أين المفر...الهزيمة العسكرية من أمامكم والهزيمة السياسية من وراءكم

أ. د. محمد العبيدي

قال تعالى : الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا

 

 يشير الإعلام الغربي، والأمريكي منه بالذات أن المخططين السياسيين والعسكريين للإدارة الأمريكية قد بدأوا فعلاً بوضع إستراتيجيتهم حول كيفية الخروج من المستنقع العراقي الذي تورطوا فيه. فقد بدأ هؤلاء يدركون أنه لا يبدو هناك حلاًً لمشكلتهم في العراق، خصوصاً بعد تزايد عمليات المقاومة ضد قواتهم لتشمل جميع المناطق وإبتداء من اليوم الأول لإحتلالهم للعراق، وما عزز تخطيطهم لذلك هو ما يشاهدوه على الأرض حيث أدرك العراقيون أن الحكومة العميلة التي عينها الأمريكان لم ولن تستطع أن تجلب الأمن والثقة التي كانوا ولا زالوا ينتظرونها بعد ما يقارب السنة والنصف على إحتلال العراق. فواضعي السياسة الأمريكية واثقون جداً الآن أنه لم يعد بمقدورهم الإستمرار بالعمل من أجل بناء نظام مستقر يأتمنونه لتنفيذ سياستهم الإستعمارية في العراق ومن خلاله لبسط نفوذهم على منطقة الشرق الأوسط برمتها، ولكن بنفس الوقت لا يريدون الإنسحاب من العراق لأنهم يعتقدون بأن ذلك يعني كارثة للسياسة الأمريكية ليس في العراق فحسب بل في المنطقة بأجمعها.

 إن الورطة الأمريكية والبريطانية في المستنقع العراقي التي يعلم تفاصيلها جيداً مرشح الرئاسة الديمقراطي جون كيري، أدت به للقول أنه في حالة إنتخابه رئيساً للولايات المتحدة فإنه سيسعى جاهداً لنيل المساعدة العسكرية من الدول الكبرى التي لم تؤيد بوش في إحتلاله للعراق، وإن لم يستطع ذلك فإنه سيسألهم أن يخرجوه من ورطة أمريكا في العراق، ولو أن ذلك ليس بمتوقع. وبعد تصريحات كيري هذه، يبدو أن الإدارة الأمريكية تحاول إستباقه في تنفيذ مقترحاته، فقد أرسلت بالأمس المجرم رامسفيلد إلى روسيا للتباحث حول كيفية إخراج الأمريكان وحلفائهم من الورطة التي وقعوا فيها، فجاء تصريح وزير الدفاع الروسي بعد تلك الزيارة والذي أعلن فيه أن روسيا لن ترسل قواتاً إلى العراق، بل دعى إلى ضرورة عقد إجتماع لقوى المعارضة العراقية للإحتلال وقوى المقاومة وكذلك الدول المجاورة، على غرار إجتماع الأفغان في برلين، ويبدو أن تصريحه ذلك كان من أجل إعطاء متنفس لقوات الإحتلال لجمع صفوفها والتفكير برحيلها، وفق نظرية التراجع الإستراتيجي العسكرية، خطوة للأمام وخطوتين إلى الخلف.

 فالأمريكان الآن بين المطرقة والسندان، فهم يرون أن قواتهم وقوات حلفائهم الضخمة التي تحتل العراق وبكل ما متوفر لديها من أسلحة متطورة وتكنولوجيا لم يتمكنوا من وقف عمليات المقاومة البطولية ضد قواتهم أو القوات العراقية التي أنشأوها والتي تعمل تحت سيطرتهم، فكيف بهم لو تركوا الأمر لحكومة علاوي وقواته الأمنية التي أرادوا لها أن تكون كبش الفداء والدرع البشري الواقي لقواتهم؟ ومن أجل أن يروا علاوي رجلاً قوياً وذو قبضة حديدية في السيطرة على الوضع الأمني في العراق، فقد أعطوه وقواته الأمنية، مضافاً إليها مليشيات الأحزاب المتعاونة معه مثل فيلق بدر والبيشمركة وغيرها، الضوء الأخضر ليشنوا أقسى هجوم لهم على قوى المقاومة الباسلة ومنها بالذات قوات جيش المهدي في النجف الأشرف وبقية مدن الفرات الأوسط والجنوب العراقي وكذلك قوات فصائل المقاومة الأخرى كما يجري الآن في الفلوجة والرمادي وسامراء بشكل خاص وفي محافظات ومدن العراق الأخرى بشكل عام. وإلى حين أن يثبت علاوي لأسياده الأمريكان أنه قادر على إنجاز هذه المهمة الصعبة، سيعتريه الطيش والحقد والغباء بإصدار أوامره، التي هي أوامر أسياده الأمريكان، لفعل ما لا يحمد عقباه، والتي قد تكون القشة التي تقصم ظهر البعير، علاوي وحكومته الخائبة، وبالتالي قوى الإحتلال بكاملها.

إن قوى الإحتلال تدرك، كما تدركه جميع فصائل المقاومة الباسلة، أنها لم ولن تستطع فرض الأمن الذي يريدوه، حسب تعريفهم، في كل بقعة من بقاع العراق، لذلك فإن تكتيكات قوى الإحتلال في الوقت الراهن هي إحراز نصر بسيط هنا أو هناك، ولكن ذلك سينتج عنه في النهاية وبالتأكيد فرض إنتكاسة شاملة لمخططاتهم البعيدة المدى. فلو نظرنا على سبيل المثال إلى ما يحدث الآن في النجف الأشرف، فنحن نظن أن قوات المارينز الأمريكية ومعها جحوش الأجهزة الأمنية لعلاوي قد يكون بإمكانها دحر جيش المهدي، آخذين بنظر الإعتبار القوة النارية والبشرية للعدو، وإن حدث ذلك الإندحار فإنه سيولد من جانب آخر ثورة شعبية مسلحة عارمة وعصياناً مدنياً يعمّان جميع محافظات العراق، عندها ستسقط حكومة علاوي العميلة، الأمر الذي سيؤدي بالتأكيد لدحر الإحتلال، خصوصاً وأنه من الواضح أن الإدارة الأمريكية لا يبدو أن لديها إستراتيجية عسكرية قادرة على دحر المقاومة الوطنية وليس لديها أيضاً إستراتيجية سياسية لضمان الإستقرار السياسي في العراق.

 لقد دخلت مقاومة الإحتلال، كما ذكرنا في مقال سابق، المرحلة الثالثة لها، مقاومة تشن بتشكيلة عريضة من قوى عراقية سياسية ودينية لها نفس الأهداف والدوافع ألا وهي مقاومة المحتلين وأعوانهم وطردهم من العراق، حرب صعبة جداً بالنسبة للمحتلين لأن صعوبتها تتمثل من أنه ليس وراءها تنظيم واحد بل عدة تنظيمات وتعمل بشكل لامركزي حيث تكمن صعوبة إحتواءها والقضاء عليها. والأهم من ذلك هو أنه حتى لو تعرضت واحدة أو أكثر من حركات المقاومة إلى هزيمة أو إنحسار لعملياتها بفعل الضربات الأمريكية لها فهذا بالتأكيد لا يعني هزيمتها بأجمعها لأن جميع فصائل المقاومة العراقية تعمل بشكل لا مركزي وأنها غير مرتبطة بعضها بالبعض الآخر ولا يوجد هناك مركز مفصلي واحد لقيادتها جميعاً لكي يمكن توجيه ضربة له من قبل المحتلين وأعوانهم يؤدي إلى إنحسار عملياتها بأجمعها، إضافة إلى إستمرار ظهور فصائل مقاومة جديدة تعوض إنحسار تلك الفصيلة أو الفصائل التي قد تتأثر بالضربات الأمريكية.

 

 ووفقاً لما ذكره تيم رايبلي أمس 15/8/2004 في مجلة Scotsman (Scotland on Sunday) أنه في خلال الساعات الأولى لإحتلال العراق ودخول القوات الأمريكية إلى النجف الأشرف إتصل عملاء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بآية الله علي السيستاني لغرض الحصول على دعمه لإحتلالهم للعراق، وبالرغم من حياديته في البداية، إلا أنه أمر أتباعه بعدئذ بالتعاون مع الأمريكان. تبع ذلك محاولات مركزة من قبل الأمريكان لتشديد علاقتهم برموز الطائفة الشيعية وكان من ضمنها أنهم إستقدموا إلى العراق بعض هذه الرموز التي كانت تعيش في المنفى ومن ضمنهم عبد المجيد الخوئي الذي قتل بمجرد دخوله إلى النجف. ومن هذا تبين للأمريكان أن رموز هذه الطائفة غير متحدين بتعاونهم مع قوات الإحتلال، بل أن العديد منهم كان مناهضاً للإحتلال منذ البداية، وكان على رأس هؤلاء السيد مقتدى الصدر الذي أصبح جيشه، جيش المهدى أحد الرموز المهمة لمقاومة الإحتلال.

 

وبهذا إزداد المنحى الراديكالي للطائفة الشيعية المعارضة للإحتلال وأعوانه والتي بدأ بتفعيلها السيد مقتدى الصدر حيث أصبحت على مدى الوقت تستوعب أعداداً كبيرة من أبناء هذه الطائفة وخصوصاً المحرومين منهم والذين يمثلون الأغلبية الساحقة، وحيث تراجع زخم الجانب الآخر المؤيد للإحتلال من أمثال حزب الحكيم والدعوة وغيرهم ممن ساند الإحتلال منذ البداية، وهذا الأمر أصبح يمثل للإحتلال غاية التعقيد حول نقل حقيقة هذه الثورة بتصويرهم لها أنها ليست سوى حركة عابرة سرعان ما سينهونها بقوة السلاح. إضافة إلى ثورة جيش المهدي التي تعم الآن جميع محافظات الوسط والجنوب، إستعرت المقاومة وإزداد عنفوانها في المدن الأخرى وبهذا أصبحت النظرية العسكرية التي تنطبق على محاولات المحتلين التخلص من المستنقع الذي تورطوا فيه مناقضة تماماً لنظرية الفعل المقاوم حيث يمكننا القول أنها تسير وفق خطة التقدم والهجوم الإستراتيجي، خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الخلف.

 

 لقد أوردت الأنباء أن مستشاري الإدارة الأمريكية بالشأن العراقي قد قدموا نصائحهم لتلك الإدارة بضرورة العمل على تحييد القوى الفعالة في المقاومة الوطنية العراقية من خلال المفاوضات السرية معها. فبعد أن أدركت الإدارة الأمريكية أنه ليس ممكناً القضاء عسكرياً على المقاومة العراقية التي تسعى لإيقاع أكبر الخسائر بقواتهم في العراق، نصح هؤلاء المستشارون بضرورة التوصل إلى إتفاقات سرية مع فصائل المقاومة العراقية تلك عبر التفاوض مع مجموعة من القيادات والشخصيات والمرجعيات المؤثرة على تنظيماتها وإشراكها في العملية السياسية التي يمارسونها حالياً في العراق.

 

 إلا أن الغباء الأمريكي قد وصل أبعد حدوده في هذه المسألة، حيث لم يدركوا بعد أن أهمية كثرة عدد فصائل المقاومة العراقية وعدم إرتباطها تحت قيادة مركزية واحدة سيجعل قوات الإحتلال تواجه مسألة شائكة في تحييد المقاومة أو التقليل من فعالياتها وضرباتها، ذلك لأن قوات الإحتلال لم تتمكن لحد الآن، ولا في المستقبل، التحدث مع قادة أي فصيل من فصائل المقاومة لغرض تحييده من جهة أو إيجاد أي موضوع مقنع يمكن التحدث به معه من جهة أخرى ذلك لأن إستراتيجية جميع قيادات فصائل المقاومة هو إيقاع أقسى الضربات والخسائر البشرية والمادية بقوات الإحتلال والمتعاونين معها لحين دحرهم من العراق ولأنه لا يوجد هناك ما يمكن التحدث به مع قوى المقاومة هذه. والأمريكان واعون بشكل جيد أنه لن يكون هناك نظام سياسي قائم في العراق قادر على التحكم بشؤون البلاد ما دام لا يوجد هناك أمن مستتب، وهذا هو هدف المقاومة العراقية الوطنية.

 إن الإدارة الأمريكية الصهيونية تستحق بكل تأكيد كل ما تعانيه قواتها الآن في العراق ذلك لأن الخطأ الفادح الذي وقعت به في شنها الحرب على العراق وإحتلاله ما كان سببه إلا الأكاذيب التي صدقوها والتي أمدهم بها عملائهم الجالسين الآن على مقاعد السلطة العميلة أو العاملين من خلف الستار، ناهيك بالطبع عن النصائح التي قدمها لهم الحكام العرب الذين يستجدون المساعدات المالية أو الحماية العسكرية الأمريكية لأنظمتهم المهترئة.

 لكل مشكلة حل، كما يقال، إلا أن مشكلة الأمريكان في العراق لا حل لها سوى خروجهم خائبين من حيث جاءوا.

16/8/2004

 

إلى صفحة المقالات