ما أشبه اليوم بالبارحة

أ. د. محمد العبيدي

قال تعالى : إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا

 

 

 يبدو أن التأريخ قد عاد للوراء 64 عاماً ليسجل لنا أحداثاً وقعت في عام 2004 في العراق مشابهة بالتمام والكمال لأحداث وقعت في أوربا، وبالذات في فرنسا في عام 1940 . ففي عام 1940 إحتلت ألمانيا النازية فرنسا وشكل المحتلون حكومة عميلة لهم تأتمر بأمرهم وتنفذ كل مطالبهم. كما وأرسلت ألمانيا النازية من يمثلها كسفير في فرنسا المحتلة ليشرف بنفسه على إدارة الحكومة العميلة التي نصبوها هناك.

فالتأريخ يحدثنا أن ألمانيا النازية قد شكلت حكومة فرنسية (1940-1944) هي حكومة فيشي العميلة التي نصبوها في منطقة فيشي الواقعة في جنوب شرق باريس، حيث قرر الألمان أن يبقوا مسيطرين على الأجزاء الشمالية والغربية وكل الساحل الأطلسي (ثلاثة أخماس فرنسا)، في حين أن الحكومة التي عينوها تسيطر على خمسي البلاد المتبقية ويديروها من فيشي التي إتخذوها كعاصمة لحكومتهم. إضافة لذلك قرر الألمان المحتلين أن يقلصوا الجيش الفرنسي من نصف مليون أو أكثر إلى أقل من 100.000 وأن يبقى السجناء الفرنسيون تحت سلطة القوات النازية. كما أن النازيين أجبروا فرنسا (أي حكومة فيشي) أن تدفع نفقات وجود قواتهم على الأراضي الفرنسية ومنعوا حكومة فيشي أن تسمح بخروج الفرنسيين خارج البلاد. وبأمر النازيين حلت حكومة فيشي المجلس الوطني الفرنسي، وعينوا فيليب بيتين رئيساً لفرنسا وجوزيف دارناند رئيساً للمخابرات بعد أن أقسموا يمين الولاء لهتلر، حيث صدرت إليهم أوامر النازيين أن تكون أهم مهماتهم هي القضاء على المقاومة الفرنسية.

 لا عجب هنا أن نرى أن ما حدث في العراق بعد إحتلاله من قبل أمريكا والمتعاونين معها هو بالضبط ما حدث في فرنسا بعد  إحتلالها من قبل النازيين الألمان. ولكن الفرق الشاسع في هذه المقارنة هو أن حكومة علاوي العميلة المحمية بقوات أمريكية كبيرة جداً ليست هي التي تدير العراق من "المنطقة الخضراء" الصغيرة جداً مقارنة بمنطقة فيشي الفرنسية، بل من يدير العراق هم الأمريكان ومن خلال سفارتهم في "المنطقة الخضراء" أيضاً. والفرق الآخر أن الألمان قد أبقوا على خمس قوات الجيش الفرنسي بعد إحتلالهم لفرنسا، بينما حلّ الأمريكان الجيش العراقي بأجمعه، وما تبقى من المسائل التي نفذتها قوات الإحتلال الأنكلوأمريكي للعراق هي نفس ما نفذه الألمان النازيون في فرنسا بالضبط. بل أن الإحتلال الأنكلوأمريكي للعراق كان أكثر وحشية من الإحتلال النازي الألماني، فالألمان لم يدمروا البنية التحتية لفرنسا عندما إحتلوها كما فعل الأمريكان وحلفائهم عند إحتلالهم للعراق. ففي فرنسا، على الأقل، إستولى الألمان على معظم الكنوز الثقافية الفرنسية للحفاظ عليها في حين أن الأمريكان دمروا وأحرقوا جميع الكنوز الثقافية العراقية من مكتبات وجامعات ومتاحف وأرشيف وطني، لا بل والأبشع من ذلك أنهم إستقدموا معهم عملاءهم من بعض الدول المجاورة ومنها إسرائيل للقيام بهذه المهمة الإجرامية نيابة عنهم.

والحدث المهم الآخر الذي يقارن بما جرى ويجري في العراق مع ما جرى في فرنسا أثناء الإحتلال النازي لها هو ما إطلعنا عليه في وثيقة مهمة من وثائق محاكمات نورنبرغ لمجرمي الحرب من الألمان النازيين والمتعاونين معهم. وهذه الوثيقة هي الأوامر التي أصدرها وزير خارجية ألمانيا النازية، بناء على تعليمات مشددة من قبل هتلر شخصياً، لسفيرهم الذي عينوه لدى حكومة فيشي الفرنسية، حيث تتحدث الوثيقة عن سلطة السفير النازي إلى حكومة فيشي والذي أرسل للقيام بمهماته في آب/أغسطس 1940.

تقول الوثيقة التي وقعها وزير الخارجية الألماني آنذاك ما يلي:

[ وزارة الشؤون الخارجية في 3 آب/أغسطس 1940

لقد عين الفوهرر أوتو آبيتز سفيراً إلى حكومة فيشي الفرنسية، وتبعاً لصلاحياتي فقد أمرته بما يلي:

أ‌)       ستكون للسفير آبيتز الأعمال التالية في فرنسا:

1)    تقديم النصيحة للمؤسسات العسكرية فيما يتعلق بالأمور السياسية.

2)    الحفاظ على إتصال دائم بحكومة فيشي وممثليها في المنطقة المحتلة.

3)    التأثير على الشخصيات السياسية المهمة في المنطقة المحتلة بطريقة ملائمة لغاياتنا.

4)    ومن وجهة نظرنا السياسية، عليه الإشراف على الصحافة والإذاعة والدعاية والتأثير على العناصر المسؤولة عن الرأي العام في المنطقة المحتلة.

5)     العناية بالمواطنين الألمان والفرنسيين والبلجيكيين في المنطقة المحتلة.

6)    تقديم النصح للأجهزة الأمنية والغستابو حول وضع اليد على الوثائق السياسية المهمة.

7)    وضع اليد على، وحماية الكنوز الفنية العامة والخاصة.

ب‌)  لقد أمر الفوهرر بشكل خاص أن يكون السفير آبيتز مسؤولاً عن جميع القضايا السياسية في المنطقة المحتلة. أما بخصوص المسائل العسكرية، فعلى السفير آبيتز أن يتفق ويتعاون بشأنها مع القيادة العسكرية الألمانية في فرنسا.

ت‌)  سيكون السفير آبيتز متصلاً بالقائد العسكري في فرنسا ويعمل كنائب له، وسيستلم تعليماته مني حول مهماته حيث يكون مسؤولاً أمامي فيما يخص ذلك، وأرجو من القائد العسكري في فرنسا أن يصدر تعليماته بهذا الشأن لجميع القيادات تحت إمرته وبالسرعة الممكنة.

التوقيع

ريبينتروب

وزير خارجية ألمانيا ]

 من يقرأ الوثيقة أعلاه ما عليه إلا إستبدال إسم السفير النازي آبيتز بإسم السفير الأمريكي نيغروبونتي وإسم فرنسا بإسم العراق، والإبقاء على نص الوثيقة كما هو. فمهمات نيغروبونتي في العراق هي نفسها مهمات النازي آبيتز في فرنسا المحتلة، بل وأكثر من ذلك، إضافة إلى أن السفارة الأمريكية في العراق مخطط لها أن تكون أكبر سفارة في العالم لأمريكا حيث أن مهمتها ليس فقط حكم العراق بل حكم المنطقة بأكملها.

ومن أوجه الشبه الأخرى لما جرى في فرنسا أثناء فترة حكومة فيشي هو تعيين الألمان رئيساً للوزراء يدعى بيير لافال الذي كانت تربطه علاقة وطيدة مع سفير ألمانيا النازية أوتو آبيتز بحيث كان يتلقى منه كافة التعليمات بشأن إدارة الدولة الفرنسية، إضافة لإتفاق لافال مع هيرمان غورينغ، الرجل الثاني في الرايخ الألماني، حول إستمرار التعاون والحماية العسكرية الألمانية لفرنسا. وهذا هو الشئ نفسه الذي يجري الآن في العراق من علاقة بين علاوي ونيغروبونتي وأركان الإدارة الأمريكية الآخرين، إن لم يكن أكثر من ذلك.

وفي صدد المقارنة بين حكومة فيشي الفرنسية التي نصبها الألمان النازيون في فرنسا وحكومة علاوي التي نصبها الأمريكان في العراق، لا بد لنا أن ننوه هنا إلى العلاقة الآيديولوجية الوثيقة بين من تبقى من حكومة فيشي النازية الذين إختفوا "تحت الأرض" وظهروا بعدئذ كمنضرين للحركة الفاشية العالمية الجديدة وبين صقور الإدارة الأمريكية من اليمن المتطرف والذين كانوا السبب الرئيسي في إحتلال العراق.

 قد لا يعلم القارئ الكريم أن منضر اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأمريكية هو شخص يدعى "ليو شتراوس" الذي يعتبر "عراب" الحركة التي باتت تعرف على المستوى الأكاديمي بالحركة الشتراوسية التي يسيطر معظم أعضاءها على رئاسة أقسام العلوم السياسية في العديد من الجامعات ومراكز البحوث الأمريكية. فقد نشأت الحركة الشتراوسية بنشوء العلاقة الحميمة بين ليو شتراوس وشخص روسي مهاجر إلى فرنسا إسمه "أليكسندر كوجيف" الذي كان حتى نهاية حكومة فيشي النازية من أكبر المتعاونين معها، والذي إختفى عن الأنظار ليؤسس بعد ذلك الحركة الفاشية الجديدة في فرنسا والذي يعتبر أيضاً مؤسس الحركة الفاشية الدولية وقائد أكبر حلقة فاشية في القرن العشرين. وهنا تجدر الإشارة إلى أن بول وولفويتس، نائب وزير الدفاع الأمريكي، هو أحد تلامذة "ألان بلوم" أحد قادة الحركة الشتراوسية الأمريكية والمساعد الأيمن لليو شتراوس. كما أن أبرز أعضاء الحركة الشتراوسية الفاشية من بين صقور الإدارة الأمريكية هم ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي، ودوغلاس فيث وريتشارد بيرل وجون آشكروفت إضافة إلى داعية "الحرب العالمية الثالثة" روبرت كاغان، والأخطر من هؤلاء جميعاً هم أولئك الصحفيون الذين يسيطرون على الإعلام الأمريكي إبتداء من روبرت مردوخ ونهاية بالعشرات من الآخرين الذين يكتبون في وسائل الإعلام التي يمتلكها ويديرها اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الأوربية.

 

 من هنا يتبين أن التأريخ لم يعيد نفسه جزافاً أو مصادفة، فما جرى في فرنسا النازية أثناء الحرب العالمية الثانية قد تم تطبيقه حرفياً في العراق، بل وأكثر، ولكن هذه المرة بواسطة جهاز أكاديمي وإعلامي مؤثر جداً في مراكز قرار السياسة الأمريكية وتثقف على مدى عقود من أجل تنفيذ مهمة الحركة الفاشية الجديدة التي هي القضاء على جميع الأنظمة الدولية المناهضة للسياسات الأمريكية بشكل خاص وتغييرها لتصب بالنهاية في مصلحة النظام الدولي الذي رسموه وخططوا له.

المهم في الأمر هو أنه بعد تحرير فرنسا في عام 1944 وإنتهاء حكومة فيشي لقي المتعاونون مع ألمانيا النازية ما يستحقون من عقاب، وهذا ما سيحصل بالتأكيد لكل من تعاون مع الإحتلال الأنكلوأمريكي للعراق.

26/8/2004

 

إلى صفحة المقالات