نظرة قانونية في محاكمة الرئيس صدام حسين

شبكة البصرة

مركز بغداد لدراسات الوحدة العربية

بغض النظر عن التهم الموجهة للرئيس صدام حسين وأسباب المحاكمة وطبيعتها ووقتها فأننا نجد ان هذه المحاكمة غير قانونية وغير عادلة وتتناقض مع أصول المحاكمات المعروفة، وتشوه القضاء العراقي وتنتهك ابسط القواعد القانونية المتعارف عليها في جميع دول العالم بصورة عامة وفي العراق بصورة خاصة لما للعراق من إرث قضائي مشرف تطور خلال عقود عديدة من الزمن.

ان المحاكمة غير قانونية للأسباب الآتية:

1-   بأي دستور يمكن محاكمة الرئيس صدام حسين. فإذا كانت هذه المحاكمة طبقا للدستور السابق الصادر في 16/7/1970 على أساس أنه القانون الذي يحكم الافعال التي وقعت في وقت نفاذه، فان الرئيس صدام حسين يتمتع بالحصانة القضائية طبقا للمادة (40) من الدستور المذكور، التي منحت رئيس الدولة الذي هو رئيس مجلس قيادة الثورة ونوابه والأعضاء لحصانة القضائية. وهذا يعني ان القضاء العراقي غير مختص في النظر في الأفعال التي ارتكبت في وقت سريات الدستور العراقي المؤقت بسبب الحصانة التي يتمتع بها رئيس الدولة. أما إذا كانت المحاكمة تجري طبقا لقانون إدارة الدولة وهو الدستور الحالي الذي أصدرته قوات الاحتلال بتاريخ 30/حزيران/2004  ومع ذلك فقد نصت المادة (15) من قانون إدارة الدولة على ما يأتي:" لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون ساري المفعول عند ارتكاب الجريمة". وهذا يعني ان القوانين التي صدرت بعد سقوط النظام لا تسري على الماضي لعدم رجعيتها على الماضي بنص دستوري واضح. وطبقا للدستور السابق والدستور الحالي فأنه لا يجوز محاكمة الرئيس صدام حسين. أما بالنسبة لقواعد القانون الدولي فانه ليس لدولة محاكمة رئيس دولة بسبب ارتكابه أية أفعال تعد انتهاكا لقوانينها بسبب تمتعه بالحصانة الدبلوماسية التي يتمتع بها طبقا للمادة (23) من اتفاقية البعثات الخاصة لعام 1969 واتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1963 بوصف انه يمثل أعلى هيئة دبلوماسية في الدولة.

2-   أعلنت قوات الاحتلال بانها تسلم الرئيس العراقي صدام حسين إلى الحكومة العراقية بعد انتها مدة أسره. غير ان المحاكمة جرت في قاعدة عسكرية أمريكية وان الجنود الأمريكيين يتولون حراسته. وقد ظهر عدم احترام قوات الاحتلال لمشاعر العراقيين حيث أظهرت شاشات التلفاز تقييد الرئيس صدام حسين بالحديد من يديه ورجليه. وهذا الإجراء يتناقض والقيم الإنسانية وحقوق المتهمين السياسيين. ومن المحتمل ان تكون هذه المحاكمة إجريت في وقت  سابق. والغرض من نشرها في الوقت الحاضر هو إلهاء المواطنين وتغطية ما يجري على الساحة العراقية.

3-   ان القاضي لم تكن له خبرة قانونية عريقة تؤهله القيام بمثل هذه المهمة. وكما يبدو انه شاب في مقتبل العمر. ويبدو عليه انه لأول مرة يحضر محاكمة. والقاضي غير محايد وهو موالي للولايات المتحدة الأمريكية. وسبق له ان أصدر مذكرة اعتقال السيد مقتدى الصدر بناء على طلب سلطات الإحتلال. وان التحقيق مع صدام حسين ينبغي ان يقوم به قضاة محايدون يتمتعون بسمعة قضائية معروفة للمواطنين.

4-   لم تكن هيئة القاضي تدل على معرفته بأصول المحاكمة. فهو يقاطع المتهم وهو يتحرك على كرسه يمينا ويسارا. فللمتهم ان يتكلم ما يشاء وان كان ذلك يمس الآخرين. وليس للقاضي ان يمنعه من الكلام. وما على القاضي إلا تسجيل ما يقول به المطلوب التحقيق معه. وشاهدنا القاضي يقاطع صدام حسين لتعرضه لحكام الكويت. في الوقت الذي يتهمونه حاكم الكويت بأبشع التهم. فلماذا لا يرد هو كذلك. ولماذا لا يطلب من حكام الكويت الامتناع عن التدخل في شؤون المحكمة.

5-   من المعتاد ان القاضي يعرف نفسه قبل ان يطلب من المتهم بتعريف نفسه من اجل ان يعرف المتهم انه واقف أمام من ومن هو الذي يستجوبه. ومن ثم يعلن الجهة التي طلبت محاكمته. ولم يعرف قاضي التحقيق نفسه إلا بعد ان طلب منه صدام حسين ذلك. فكل ورقة تحقيقية ينبغي ان يذكر فيها القاضي أسمه ودرجته القضائية والتاريخ ومكان التحقيق. وهذا لم نشاهده من قاضي التحقيق. ولم يعلن القاضي من هي الجهة التي طلبت منه ذلك.

6-   لم تتحقق العلنية كما أعلنت عنها الدولة والتي اوجبتها الفقرة (و) من المادة (15) من قانون إدارة الدولة. فنحن شاهدنا المتهم ولم نشاهد القاضي والحضور والمكان الذي أجريت فيه المحاكمة. وقد تكون المحاكمة سرية بناء ظروف معينة يعلنها القاضي في أول جلسة. ولم يحصل هذا القرار بل ان المحاكمة كانت تأخذ شكل العلنية وهي ليس علنية حقيقة. وقد تلجأ محاكم بعض الدول إلى إخفاء المتهم لمنع اعتداء الجمهور عليه. والذي حصل عندنا ليس إخفاء وجه المتهم بل وجه القاضي!.

7-   تعد التهم الموجهة لرئيس العراقي صدام حسين تهما معدة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. فمن غير المنطق ان توجه له تهمة ضرب "إسرائيل". فهذه التهمة في مفهومها وحقيقتها تهمة معدة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.

8-   قام الإعلام بنشر بعض النصوص المتقطعة ما قاله صدام حسين ولم تنشرها بالكامل وهذا الموقف السياسي يقوم على تشويه الحقائق. فمن حق المواطن العراقي والعربي ان يعرف كل شئ فهو المعني بهذا المحاكمة. فلا تتحقق العلنية بأختيار بعض الكلمات وحذف الأخرى.

9-   أعلن قاضي التحقيق بانه قاضي خاص. وهذا يتناقض مع احكام الفقرة (ط) من المادة (15) من قانون إدارة الدولة التي منعت إنشاء محاكم خاصة أو استثنائية. كما ان القاضي لم يحدد المحكمة أو المنطقة التي يعمل في نطاقها للتأكد من صلاحيته المكانية.

10- ان التهم السبع التي وجهها قاضي التحقيق تعد تهما سياسية أو ارتكبت لأسباب سياسية في حين ان الفقرة (ج) من المادة (15) من قانون إدارة الدولة منعت المحاكمة والاحتجاز بسبب معتقدات سياسية.

11- لم يحضر التحقيق المدعي العام ولا ممثله ولم تحضر هيئة الدفاع عن المتهم خلافا لقانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي الذي أوجب ان تقوم المحكمة بالسماح للمحامين بحضور جميع إجراءات التحقيق والمحاكمة.

12- ان ضرب مدينة حلبجة بالسلاح الكيماوي عام 1988 كانت من قبل القوات الإيرانية. وعندما قام الجيش العراقي بتحرير المدينة شارك بعض الأكراد بتحريرها. فكان اكثر المقابر الجماعية تضم أفراد حرس الثورة الإيرانية. وقد تأكد ذلك في قرارات القمة الإسلامية الصادرة عام 2003 والتي اتهمت الرئيس العراقي بالمقابر الجماعية للإيرانيين.

13- نصت المادة الثانية من قانون إدارة الدولة على ان العراقيون كافة متساوون في حقوقهم أمام القانون، وان الجميع سواسية أمام القضاء. فلماذا يحاكم صدام حسين عن تهم المطالبة بالكويت ولا يحاسب غيره سبق ان طالب بذلك. ومنهم الملك غازي ونوري السعيد وفاضل الجمالي وعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف؟. وفي الاتجاه المقابل لماذا لا يحاكم حكام الكويت عن الجرائم التي ارتكبت في العراق قبل عام 1991 وبعد احتلال العراق وما قاموا به من نهب وسلب وحرق مؤسسات الدولة. ولماذا يحاكم صدام حسين عن ضرب "إسرائيل" ولا تحاكم على الجرائم التي اقترفتها بحق الشعب الفلسطيني كل يوم.

     ان تطبيق سيادة القانون تعد من مستلزمات السيادة وان النظر في مثل هذه القضايا هي مفتاح التحقق من ان الدولة تراعي القانون. فإذا ما احترمت الدولة القانون وجب على المواطن إطاعته والعمل بموجبه. والعكس صحيح أيضا. فإذا كان التحقيق هكذا فكيف ستكون المحاكمة.

ومن هذا نقول أين نقابة المحامين التي أسكت نقيبها بتعيينه وزيرا للعدل. وأين المؤسسات القانونية من هذه المحاكمة. وأين اتحاد المحامين العرب وأين جمعيات حقوق الإنسان العراقية والعربية والعالمية التي زاد عددها بشكل خيالي. والمهم في ذلك كله ان بوش مسرور على المحاكمة!!.

شبكة البصرة

الثلاثاء 18 جماد الأول 1425 / 6 تموز 2004

إلى صفحة المقالات