مثلث الشيطان
بقلم د.محمد عباس

قال تعالى: المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون

 

قلبي ثقيل هذا المساء  يا قراء..

قلبي مفعم بالحزن والألم والانكسار وقد أدرك اكتمال الحصار..

لا عن شك في نصر آت بوعد الله يقيني به أكثر من يقيني بما أسمع و أرى..

ولكن شكي كله ينصب على أن يرى جيلنا بوادر هذا الانتصار الذي لم يعد يشير إليه سوى شعاع ضوء وحيد يسطع من العمليات الإستشهادية التي يحاول الخونة بل الكفرة إدانتها والنيل منها..

***

قلبي ثقيل..

منذ الصباح الباكر تأتيني رسائل بالبريد الإليكتروني من الإسكندرية حيث تجرى هناك الانتخابات التكميلية لمجلس الشعب..

تابعت الرسائل حتى وصل عدد المعتقلين ثلاثمائة معتقل وثلاث معتقلات ذهبوا بهم إلى معسكرات الأمن المركزي في سيدي بشر..

رسالة من تلك الرسائل قالت أن الشرطة تعامل المعتقلين كما عامل اليهود الصهاينة أهل جنين..

أما الرسالة التي طفح بها كأس الألم فانفطر لها قلبي  فكانت تقول أن الشرطة المصرية  استعملت كل الأسلحة والوسائل للقهر والتزوير .. استعملت كل الوسائل ما عدا وسيلة واحدة ربما يستعملونها في الجزء الباقي من النهار.. وهى طائرات الأباتشى.

***

قلبي ثقيل..

بالأمس وصلتني رسالة من قارئ سعودي يعلق على مقالة الأسبوع الماضي..

يقول:

المكرم الكاتب محمد عباس

نشكر لك نحن السعوديون (وإن كنا لسنا من هذه العائلة)على حسن ظنكم في أهل الحرمين .ولكن الأغلب منا ليس كذلك إنما شعب جبان يعيش تحت هيمنة العبودية مستسلما كالولايا (النساء اللاتي ليس لهن عائل)لا تنبس ببنت شفه.لقد كرهنا الصحافة والكتاب وأصبحت شعوب الأمة متخبطة لا يعرفون الصادق من الكاذب ،لقد أصبح الشعب من مؤيد للتخاذل العربي والمفروض أن لا نقول عربي كما يريد الصهاينة وزبانيتهم ولكن نقول للتخاذل الإسلامي تجاه دينهم أولا وأوطانهم ثانيا .أنا أكتب لك وأخاف على نفسي وعيالي من أن يصل الخبر إلى السلطات فقد يكون الناقل أنت ومن يدرى (ولكن كتاباتك لا تدل على ذلك) أو مراقبي الإنترنت . المهم كل ما أريد قوله إن الشعب السعودي شعب أرغم على أن يكون جبانا أستغفر الله مسالما ،صدقني العالم ما ترحم ولكن هذا الشعب لو وجد من يكفل عياله فهو جندي إنشاء الله من جنود الرحمن وإذا دعى الأمر وتعرض إحدى الحرمين الذين نجاوره فساعتها لا نحتاج لمن يكفل عيالنا فنحن وهم على الله وأنا آسف لأن أقول الحرمين حيث أن العتاولة لا يسمحوا لأحد الوصول لثالث الحرمين ونشكرك على حسن الظن .

***

قلبي ثقيل..

زاد من وطأة الألم عليه مقالة للكاتب البريطاني الشهير روبرت فيسك يقول فيها:

 من الواضح أن عرفات لم يفشل في واجباته كزعيم فلسطيني، ولكنه فشِل في واجباته كلعبة لإسرائيل والولايات المتحدة في الضفة الغربية وغزة.

وأضاف فيسك: "لقد حصل عرفات على فترة زمنية ليثبت إخلاصه للغرب وأمريكا وإسرائيل وكان من المفترض أن يضمن الأمن والسلام للمستوطنات، لكنه الآن لم يصبح قادرا على السيطرة على شعبه".

***

أنّ قلبي:

حكامنا لم يفشلوا.. ولقد لعبوا الدور الذي كلفوا به تماما.. أصبحوا – و أصبحنا معهم- لعبة بين الأمم..

عرفات فشل – وأنا أبعد الناس عن أي محاولة للدفاع عنه.. بل لعلى أذكر من نعم الله علىّ أنني لم أقل عنه كلمة ثناء قط- بل كانت كل كتاباتى عنه منذ عشرين عاما فى الاتجاه الآخر..

عرفات فشل في السيطرة على شعبه..

لكن حكامنا لم يفشلوا..

أمسك إذن عن إدانة عرفات الذي مهما بلغت خيانته فلم تبلغ أبدا المدى الذي بلغته خيانة حكامنا..

وتوقف إذن عن إحساس الذبح الذي يعتريك كلما تابعت ما يفعله الصهاينة بإخوتك في فلسطين.. توقف.. لأن لنا هنا أمر و أنكى.. وما زال إخوتنا فى فلسطين يقاومون.. أما نحن فقد همدنا تماما وكففنا عن المقاومة..

أقصى ما يطمح إليه المجرم بوش وتابعه شارون الآن أن يصبح ياسر عرفات كأي حاكم من حكامنا..

و أقصى ما يمحون إليه أن يصبح الفلسطينيون مجردين من النخوة والكرامة والمقاومة كأي شعب من شعوبنا

***

قلبي ثقيل..

ثقيل للدرجة التى لا يجرؤ معها على التوغل فى الجرح المنكوء فى فلسطين و أفغانستان والشيشان وكشمير.. لذلك يستعيض عن حمل الهم الأكبر بحمل هموم أصغر.. كمن لا يجرؤ على الخوض فى غيابات البحر المحيط فيروح يعبث فى برك المياه الآسنة..

برك المياه الآسنة التى يربض فيها حكامنا و أجهزة أمننا ومثقفونا كالوحوش الضارية..

***

يا قراء أنا لا أعرف أنصاف الحلول ولا أنصاف الكلمات ولا عبارات وظيفتها إخفاء المعنى لا إبدائه..

لا أعرف دعارة الكلمات..

وأنا أعلم أن المؤمن كيس فطن لكننى أعلم أيضا أن الحق أحق أن يتبع.. و أن يقال..

يا قراء:

النخبة التى ذكرتها لكم على التو نخبة خائنة..

لا أقولها بالمعنى الإسلامى فذلك أمر مفروغ منه وقد تعددت فيه الفتاوى أن من يصر على ألا يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون..

و إنما أقولها بالمعنى الدنيوى العلمانى – قبح الله العلمانية وقبح معتنقيها- .. لأننى يا قراء أريد أن أدينهم بدينهم العلمانى الكافر لا بديننا الحنيف.. و أريد أن أقول أن هذه النخبة خائنة بتطبيق قانون نابليون ومواثيق الأمم المتحدة.. بل خائنة باستعمال القانون المحلى.. و أنه كان على الشرطة فى عالمنا الإسلامى.. بدلا من أن تقوم بعملها الذى لا يهديها إليه سوى الشيطان.. كان عليها أن تجمع أدلة اتهامهم .. ثم كان عليها أن تلقى القبض عليهم و أن تقدمهم للمحاكمة ثم تنفذ فيهم القصاص..

وكان على مثقفينا ومفكرينا أن يفضحوهم..

لكنهم أخزاهم الله شاركوهم بدلا من أن يفضحوهم.

***

لا أظن أن عربيا مسلما واحدا يمارى الآن فى خيانة الحكام والعسكر..

لكن الذين دلسوا علينا وخدعونا أكثر من الحكام والعسكر هم المفكرون والكتاب..

خدعونا..

وما كان يجب أن ننخدع..

لأن الطاغوت الذى اختار قرصانا كرجل شرطة لم يكن له أن يختار ملاكا ككاتب أو مفكر أو رئيس تحرير..

الكفر ملة واحدة..

ومقاييس الاختيار واحدة..

***

ربما.. لو لم يخن المفكرون والكتاب ما تمكن الحاكم الطاغوت بكل عسكره من خداع الأمة..

لعبوا دور المحتال الذى تسلل إلى الأمة وهى غافلة تظن أنه منها ولا تدرك أنه ثعبان سام وحية رقطاء.. وصوت سيده وسوط مولاه..

***

فى كتاب بالغ الأهمية بعنوان " حصوننا مهددة من داخلها" بقلم الدكتور محمد محمد حسين- الطبعة 12- دار الرسالة- المملكة العربية السعودية يفضح الكاتب أمثال هؤلاء فيقول  أن الجديد في أمر هؤلاء الدعاة أن شرهم لم يعد مقصورا في هذه الأيام على الكلام، فقد انتقلوا من مرحلة الكلام إلى مرحلة العمل بعد أن نجحوا في ا التسرب إلى الحصون التي تحمي قيمنا ، وأصبح كثير منهم في مناصب تمكنهم من أن يدسوا برامجهم وخططهم على المسؤولين من رؤسائهم وينفذوها في صمت ، ودون أن يثيروا ضجة تلفت إليهم المعارضات . ولهؤلاء المفسدين عصابة تشد أزرهم وتشيد بهم وتنوه بذكرهم وتحميهم من كل خصومهم وتقطع ما يهاجمون به مما ينبه الناس إلى شرهم عن كل وسائل النشر ، فلا يصل إلى آذان الناس أو عيونهم شيء منه . وأنا حين أزعم  أن هؤلاء الدعاة ينتمون إلى عصابة ذات خطر إنما أعني بالعصابة كل مدلولها وكل حرف من حروفها وكل مفهوم من مفاهيمها .

هذه العصابة قليلة العدد. ولا ترجع قوتها إلى كثرة عددها . ولكنها ترجع إلى تماسك أفرادها وتضامنهم، يساعد بعضهم بعضا ، ويحمي كبيرهم صغيرهم  ، يمهد ا السابق منهم  لّلاحق ، ويهيئ له فرص الظهور والترقي ، بينما يحاصرون  كل الخصوم  الذين يعارضونهم  والذين يقفون في  وجه خططهم . يحدث ذلك كله في الظلام والصمت  . وقد لا يكون هناك تنظيم واحد معروف بعينه يضمهم، ولكن المهم في الأمر أنهم جميعا ، على اختلاف نزعاتهم وعلى تباين ساداتهم وشياطينهم ، متعارفون متضامنون . والمتدبر لخططهم وتحركاتهم في إحكامها ، وفي تناسقها ، وفي وحدة أهدافها ، وتشابه أساليبها في كثير من الأحيان ، وفيما تستند إليه من نفوذ واسع ،-لا بد أن ينتهي إلى أن هناك هيئات منظمة تنظيما دقيقا من وراء هذه الحركات ، وأن بين هذه الهيئات قدرا كبيرا من التفاهم واتفاق المصالح . تستمد تلك العصابة قوتها وخطورتها من هذا التنظيم من ناحية ، ومن أنها مجهولة الرأس والحدود والأطراف والأساليب والأعوان من ناحية أخرى . وهذا التنظيم وهذه السرية هما مصدر قوة هذه العصابة التي لا تفترق عن عصابات السطو والإرهاب في شيء . فهي لا تعتمد في تنفيذ خططها على الإقناع شأن أصحاب الرأي ، ولا على الانتخابات كأصحاب ( الديموقراطية ) المزعومة ، ولكنها تعتمد على العمل في الظلام وعلى البطش بالخصوم والتخلص من المعارضين ومؤازرة الأولياء والأصدقاء وتمكينهم من مقاليد السلطة. وهم يسلكون لذلك كل سبيل ، ويستغلون فيه كل وسيلة ، وعلى رأس هذه الوسائل الصحافة والإذاعة والمنابر ودور النشر وشراء الذم والتهديد بالفضائح.

***

ويواصل الدكتور محمد محمد حسين فضحه لأساليب هؤلاء الخونة فيقول:

ومن هذه الأساليب التي لا تحصى أسلوب مشهور معروف لم يعد يخفى على بصير ، يلقي أعضاء هذه العصابة شباكهم حول أصحاب النفوذ والسلطان ويدخلون إليهم من أقرب الأبواب إلى قلوبهم وأضعف الثغرات في نفوسهم ، ثم يتظاهرون بالتفافي في حبهم والإخلاص في خدمتهم ، فيلازمونهم ملازمة الظل ، لا يغادر ونهم طرفة عين ، ويراقبون منهم الإشارة والبادرة ، مراقبة الكلب الأمين لصاحبه ، حتى يصبح التابع منهم لازمة من لوازم سيده ووهما مسلطا عليه لا يتخيل إمكان الاستغناء عنه ، وبمرور الأيام تتحول هذه البطانة إلى سور ضخم شاهق يحجب عن بصر صاحب النفوذ  كل شيء عداه ، فحيثما وجه البصر لا يرى إلا هذا السور ، وتصبح هذه الدائرة الضيقة هى دنياه ، لا يعرف شيئا مما يجري وراءها فى دنيا الناس . وعند ذلك يصبح صاحب النفوذ في حقيقة أمره سجينا من حيث لا يدري ، لأنه لا يرى إلا ما يسمحون له برؤيته ، ولا يسمع إلا ما يسمحون له بسماعه وحسبك بهذا سجنا ، ثم يصل به الأمر إلى أن يصبح صنما معبودا كعجل الكفار من الفراعنة ، يحبس في الظلام ، ولا ينتفع بعبادته وتقديسه إلا سدنته . وأخطر ما في أمر هذه العصابة أن أفرادها يتمتعون بكل ما في حرب العصابات من مزايا . ومن أخطر هذه المزايا أن الجهاز الحكومى - وهو يشبه الجيش النظامي - لا يستطيع توجيه الضربة القاضية إليهم .

***

بعض هذه الكلاب هى التى تتصدى – لمصلحة الحكام وشارون وبوش – لكى تسلب من العمليات الاستشهادية مبررها ورونقها وبهاءها..

 

***

قلبي ثقيل يا قراء..

فالفادح أن هذه المعلومات المروعة التى كشفها لنا الدكتور محمد محمد حسين منذ نصف قرن لم يثبت الزمن أنها صحيحة فقط.. بل لقد تعداها إلى ما هو أبعد منها بكثير.. و أصبحت هذه العصابة التى كانت دائمة الاستخفاء تجاهر بل وتباهى بالخيانة والفحشاء، ومضى الزمن الذي كانوا يتسربلون فيه بعباءة الإسلام كى يطعنوه من داخله.. الوقت الذى جهدوا فيه أن يدلسوا على الأمة بأن الاشتراكية والرأسمالية وتحرير المرأة والديموقراطية من الإسلام.. ولم يكن الخونة المارقون بقصدون مصالحة وتنويرا وتطويرا بل كانوا يقصدون استبدال الإسلام كله.. وهو ما يجهرون به الآن.. منددين بديننا.. مسفهين ثقافتنا  .. مطلقين عليها أسماء علمها الشيطان لهم: منها الثقافة الرعوية.. نسبة إلى أن عددا كبيرا من أسلافنا العظام ، وعلى رأسهم أشرف المرسلين وخاتم النبيين قد اشتغلوا كرعاة فى بعض فترات حياتهم.. ومنها أيضا : ثقافة البدو المتخلفة.. كما يهاجمون القرآن جهارا والسنة ليلا ونهارا..

***

قلبي ثقيل يا قراء..

إذ أننى أتساءل ماذا كان الدكتور محمد حسين سيقول لو رأى ما نراه اليوم ..

ماذا كان سيكتب حينما يرى "الجهاز الحكومى" الذى ودّ أن يتصدى للخونة المارقين قد انضم إليهم..

***

ربما أختلف مع الدكتور محمد محمد حسين قليلا فى ترتيب الأمور لا فى فحواها ولا فى نتائجها..

فالأمر كما يبدو لي الآن في غاية الوضوح هو أن قوة خارجية، والشيطان قد قررت حصارنا بالكامل.. فوضعت خطة ذات أضلاع ثلاثة:

الضلع الأول هو الحكام.. الذين اتفقوا مع الغرب سرا على بيع الأمة لهم مقابل توليهم الحكم واستقرارهم فيه.

والضلع الثاني هو العسكر من شرطة وجيش  التي تكفلت بقمع الأمة وسحقها وتمكين الطواغيت منها..

الضلع الثالث هو ضلع الكتاب والمفكرين..

***

وبين الأضلاع الثلاثة اكتمل حصارنا.

في مثلث الشيطان

===========================================================

bullet

يا رعاك الله أليس هناك ضلع رابع لا يقل عما ذكرته مفكرنا الكريم بل نراه  أشد الأضلاع
 تأثيراً وفتكاً ألا وهو علماء السلاطين الذين يحجبون النصيحة ويعينون على الضلال.

 

إلى صفحة المقالات