بسم الله الرحمن الرحيم

06/05/1429

 

 رواية رجال ومدينه لكاتبها الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد 


الجزء الأول

 موقع النهى*


 رجال ومدينة
 رواية لكاتبها

 تقديم
من جوف ليل بهيم، ومعاناة روح وجسد، وإصرار على نيل المطالب، تحديا للبغي والطغيان، خرج فارس مغوار غير هيّاب، يلوّح للمجد لكي يدنو منه، بعد أن انتزع قدرة الحركة على طريقهن فما كان من هذا الفارس إلا التحدي والإصرار، ومغالبة ذلك الواقع، وقد قيل أن الدنيا لا تؤخذ إلا غلابا، فراح يخوض الصعاب مستحضرا روح التأريخ، وما ورثه من شجاعة أهله وقومه الفرسان، وتألق بما يملكه من مواهب.
لقد ولد الفارس وهو يحمل على جسده الآم قومه وأمته، وتحمل روحه حفز مصلحة الوطن والشعب والأمة.. ليحوّل المعاناة إلى خزين خبرة، تقيه منزلقات النسيان أو التخلي، لتبقى جذوة الإيمان والصبر داخل نفسه، مثلما هي في فعله، والتحريض على العمل الجمعي الثوري هي بوصلة الطريق، بعد الاتكال على الواحد الأحد، وبما يجعل الماضي والتاريخ عمق مرحلته، وبيرق تطلعه، هما وما يجود به نضح فكرة مرحلته، وليس عبئا على حركته وتصوره.
ولد وهو يحلم بزمن يكون فيه الموقف شرفا، والحياة قضية والعمل جهادا..
هذه ببساطة فكرة ( رجال ومدينة)، الرواية التي بين يديك، عزيزي القارئ الكريم.. إنها رواية حافلة برموز حية، لا يزال بعض صنّاها أحياء، وساحات حركتهم خالدة تنطق بتاريخها، وتستذكر أمجاده، حتى بدا سفرها على لسان راوٍ شهد وجودها، وأقام بناءها، وعلاّه، وقدّم لها ما لم تقدمه حقب الزمان المختلفة، فأعزّها هيبة، وكرّمها تطورا، لتصبح قلاع تحدٍ تحكي صور ولادة فارس، ليس ككل الفرسان، وولادة جيل ليس ككل الأجيال، بل ولادة زمن ليس ككل الأزمان.
تقدم لنا الرواية جزءا من حياة نجم سطع في فضاء العراق، حتى كاد، هو وحركة فعله ومعاناته وحياته، أو هو هكذا، يرسم صورة مرحلة كاملة عن المعاناة، وحياة ونضال شعب العراق الوفي الأمين.. ولعل أهم ما يميز هذه الرواية – عزيزي القارئ- أنها تفصح بثقة عن شخصية كاتبها، كون أحداثها لم تكن نصباً من الماضي، أو رمزا تاريخيا مجردا، وإنما هي مسيرة ناطقة لحياة شعب من خلال حياة فارس، تعفف منذ نعومة أظفاره عن التورط في اللامبالاة، وترك الوطن (يحترق)، فكانت حياته النذر الذي درأ الحريق المنتظر آنذاك.. أو أنها حالت دون استمرارية الحريق الذي كان سيحوّل الحياة رمادا لو استمر وكبت الهمة ومنعها من أن تنطلق.
والرواية بهذا الوصف لا تعبّر عن ترميم مقصود لزمن محدد، وإنما هي هندسة فضاء زمني، يضاهي بآفاقه مكامن النور في التاريخ التليد، كان فيه التنافس على التضحية دربا للفضيلة، وكان الاقتراب من الحقيقة والحق منطلقا لتفعيل ما تختزنه النفس من طاقات وقابليات، حتى إذا ما لاحت أمام الفارس فرصة ليجد ذاته، اغتنمها، لكي يدافع عن حقه، وحق شعبه وأمته في الحياة والحرية ضد كل من استفحل شره، وعجز عن بناء دربه، أو استكبر في رؤية ذاته، فانتزع من القدر دور شعبه القومي، وألقم من يحاول سلب ذلك الدور حجرا، قبل أن تكتشف الجماهير العربية أن الحجارة سلاح ماضٍ ضد سالبي الحياة والحرية والمحتلين المجرمين.
تتدافع أمامك- عزيزي القارئ الكريم- وأنت تقرأ هذه الرواية، مواقف كثيرة، حملت معها مرتسمات خصبة لبناء درامي متميز، صوّرت إلى حد النطق، ظروفا مرّ بها الفارس، دون أن ينثني أمامها.. أو يستسلم لشروطها القاسية، بل حوّلها إلى اندفاعات مبصرة متوالية، ليؤسس منها منافذ يطل منها على حياة شعبه وأمته، وصارت حياته على قياس ما ورد في الرواية، مرآة لما يمر به الشعب والوطن، وفصول نضال وجهاد لم تنته حتى هذه اللحظة، أهم ما فيها رسوخ إيمان في صدر الفارس، ويقين بأن الغد يُصنع لا يُنتظر، وأن الأبواب لا تفتح إلا بالعمل، وأن عافية الدرب المشرّف لا يمكن أن تتم إلا بعد أن يتراجع الوهن داخل النفس، لتتوق لصنع المستقبل بفؤاد لا يعرف الوجل.
وقد حرص كاتب الرواية على أن لا يقع تغيير في شخوصها، أو مسرح بنائها. وكان حدود الحوار تلتقي عند خط شروع واحد، تضيق فيه كل احتمالات النكوص، وتؤسس عنده كل نقاط الانطلاق، وعندها تتهتك الحجب، بعد أن يقدم الشعب قرابين الشهداء على مذابح الحرية، التي شُوّهَت معطياتها بفعل أدعيائها، الذين ما أن رأوا عزم الجماهير، حتى تواروا في زوايا التاريخ، تلاحقهم إشارات الجماهير التي آمنت بأن مستقبلها لا يمكن ضمانه إذا كان الشك يحيط بمستقبل الوطن.
مع كل بناء في معمار الرواية، يبدأ توازي القابليات لدى شخوصها، التي ما تلبث أن تتجمع وتتسق في شخصية ثرة، ماهرة في رؤيتها لمفتاح الخلاص، وجدوى الدفاع عن الفضيلة، والحنو الشديد عليها. ولكي يعمّق الكاتب ذلك الشعور، تراه لم يدّخر وسعا إلا ورسخها بإطار حكمة تلو حكمة، لتصبح فيما بعد قوانين بناء للشخصية التي لا تهاب المنايا، ولا تخشاها، بعد أن يحصّنها من هواجس التراجع والتخاذل.. كأن الكاتب يدعو القارئ ليكون جزءا من شواطئ التاريخ وأعماقه، ليقبض بضميره ووجدانه على قوانينه، وليحقق ألفة بينه وبينها.. يمخر بها عباب الحياة... يحصّن نفسه عبرها، ويقدم الدليل على أن الموروث يمكن أن يكون محفزا لبناء الأمل، لا احتوائه، أو صهره و تذويبه، لتتوارى الخشية من إفساد الآخرين له مهما بلغوا من عتو.
لق جاء أسلوب الرواية، كما سترى عزيزي القارئ الكريم، مع كل الاندفاع الذي امتلكته روح الكاتب، مبتعدا عن أسلوب الحماس الخطابي، الذي اعتادت عليه روايات من هذا النوع، مثلما ابتعد عن الفاضلة بين الذاتي والموضوعي، طالما ظل الإيمان حاضرا، وظلت الإمكانات، منذ بواكير الطفولة، تبحث عن طريق الهداية والخلاص لكي تفعّل، لتتساوق مع لهيب الحماس الذي تنطلق منه، ولأجل ذلك ترى الرواية، وقد أسست مزية مضافة، تتفاضل بها العبارات، وتتلاقح الأفكار، لتلد عشقا كبيرا بين الكاتب وتاريخه، بين الشعب والوطن، والأهم بين الضمير والواجب.
وبعد كلّ هذا، عزيزي القارئ الكريم، أراك أمام حالة كأنها سيرة تنطق باسم النضال، بعد أن نقّب كاتبها عن منابعه الأصيلة، وتفيّأ بوهج الأمل، لتنفض عن كل خذول دواعي التقوقع، بعد أن تزوده بمهاميز العثور على ذاته... إنها رسالة مفاضلة بين الحق والواجب. وبين الوجود والتضحية، وتلك هي روح الفضيلة، توأم النضال، وبها لا يمكن لزمن، أو لما هو معاكس من رغبات ومناهج غير مشروعة تدجينها. ومتى ما امتلكها فارس وانتزع طريقه إليها، زحف المجد باتجاهه، ليعانقه.. وهكذا هي حال النضال...
ويبقى ( كاتبها)، رافضا أن يكتب اسمه على الرواية، تماما كما فعل من قبل مع روايتيه ( زبيبة والملك) و( القلعة الحصينة)، فما يبدعه أبناء أباة الضيم في العراق العظيم، دون ذكرٍ لأسمائهم، حريّ بجعله لا يفكر بوضع اسمه على رواية ( رجال ومدينة)، مثلما أراد... 

 يتبع.....الجزء الثاني

 

horizontal rule

 

 

 رواية رجال ومدينه لكاتبها الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد 

 

 الجزء الثاني

 

إذا أردت لولدك أن يحفظ دارك وحماك، فاسأل عن خاله، وإذا أردته يواجه عدوك باقتدار، فدربه وهيئه، وإذا أردته أن يكون كريما، فأنبه عنك في الكرم، قبل أن يكون له بيت ومال منفصلان عن بيتك ومالك، وإذا أردت أن تجعل نفسه أبية سماء، فعلمه أن يعطي لا أن يأخذ، وعلمه على صعود العاليات، لا الاختباء في جفر"..

توفي والد السيد حسين ولما يزل بعمر يافع..
كان لقب السيد لا يمنح في هذه العائلة دليلا على المرتبة المالية أو العنوان الوظيفي لأبنائها، كما هو حال من يلقب به في هذا الزمان، بل ولا حتى تقديرا لأعمارهم.. ذلك أن عمر السيد حسين كان صغيرا كما قلنا، ولكنه يمنح إشارة إلى النسب، وتقديرا له.

ينتمي السيد حسين إلى عائلة حسينية الأصل، يمتد جذرها إلى سيدنا الحسين بن علي ( كرم الله وجهيهما)، وكان يلقب الحسين الصغير، وكان الأصغر سنا من بين أربعة أخوة، تزوج الثلاثة الأكبر منه، قبل أن يتزوج حسين بن مجيد وأعمارهم بين الثالثة والعشرين والخامسة والعشرين، وكان جده رحمه الله، رجلا مباركا في عرف وتعامل أهل المدينة الصغيرة الواقعة على حافة نهر دجلة الخالد، حتى أن من تتعسر ولادتها تستخدم حزامه لتسهل الولادة.
كان أخوة السيد حسين يحبونه حبا كبيرا، كأنهم بهذا الحب أرادوا أن يفرغوا عليه محبتهم وتقديرهم لأمهم وأبيهم وتعبيرا عن حرصهم على أداء الواجب إزاء ما اؤتمنوا عليه.

وقد توفي والدا السيد حسين ولما يشتد عوده بعد لمواجهة الحياة، التي تبدأ صعوبتها من الشاطئ منذ الولادة، حيث الأمراض السارية، بما في ذلك احتمالات الإصابة بالطاعون، و صعوبة الحصول على لقمة العيش، فمن يبحر فيها حتى يصل أعماق بحرها ثم يعود إلى الشاطئ يكون قد تعلم العوم وتطعّم بصعوباتها، ويكون قد سلم، ومن يضعف فيغرق، يغطس في بحرها، قبل أن يعرف العوم ويتعرف على الأعماق فيها.

وكان تعداد أهل العراق حوالي مليون إنسان، وهو مجموع النساء والرجال الذين عاشوا على أرضه في أوائل العشرينات من القرن العشرين، أو لنقل هم كل ما بقي على أرضه، بعد أن كانوا بحدود الثلاثين مليون إنسان في زمن ما، عندما كانت بغداد على عهد الدولة العباسية منارة الدنيا، وقبس إشعاعها الفكري والفني والعلمي، يردفه إشعاعها الروحي، بل يقوده، كأهم تجسيد حضاري وثقافي عميق، وكرمز لمعاني حكم المؤمنين على قياسات ما آمنوا به في الدين الإسلامي بعد الدولة الأموية، التي أحاطها ما أحاطها من إشارات بسبب الصراع الذي حصل بين مؤسسها معاوية بن أبي سفيان وسيدنا علي بن أبي طالب وفق قصتهما المعروفة، رغم أن أي فتح جديد لم يحصل بعد الأمويين أبدا، حتى انتهى حكم الأمويين في عام 132هـ.

إذن، بحدود المليون إنسان هو كل ما بقي ( فضلة) الموت وسوء الحياة الذين عمّا بغداد وكل مدن العراق، إضافة إلى تدمير وسائل الري جراء غزوات الأجانب الذين تكالبوا على بغداد بعد أن هزلت.. حيث جاءوها من الأقاصي البعيدة مثل هولاكو، أو انحدروا إليها من الهضاب القريبة من شرقها ومن شمالها، وأحيانا حتى من أبناء جلدتها من العرب.. جاءوا إليها وكلّ يشهر سيفه، أو يتحين فرصته عليها بخنجره، سواء طلبا للمجد، ليشار إلى سيفه أو خنجره كعلم، عندما يقوم إنه أغمده في صدر بغداد التي كانت مشعل هداية للإنسانية، ورمز عبقرية الإنسان فيها، أو جاء من جاء منهم لسود عليها تتويجا لفتوحاته كملك للجهات الأربع، مثلما كان الطامعون يفعلون مع بابل قبل الميلاد بمئات، بل آلاف السنين.

كان البؤس يعمّ العراق من أقصاه إلى أقصاه، ولم يعد فيه أي شيء عدا بقايا ما يستدل منه على عظمة المعاني والدلالات التي تحملها آثاره، التي بالكاد يستدل عليها هي الأخرى، بعد أن عاثت وعبثت بها يد الأجنبي في أوائل العشرينات من القرن العشرين.

ولد حسين بن مجيد.. وصار يتيم الأم والأب بعد ذلك.. وعندما بلغ مبلغ الرجال، راح أشقاؤه يسعون ليخطبوا له من أقاربه بنتا تكافئ نسبه، وفي الوقت نفسه ينبغي أن لا يكون والدها طماعا، لأن ضعف حالهم، وكون أبناء مجيد كلهم من الذكور، عدا بنتا واحدة زوجوها لابن عمهم من قبل، ضيقا عليهم فرصة أن يخطبوا للسيد حسين زوجة، لأن الأساس في خطبة من يخطب آنذاك أن تكون له أخت يبادلها بأخت أحدهم، أو حتى ابنته إذا كان والد الخطيبة يرغب في الزواج من أخرى...

وقع اختيار أشقاء السيد حسين على عم لهم، يلتقون معه بأحد أجدادهم، وخطبوا للسيد حسين ابنته.
كانت صبحة هي البنت البكر بين بناته، وكان ترتيبها بين أخوتها الثاني بعد أخيها البكر من أمهما حليمة.. كانت سعادة حسين وأخوته لا توصف عندما أعطاهم والد صبحة موافقته، بعد أن تشاور مع أمها، حيث أن الأم أعرف برأي ابنتها.. ومن حسن الصدف أن صبحة لم يكن لديها ابن عم جاهز وفي عمر الزواج، وإنما كان لديها أبناء عم أصغر منها.. وكان لها عمّان شقيقان لأبيها..

انتقلت صبحة لتعيش مع حسين، بعد أن تدبروا أمر دارهما الجديد، ليكون لصيقا لدار إحدى عمات حسين، التي ترملت، ولم يعش لها طفل، حيث كان أطفالها يموتون كلما ولدت واحدا منهم، وما أكثر النسوة والرجال الذين كانوا لا ينجبون بسبب عارض بسيط! وما أكثر الأطفال الذين يموتون بعد الولادة لأبسط عارض يواجههمّ بل إن الكبار من الأحياء كانوا يفتقرون إلى أبسط معاني الرعاية الصحية وإمكاناتها عندما يمرضون، ومن باب أولى أن لا يحظى من لديه عائق في الإنجاب من الجنسين بأي رعاية، وكان الأطفال يواجهون مثل ذلك، عندما يمرضون، لأن المدينة كلها كانت تفتقر حتى لو لطبيب واحد، وكان الدواء الجديد لم يجد طريقه إلى العراق بعد، خارج مدينة بغداد، التي هي الأخرى كان الدواء والأطباء فيها على نطاق ضيق، ولا يهتدي إليهما إلا أصحاب المال والسلطان فحسب.
ضوءاً خلقنا، وكان أمنّا القطرُ
الروحُ منا شذاها الطيرُ والزهرُ

كانت محلة السكماني فرحة بذلك اليوم حيث زفاف صبحة إلى حسين.. وكان واحد من بيوتها الأكثر استعدادا وسعادة لاستقبال الحدث
همّ الليلُ ونحنُ فيه النهارُ
لنا الليلُ ونحنُ فيه النهارُ


**********


كانت صبحة في ( مقطع) طويل، والمقطع غرفة طويلة، لا يزيد عرضها عن ثلاثة أمتار ونصف المتر، وبالكاد تصل أحيانا إلى أربعة أمتار، أما طولها فيمكن أن يمتد حسب الحاجة والقدرة.. ومع أن الأرض في هذه المدينة لا تباع ولا تشترى، وبالتالي ليس لها ثمن، فغن الدور لم تكن تبنى وفق تخطيط مسبق للشوارع، وإنما يبني كل دار على أساس ما يختاره صاحبه من مكان.. وقد اعتاد كل من يبني أن يبني لصيقا لدار أخرى سبق بناؤها، وأن تترك فواصل للطريق بين الدور تسمح بمرور الإنسان والدواب وهي محملة... وكانت الدور تبنى ( بالفزعة) في الغالب، والفزعة تعني العمل الجماعي التعاوني الذي يقوم به أهل الحي الواحد لمعاونة من يقرر البناء، من غير أن يتقاضوا على ذلك أجرا، إلا ( الأسطة)، أي المشرف الفني على البناء، وكانت الأجور بسطة، وهي في الغالب بصيغة المقايضة، كأن تكون أجرة العمل الذي يقدمه ( الأسطة)، طيلة يوم أو أسبوع، خروفا أو عددا من الدجاجات، أو وزنة حنطة، أو عددا من المجيديات على العهد العثماني، وعددا من الدريهمات في بداية العهد الملكي الجديد.

ومع كل ذلك، ولأن الدار لم تكن تبنى باللبن أو قطع الحجر المحلي مع الطين وحسب، وإنما يلزمها الخشب الذي من غيره لا يستقيم السقف، فلم يكن الجميع قادرين على البناء دائما، وفي كل الأحوال فإن عرض أي فضاء في البناء كان ينبغي أن لا يزيد عن أربعة أمتار، ليتحمل ثقل ما يوضع من طين فوق السقف اتقاء للمطر.

كانت كل البيوت تكاد تكون متشابهة، أو قل متماثلة، فالمدينة ليس فيها إلا اثنان من الأسطوات ( جمع أسطة)، وربما أسطة واحد، هو أو هما اللذان يخططان بناء الدار، أما الأساس فهو ( المقطع) أي غرفة طولية واحدة، يرافقها جنبيا ( خزينة) عرضها متر ونصف المتر، والخزينة عبارة عن غرفة طولها على امتداد الغرفة الأصلية، التي ينخفض ربع مساحتها عند المدخل، فيما يرتفع الباقي من الغرفة ليكون مكان المعيشة، وينتصب في نهاية المقطع، تاركا فراغا خلفه ( محمل) من الخشب يوضع عليه الفراش، ويشكل ديكورا في البيت، إذا كان أهل البيت ذوي مقدرة مالية لما يكون عليه من لحف و شفوف(1) وبسط ملونة، أو شف واحد ولحاف واحد، كل حسب مقدرته ومستوى تدبير ربة الدار...
والخزينة هي المكان الذي يوضع فيه الحطب، ويرافق الغرفة ( المقطع الرئيس) من الجهة الأخرى (المقطع) أو غرفة أخرى تسمى البيت ( الجوه) مماثلة لغرفة المعيشة، تخزن فيه حاجة العائلة من الحنطة والبقوليات والدهن والدبس والتمر والبرغل والرشدة، وإذا كانت العائلة مقتدرة جدا ربما تخزن أيضا بعض الجوز والراشي والعسل، والراشي والعسل لم يدخلا إلا عددا محدودا من بيوت هذه المدينة في الأربعينات...

إذن كان وصف الدار التي زفّت فيها صبحة إلى السيد حسين يتصل بما أسلفنا، وتصطبغ جدرانها و ( الباريات) الحصران المصنوعة من القصب وحتى خشب السقف والجدران بلون أسود ذلك ما تكسبه من لون الدخان لنار التدفئة من الحطب في فصل الشتاء، أو من ( الهيس) الذي يتركه السراج المصنوع من ( التنك) على شكل أسطوانة صغيرة، يوضع فيها نفط، ويبرز من أعلاها أنبوب طوله أقل من طول نصف الأصبع، تبرز منه فتيلة من القطن لكي تضيء، عندما تشعل بعود ثقاب، وحتى الفوانيس النفطية كانت، عندما يلتهب فتيلها، تصبغ سقف الدار والجدران بـ ( الهيس) الأسود... إذن، كانت السقوف والجدران مصبوغة بهذا اللون، ولا يسلم من هذا الوصف والمنظر إلا الدار الجديدة قبل أن يمر عليها موسم الشتاء.

كانت سطوح المنازل المشرفة على دار السيد حسين، مثلما هي باحة الدار وغرفة الدار بالوصف الذي ذكرنا، تغص بالنساء اللاتي جئن يتفرجن على العرس، ويهلهلن، ويصفقن بأيديهن ويرددن أغنيات المدينة ابتهاجا ومشاركة بالعرس، وغالبا ما كانت ربات البيوت المجاورة يحاولن تنبيه من هن فوق السطوح إلى خطورة تحميلها بأعداد إضافية من النساء، خشية أن تسقط بهن جراء ثقل خارج قدرة تحّمّل الخشب الذي نخرت الأرضة بعضه بعد أن فاتت عليه سنين.

كانت بنات ونساء المحلة يغنين، ويدبكن، متشابكات الأيدي، أو متفرقات متقابلات، وهن يجُلن بعباءاتهن، بعد أن يلوين العباءات، ويضعنها على أكافهن، وهين يناوبن حركة أيديهن ارتفاعا وانخفاضا، ممسكات طرفي العباءة من فوق متونهن، ويغرّدن مع زقزقة العصافير، وطيور السنونو ( القره قاش) التي وجدت لأنفسها فرصة لبناء أعشاشها على سقف الدار، حيث توفرت لها فرصة الدخول من ( السمي)، وهي فتحة في السطح باتجاه السماء، لتسمح بتبديل الهواء، وغالبا ما يتبدل الهواء الحار، تاركا الهواء البارد يستقر في الأسفل، أو حتى أن العصافير والطيور، بل وحتى القطط أحيانا يمكنها الدخول من فتحات فوق الباب أو تحته، ذلك لأن الأبواب في ذلك الزمان لا تُحكم بحيث تطبق مع الأرضية في الأسفل، وتطبق مع حالة البناء أو السقف من الأعلى، وإنما تترك فراغات غير منتظمة غالبا من الأعلى والأسفل.. كانت النسوة يرددن وهنّ في هذا المنظر:

ألف هلا يا عيني.. ألف هلا
عباءتك يا حسين كلها كلبدون..
ألف هلا يعيني.. ألف هلا..
لو قابل الحكام، بس أهله يحكون
ألف هلا يا عيني.. ألف هلا
خطّابتك جاءوا.. قومي يا صبحة
ألف هلا يا عيني.. ألف هلا
ما انطي بنت عمي لو أسويها ذبحة
ألف هلا يا عيني.. ألف هلا

كانت هذه هي السمة العامة لفرحة الزفاف، وكانت النسوة يحتفلن بالعروس على هذه الكيفية، فيما يزف الرجال العريس من واحدة من اثنتين من المقاهي البسيطة في وسط المدينة، وهم يطلقون العيارات النارية، ويهزجون ويجولون في رقصاتهم حول العريس، في الوقت الذي يتوسط حسين الخط الأمامي من أصدقائه و معارفه، وينتظم الجمع على طرفيهم وفي الخلف منهم، فيما يتراكض الأطفال إلى الأمام، مستدلين بواحد ممن يعرفون مكان الدار الذي تصير إليه الزفة، ليسبق بعضهم الجمع، والقسم الآخر يتنافس على ظروف الإطلاقات المتساقطة بين الأرجل، أو يلتقط ( الملبس) الحلويات من الأرض، إذا ما تبرع أحدهم ليشتريها من بدرة الباصي، أو بيت عمّاش، وينثرها على الزفة، ومن حين لآخر نسمع صرخة طفل تطأه الأقدام، وهو يحاول الحصول على ( الملبسة) أو ظرف طلقة فارغ، وبالكاد يخرجونه من بين الأرجل.. وهو ( يعوي)..

عند بزوغ صباح اليوم التالي، كانت عديلة السلطان أول من جاءهما لتطرق عليهما الباب، لأنها الأقرب إليهما في المكان والنسب.

كانت عديلة السلطان ممشوقة القوام، طويلة القامة، ولكنها وزوجها صالح خطاب لم يوفقا في الإنجاب، فقد كان أطفالهما يتوفون بعد الولادة.. ومع بساطة ذلك الزمان، كان أعمام صالح ا لخطاب يتندرون على بساطته، وكيف أنه عندما تلد عديلة طفلا يضع اليشماغ على أنه، لكي لا يشم رائحة الخضيرة التي تضر الأطفال، لأنه يعتقد بأنه إذا شمها يموت ابنه، عندما يكون في عمر صغير، بينما لا ينتقل أذى الخضيرة إلا مع حليب الأم إذا شمت رائحتها، أو إذا شمها الطفل بصورة مباشرة، وعبثا حاول من حاول أن يقنع صالح الخطاب بذلك لكنه ظل يعتقد بأنه لو شمّ الخضيرة يضر طفله مثلما تضر الأم طفلها لو شمتها..

أجابتها صبحة، بعد أن كانت قد استيقظت، وظلت خارج الفراش قبل أن تطرق عديلة الباب وتنادي عليها..
- نعم عمة تفضلي.. الباب مفتوح.. وفي الوقت نفسه نبهت حسين لكي يستيقظ وينهض..
جاءتهم عديلة بعدد من البيض، ومعه تمر خستاوي معجون بالدهن كصبحية للعرس ليأكلا، وبعد أن شكرا عديلة قال حسين لصبحة:
- قومي بنت عمي واقلي ( طقي) لنا ( البيضات) بالدهن لنتناول إفطارنا، وحبذا لو شاركتنا عمتي عديلة، وانسي، يا بنت العم، ما تضمنه عقد زواجنا بأن يكون لك عبد وعبدة مثلما هي عادة بنات العشيرة من السادة آنذاك، كنوع من تقدير الأزواج لهن، وكإشارة على علوّ اعتبارهن.. نعم، يا بنت العم.. اخدمي نفسك بنفسك، وسأعاونك.. لأننا لا نملك عبدا ولا عبدة ليقوما بذلك، وأنت تعرفين الحال، وإلا لا ( تغلا) عليك حتى الأنفس.

تناول حسين طعام الإفطار وحده، لأن صبحة امتنعت عن تناوله معه.. مفضلة تناوله بعد أن يكتفي حسين منه، وبقيت صبحة تحتفظ بعادة عدم تناول الطعام مع الزوج، أو الأخ، أو حتى مع أبنها الكبير صالح فيما بعد، لأنها كانت تجد ما يعيب في أن تتخالف يدها أثناء الأكل مع أيدي من يعينها من الوليان، وهو جمع ( ولي الأمر) وفق لهجتهم آنذاك.. بهذا كانت تعلق عندما يلح صالح عليها، لتأكل معه، والشيء نفسه تقوله لشقيقها مال الله.

كان حسين المجيد في إجازة لأغراض الزواج، ذلك لأنه كان يعمل حارسا في منطقة الفتحة على ( الفيري)، والفيري عبارة عن ( طبقة) مربوطة بسلك كهرباء من الأعلى، مرتبط هو الآخر ببكرات تنقله بين ضفتي نهر دجلة في منطقة الفتحة، وغالبا ما كان الأقوياء المؤثرون في هذه المناطق يتعهدون حراسة مثل هكذا مصالح في تلك الظروف. وبما أن عقر هذه الأرض، وهو عشر المحصول الزراعي، كان مخصصا أصلا لعشيرة السادة الحسينيين في بنت النهر، والسيد حسين منهم، فقد كانت حراستها على أبناء العشيرة، ولذلك كان الإخوان سليمان وحسين، بالإضافة إلى عدد آخر من أبناء عمومتهم، يتولون هذه المهمة.. وعندما انتهت إجازة سيد حسين وعاد إلى العمل، أحست صبحة بفراغ كبير، وأحست الفراغ بغياب حسين أيضا، أختاها ليلى وهيلة، حيث كان حسين، بالإضافة إلى حُسن طلعته، وبهاء شكله، وطوله الممشوق، ولون بشرته الأشقر، وعينيه الشهلاوين، وشاربيه الشقراوين، ذا معشر جميل، وخفيف الظل، مع رزانة خاصة لا تترك ثقلا أو تكلفة على محدثه ومن يعاشره، وكان سعيدا بصبحة، ويحمل لعائلتها، سيما أمها وأبيها، تقديرا خاصا في نفسه، ويتعامل بمحبة ولطف خاص مع شقيقتي صبحة: ليلى، وهيلة..
أما مال الله، أخوهن الكبير، فقد كان يدرس في الكلية العسكرية، بعد أن تخرج معلما في الدورة الريفية بعد السادس الابتدائي.
وكان أمد الدورة الريفية لتخريج المعلمين آنذاك، سنتين أو ثلاث سنوات، وأمد الدورة بعدها في الكلية العسكرية سنتين أيضا.


**********


مرّت الأيام سراعا في حياة السيد حسين وصبحة.. وكان حسين ينتقل بين الفتحة حيث مكان عمله، ومنطقة السكماني حيث صبحة في دار الزوجية، وفي أحد الأيام عاد حسين إلى بيته مجازا، فأخبرته صبحة بأنها حامل.. وكانت سعادتهما لا يتسع لها مقطع المعيشة، ولا حتى ( البيت الجوة) مثلما كانوا يطلقون على المقطع الذي كان يوازي غرفة المعيشة على الطرف الآخر، الذي يقابل الخزينة من الجهة الأخرى، بل ولا تتسع لها محلة السكماني كلها...

ومن الطبيعي أن تكو أم بحة قد أحيطت علما بذلك، هي وعديلة السلطان أيضا. وهذه عادة النساء آنذاك في أول حمل لهن بعد الزواج، تحسبا لاحتمال أن يموت الزوج بأي عارض مفاجئ، وجبّا لأي تقوّل قد ينال من المرأة الحامل، وعن طريق النساء، كان الرجال، وبخاصة الأب، وربما الأخوة أيضا، يعرفون بأمر الحمل..

كان الزوجان ينتظران الوضع بكل لهفة، وما إن وُضع المولود ذكرا حتى أسمياه أنور.. فرحت عائلة السيد حسين، وفرحت ليلى وهيلة وأم صبحة من أهل صبحة بالمولود أنور، إذ من عادة الرجال أن لا ينظروا آنذاك إلى ابن البنت، حتى عندما يكون زوجها ابن عم لهم، مثلما ينظرون إلى ابن الابن، بل حتى لو فرحوا به، فإنهم لم يكونوا يظهرون هذا جريا على عادة الرجال آنذاك، باعتبار أن عائلتي الزوج والزوجة، لو قدر لهما أن يتعاركا، فإن ابن الابن يقف مع أهله، وابن البنت يقف مع أهله أيضا، أي مع أعمامه ( ضد أخواله)، وربما قليل منهم من يقف على الحياد، أو (يحجز) بينهم كفعل خير يحول دون اصطدامهم، بخلاف ما عليه الأمر في الوقت الراهن، بعد أن اتسع تأثير المرأة، وارتفعت مكانتها في المجتمع، ولأن دورها كبير في التربية، حيث ازدادت انشغالات الرجل، ولأن المرأة تحب أهلها، فإنها في العادة تعمل على أن تجعل أبناءها يحبون أخوالهم كأعمامهم، وربما أكثر من ذلك، أو على حساب حبهم لأعمامهم إذا كانت صغيرة عقل... وفي كل الأحوال تعتمد النتيجة النهائية لموقف الأبناء من الأعمام والأخوال، بالإضافة إلى موقف الأم والأب، على سلوك ومستوى تعاملهم مع الأطفال وأمهم وأبيهم، فكلما حسُن التعامل ازدادت العلاقة تشابكا ومحبة، وكلما كانت الأم مؤثرة و ( نحسة) في تعاملها مع الأعمام وأبنائهم وزوجاتهم، صار لهذا مكانة في تباعدهم.. ولقد شغل الطفل أنور صبحة عن عمل البيت، رغم أنه كان محدودا للغاية، ذلك أن حسين في العمل وليس في البيت وصبحة وحدها في البيت، ورغم أن صبحة كانت تحاول أن تبقى في بيتها وزوجها غائب عن البيت قبل الولاة، إلا أن أمها ألحّت عليها بالمجيء إلى بيت أبيها.. وهنا تدخل أبوها بصورة حاسمة، عندما عرف أن صبحة تفضل ألا تترك بيتها في غياب حسين.. وقال لها:

- إنها صفة حميدة أن لا تترك المرأة بيتها في غياب زوجها، يا ابنتي، وهي من جوهر تربيتها الدينية، ولكنك الآن وحدك بلا أطفال، وأنت في سن لم تعركه الحياة بعد، لذلك ما إن يغادر زوجك البيت عائدا إلى عمله، حتى تغلقي باب دارك، وتأتي إلينا.. إلى بيت أبيك الذي ربّاك حتى زوّجك..
- على العين والرأس، يا والدي.. أنا أعرف الحكمة التي أردتها في أمرك هذا، وأمرك مطاع، ولكنني قلت في نفسي: ربما يرتاح حسين لبقائي في البيت أكثر، حتى عندما يأتي بإجازة معروفة مسبقا، أو إجازة ترتب على عجل، يجدني في البيت، لكي أفك عنه حرج المجيء إلى بيتكم- واستدركت قائلة: بيتنا- لإشعاري بوصوله.
- إن حسين، يا ابنتي، ابننا، و صار الآن ابننا من كل النواحي، بما في ذلك ناحية الشرع في أمور أساسية.. وهو يفهم إجرائي هذا، ولا اعتقد أنه يتضايق منه، ومع ذلك قولي له، عندما يعود في الإجازة اجتهادك وقراري، لكي يعرف كل شيء.
- أمرك نافذ يا والدي..
كانت صبحة، حتى بعد الولادة، تحمل ( أنور) وتذهب به إلى بيت أبيها، عند غياب حسين، وتعود إلى دارها عندما يعود حسين في إجازة ليسعدا بابنهما أكثر.


**********


أصيب أنور بمرض بد أن صار عمره أربعة أشهر وهو العمر الذي يبدأ الطفل فيه بملاعبة أهله بما يملأهم سرورا وغبطة.. ورغم كل محاولات أم صبحة وكبيرات السن من صويحباتها تقديم وصفات من الأعشاب لتشفي الطفل، ورغم أن بعض الدراويش قرأوا على رأسه، فقد توفي أنور.. وبسقوط نجمه، انطفأ النور الذي اشتعل بولادته في ذلك البيت.
توفي أنور في الوقت الذي كان حسين في الفتحة، وحيث لا هاتف ولا سيارات توصل الخبر بين الفتحة ومحلة السكماني، فقد بقي حسين لا يعلم بالخبر الحزين.

عاشت صبحة حزنها العميق مع نفسها، وما انفكت تنتحب، تشاركها أمها وأختاها ليلى وهيلة... كانت صبحة تبكي ليل نهار، ولا ينقطع دمعها إلا بعد أن يهدها السهر، ولا يقوى جسمها على الاستمرار من غير نوم... وكانت لا تأكل إلا ما يديم الحياة لكي لا تنطفئ، تحت إلحاح أمها عليها...

- كلي، يا ابنتي، تقول أمها مشجعة، إنه زرع الله يا ابنتي، هو، سبحانه، الذي خلقه، وهو الذي اختار أن يطفئ شمعته، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، سبحان الذي لا يموت، وهو وحده الحيّ القيّوم..
كانت حليمة تقول ذلك لابنتها صبحة، رغم أن النار تلتهب في صدرها هي الأخرى، وبالكاد تستطيع أن تداري دموعها أحيانا قبل أن تطفح من مآقيها.. وتردف قولها..

- إن الأنبياء الذين خُلقت الأرض من أجلهم ماتوا، وكلنا نموت يا ابنتي، وأنت وزوجك ما زلتما في مقتبل العمر، وتبدآن الطريق من أوله، وستنجبان من الأبناء ما يجعلكما عاجزين عن الاستمرار في إنجاب المزيد.
وعندما كانت صبحة تسمع كلام أمها، يشرق بصيص أمل في نفسها كأنه إشعاع ضوء، ومع ذلك تقول لأمها والحسرة تملأ نفسها:

- في بداية الطريق، يا أمي، وقد انكسرت مسحاتنا أو منجلنا، لو استعرنا هذا من وسط حياتنا.
وبعد أن تقول هذا، تحسّ أن حشرجة ما تعتمل داخل نفسها كأنها تخنقها، فتستنجد طلبا للحياة، فلا تجد أفضل من ذكر الله والاستنجاد به:
- إنّا لله، وإنّا إليه راجعون، وصبر جميل، وبه سبحانه نستعين..
عاد حسين من العمل في إجازته بعد عدة أيام وهو في شوق لا يستطيع أن يصفه إلا هو، ليس إلى صبحة والأقرباء فحسب، وإنما إلى أنور، وربما ناف وزن شوقه إلى أنور عليهم، وبدلا من أن يتجه إلى بيته، ذهب إلى بيت والد صبحة، مثلما هي عادته. وعندما طرق الباب، جاء أحد الأطفال ليفتح له الباب، ولكن قبل أن يفتحها أسرع والد صبحة إلى الباب الخارجي وهو يتساءل:
- من في الباب؟
- أنا، يا عم.. أنا حسين..
- أهلا وسهلا بحسين، أجاب والد صبحة، وهو يهمّ بفتح الباب.
صافح حسين والد صبحة، ولكنه لاحظ أن والد صبحة عانقه هذه المرة، رغم أنه لم يكن يفعل ذلك إلا في الأعياد فحسب، ولم يسبق له أن فعلها في غير ذلك قبل هذا..
ومن غير أن يدعوه لكي يقعد في داره، قال أبو صبحة:
- صبحة وأم صبحة في بيتكم، يا حسين.
أجاب حسين:
- شكرا لك يا عم، لو سمحت، سأذهب إليهم، وقد نعود معا إليك..
- مع السلامة.. أجاب والد صبحة، و عندما أغلق الباب قال والد صبحة بصوت مسموع:
- إنّا لله، وإنّا إليه راجعون..
صارت المسافة كأنها أضعاف حقيقتها بين دار أبي صبحة ودار حسين، حيث صبحة وأم صبحة.. وجثمت على صدر حسين عشرات الصور والتساؤلات..
- لماذا هم هناك على غير العادة الجارية؟.. ترى، هل زعلت صبحة من أبيها، أو أمها، أو أحد ما، فذهبت إلى بيتنا..؟ ثم يعود ويقول: إن عمي، أبا صبحة، لا يسمح بذهابها للبيت وحدها.. ولكن أمها معها، لماذا ذلك؟.. هل ذهبت لترضيها من زعلها..؟ أم أن صبحة مريضة، وأن مرضها يستوجب أن تكون في بيتنا لكي لا تقلق أو تزعج والدها، الذي هو الآخر بحاجة إلى الراحة، وخاصة في الليل، إذا كان مرضها زكاما مع سعال؟
وعندما كان يتحدث عن احتمال أن تكون صبحة مريضة، يقفز إلى ذهنه احتمال أن يكون أنور هو المريض، وليس صبحة.. أما أن يكون أنور قد مات، فلم يخطر في باله..
طرق باب الدار، وفتحه ودخل، وفي اللحظة التي رأى فيها صبحة وعمته عديلة، وأم صبحة، عرف كل شيء. ومن غير كلام، جلس بعد أن سلّم سلاما عاما على الجميع.. جلس وصارت الدموع تنهمر من عينيه، من غير أن يردف الدموع صوت أن نشيج.
كان الرجال لا يبكون إلا آباءهم وإخوانهم الذين هم في سن البلوغ، أما على أبنائهم، فيحجمون أن يظهروا حزنهم عليهم، مخافة أن يحسب عليهم ضعفا.. ومع ذلك بكى حسين بصمت، بكى أنور، وبكى صبحة بعد أن رآها مهدمة، وبكى نفسه بعد أن أكلت الآفة زرعه.. ثم جفل من هذا القول وردد:
- استغفر الله، وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. وإنّا لله، وإنّا إليه راجعون..
ثم يصمت بعد أن يكفكف دموعه بطرف منديل يخرجه من جيبه، أو ( كوفية) رأسه، ويجلس صامتا..
ثم تقول عديلة:
-يابة حسين الخلف براسك.. أتلاحظ، يا ولدي، كم ولدا وبنتا دفنت ولم يبق لي منهم أحد.؟ فداك حتى الشايب، وتقصد زوجها.. أما أنت وصبحة فما زلتما في بداية الطريق، وإذا كانت السفرة الأولى لم يصل ثمرها إلى نهاية الشوط، وفق ما أراد الله، فإن السفرة القادمة سيبلغ ثمرها نهاية الشوط، بإذن الله..
- اللي يريده الله يصير، يا عمة، أجاب حسين.. في الوقت الذي كان يرقب دموع صبحة تنحدر كشلال، وهي مطرقة برأسها، تردفها دموع حليمة أيضا..
- تنهد وقال..
- هوّني عليك، يا صبحة، كلنا زرع الله، وما يريده الله لا رادّ له.. حاولنا وزرعنا، وأراد الله ما أراد، وعلينا أن نضع عيوننا بعيون الله، ونترك له سبحانه ما يقرر.
قالت صبحة، بعد أن كفكفت دموعها:
- آمنت بالله، وإنّا إليه راجعون..
قالت عديلة السلطان، وهي ابنة عمة رباح والد صبحة..
- عفية، يابه حسين.. عفية، يمه صبحة.. أنتما في مطلع عمريكما والحياة أمامكما وليس خلفكما.. مثلما هو حال عمتكم عديلة.. حيث ترملت وليس لي ولد.. لقد أرادهم الله طيورا لجنته.. وها أنا، مثلما ترون، أكل وأشرب وأعيش..
قال لها حسين:
- فيك البركة، يا عمة..
أخذ حسين إجازة طويلة نسبيا، ليبقى إلى جانب صبحة، لأنها وفق ما قدّر بحاجة إلى من يعاونها على وحشة المكان، بعد أن فقدا ابنهما.
أفضت صبحة لحسين:
- عندما كنت اختلي بنفسي أعد خشب الدار، يا حسين.. بل أتصول ألوان الخشب كأنها أشكال، بعضها لوحوش تتحين الفرصة علينا، وبعضها كأنه أشكال شياطين، وأرى بعض الأشكال كأنها وجه أنور.. ويتحول صفير الريح، سواء في دار أهلي أو في بيتنا هذا، إلى أصوات تأتي أحيانا أنيسة كجناجل أنور، وبعضها موحشة بما يذكّر بحالة شؤم، فبارك الله فيك أن أخذت إجازة لتكون إلى جانبي.
------------
(1)
شفوف: مفردها شف، نسيج من الصوف، يستخدم غطاء مثل اللحاف 


 
يتبع.... الجزء الثالث

 

 

 المصدر شبكة الرافدين

 

 

 

 

 

 

إلى صفحة المقالات