمة التي كان رجال القبائل الغزاة قد وصلوا على بعد خمسة أميال فقط منها. وفي أوائل نوفمبر 1947 بعد تعزيز القوات الهندية في كشمير، بدأت عملياتها على طول محور الغزو الرئيسي لتطهير المنطقة من رجال القبائل. وفر رجال القبائل إلى مدينة "مظفر آباد". وما إن علم "محمد علي جناح" الحاكم العام لباكستان بتدخل القوات النظامية الهندية حتى أصدر أوامره يوم 27 أكتوبر 1947 إلى الجنرال "جراسي" القائد البريطاني المؤقت للقوات الباكستانية لإرسال قوات باكستانية إلى كشمير. وقد اعتذر الجنرال "جراسي" بأنه لا يستطيع أن ينفذ أوامره على أساس أن ذلك يعني انسحاب جميع الضباط الإنجليز من الجيش الباكستاني. وفي أوائل نوفمبر 1947، اجتمع لورد "مونباتن" الحاكم العام للهند، بعد أن اعتذر "نهرو" لمرضه، إلى "محمد علي جناح"، الحاكم العام لباكستان، في "لاهور". وكانت هذه أول مباحثات هندية باكستانية تدور حول كشمير. وقدّم "محمد علي جناح" مقترحات تدعو إلى إيقاف القتال فوراً وانسحاب القوات الهندية ورجال القبائل المغيرين، في وقت واحد، وبأقصى سرعة، من أراضي ولاية جامو وكشمير. وكذلك أن تتولى الهند وباكستان إدارة الولاية، ويجرى استفتاء تحت إشرافهم المباشر. وقد رفضت الهند هذه المقترحات. واستمر القتال في كشمير، خلال شتاء وربيع 1948. وبدأت القوات النظامية الباكستانية في الاشتراك في القتال، في أواخر مارس 1948. وتمكنت، في مايو 1948، من الدفاع عن قطاع "مظفر آباد"، مما اضطر القوات الهندية للتوقف. وصار القتال متقطعاً بعد أن أصبحت القوات الباكستانية نداً للقوات الهندية، كما تأثر بالنشاط الدبلوماسي للدولتين في الأمم المتحدة. عرض النزاع على الأمم المتحدة في أوائل يناير 1948، اتخذت الهند المبادأة وعرضت النزاع على مجلس الأمن طبقاً للمادة 35 من الميثاق. وطلبت من مجلس الأمن الإيقاف الفوري للقتال وانسحاب الغزاة من ولاية جامو وكشمير فقط. ولم تطلب الهند تدخل مجلس الأمن في مسألة مستقبل الوضع في كشمير، حيث رأت أن هذا قد يحد ويقيد من رغبات شعب كشمير. وفي النصف الأول من عام 1948، أصدر مجلس الأمن بالنسبة للنزاع أربعة قرارات هي: القرار الصادر في 17 يناير 1948، والقرار الصادر في 20 يناير 1948، والقرار الصادر في 21 أبريل 1948، والقرار الصادر في 3 يونيه 1948. وكان أهم هذه القرارات القرار الصادر في 20 يناير 1948، والقرار الصادر في 21 أبريل 1948. فقد نص قرار 20 يناير 1948 على تشكيل لجنة وساطة من ثلاثة أعضاء تختار أحدهم الهند والثاني باكستان، أمّا الثالث فيختار بواسطة العضوين السابقين. ومهمة اللجنة الذهاب فوراً إلى منطقة النزاع لتقوم بالوساطة بين أطراف النزاع. أمّا القرار الصادر في 21 أبريل 1948، فقد زاد عدد أعضاء لجنة الوساطة إلى خمسة أعضاء. وحدد مهمة اللجنة بالذهاب فوراً إلى شبه القارة الهندية بغرض تسهيل اتخاذ إجراءات استعادة السلام والنظام وإقامة استفتاء في كشمير.

تكونت لجنة وساطة الأمم المتحدة من تشيكوسلوفاكيا التي اختارتها الهند، والأرجنتين التي اختارتها باكستان، واختار مجلس الأمن بلجيكا وكولومبيا والولايات المتحدة، وقد اختارت لجنة الوساطة اسماً لها هو "لجنة الأمم المتحدة للهند وباكستان". وأجرت اللجنة مباحثات مع الهند وباكستان. وأصدرت قرارها الأول، في 13 أغسطس 1948، يحتوي على ثلاثة أجزاء: الجزء الأول: وهو خاص بأمر إيقاف النار بين الدولتين. الجزء الثاني: وهو خاص بالشكل الأساسي لاتفاقية هدنة. الجزء الثالث: وهو خاص بالاستفتاء ومستقبل وضع ولاية جامو وكشمير. وقد أعطت اللجنة الأسبقية الأولى لإيقاف النار، واعتبرت أن الاستفتاء لا يجري إلا بعد عقد اتفاقية الهدنة بين الدولتين. وفي 5 يناير 1949، اتخذت اللجنة قرارها الثاني، وعدّته مكملاً لقرارها الأول. ونص القرار الثاني على المبادئ الأساسية للاستفتاء، أي أنه جاء موضحاً لتفصيلات الجزء الثالث من قرارها الصادر في 13 أغسطس 1948. ونجحت اللجنة في تحقيق إيقاف النار بين الدولتين، ليصبح نافذ المفعول في أول يناير 1949. وتمكنت اللجنة، في يوليه 1949، من عقد اتفاق بين الدولتين، لتحديد خط إيقاف النار، وعدم زيادة القوات على جانبيه. ولكن "لجنة الأمم المتحدة للهند وباكستان" فشلت في حل مشكلة قوات آزاد كشمير وتحديد ما هي معظم القوات الهندية التي تنسحب من كشمير بعد انسحاب القوات الباكستانية ورجال القبائل وكذلك مشكلة إدارة المناطق الشمالية الجبلية للولاية. وظهر الخلاف بين الدولتين حول هذه المشاكل. وفي 5 ديسمبر 1949، قدمت "لجنة الأمم المتحدة للهند وباكستان" تقريرها الثالث والأخير إلى مجلس الأمن وأوصت فيه بتعيين فرد واحد ممثلاً للأمم المتحدة يقوم بالوساطة بين الدولتين حول المسائل التي لم تحل. وأعقب لجنة الوساطة الدولية عديداً من الوسطاء الدوليين. ففي 17 ديسمبر 1949، عيّن مجلس الأمن رئيسه، الجنرال "مكناهتون"، وسيطاً غير رسمي للأمم المتحدة. وفي 12 أبريل 1950، عيّن مجلس الأمن سير "ديكسون". وفي 30 مارس 1951، عُيّن الدكتور "جراهام"، ممثلاً للأمم المتحدة، وبعد أن أجرى مباحثات بين الدولتين، وقدم خمسة تقارير، كان آخرها في 27 مارس 1953، مشيراً إلى فشل وساطته لحل الخلاف بين الدولتين، خصوصاً مسألة نزع السلاح في ولاية كشمير، واقترح إجراء مباحثات مباشرة بين قادة الدولتَيْن. وهكذا انتهت وساطة الأمم المتحدة، التي استمرت من عام 1948 إلى عام 1953، بالفشل في حل نزاع كشمير. المباحثات المباشرة بين الدولتين وفي 16 أغسطس 1953، بدأت المباحثات المباشرة بين الهند وباكستان، في "دلهي"، بين "جواهر نهرو" ومحمد علي بوجرا"، رئيسي وزراء الدولتين. واتّفِق على ضرورة إجراء استفتاء محايد، للتحقق من رغبات شعب كشمير، وعلى تعيين مدير للاستفتاء، وكذلك تعيين لجان من الخبراء العسكريين وغيرهم، لتقديم المشورة إلى رئيس الوزراء. وأعقب اتفاقية "دلهي" تبادل المراسلات الكثيرة من خطابات وبرقيات بين "محمد علي بوجرا" و"نهرو". وكشفت تلك المراسلات عن تصاعد الخلافات بينهما. ثم ازداد موقف الهند تشدداً بعد أن انضمت باكستان إلى الحلف المركزي، عام 1953، وحلف جنوب شرقي آسيا، عام 1954، وظلت قضية كشمير معلقة بين البلدين مع زيادة التوتر بينهما. وفي مايو 1954، وقعت باكستان اتفاقية مساعدة الدفاع المتبادل مع الولايات المتحدة. وقد وجد "نهرو" في ذلك سبباً للتخلي عن التزاماته بعقد استفتاء في كشمير. وكذلك صدقت الجمعية التشريعية في كشمير على انضمام الولاية إلى الهند، التي قامت بتطبيق الدستور الهندي على كشمير. وقد احتج "محمد علي بوجرا" على تراجع "نهرو" عن إجراء استفتاء في كشمير وعلى قرار الجمعية التشريعية في كشمير لانضمام الولاية إلى الهند. وانتهت مرحلة المباحثات المباشرة بالفشل لتعود المشكلة مرة أخرى إلى الأمم المتحدة. عودة النزاع إلى الأمم المتحدة مرة أخرى (1957-1960) في 16 يناير 1957، اجتمع مجلس الأمن ليناقش طلب باكستان. وفي 24 يناير 1957، أصدر قراراً يؤكد قراراته السابقة، وكذلك قرارات "لجنة الأمم المتحدة للهند وباكستان". ونبّه قرار المجلس الحكومتين أن الاستفتاء الحرّ، الذي يجري تحت إشراف الأمم المتحدة، هو الذي يحدد الوضع النهائي لولاية "جامو وكشمير"، وأن قرار الجمعية التشريعية في كشمير يعدّ عملاً غير شرعي ولا يغير من وضع الولاية. واحتجت الهند على القرار بينما رحبت به باكستان. وفي 21 فبراير 1957، اتخذ مجلس الأمن قراراً بتعيين رئيسه "جونار يارنج" وسيطاً دولياً جديداً لكي يبحث مع حكومتي الهند وباكستان أي مقترحات قد تؤدي إلى تسوية النزاع، واضعاً في اعتباره قرارات المجلس السابقة. وبعد أن قام مستر "يارنج" بإجراء مباحثات في الهند وباكستان، قدم تقريره إلى مجلس الأمن، في آخر أبريل 1957. واقترح أن تعرض الخلافات حول تنفيذ مقترحات "لجنة الأمم المتحدة للهند وباكستان" على التحكيم، ووافقت باكستان ولكن الهند عارضت ذلك، وفشلت مهمة جونار يارنج. وفي 2 ديسمبر 1957، أصدر مجلس الأمن قراراً بتعيين دكتور "جراهام" مرة أخرى وسيطاً دولياً بين الدولتين لتنفيذ مقترحات "لجنة الأمم المتحدة للهند وباكستان". وأجرى مباحثات بين الدولتين وقدم تقريره إلى مجلس الأمن في 18 مارس 1958. ووافقت باكستان على مقترحاته بينما رفضتها الهند، وبذلك توقفت جهود الأمم المتحدة. الحوار الهندي الباكستاني (1960-1964) في أوائل أكتوبر 1958، تولى الجنرال "محمد أيوب خان" السلطة في باكستان، وأظهر اهتماماً بحل مشكلة كشمير سلمياً وبطريقة ترضي الجانبين.
 
وبدأت مرحلة جديدة من الحوار الهندي الباكستاني. وعندما ذهب "نهرو" إلى باكستان لتوقيع معاهدة مياه السند، في 19 سبتمبر 1960، أجرى في "كراتشي" مباحثات مطولة مع "أيوب خان"، وأظهر البيان المشترك تقدماً ضئيلاً بالنسبة إلى مشكلة كشمير.
وشهد عام 1961 كثيراً من تصريحات القادة الهنود والباكستانيين حول مشكلة كشمير. وأعلن القادة الهنود موقفهم المتشدد أنهم يمكنهم فقط إجراء مباحثات في كشمير فقط لتعديل خط إيقاف النار. وفي 11 يناير 1962، طلبت باكستان، نتيجة لجمود الموقف، عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن لمناقشة مشكلة كشمير. وأشارت باكستان إلى فشل المفاوضات المباشرة بين الدولتين. واستمع المجلس في عدة جلسات إلى بيانات مطولة من الجانبين. وقدم مندوب ايرلندا، في 22 يونيه 1962، مشروع قرار إلى المجلس. وقد حثّ مشروع القرار الحكومتين على الدخول في مفاوضات مباشرة على أساس القرارات السابقة لمجلس الأمن، و"لجنة الأمم المتحدة للهند وباكستان"، وميثاق الأمم المتحدة. واستخدم الاتحاد السوفيتي حق الفيتو لإسقاط القرار. أدى إخفاق الجهود التي بذلت لإجراء استفتاء لسكان كشمير تحت إشراف الأمم المتحدة إلى انصراف كل من الهند وباكستان لمعالجة الموقف تبعاً لمصالحه القومية، بعيداً عن أي التزامات إقليمية بينهما. فالهند دعمت إنشاء الجمعية التأسيسية في الإقليم التي أقرت دستور الولاية متضمناً الاعتراف بأن "دولة جامو وكشمير ستبقى جزءاً مكملاً من اتحاد الهند". وفي أواخر عام 1962، بدأت فكرة العودة إلى المفاوضات المباشرة بين الهند وباكستان لحل مشكلة كشمير. فقد حدث تغير خطير في شبه القارة الهندية بنشوب الحرب الصينية الهندية وهزيمة القوات الهندية. وطلبت الحكومة الهندية المساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا. ووصل على عجل إلى شبه القارة الهندية المستر "دنكن ساندز" وكيل وزارة الخارجية البريطانية والمستر "آفريل هاريمان" السكرتير العام المساعد في وزارة الخارجية الأمريكية. وتمكنا من إقناع "نهرو" بعودة المفاوضات المباشرة مع باكستان حول كشمير. وصدر بيان مشترك للدولتين، في 29 نوفمبر 1962، يعلن عن إجراء مباحثات على المستوى الوزاري للتمهيد للاجتماع النهائي بين "أيوب خان" و"نهرو" لحل النزاع حول كشمير. وعقدت المباحثات بين الوفد الهندي برئاسة "سوران سيند" والوفد الباكستاني برئاسة "ذو الفقار علي بوتو" في المدة من 27 ديسمبر 1962 حتى 16 مايو 1963 على مدار ست اجتماعات منفصلة. وانتهت الجولة السادسة والأخيرة في نيودلهي في 16 مايو 1963 دون إحراز أي تقدم نتيجة للخلاف العميق في وجهات النظر. وصدر بيان مشترك أعلن عدم الوصول إلى اتفاق نحو تسوية مشكلة كشمير. ولم يدع البيان المشترك إلى عقد مؤتمر قمة بين "نهرو" و"أيوب خان". ونتيجة للحرب الهندية الصينية واحتلال الصين أراض تدعي الهند ملكيتها لها (التبيت)، الأمر الذي أفضى إلى تغيير جذري في الحدود الصينية- الهندية على حساب الحدود بين كشمير وكل من سينكيانج والتبيت. وقد أدى ذلك إلى تطور العلاقات الصينية- الباكستانية، وقد تجسد ذلك في توقيع إعلان اتفاق الحدود بينهما في 2 مارس 1963، الأمر الذي أدّى إلى تعقد الموقف الأمني بالنسبة إلى الهند، التي اتهمت باكستان والصين بالتصرف في حقوق شرعية للهند، على الرغم من أن الاتفاق المذكور عُدّ مؤقتاً إلى حين توصل الهند وباكستان لحل شامل لمشكلة جامو وكشمير، إذ بالإمكان عقد اتفاق دائم يحل محل الاتفاق المؤقت. إن الاتفاق الباكستاني ـ الصيني، في الوقت الذي يؤمن خاصرة الصين في كشمير في أي أزمة عسكرية قد تحدث مع الهند، فإنه يحقق مجالاً أفضل لباكستان للمناورة وممارسة الضغط إزاء الهند، في الوقت نفسه الذي عزز موقع باكستان الإقليمي إزاء الولايات المتحدة الأمريكية والغرب باتجاه تعزيز الدعم المقدم لباكستان لضمان المصالح المشتركة في جنوب آسيا، الأمر الذي قاد بدوره إلى تعزيز العلاقات الهندية- السوفيتية. وفي الفترة من ديسمبر 1963 إلى يناير 1964، توتر الموقف بصورة خطيرة، نتيجة حدوث إضطرابات طائفية بين المسلمين والهندوس، كادت تؤدي إلى صدام مسلح بين الدولتين، وقد أمكن تهدئة الموقف وتجنب الصراع المسلح وإن ظل التوتر قائماً في الإقليم، مما دعا كلا الدولتين إلى زيادة تسلل أفرادها المسلحين داخل الإقليم لتدعيم الشعب الذي يؤيده. وقد تطور ذلك إلى نشوب الحرب بين الدولتين في سبتمبر 1965.

وبينما كانت الجهود تبذل لتحسين العلاقات الهندية الباكستانية، فوجئ الجميع بتصريح نهرو لصحيفة "الواشنطن بوست" أن هدف الهند النهائي هو قيام اتحاد هندي باكستاني. وأثار هذا التصريح غضب وشكوك باكستان من أن الهند تريد ابتلاعها وتوحيد شبه القارة الهندية، ولو بالقوة. ولجأت باكستان مرة أخرى إلى مجلس الأمن. ففي 16 يناير 1964، طلبت باكستان من مجلس الأمن عقد اجتماع عاجل للنظر في مخالفات الهند لقرارات المجلس بالنسبة لكشمير. واجتمع المجلس من دون أن يصدر أي قرارات. وبينما كان مجلس الأمن يناقش مشكلة كشمير، أفرجت الهند عن "الشيخ عبد الله" في 8 أبريل 1964. وفي 29 أبريل 1964، أجرى محادثات مع "نهرو" حول مشكلة كشمير ثم ذهب إلى باكستان وأجرى محادثات مع "أيوب خان"، في 24 مايو 1964، وكانت فكرة الوساطة التي يقوم بها "الشيخ عبد الله" بين الهند وباكستان هي ما أطلق عليه "نهرو" "الطريق الدستوري" لحل مشكلة كشمير، وذلك إما بقيام اتحاد بين الهند وباكستان تكون فيه كشمير جزءاً من الهند أو قيام حكم ثنائي هندي باكستاني لكشمير مما يوجد علاقة دستورية بين الهند وباكستان. ورفضت باكستان هذه المقترحات لأنها كانت ترى فيها خطط الهند المستمرة لإلغاء تقسيم شبه القارة الهندية الذي تم في 1947. وفي 26 مايو 1964، أعلن "الشيخ عبد الله" في "روالبندي" أن "أيوب خان" و"نهرو" سيتقابلان، في نيودلهي، في يونيه 1964، لمناقشة مشكلة كشمير وباقي المشاكل الأخرى. وفي 27 مايو 1964، توفي "نهرو" وتلاشت الآمال في عقد مؤتمر قمة بين رؤساء الحكومتين. وتولى "شاستري" رئاسة الحكومة الهندية. وعقد أول اجتماع له مع "أيوب خان"، في أكتوبر 1964، في كراتشي، لحل مشكلة كشمير. وفي ديسمبر 1964، اتخذ "شاستري" خطوة جريئة لم يقدم عليها "نهرو" خلال الستة عشر عاماً الماضية، منذ بدأت مشكلة كشمير، وذلك بضم كشمير نهائياً إلى الهند، وإغلاق باب المفاوضات والتسوية تماماً. ففي 4 ديسمبر 1964، أعلنت الحكومة الهندية إلغاء الوضع الخاص لكشمير، بناءً على المادة 370 من الدستور الهندي، وبذلك أصبحت كشمير ولاية هندية، وجزءاً لا يتجزأ من الهند. وعقب ذلك أصدر الرئيس الهندي، في 21 ديسمبر 1964، قراراً جمهورياً بناء عليه تولى سلطات ومهام كل من الحكومة والجمعية التشريعية في كشمير. واحتجت الحكومة الباكستانية لدى الهند من ضم كشمير إليها، وعدم التمسك بالالتزامات الدولية، ومعارضة رغبة شعب كشمير. وعمل الإجراء الهندي الجدي على إبعاد مشكلة كشمير عن المناقشة الدولية والداخلية. وكان على باكستان أن تجعل الباب مفتوحاً لمناقشة المشكلة. وزاد من مخاوف باكستان إعادة الهند تسليح قواتها. وهكذا تحول "أيوب خان" إلى التفكير في سياسة استخدام القوة والتخلي، عن الوسائل السياسية، مما جعل العمل العسكري أمراً لا يمكن تجنبه. وبدأت باكستان تستعد للحرب.

 

حركات المقاومة الكشميرية

يلاحظ الزائر للجزء الخاضع للسيطرة الباكستانية من كشمير لاسيما عاصمته (مظفر آباد) كثرة اللافتات والشعارات والعناوين على الجدران وفي الشوارع بدءاً من حزب المجاهدين ومروراً بجبهة تحرير جامو وكشمير المعروفة اختصاراًبـ (J.X.LF) والمؤتمر العام للأحزاب الكشميرية وحركة الأنصار إلى جانب أسماء وعناوين آخرى لأحزاب وتنظيمات تربو عن المئة ويمكن تصنيفها إلى اتجاهين رئيسين الأول :

إسلامي يؤكد الهوية الإسلامية
لشعب كشمير وينادي عن طريق حلها عن طريق استفتاء شعبي حر تحت إشراف الأمم المتحدة وتحت هذا التصنيف يأتي :
حزب المجاهدين الذي يعد امتداداً للجماعة الإسلامية في كشمير والتي يدعمها سيد احمد شاه جيلاني في الجزء الخاضع للسيطرة الهندية من الإقليم إلى جانب جمعيات طلابية وإسلامية أخرى مثل أهل الحديث ورابطة الشعب
ـ المؤتمر الإسلامي.
والاتجاه الثاني فهو علماني يركز على القومية الكشميرية ويبدو متأرجحا في خياراته هل ينضم للهند أم يحاول الحصول على دولة مستقلة؟ ويمثل هذا الاتجاه جبهة جامو وكشمير (J.K.L.F) وزعيمها آمان الله خان ـ إلى جانب منظمات أخرى مثل لجنة الحركة والعمل الشعبي) ويغلب على نشاط (J.K.L.F) الحركات الإعلامية الاستعراضية بين الحين والآخر مثل محاولة بعض نشطاء الحركة تنظيم ميراث لعبور خط الهدنة الفاصل بين الهند وباكستان في كشمير. طبيعة المقاومة يرصد الدكتور طاهر أمين أستاذ العلوم السياسية بجامعة قائد أعظم في إسلام آباد أجواء المناخ التي بعثت حركة المقاومة التي تمتد بجذورها حسب قوله إلى عام 1816 عندما باعها البريطانيون إلى غلاب سينج بموجب اتفاقية لاهور وامربيستار مروراً باستيلاء الهند على الولاية وحتى بعث حركتها في أواخر الثمانينيات. ومن ابرز المعالم الرئيسية لهذه الأجواء إن قطاعاً كبيراً من حركة المقاومة لم يكن منظما وإنما جاء كرد فعل لتجاوزات القوات الهندية ضد شعب كشمير وعلى رأسها عمليات القمع الجماعي التي بدأ بها حاكم الولاية جاغموهان وأكملها على أثره جرش سكسينا والتي تعكس وجها طائفياً يتناقص مع سياسة الهند التي تؤكد علمانيتها ومن مظاهر عمليات القمع تلك ـ حظر التجول ـ إطلاق النار على المظاهرات اغتصاب النساء, سياسة امسك واقتل ـ القتل إثناء الحجز إلى آخر الممارسات التي يقوم بها أفراد الجيش الهندي التي دفعت بجانب كبير من الشباب الكشميري إلى الالتحاق بمنظمات المقاومة بغية الانعتاق من هذا الوضع, الأمر الذي أدى إلى تعزيز موقف هذه المنظمات التي تجاوز عدد أعضائها من هؤلاء الشباب 30 ألفا في شهور, خلال عام 1989 فقط والذي شهد اندلاع الانتفاضة الكشميرية. أدت الطبيعة الطائفية للسياسة الهندية في كشمير إلى بروز وعي إسلامي عارم لدى الكشميريين عززه صمود الأفغان في وجه الروس في ذلك الوقت ونجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1978. إضافة إلى الأحداث التي وقعت لاحقا في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطي. ورغم أن حركة المقاومة في كشمير الداخل ركزت أعمالها في عام 91/90 على الطابع السياسي, وتنظيم مظاهرات ومسيرات إلى مكاتب الأمم المتحدة وتنظيم اضرابات لشل الإدارة الهندية, إلا أن آلة القمع الهندية دفعت إلى اللجوء إلى الكفاح المسلح. ويأتي على رأس التنظيمات العسكرية التي تستدعي التوقف عندها حزب المجاهدين. انشىء هذا الحزب في نهاية عام 1989 ويعد أكثر التنظيمات شعبية والأقوى تنظيما وانضباطا, كما يعد الجناح العسكري للجماعة الإسلامية التي يمتد نشاطها في كشمير منذ الثلاثينيات من القرن الماضي. وقد سبق إعلان الحزب في الثمانينيات تكوين جماعات مقاتلة صغيرة مثل أنصار الإسلام, اسود ضياء (نسبة إلى الرئيس الباكستاني الأسبق محمد ضياء الحق) وغيرها إلى أن تم إنشاء حزب المجاهدين بناء على نصيحة سيد علي حيداني وغيره من القادة. يدعم حزب المجاهدين فكرة الانضمام لباكستان اعتماداً على قرارات الأمم المتحدة التي تمنح حتى تقرير المصير لشعب كشمير, ولا يعتنق الحزب مبدأ القومية الكشميرية ويعتبرها السبب الرئيسي الذي جر الويلات على شعب كشمير, ويعتقد الحزب أن الأقليات غير المسلمة الموجودة في كشمير لها حق تقرير المصير في الانضمام أما إلى الهند أو باكستان وهو لا يؤمن باضطهاد الأقليات على أساس اختلاف الأديان. يستمد حزب المجاهدين تأييده من المناطق الريفية والمدنية, وبرزت قياداته من الطبقة المتوسطة المثقفة, كما يتجلى الدعم الجماهيري للحزب من خلال تشكيله لمجالس محلية لإدارة شئون العديد من المناطق الريفية, ويهتم الحزب بالناحية العسكرية في حين تضطلع الجماعة الإسلامية بالجانب السياسي. وأعلن قادة الحزب في أكثر من مناسبة أن 70% من الشباب المقاتل في كشمير ينتمي إليه كما قدرت قوته العددية بـ 25 ألفا.

جبهة التحرير الكشميرية تعتبر جبهة تحرير جامو وكشمير التي يرأسها آمان الله خان أقدم منظمة تحريرية في كشمير لكنها تعرضت لانتكاسات قوية وتآكلت شعبيتها نظرا للأخطار التي ارتكبتها في السنوات الأخيرة لكنها رغم ذلك تأتي في الترتيب الثاني بعد حزب المجاهدين. كان زعماء الجبهة الذين أسسوها في عام 1965 متأثرين بالثورة الجزائرية, وكان أمان الله خان يعتبر جبهة التحرير الوطني الجزائرية مثله الأعلى. وتدعو الجبهة إلى إحياء القومية الكشميرية وإقامة وطن مستقل للكشميريين على الأراضي التي كانت تمتد عليها كشمير قبل عام 1947 أي الموزعة على الهند وباكستان, وتعتقد الجبهة أن الشعب الكشميري له هوية وطنية مستقلة ويجب إنهاء تقسيمه بين الهند وباكستان لتكوين دولة كشمير المستقلة. ولا تعتبر الجبهة أن قضية كشمير مجرد نزاع حدودي بين الهند وباكستان وإنما قضية حق 12 مليون كشميري في تقرير مصيرهم بأنفسم. ومن هذا المنطلق تنتقد الجبهة قرارات الأمم المتحدة لأنها لم تعط خياراً ثالثاً يقضي بإنشاء كشمير المستقلة إلى جانب المقترحين القائلين بضم كشمير إلى الهند وباكستان, وتعلن قيادة الجبهة استعدادها لقبول تعيين حكومة انتقالية تحت وصايته أهمية لفترة تراوح ما بين خمس إلى عشر سنوات تم إجراء استقصاء شعبي في نهاية المدة ليختار شعب كشمير ما يرغب فيه.

هذه العقيدة للجبهة جعلت قادتها على خلاف في وجهات النظر حول جدوى القيام بعمل مسلح دون سابق إعداد له, ومن ثم انقسمت الجبهة وكون الجناح المتطلع للعمل العسكري بقيادة آمان الله خان جبهة التحرير الوطني وكان هدفها استعمال كافة السبل الممكنة بما في ذلك العمل العسكري من اجل تحرير كشمير ومن ثم دخل قادة الجبهة كشمير المحتلة في يونيو 1968 وتم إيقافهم بتهمة الترتيب لعمليات اغتيال وحكم على احد قادتها بالإعدام.
 

عن موقع نبأ

إلى صفحة المقالات