ما لم يذكر عن محاكمة صدام [2/2]

تقارير رئيسية :عام :السبت 14جمادى الآخرة 1425هـ - 31 يوليو 2004
 

قال تعالى : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ

 


 
انقراض مسلسل اتهام النوايا في صدام :


 مفكرة الإسلام : إذا كنا من قبل نعذر البعض بغفلته أو استغفاله على الحقيقة التي كنا ندق عليها   منذ زمن فإننا اليوم لا نعذره أبداً،وإن ظهر في ثوب مفكر أو شيخ أو داعية . فلقد انقشع بعد هذه المحاكمة كل غبار عن الأجواء والأفهام وانجلت كل ظلمة جللت العيون وأصبح من لا يرى اليوم الحقيقة القاطعة ، فلن يرى في الغد الشمس الساطعة !

 فبالله عليكم متى ينتهي مسلسل سوء الظن واتهام نوايا الرجل ، ذلك السوء الذي فوت علينا  فرصة  من أعظم الفرص ، بل سعينا بكل وسيلة إلى تدميرها بأيدينا كلما طالب بإصلاح جديد...؟!

 ولا بد لي أن أذكر هنا بتلك السلسلة الوهمية المظلمة من قبل أغلب مفكري الأمة ودعاتها في الرجل : جاء في مبحث العقد الأخير:

 ' وها نحن نرى هؤلاء الطيبين اليوم يقعون تحت تأثير الإعلام المباشر بطريقة مهينة ... بحيث  يشعر المتابع الذكي أن هؤلاء المضلين يتقصدونهم ويسلطون عليهم الإرهاب الفكري وللأسف فإن الواحد من هؤلاء المسلمين يمضي نحو ما يريدون بغير شعور منه أو إرادة ...  فإن كان مفتياً أفتى  بما يريدون من غير تذكر لما تمليه عليه صفته الشرعية ، ونسي أن هذا الإعلام هو الذي  يصفه ويصف أتباعه بالإرهاب والتخلف والرجعية بل ويصفون عصر نبيه وقدوته محمد صلى الله عليه وسلم بعصر الظلام الذي أثر سلباً على مجرى تقدم الأمة ونسي هذا المفتي كيف كانت أسئلة النبي صلى الله عليه وسلم لمَاعِز رضي الله عنه في قضية اعترافه بالزنا فقد قال له :لعلك قبلت أو غمزت ، أبك جنون ؟ ونحو ذلك من أسئلة الخوف من ظلم مسلم في كبيرة وقع فيها ، وكل ذلك  في  قضية زنا حتى لا يكون حكم الله في غير محله ، وأما قضية صدام فهي في مسألة كفر وردة وخروج عن طريق الملة.

 وإن كان خطيباً لعن صدام على رؤوس الخلائق ، وعندما تستثيره بطلب الدليل يرسل صواعق الردود عليك مشتملة لحقائق مليئة بالغرائب والعجائب ، وعندما تقول ما مصدرها يصاب بالسكتة في لسانه ، لأنه لم يتعود على مثل هذا السؤال ، فتنتظر الجواب ولا جواب؛ لأنه سيقع في الحرج من ذكر مصادره فهي مصادر علمانية لطالما حاربته كخطيب ودمرته كرمز .

 وإن كان تاجراً ساهم في دعم حملة الصليب على ذلك البلد باسم المساعدة في القضاء على صدام،  ونسي أنه يعين العدو على إبادة شعب بأكمله ، وأن الدبابة التي تحملها سيارته الكبيرة  سوف تدك بيوتاً على أهلها ، وأن الطعام الذي يبيعه على المعتدي سوف يقيم بدنه حتى يكتمل مخطط احتلاله.

 وإن كان عامياً طعن فيه وإن كان كاتباً كتب فيه ..... وهكذا وُظِّفت الأمة بطريقة سحرية سرية رسمية وشعبية مصوبة سهامها إلى حيث يشير عدوها ... حتى إذا ما بطل السحر وانكشفت الخدعة الكبرى ، وطار النسر بفريسته الكبرى ، أخذ الأحباب ينوحون ويبكون ... ولات ساعة مندم ... ومقصود العدو الأبعد من ذلك هو أن لا يلعن الإنسان صدام فحسب ، بل يلعن كل واحد سيأتي يوماً من الأيام القادمة ويتحدث عن إحياء هذه الأمة ، أو يسعى في توحيدها ، ويغار عليها ، أو يتمنى المساهمة في تحرير فلسطين ، ويقوم لأجلها بكل قوة أمام أعتى أمة ، أو يذكر اليهود بسوء في أي ظرف من الظروف ، وبهذه الطريقة يستطيع العدو قتل كل جذوة خير في نفس أي حاكم يريد الإصلاح والخير لأمته...


 نعم ... إن المراد أن تفقد الأمة الأمل من كل رجل ينادي بالإنقاذ في قادم الأيام ...

 لقد أخذ الأعداء يبحثون في العراق عن كل ما يشوه صورة صدام بأقسى ما يستطيعون . وكأن ما  بثوه من قبل لم يعد كافياً ... نعم ليس كافياً لأن المطلوب ليس هو صدام فحسب ...!

 إن المتتبع لما يوصف به صدام سيقف حيران إزاء واقع يغض الطرف عنه ذلك الواصف ، فالواقعة واحدة والطرف الآخر واحد ، والسبب واحد ، ولكن النتيجة مختلفة لأن هوى البغض أصابه تجاه صدام ، وهوى المحبة وقع عليه تجاه الآخرين.

 تسليح الجيش العراقي: عندما يقوم صدام حسين بتجهيز جيشه استعداداً لأي عدوان طارئ يقال هذا يدل على رغبته الإجرامية في تهديد جيرانه وعندما يقوم الغير بتحسين قدرات جيشه يقولون : إنه قد أحسن في التجهيز لصد أي غازٍ أو معتدٍ .

 قصر صدام: وعندما تصور الكاميرات قصر صدام حسين على أنه نهب لخيرات العراق وسرقة لأمواله تجد العذر جاهزًا في حق غيره؛ لأنهم زعماء يحتاجون إلى حياة خاصة تليق بمقام الزعماء .

 قتل العاهرات: وعندما يقوم صدام بقتل العاهرات مستنداً على فتوى شرعية من مجموعة من المشايخ العراقيين الفضلاء يقال هذه جريمة بشعة، فقد أزهق نفوساً بريئة، ونسي هؤلاء أن هؤلاء النسوة يتسببن في إصابة عدة آلاف من العراقيين بمرض الإيدز ، أما لو قام زعيم من الزعماء بقتل ثلاثة أو أربعة أو عشرة ممن قام بأعمال نهب أو سلب لقالوا هؤلاء من المفسدين وجاز لولي الأمر أن يقتلهم تعزيراً.

 سجن الدعاة: لم تستقبل سجون صدام في الخمس سنوات الأخيرة إلا عدداً قليلاً من الدعاة يعد بالعشرات ونحن نقول هذا ومتيقنون منه ، ونقول سجون ولا نقول توقيف لأن التوقيف يحصل بكثرة عنده وعند غيره، ومع ذلك قيل في حق هذا الرجل إنه حرب على المسلمين والدعاة بينما يوجد بلدان في سجونها دعاة ومصلحون وصالحون يعدون بعشرات الألوف ، ولكن انظروا ماذا قيل عن هذا الحاكم . قيل عنه إنه سجن هؤلاء سياسة منه في منع الفكر التكفيري أو المتطرف على حد زعمهم .'

 ' كان صدام ضعيفاً في دينه كغيره من الزعماء وهم كُثُر لايعرف صلاة إلا ماظهر منها يقول  ذلك  نهاراً جهاراً، غير أن حياته تغيرت كثيراً في عقده الأخير من عمره فأصبحت الصلاة جزءاً  مهماً من حياته ، ومشايخ العراق يعرفون ذلك أكثر من غيرهم ، وقد تحدث عن هذا التغير الواضح الصحفي الأمريكي راذر وسيأتي بيان ذلك ، ولكن انظر كيف تعامل الغير مع هذا التبدل في حياته مع ربه ، فقالوا : إنه يفعل هذا كسباً لعاطفة الشعب العراقي المسلم ، وذلك بعد أن أنكره القريب والبعيد ، وحاربه العدو والصديق .

 ونسوا هؤلاء جميعاً أن هذا التغير حاصل منذ أكثر من عشر سنوات وصاحب النفاق قد يصبر سنة أو سنتين أو ثلاث ثم سيظهر منه ما يدل على كرهه لمثل هذا العمل ، ونحن لم نرَ منه خلال  فترة حياته إلا ازدياد تعلقه بالصلاة ، حتى كان يأمر أعضاء حزبه ووزرائه أثناء الاجتماعات  بقطع اجتماعاتهم وقت الصلاة .


 
إطلاق سراح المساجين: فحين أطلق صدام سراح المساجين قالوا : أراد أن يخفف على السجون الضغط لأن قبضته الأمنية ضعفت!

 لكن حين وقعت الغوغاء والسرقات بعد ذهابه قالوا : سبب السرقات والجرائم كلها هو صدام لأنه هو الذي أطلق سراح المساجين قبل الحرب بشهرين تقريبا !

علما أنه قال في خطاب العفو العام عن المساجين أنه يهدف إلى إعطاء الفرصة لهؤلاء كي يعيدوا حياتهم من جديد، وإعطاء المجتمع فرصة كي يربيهم ، كما حذرهم أشد التحذير من العودة إلى الجريمة والانحراف ، ومن عاد فإن العقاب يضاعف عليه ، وما أطلقهم إلا يوم النصف من  شعبان!

 قتل الداعرات :  حين أقام الحد الشرعي على الداعرات الداعيات إلى الزنا في البلاد .

 قال أناس : إن هؤلاء الداعرات يذهبن إلى البواخر الأمريكية لفعل الرذيلة !

 ولو تركهن ، لقالوا : لولا أن صداماً راضٍ بهذا ، لما تركه !

 الحجاب لبنات جيش القدس : وحين أمر بالحجاب لجيش القدس . ماذا حصل ؟

 صارت من تنتمي لهذا الجيش تلزم بحجابها الشرعي ، فالثوب فضفاض ، والشعر مخفي ولا  يظهر إلا الوجه [ على قول من قال بعدم عورة الوجه ] ، وتمنع البنت من استخدام أي مكياج فقال  من قال : إنما قصد لتخفيض مصاريف المكياج ! ولو أنه أمر بخلع الحجاب لربما قالوا : إنه أتي هو أو ولده بكمية من المكياج لبيعها !

 مع أننا أصلاً لا نرى للمرأة أن تدخل في هذا المعترك وهناك من يكفيها من إخوتها الرجال.

 شبيه صدام : وما كان صدام يظهر مظهراً خارقاً في الشجاعة والقوة إلا قالوا إنه الشبيه .

 إنه ليس بصدام الحقيقي...! لكنا على يقين لو أن أمريكا أتت بالشبيه هذه المرة معتقلاً ذليلاً مهاناً  في الفضائيات يعترف بخيانته وبأسلحة الدمار الشامل وبعمالته لليهود ، لقالوا : نعم هذا هو صدام  الحقيقي ..!

 إعانة أسر الشهداء الفلسطينيين : وإذا قام بإعانة إخوانه في فلسطين بالتخفيف عن معاناة أسر الشهداء قالوا ماذا ؟

 إنه يريد التلاعب بجراح الشعب الفلسطيني ... إنه يريد الرقص على جروحه .. لماذا لايذهب  فيقاتلهم ، ونسوا أو تناسوا أن بينه وبين إسرائيل الأردن صاحبة السجل التاريخي في التعامل مع إسرائيل سواء أثناء الحروب العربية أو مابعدها . أوليس من جمع المعلومات الاستخباراتية كلها عن العراق وسلمها لأمريكا هي الأردن ، ألم يقم الضباط الأردنيون بوظيفة الدلائل للقوات الأمريكية في دخولها للمدن العراقية ، ثم تريدون بعد ذلك أن يسمح الأردن للعراق بفتح فلسطين المحتلة.

 المصحف في بيت صدام : عندما نقل الإعلام العربي صورة منزل صدام السري كان العجب.

فقد كان قرآن مفتوحاً ، والسجادة على الأرض ، لا مجلة خالعة ، ولا جهاز تلفاز ، ولا شريط أغنية للترفيه عن نفسه .. فماذا كان جواب بعضنا عن هذه الصورة .. قالوا : إنه عرف الله متأخراً  بعد جرائمه الكبرى وهذا يقوله من أحسن الظن ، وقال آخرون : إنه كان يتوقع يوماً من  الأيام أن يأتِ الإعلام فأراد أن تكون صورته كهذه حتى يوهم الناس ، وقال آخرون : إنه منزل  شخص محب للخير غير صدام إلا أن صداما قد نزل عليه يوماً أو يومين .

 الحرب العراقية الإيرانية : كلنا نذكر تلك الحرب الضروس ، والتي أحرقت الأخضر واليابس ، واستمرت عقداً من الزمان ، ويتناولها الإعلام غالباً بأهوائه السياسية ، فتجدهم إذا كان صدام عدوا  لهم قالوا : إنه لم يشبع من إشعال الحروب بين المسلمين ، فقد قام بالتعدي على دولة الجوار إيران المسلمة في وقت كانت هي تمد غصن الزيتون إليه راغبة في الجوار الحسن ، وعندما يغضب الإعلام على إيران تنكشف الحقائق المخفية ، ويبدأ بذكر حقائق الخلاف ، وكيف كانت أطماع إيران فيما يسمى بـ ' خليج فارس ' ، وكيف أنها اقتحمت ابتداء الحدود العراقية مما جعل العراق يقوم بردة الفعل اللازمة لوقف هذا الغزو الشيعي لما يسمى لديهم بـ ' الأراضي الشيعية المقدسة ' حيث يوجد فيها النجف وكربلاء ، وتربة الأخيرة لدى الشيعة أعظم قدسية من تربة الكعبة .'

 ' من الحقائق التي لا ينبغي أن يغفل عنها من يريد أن يتصدى لقضية الأمة الكبرى، هو استبانة  سبيل المجرمين ، ورصد كيدهم ، وأخذ الحذر منهم ، والاعتبار بما صنعوا بغيره من قبل ، وجعل  ذلك جزءًا من الإيمان ، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ...

 وهنا نتساءل هل كان صدام عدوًا لليهود حقيقة ؟

 
والجواب: إن قول البعض أن صدامًا عميل لليهود ليدل على مدى المكر اليهودي الذي جعل هذا القائل الحاذق ضحية من ضحايا اليهود، وهو يرى بعينه ويسمع بأذنيه ما صنع اليهود بصدام ...  ثم يبقى يقول: كذبت عيني وأخطأت أذني وصدق اليهود، ولكن سينقطع نفس من يعتقد هذا الأمر من كثرة ما سيحتاج إلى تأويل مواقف هذا الرجل ويحملها على أسوأ المحامل من كثرة مواقفه المعادية لليهود، بل من منهجيته في عداء اليهود حتى يخال لك أنه ليس لهذا الرجل من هم في الدنيا إلا الإعداد لليهود، ومعاداة اليهود، والثبات على ذلك حتى آخر نفس في حياته ولو كلفه ذلك ملكه، وحياته، وقد كان منه ذلك وقد كان من اليهود ما رأينا ...! انتهى

 ألهذا الحد ؟ حتى الشك في صدقه وهو على بعد خطوات من المشنقة ..؟

 هذا التشكيك لم يكن وليد اللحظة ، بل وراثة ممارسة التأويل الأسوأ لكل مشروع عمله الرجل لإصلاح بلده ونفع بني قومه .

 فكم غيّر الرجل وغيّر ، وكم أصلح وأصلح ... لكنهم لم يتوقفوا لحظة عاجزين عن التأويل  الأسوأ..

 قلت لصاحبي اليوم 3 / 7 / 2004 . ما رأيك بالمحاكمة : قال هذه سنة الله في إذلال الطواغيت .

 قلت له : هل تقر بأن الرجل قد تغير بنفسه ، وغير الكثير الكثير في العراق نحو الإسلام ؟

 قال : نعم .

 قلت : هل كان مع كل هذا يهاجم من قبل اليهود والنصارى والباطنيين وما زالوا ؟

 قال : نعم .

 قلت : هل كنتم تسيرون بنفس الاتهامات اليهودية الصليبية الباطنية له ؟

 قال : نعم .

 فقلت : هل مازالوا على نفس الطريق وما زلتم ؟

 قال : نعم .

 قلت : هل أفحمهم في جلسة التحقيق أم أفحموه ؟

 قال : بل أفحمهم .

 قلت : لم لا تقول إذن أن هذه المحاكمة من دفاع الله تعالى عن الذين آمنوا .

 قال : هذا وارد ... ولأنه تغير حقيقة ، ثم إنه أحسن من يدافع عن نفسه .

 قلت : صدقني يا شيخي الكريم ، قد كنت أفكر كثيراً من سيدافع عن رجل قام العالم أجمعه القريب والغريب ، العدو والصديق على خط واحد في تشويه صورته ، وتشويه حياته وحياة أسرته ، وكل من اقترب منه ... حتى أصبح من لاقاه يوماً من الأيام يخشى المعرة والمساءلة عن ذلك اللقاء .؟

 لكنني والله الذي لا إله إلا هو كنت على يقين بأنه ما دام مصلحاً وصادقاً ، وهذا ما كنت أعرفه  فيه ، أن الله لا بد أن يدافع عنه ، وأن هذا الإعلام كله سيذهب هباءً منثوراً.

 لكنني لم أكن لأتخيل أن ذلك الجهد التشويهي طوال عقود منصرمة ستذهب كلها هباء ً منثوراً في  نحو خمس دقائق .

 ثم تصفوا عليه قلوب العامة التي حاول الإعلام أن يرسم فيها صورته المشوهة .

 ووالله إني يا فضيلة الشيخ لأحسب ما حدث هو من قول الله تعالى :{ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ[38]}[سورة الحج] .. ومن قول الله تعالى:{ولا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ...[43]}[سورة فاطر] ..

 من السهولة أن يقول قائل مثل هذه الكلمة ' سنة الله في إذلال الطواغيت '.

 ومن السهولة أن تطير كلمتك في الناس؛ لأنها تسير مع التيار ..

 ولا يفعل هذا في مثل هذه الوقت أهل الشهامة والشجاعة ، فالجبان لا يجترئ على الشجاع إلا إذا أمن سَوْرَتَه . وأنت بحمد الله من أهل الشجاعة ..

 ولكن أهي كلمة حق ؟ أم أنك اطلعت على مراد الله حتى نسبتها لله ؟ أم أنك اطلعت على باطن الرجل حتى لم تقر بإصلاحاته على أرض الواقع ، لكنك تنزع من قلبه الإخلاص ..؟!

 أهو الوهم يعشش في أذهان البعض حتى يريد دليلاً جدياً على العدوانية المتبادلة ما بينه وبين اليهود ؟ أم أنه السم اليهودي الساري، أو الباطني الهاري في قلوب وأفكار البعض حتى لا يستطيع تغيير ما نشأ عليه ؟ أم أنه يستكبر من الرجوع إلى الحق الصريح ..؟

 أم أنها تحالفات يخشى عند التصريح بها خسران أتباع، أو حلفاء قدماء ..؟!

 أم أن التريث والانتظار ، بعد الانتظار ، بعد الانتظار هو حكمة الجبناء ومنهاج الذين لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء ؟ !!

 إننا لا نعلق مصير الإسلام على محاكمة صدام ، ولا على حياته أو قتله .. لا والله.

 إنما هي المرحلة التاريخية التي اختارنا الله لها واختارها لنا ، وهو سائلنا عنها كما سائل أصحاب كل وقت عن وقتهم ، ولا بد لنا من اختيار ، فإن أبينا الاختيار ولو بالموقف العقدي وما  يتبعه من إمكانية مضبوطة بالحكمة ، فإن اليهود والصهاينة قد اصطفوا جميعاً في الصف الآخر المواجه لهذا الأسير الكسير بمفكري أمته .

 فليبق مفكرونا في مقاعد الانتظار ، وليأخذ اليهود والباطنيون مواقع النصرة والانتصار .!

 ومكروا ... ومكر الله ..

 ومع كل هذا الذي ذُكر إلا أن هذه المحكمة في قاعتها الصغيرة ، وإنجازاتها الكبيرة تبقى شاهدا جديدا على مكر الله باليهود والصليبين والمنافقين ...

 فالإنجازات التي تحققت في تلك الدقائق القليلة لم تتحقق في سنين طويلة،وصدق الله إذ قال :{ولا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ...[43]}[سورة فاطر].

 الإنجاز الأول : بشارة الثبات:

 لقد اضطربت أنفاس كل من أحب الرجل حين استمع إلى موعد محاكمة صدام ، وتصاعدت أنفاسه  حتى حبست عند ابتداء المحاكمة .

 وكأن السؤال المتردد في الصدور وقتها هو : كيف سيخرج علينا صدام بعد هذه الرحلة الطويلة المريرة ..؟!

 فكل من عاش هذه الفترة ظن إن هذه العواصف والأمواج وعوامل التعرية التي ضربت الرجل لا بد أن تكون أخذت منه مأخذاً ..

 فهل ذهاب الحكم هين ؟ أم ذهاب البلد هين ؟ أم ذهاب الولد هين ؟ أم شتات الأسرة هين ؟
 أم ظهور الرئيس بمظهر الأسير في يد العدو هين ؟ أم ما واجهه الرجل في معتقله من أساليب أخبث دولة على ظهر الأرض أمور هينة ؟
 وهل كان من الهين على نفسية صدام أن يؤتى به فينزل من سيارة السجن مكبلاً في يديه ومقيداً
في رجليه إلى باحة قصره فيقف على رجليه ... يقلب ناظريه ، في الساحات والباحات ، في البساتين واللوحات .. مستعيداً في لحظة واحدة أجمل الذكريات : صحبة الأولاد والبنات ، أو استقبال الشخصيات والهيئات ...!

 إنه الانتقال المفاجئ للنفس من الحرارة إلى البرودة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ، هكذا هو العقل إذا عصف ، وهكذا البصر إذا خطف ..! ولا يتحمل هذه إلا ما ندر من النادر ..

  إذن فليأت هؤلاء المفكرون المتكئون على أرائكهم ، المنظرون لمسارات القمر! وليتعرضوا       لشيء واحد مما تعرض له الرجل ، بل ليهددوا بأمر واحد ، ولننظر ماذا سيصنعون ..؟!

 لا يجب أن ننظر إلى هذه المحاكمة من خلال قعودنا وراء الشاشة ، ولا من خلال نفسياتنا  وتفاعلاتنا ، ولا حتى من داخل نفسية صدام في تلك الظروف العصيبة ، ولكن من خلال نفسياتنا  لو كنا في تلك الظروف .

 رجل يشارف على السبعين يؤتى به إلى محكمة خفية ، وقد ظهر عليه مرض من أمراض البرد ، يقف في محكمة كل حضورها أعداؤه ، الحكم عليه فيها بيد عدوه ، وعدوه يقتله ويقتل الآلاف ولا يعجزه الكذب ، وتصوير المحاكمة بيد عدوه ... فالخير سيخفيه، والضعف سيبديه .. ربما تكون هذه المحكمة الأولى والأخيرة ، ولا أحد يقدر على المطالبة بدمه ، فماذا لو هادن لحظة ليتمكن بعد فترة .. ماذا ، وماذا، وماذا ..؟!

 وما أوسع باب التأويل والضعف إذا حضر الموت ... إنه الموت ..!

 هذه هي الحقيقة النفسية الرهيبة ..

 هذا مجرد تصوير بسيط للحقيقة ... أما حقيقتها فشيء لا يوصف ..

 ومع هذا يظهر صدام في المحكمة أشد مراساًَ ، وأشمخ رأساً ، وأعظم بأساً ، حتى أغنت إشاراته وتعبيراته عن عباراته وكلماته قبل أن تسمع ، فلما ظهرت الكلمات ، سال الماء البارد على القلوب الخائفة الملتهبة عليه ، وعلموا أن هذا هو صاحبهم الأول ، ولكنه اليوم أكبر بكل معاني الكلمة ..


 أما الأعداء من الحكومة الانتقالية فلم يخرج واحد منهم ليلة بث محاكمته ، ولا في اليوم الذي بعده  ليصرح بأي تصريح ، فقد ذهل هؤلاء حين تحول مجلس القضاء إلى مجلس دفاع عاجز ، وتحول المتهم إلى مهاجم من الطراز الفريد ، فكان هذا هو أول مكر الله بهم ..

 وبعدها لم يبق أمام راعية المحاكمة إلا أحد هذه الاحتمالات ..

 الاحتمال الأول : هو قتله ، ' وقد صرح المحامي الفرنسي جاك فيرجيس عن قلقه الكبير من احتمال قتل الرئيس العراقي السابق صدام حسين قبل أن يحاكم.

 وإذا كان تسليم صدام يخدم في الوقت الراهن الإدارة الأمريكية لكنه سيلهي العراقيين والعالم العربي والدول الغربية و ثمة سيناريوهات عديدة, وفق ما نقلت وكالة الأنباء القطرية [قنا] عن مصادرها الصحفية, قد تكون رسمت بدقة لمنع استمرار المحاكمة وفى هذا السياق يقول المحامي فيرجيس : إن سلطات الاحتلال قد تقتل صدام في السجن عن طريق الخطأ , تمامًا كما كان يحصل مثلاً مع قادة و مناضلي الثورة الجزائرية , حيث كانوا يعدمون في السجون قبل محاكمتهم وهناك سيناريوهات أخرى يجري الحديث عنها في سياق هذه المحاكمة ومنها تعرض القاضي الشاب الذي ترأس المحاكمة الأولى والتي رفض فيها صدام التوقيع على لائحة الاتهام إلى محاولة اغتيال وتتعطل المحاكمة استنكارًا كما يمكن أن تتعرض المحكمة أو المكان الذي يعتقل فيه صدام إلى عملية تفجير كبيرة تؤدى إلى قتل صدام وعدد كبير من الحراس والمدنيين سيناريو آخر تقرر فيه المحكمة العراقية تحويل المحاكمة سريعًا إلى جلسات سرية , يصدر خلالها الحكم بالإعدام على صدام وتنفيذه قبل أن تتوسع دائرة المدافعة عنه كما يمكن أن تدعي الحكومة العراقية إقدام أحد المسئولين عن حراسة صدام على قتله انتقامًا لمقتل أهله ويمكن كذلك ادعاء مقتل صدام خلال مهاجمة موكب الحراسة المكلف بنقله من المحكمة إلى المكان الذي يوجد فيه , أو بسبب مرض مفاجئ، ويقول مسئول أوروبي كان عمل  سابقًا في العراق : إن السؤال ليس متعلقًا بما إذا كان سيقتل صدام وإنما بكيفية هذا القتل .


 فالأمريكيون لم يقبضوا على صدام ليطلقوا سراحه أو يكرموه ..

إن أمريكا حين رفعت عنه صفة أسير الحرب إنما أرادت بذلك أن تطلق يد المنافقين في حياته فيقرروا قتله تحديداً ... لكنهم أوقعوا أنفسهم في حرج لم يحسبوا له حسباناً أمام العالم حينما ظهرت قوته في المحاكمة ، وقد أصبح قتله خارج المحاكمة صعباً لأنهم حين أعلنوا أنه ليس أسير حرب وجعلوه تحت الحماية الأمريكية ، فأصبح تحت حراستهم ورعايتهم رغماً عنهم .

 ولكن لا يستبعد أبداً على هؤلاء المرتزقة قتله ، فهؤلاء من الدناءة بحيث لا يبالون بالمجاهرة بالعهر والمخازي لو اقتضى الأمر ، ولولا خشية الهبوط بمستوى المقال لذكرت أحداثاً فاضحة لأعراض هؤلاء وبالأسماء مما يخجل منه من لا يستحي ! لكن ليعذرني القارئ عن إخفائها ..

 الاحتمال الثاني : تدويل المحاكمة بناءً على الضغوطات العالمية ومطالبات المحامين .

 الاحتمال الثالث : تغيير القاضي .

 وعلى كل احتمال من الاحتمالات يبقى مكر الله بهؤلاء هو الذي سيمضي بهم إلى درك أكثر صعوبة لهم كما هي العادة معهم ، فإن تغيير القاضي يعد نصراً له ، وإن قتله يعد حياة حقيقية له ،  وحياة لكلماته وشهادة طالما دعا الله علانية بها في خطاباته بها .

 أما تدويل محاكمته فهذه كارثة عليهم لأنه وبجلسة التحقيق هذا ورغم أن ما أخرجوه بطريقة انتقائية لا يعد شيئاً نسبة لما أخفوه ، إلا أنها أظهرت حقيقتين خطيرتين:

 الحقيقة الأولى : قول الكويتيين أننا سنبيع عرض الماجدة بعشرة دنانير .

 الحقيقة الثانية : محاكمته على قراراته كرئيس مع رفع الضمانات كلها عنه كرئيس .

 وعلى كل حال فإن أمريكا لن تتركه ، لن يتركوا ذلك اللقاء يمر بشرف ..

 الإنجاز الثاني : لقد زعزع ظهوره في أسره قلوب المرجفين في البلد ، فأحس علماء الحوزة الشيعية بأن الخطر ما زال ، وأن الرجل هو الرجل ، استحضروا كل ما قاموا به من خيانات فبلغت قلوبهم الحناجر ، ودارت أبصارهم في كل اتجاه ، وخصوصاً حين سمعوا زئيره من وراء القضبان ، فاستذكروا سؤالاً يقول : هذا وهو في أسره فكيف به لو عاد ..؟!

 وهنا ارتجت منابرهم يوم الجمعة بالمطالبة بإعدامه فوراً دون محاكمة ، وقالوا للقضاة كما قال اليهود للملك الروماني حين حاكم المسيح : اقتله ودمه في أعناقنا .

 ليقطعوا أي أمل بعودته ، ويناموا ليلة دون قلق ، وإن نام هو قريراً في أغلاله .. وطالبوا الجموع بالخروج يوم السبت بمظاهرة مليونية للمطالبة بإعدامه .. وهددوا المحامين بالقتل إذا دخلوا العراق!


 
وهنا لا بد من التنويه إلى كلمة حق وهو أن من الشيعة العراقيين العرب المحبين لبلدهم من لا   يزال وفياً لرئيسه ، مستذكراً ما كان فيه من أمن وأمان ورزق وعلم وعز ونحو ذلك .

 وإن كان لي على بحث ' العقد الأخير ' من ملاحظة فهي لا بد من التذكير بأمانة وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف ومروءته فقد كان ثابتاً في لقاءاته في قناة أبو ظبي رغم الظروف العصيبة التي مرت به ، فلم يرض أي نقيصة في صاحبه .

 الإنجاز الثالث : تأكيد الصفة الإسلامية

 عندنا من الأدلة السابقة واللاحقة ما يصعب حصره الآن ، كلها تقطع بالتغيير الإسلامي والإصلاحي الذي سرى إلى صدام حسين في العقد الأخير من حياته ، ولا داعي هنا لأن أنقل من  كتاب العقد الأخير فلدينا من الشواهد مثله وزيادة .

 لكن ما ظهر عليه صدام حسين من مظهر بلحيته كان يمثل قرينة جديدة على ذلك ، فقد كان  يستطيع صدام أن يترك لحيته مطلقة ، وكان يستطيع أن يحلقها كاملة ، وقد عرض عليه سجانوه ذلك كما صرحوا هم بذلك ، إلا أنه رفض إلا تركها بهذه الهيئة التي ظهر عليها . فكانت هذه  رسالته الصامتة الظاهرة إلى أهل الإسلام ودعاته ... بعد إصلاحاته الكبرى الذي لا تذكر هذه القرينة بجوارها ، و حين أقول تأكيد الصفة الطيبة فإنني أعني كلمة ' تأكيد ' أي أن اللحية لم تكن هي دليلنا المستقل على توجهاته الخيّرة .. لا والله ، بل كانت اللحية تأكيداً للتوجه الحسن الذي اصطبغت بها تصرفاته ، وخطاباته ، واجتماعاته ، وأعماله ، وقراراته في العقد الأخير من حياته..

 الإنجاز الرابع : زيادة المقاومة

 لقد ضخت هذه المحاكمة في عدد من المقاومين روحاً جديدة وأقصد بهؤلاء المقاومين سواء البعثيين أو عوام أهل السنة من الذين يحاربون لتحرير البلد من قوات الاحتلال... ذلك أنها أظهرت هذه الحكومة التي كاد البعض لزهوها أن يلقي سلاحه ويمسك بسلاح اليأس والاستسلام أظهرتها على حقيقتها مهزومة منافقة مهينة خائفة ترتعد من رجل في قفص .

 وقد أرسلت المقاومة العلامة الأولى على تلك الروح الجديدة بضرب فندق فلسطين الذي لم يتمكن المجاهدون من ضربه منذ زمن بعيد ، وسيرى الناس أثر ذلك في الأيام القادمة .. ذلك حكومة علاوي وأمريكا من ورائها حاولوا بكل طريق أن يقرروا عند الناس قناعة بأن صداماً قد انتهى ، وعليهم أن يفكروا في المستقبل .

 وأغلب الناس بين واحد من اثنين : إما خائف من عودته أو محب لعودته .. فجاءت محاكمته رسالة بليغة للاثنين جميعاً .

 ولابد من الإشارة إلى أن المقاومة الإسلامية غير متأثرة كثيراً بهذه المحاكمة في عملها الجهادي حيث إنها غالب المقاومة في العراق الآن وهي المسيطرة على أغلب الساحة العراقية ...

 الإنجاز الخامس : لقد رأيت ولأول مرة خطاب المنبر السني وهيئة علماء المسلمين على لسان الدكتور محمد عياش الكبيسي في لقاء مع الجزيرة ... نعم لأول مرة ، يقولون خطاباً بهذا التريث في أمر صدام ، فجزاهم الله خيراً على هذا الإنصاف .

 ولا أدري لعل سبب ذلك هو ما يستحضرونه هم كل يوم من مقارنة ما بين ما كان عليه العراق كعراق من قبل وما أصبح عليه اليوم ، أو أنهم رأوا ظلمة المستقبل ونفقه المعتم الذي يزداد كل يوم تشبعاً وعمقاً ، أو أنها التغيرات الكثيرة الكبيرة على مستوى الجامعات الإسلامية ، والكليات والحملة الإيمانية وحلقات المساجد ، وبناء المساجد وحمايتها التي شهدوها في عهده .

 أو هو ما وصل إليه الحال من هدر دمائهم ودماء العلماء والعباقرة العراقيين ، أم أنه ما رأوه من تغلغل اليهودية الفاعل في القرار العراقي والشارع العراقي وما كان عليه اليهود في عهد صدام . أم أنهم رأوا فرق التكفير واستباحة دماء المسلمين تنتشر في البلاد وتشيع في الأرض الفساد ، وتتكاثر كتلها ، كل كتلة تعتبر نفسها خلافة ... مقيمة بذلك الأحكام الكبرى مما كان يجمع له عمر أهل الحل والعقد متبعين في ذلك أهواءهم أو أهواء من هو أحق بإهدار الدم لقول النبي  : [اقتلوهم حيث وجدتموهم] .

 أم أنهم رأوا الأسرة العراقية وكيف كانت مكفولة المواد الأساسية لا ينقصها شيء إلا إذا أصيبت بالطوارئ ... يرونها اليوم تصارع الحياة حتى الموت أحياناً ، والانحراف أحياناً، والتسول أحياناً أخرى .

 أم أن تلك الأسباب كلها مجتمعة مضافاً لها محاكمة هذا الرئيس الذي لا يختلف عراقيان على شجاعته التي لا يجاريه فيها عراقي فضلاً عن غيرهم ، ومحبته لبلده وبني جلدته ، ثم تكون محاكمته على يد باطنية الحوزة العلمية واليهود . والعلماء أعرف الناس بذلك .

 فشعروا أن الواجب عليهم أكبر من الواجب الذي قام به المهاجرون إلى الحبشة حين نصروا النجاشي حين كانوا غرباء في بلده وقاتلوا معه ، حين قام بالثورة عليه حبشي آخر من بني بلده ، هذا والنجاشي لم يدخل الإسلام بعد !

 فالمعادلة معكوسة من كل جهة ، ومع هذا يسكت العلماء ويقاتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن أحق بالغدر ؟

أم أنهم حين رأوا الرغبة الحقيقية لدى المغضوب عليهم والضالين في الخلاص منه أيقنوا أن الصراط المستقين خلاف طريق هؤلاء.

 إنني حين أتحدث عن العلماء فإنما أسجل هذا الموقف لهم مذكراً بإنصافهم شاكراً لهم على ذلك أملاً منهم المزيد .

 مستعيذاً بالله من شر الفرق التي استغلت رسالتي السابقة الموجهة مني طالب العلم العراقي إلى هيئة علماء المسلمين ، مستغلين إياها في التقليل من شأن العلماء، أو التجريء عليهم .

 تلك الفرق التي تدور ما بين تكفير المسلم من جهة واستباحة دمه من جهة أخرى .

 إن خطأ العلماء مهما كان لا يساوي خطأ هؤلاء ، وإن العلماء إن أخطئوا فهم أهل الاجتهاد ، أو أنهم أقرب إليه ، أما هؤلاء فإنهم أبعد الناس عن العلم وأقرب الناس من الهوى .

 وماذا يرجى فيمن اجتمع عنده الجهل والهوى ، واجتمع له كلمة الكفر وقطرة الدم ، واجتمع له تقديم قتل أهل الإسلام على الأوثان، واجتمع عليه الجرأة على الفتوى ومعاداة أهل العلم .

 وإني لآمل أن أكتب في حقيقة هؤلاء كتاباً يقتلع جذورهم من جذر قلوب الرجال من أرض العراق بإذن الله تعالى .

 الإنجاز السادس : عودة القوة للمحامين

 فبعد أن استسلم المحامون للأمر الواقع أول مرة ، وخضعوا للتهديدات فقعدوا ، عادت روح التحدي لديهم واشرأبت أعناقهم وأعلنوا أنهم عازمون على الذهاب للدفاع عنه ، مهما كان الثمن .

 فتفاعلت القضية ثانية على المستوى العالمي على أوسع نطاق ، ودخلت مجلس الأمن ، وتحدثت  بها مؤسسة حقوق الإنسان ، وأصبحت القضية الأولى على الصحافة العالمية ، وبذلك وقعت أمريكا  في إحراج لم تحسب لها حساباً ، وأصبحت تواجه العالم ومحامي العالم ومنظمات حقوق الإنسان بعد أن كانت تواجه ذاك الأسير المغيب في أسره .

 لا شك أن مهمة المحامين كبيرة وخطيرة جداً .. ولكن ينبغي أن يعرفوا أن قلوب الأمة معلقة بعد الله بهم ، وأن حياتهم ليست بأحق بالبقاء من حياته ، وأنه ربما إن مات محام فقد مات في مواجهة أخطر هجمة يهودية في تاريخ الأمة المعاصر ... وأنعم بها من موته ، وأنعم به من رباط ، والأعمال بالنيات ، وأن لهم في العراق مأوى ، فليأتوا هنا في الأنبار ، وإلا فليحولوا المحاكمة إلى خارج العراق ، فهم يدافعون عنه والله يدافع عنهم وعنه .

 الإنجاز الثامن : تفاعل الرؤوس

 لا شك أن لكلمات صدام خلف القضبان وقعاً خاصاً قد سرى إلى نفوس الرؤساء والحكام ، فمنهم من أخجله ، ومنهم من فضحه ، ومنهم من قال : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ..

 ولا شك أن منهم من أخذته الغيرة وأقعده العجز ، وهذا والله مكسب حين يصل ذروة التفاعل إلى  ذروة الأمة .

 ولا ينبغي لأحد أن ينكر هذا الحال بما يشاهده من مظاهر مهينة ، فالخير بذرة ، والنور نقطة ، والحياء قطرة ، والهداية لحظة ، والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل .

 وكما أن إقامة الحجة أمر مطلوب ، فإن الهداية أمر مأمول ، ولعل من قارن بين تعليقات الحكام بعد القبض عليه والشماتة العلنية      به ، ثم رأى سكوت الجميع بعد المحاكمة عرف السبب الفارق بين الموقفين .

 الواجب عليهم عظيم وعظيم ، والواحد يستطيع أن يعمل الكثير ..

 وليس أقل من إكرام أصحابه وقادته الذين أصابهم من بعده ما أصابهم ... فالعالم كله يفتح ذراعيه   للاجئين السياسيين والعلماء .. فهل تفتح الأمة ذراعيها للاجئي العراق وعلمائهم .؟!

 الإنجاز التاسع : كشف الكذب

 ولا بد أن أنبه هنا إلى أن الأمريكان وزنادقتهم وإعلامهم المسموم لن يتركوا ذلك اللقاء يمر بصورة صدام الجديدة التي نقشت في ذلك اللقاء في قلوب الأمة صورة ذلك الرجل الشريف، الغيور ، الشجاع ، المقنع ، نعم لن يتركوه ، ولن يتركوا محاكمة أخرى تظهر تفعل فعل الأولى ..

 وها قد عاد إعلامهم ' اليهوكي ' أي الإعلامي الأمريكي اليهودي يعيد اسطوانته المشروخة التي مجتها الأمة من فضائح لصدام لم  نر منها شاهداً واحداً ، اللهم إلا تعبيرات من أفواه كاذبة أو مأجورة أو متزلفة ..

 لقد أدرك الأمريكان أن دور الـ [ سي إن إن ] قد ولى في الأمة العربية ، ولا بد من قناة من بني جلدتهم تلبس لباس الحق ، وتتحدث بلغتهم ، وتنادي بما تنادى به القوات الأمريكية ' الحرية والديمقراطية ' وتصل لكل ما تريد أمريكا عن طريق الحوار ... فليصل الصوت المطلوب والفكر المطلوب لكل أحد ، ولكل بيت عن طريق شعار : [ الرأي ... والرأي الآخر ]!!

 وكما صور أحدهم ملحمة الفلوجة التي سطرت فيها المقاومة العراقية ملاحم العزة والصمود وعلى عتبتها اندحرت أسطورة الجيش الأمريكي الذي لا يقهر، فإذا بهذا المذيع لا يكف عن الصراخ والعويل وبث الذعر والخوف في الفلوجة ، ويقول ' والمعنويات في الفلوجة منهارة ' حتى أشفق المسلمون في العالم كله على أهل هذه المدينة وربما قال بعضهم هذا عاقبة الوقوف في وجه الجيش الأمريكي الذي لا يقهر وعاقبة تهور بعض المقاومين عندما سحلوا جثث الجنود الأمريكان... وكان الأمر على خلاف ما يصوره هذا المذيع تماما ؛ نعم كان هناك خوف وذعر وهلع ورعب لكن في جانب قوات الاحتلال ، وكان هناك معنويات منهارة تماما لكن أيضا في جانب هذه القوات لا في جانب أهالي الفلوجة!! ولم يتوقف هذا المذيع إلا بعد أن أنذره المجاهدون هناك..؟!

 ويتساءل كثيرون كيف دخل هذا المراسل المشهور الفلوجة في آخر اللحظات ليلة ضربة الفلوجة   دون جميع المراسلين ... رغم الحصار المحكم المضروب آنذاك وفقا لما أعلنه هذا المراسل نفسه؟!!وكيف ينتقده كيميت بصورة لافتة وهم يرونه يصور فوق السطح في الليل والنهار ، ثم لا يضربونه بصاروخ ..؟! وبالطبع فليس من بين الأسباب ما يفترض أن يحظى به الإعلام الحر من حصانة وما يتمتع به جنوده من حماية!!!

 وكما كانت الحقيقة تزيف آنذاك ويصور الأمر على خلاف حقيقته في ملحمة الفلوجة ؛ فقد كانت نفس اللعبة تمارس في بث مشاهد محاكمة صدام حيث صور مراسل آخر لنفس القناة في العراق صداماً بصورة المنهار حين بث رسالته إلى قناته بعد المحاكمة مباشرة .. وقبل وصول الصورة وكانت هي الوحيدة التي تبث من داخل قاعة المحكمة كعادتها .

 فقال : حضر صدام وكان شبه منهار ، وصوته مبحوح ، وسمعه ثقيل جداً حتى كان يطلب من القاضي أكثر من مرة أن يعيد السؤال، حتى اسمه لم يسمعه ..؟! وكان متوتراً يقاطع القاضي دائماً .. فلما اكتشف أمرهم عاد المذيع فيها يقول : ' وقال مراسلنا أنه ظهر نبرة التحدي بخلاف المتهمين الآخرين ' .. فوا عجباً كم يستغفلون الناس ..؟!

 ولعل من فعل هذا ظن أن كلامه هذا سيمر على الناس لأنها صورة بلا صوت ... وأبى الله إلا أن يظهر كذبهم ويدافع عن الرجل بلسان الرجل .. فيسمع صوته الناس، ويترك الحكم لهم ،فكان حكم الناس فيهم إلحاق ' القناة اليهودية بالقناة العبرية' ، وعليه فقد حكموا على أية محاكمة لا تبث للناس على الهواء ، أو تنقل مدبلجة ... بالكذب والتزوير ، فكيف إذا كان النقل للمحاكمة مجرد وصف من كلامهم، وسيبقى الناس يتساءلون : لو كانوا صادقين لماذا لا يبثونها كاملة ..؟!

 الإنجاز العاشر : كلمات الحياة خلف القضبان

 كم كان صدام يقول كلاماً منطقياً وحماسياً ، لكن كلماته تلك ما كانت تصل إلى جميع أبناء أمته ، فضلاً عن أن تجد القبول الكافي في قلوب بعض المفكرين منهم .

أما كلماته خلف القضبان فقد طبعت في قلوب أبناء الأمة ، ورددتها الألسن في كل المجالس ، وعلى مختلف المستويات والأصعدة ، وتقلصت حدود معارضيه حتى أصبحوا في زاوية لا يجرءون على المجاهرة بمعارضتها ، فبأي منطق أيها المعارض تعارض ، ومع أي الفريقين تقف؟

 والحقيقة أنه لو انتهى المشهد عند هذه المحاكمة ، لكانت كافية في تخليد ذكرى الرجل ، وكافية في إحياء كلماته الأولى ، فقد جاءت هذه الكلمات كشاهد الصدق الذي بعث المصداقية في كلماته السابقة ، واسترجعتها الأمة ، كما استرجعت مواقفه السابقة ، وعادت تفسرها التفسير الصحيح ابتداءً بطرده الشركات الأجنبية ، وتأميم النفط ، ومروراً بالحرب الإيرانية ، وإنشاء المفاعلات النووية ، وعرضه على قمتين إسلامية وعربية خطة واضحة كاملة لمهاجمة إسرائيل و إبادتها ، ومحبته وطنه وأمته .

  وأخيراً فإن الواجب هنا على كل عراقي غيور، وكل مسلم أن يختار لنفسه الصف الذي يقف فيه،  فالمذبذبون منبوذون ونهايتهم وخيمة .

 الواجب على أهل العراق الغيارى أن يحموا من يدافع عن صدام من المحامين ولجان حقوق الإنسان القادمين إلى العراق أمام الهجمة اليهودية الباطنية الصليبية ويؤوهم إلى مدنهم الآمنة وقراهم الحصينة ...

 فليقل أهل الفلوجة والرمادي والأعظمية لهؤلاء المحامين : وبلدتنا أمينة و درعتنا حصينة ، والدم الدم.. الهدم الهدم ..

 على كل واحد منهم أن يشيع وجوب النصرة ، ولو بإيصال هذه الرسالة لكل من يستطيع من أبناء  بلده، على كل واحد من الأمة أن يخشى من أن يصيبه ما أصاب ذلك الغير مبال الذي اشتعل عليه  قبره ناراً ، لأنه مر بمظلوم فلم ينصره .

 وفي الختام فإن أمر الله ماض، وإن الآجال محدودة، وكم من موت، أورث حياة، وما قصة الغلام عنا ببعيدة ، والله على كل شيء  قدير ..


 للإطلاع على كتاب مفكرة الإسلام كاملا
    mezan1.htm 

mezan2.htm

mezan3.htm

 

 


إلى صفحة المقالات