بسم الله الرحمن الرحيم

08/05/1429

رواية رجال ومدينه لكاتبها الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد 
 

الجزء العاشر

 موقع النهى*

  " من لا يتحزم لابن آوى بحزام مهيأ لمواجهة أسد، قد يُهزم أمام ذئب إذا توهمه ابن آوى"..
اتجهت راجلا أسوق دابتين أمامي، وفي مكان ما جنوب غرب الفتحة، وبعد أن اجتزت واديا عميقا يأتي من قلب الجزيرة، وتصب فيه مياه الأمطار، وبعد أن تتجمع تنحدر إلى نهر دجلة.. ويقعد هذا الوادي قاطعا معالم الدرب الذي سلكته باتجاه الفتحة، وهو على هذا بين الفتحة والبيجي، ويقال أن أشرس الذئاب توجد عادة في تلك المناطق، وهي الذئاب التي تحتمي في طيات ذلك الوادي أو على أكتافه بمغاورها، وترد على مائه عندما يندر الماء حوله، وتسمى (ذئاب السحل) أو السحول.. ويتكون ماء السحل في ذلك الوادي أساسا من مياه الأمطار ويتجمع، قبل أن يجري أو ينساب إلى دجلة في حفر هنا وهناك، ولكن نزيز مائه لا ينتهي حتى في الصيف من عيون تنبع من بعض منخفضاته وأباط الكهوف التي تقع على حافتيه.. وكنت محتاطا لذلك، حيث كنت أحمل عصا بيدي وأتحزم بخنجر أهداني إياه خالي محمد، الذي هو في الحقيقة خال والدتي ويسكن البيجي، وبذلك صار للي خنجر خاص على وجه الاستقلال لأول مرة، ولكنني لم أر في تلك السفرة أيا من تلك الذئاب.
أسرعت بالدابتين، وعندما توغلت إلى جنوب غرب الفتحة كان هناك ذباب من نوع خاص بالمرصاد للحمارين، وهذا النوع من الذباب معرفو لنا في الريف، وكنا لا نسميه ذبابا، ومفردته ( ذبابة)، وإنما نسمي المفردة ( ذبيبينة) تصغيرا للذبابة، ولكن من غير أن تتجمع لينتبه إليها الفلاح عندما يتعامل معها.. وهذه الذبابة تستوطن منخر الدابة عندما تهاجمها، وتضايقها بالطنين، مما يفرض على الدابة أن تضع أنفها في التراب وتشحطه في الأرض لتتجنبها، أو تفوت الفرصة على الذبيبينة أن تدخل منخريها، وبعد أن كنت أركب على ظهر أحداهما فوق الحمل لأريح قدمي من المشي من حين لآخر، نزلت عن ظهر دابتي، ورحت أضرب الدابتين بعصاي لتسرعا تخلصا من تلك الذبابة اللعينة، ولكن إحدى الدابتين تضايقت إلى الحد الذي بركت، إذ لم تعد محاولاتها تجديها نفعا.. وعندما بركت، وأسقطت الحمل من فوق ظهرها، كان ذلك كأنما سقطت على رأسي صاعقة من السماء.. ذلك لأنني لم أكن أستطيع وحدي، وأنا بذاك العمر، أن أرفع الحمل من الأرض إلى ظهر الدابة، ووسط حيرتي وأنا أمد ببصري على كل الاتجاهات في تلك الأرض المقطوعة عن أي حياة قريبة منها آنذاك، ولا أجد أثرا لشخص أو مجموعة أشخاص يمكن أن ينقذوني من ورطتي.. راحت دموعي تسيل على وجنتي، ولكنني أدركت أن لا معين لي غير الله،و جلت ببصري في المكان فأبصرت على مقربة من الحمل المرمي حفرة ممتدة بصورة نظامية لخندق قتال من بقايا الحرب العالمية الأولى، وهنا لمعت في ذهني فكرة أنقذت الحال، فرحت أسحب كيس التمر، الذي كان قبل أن يسقط موضوعا عرضيا على ظهر الدابة، حتى قربته من حافة الخندق، وبعد أن عزلته بيدي من وسطه، وهيأته لأن يوضع على ظهر الدابة كحال أي حمل آخر، وقلبته نصفا فوق آخر، وذهبت إلى الحمار وسحبته بد أن تأكدت أن الذبابة قد ولت.. وسحبته إلى الخندق قبالة ( عدل) التمر – كيس التمر- حتى صار ظهر الدابة ملاصقا، أو قريا من الكيس على مستواه بفاصل ارتفاع لم يكن كبيرا، وعندما لم يبق ولي أعرفه غير الله ونبيه الأمين وسيدنا علي، فقد نخوتهم ليدعو لي بالتوفيق فيما أنا عازم عليه، ودفعت بنصف الكيس الأعلى مع ما استطعت من استجماع قوتي لأحمله مع الدفع فتجاوز منتصف ظهر الدابة، وقبل أن تتحرك الدابة دفعت بالنصف الذي ما زال على حافة الحفرة حتى استقر الحمل بعد أن وازنته بالحركة على ظهر الدابة..
هكذا كان أهلنا يفعلون عند الانتخاء لمواجهة ما هو ثقيل من حمل أو أمور بعينها، بل حتى لو أرادوا أن يدفعوا عجلة غارزة في الطين، أو تربة هشة، إذ يقولون عندما يحاولون إخراجها ( الله ومحمد وعلي) وعلى تالي الصوت – أي صوتهم- يقولون (يا الله).. ويريدون في هذا ( على تالي الصوت قولوا يا الله)، أن يضمنوا أن يكون زخم السحب أو الدفع، أو أي طاقة وقوة تحشد في اللحظة ضمن توقيتها الصحيح ليكون أثرها إيجابيا.. وكنت أرى وأسمع والدتي عندما يقع طفل ويغمى عليه، أنها تنفخ في وجهه وهي تردد ( الله.. محمد.. علي..) وتضيف حيثما ذكرت اسم سيدنا علي ( أبو حسين ركاب الميمون – راكب الميمون) ولم أعرف أن فرس سيدنا علي أسمها (الميمون) إلا بعد أن كبرت.. وتضيف أحيانا إلى الأسماء ( الطيّار)، وتستعين، بعد الله والرسول، بأي من هذه الأسماء وغيرها منفردة أيضا..
أعود لأقول: توازن الحمل فوق الدابة، وسقت الحمارين المحملين، واستعجلتهما في المشي لأصل إلى الفتحة، وبعدها إلى حيث أهلي مع بقايا النهار، أو بقايا النهار والجزء المبكر من الليل في الأقل، بعد أن أخذ مني سقوط الحمل وإعادته إلى حيث كان زمنا طويلا نسبيا.. وعبرت الفتحة بالفيري ( والفيري هي الجنية أو الجني) باللغة الإنكليزية، على وفق ما كان يقول هذا ممثلو شركات النفط التي كانت تستثمر نفط كركوك عندما يستخدمون هذه الوسيلة لعبور نهر دجلة من الفتحة، وقد كان العبور في الفيري مناسبة لأن أتناول عددا من التمرات مع قطة خبز كانت معي متاعا لذلك الطريق، ومع أنني، وفق العادة، عرضت استعدادي لاستضافة من كان على مقربة مني على ما قسمه الله، ولكن أحدا لم يشاركني فيها... بعد أن شكروني على استعدادي ليشاركوني في تلك الوجبة، وعلى مسافة ما بعد الفتحة، وربما في منتصف الطريق بين الفتحة وعرب أحمد العامود، واجهني خيّال على فرسه، ومن الطبيعي أن نقول أن الأرض كانت خالية من الناس، وقد سألني:
- إلى أين، يا ولد؟
قلت له:
- إلى أهلي القريبين من هنا
ولم أقل له أن أهلي بعيدون عن المكان الذي كنت فيه لكي لا يطمع بالحمولة، وربما يهتدي إلى قطع الذهب ( الحلي) أو المصوغات التي كانت معي، ومع أنها بسيطة ولكنها قد لا تكون شيئا بسيطا بالنسبة له، خاصة وهو قادر على أن يغلب طفلا بعمر ثماني سنوات من غير مجهود كبير، أو احتمالات الحد الأدنى ليقدم تضحية من جانبه، وكان قادرا على هذا لو سوّلت له نفسه ذلك، خاصة وهو مسلح ببندقية.. ولم يكن معي إلا عصا وخنجرا صغيرا.. وعندما سألني:
- وهل معك أحد؟
قلت له:
- نعم، عمي ووالدي، لقد تأخرا قليلا، ولكنهما سيحضران في أثري..
عندها عطف بفرسه باتجاه خط أثري وصار ( يهذب) بفرسه بالاتجاه المعاكس لخط مسيري، وكنت، عندما سألني، أريح قدمي راكبا على ظهر إحدى الدواب، ولكن بعد أن رأيته يهذب بفرسه بالاتجاه المعاكس، وكأنه يبحث عما إذا كان هناك فعلا من يعقبني في المسار، كما قلت له، أو أنني وحدي فحسب، أو هكذا تخيلت.. قفزت من الدابة، وصرت أحث الحمارين بعصاي وصوتي، فطاوعاني، وصارا يحثان خطاهما بسرعة ما كنت أتوقعها، حتى أصبحت على أرض مرتفعة باتجاه خط سيري، وصرت فجأة على مقربة من ( عرب) كبيرة تنزل في بيوت من الشعر على مقربة من الطريق، وعندها لحق الخيّال بي بعد أن قطع مسافة في الطريق الاتجاه المعاكس، وما إن صار على نقطة من المكان المرتفع الذي وصلته ورأى أن المسافة التي تفصلني عن العرب ليست بعيدة، تركني من غير أن يتكلم، أو يقترب مني كثيرا، وتوارى في جوف البر..
وصلت عرب أحمد العامود مع صلاة العشاء، ومع إنزال أحمال التمر من فوق ظهري الدابتين، سلمت والدتي المصوغات التي بعثت بها جدتي وخالاتي هدية لها ولأخواتي، كأنني بهذا أردت بأسرع ما يمكن أن أتخلص من عبء الالتزام الذي وضع معها على كاهلي.. ومن الطبيعي أن تسأل والدتي تفصيليا: كيف حال جدتك؟ وماذا قلت لها؟ وماذا قالت لك؟ وهل سألت عنا؟ وهكذا عن خالاتي واحدة واحدة، وعن خالي عبد اللطيف، وكانت حصة خالي مال الله من الأسئلة هي الحصة الأكبر.. فهو شقيقها الأكبر، وشمعة العائلة.. وقد أجبتها عن أي شيء سألته، ومع أن والدتي مقلة في أسئلة كهذه، ولكن ألا يعذر ذو غربة إذا ما خرج عن عادة أنه مقل، عندما يسأل عن أهله ومحبيه وعن المعارف والأقرباء؟
عاد عمي إبراهيم من البيجي، والتحق بنا في الحويجة، وعدنا إلى حياتنا الاعتيادية، وعندما حل فصل الربيع رحلنا مع الغنم والدواب مع من رحل من العرب، إلى منطقة تسمى أبو ذويل، وكانت أرضنا مفتوحة، تصلح للرعي الطبيعي للأغنام والحيوانات، وكان أهم ما قمت به هناك أنني كنت أنعت أو أسوق الغم ليلا من غير تكليف من أحد، وأذهب بها بعيدا عن مكان مجمع بيوت الشعر.. وكانت بيوت الشعر مثلما هي الآن تسمى، وتحسب أرقامها على عدد الأعمدة التي تنتصب وسطها، ولعلها تدل على مرتبة وقدرة مالكيها، فتبدأ من العمود الواحد الذي يسمى ( الخص)، وهو غالبا تسكنه أرملة، أو رعاة الأغنام، حتى تنتهي إلى العدد سبعة في منطقة الحويجة، وقيل أن بيت كبير شيوخ العشيرة، التي ينتسب إليها أحمد العامود، كان على سبعة أعمدة، أما ضمن العرب التي نحن فيها في أبو ذويل فإن أكبر بيت شعر كان على أربعة أعمدة، أما بيتنا فقد كان على ثلاثة أعمدة ويسمى بيت الشعر من عمودين ( المكورن) أو ( المقرون)، وقد يراد في ذلك القرنين.. ثم (المثولث) و ( المروبع)، و( المخومس) و( المسودس)، و( المسوبع).. ولكن عندما يكبر البيت بعد المروبع يكون بحاجة إلى أن يقسم ليحمل، أو بحاجة إلى ( جمال) لتحمله.. وأجملها في استقامة ظهره وأناقة نصبته هو ( المثولث) و ( المروبع) فحسب.. ولكن (المكورن) جميل في نصبته أيضا، مع أنه بيت صغير..
كنت أسري في الغنم في جوف الليل، ولم أترك فرصة لذئب لأن يظفر بنعجة أو حتى بحمل صغير، ولأن الذئاب كثيرة في تلك المنطقة، كان بعضها يقتل من حين لآخر، وكان بعض الناس يأكلون قلبه أو أي شيء من أحشائه، إذا أرادوا أن يتصفوا بالقوة، وفق من أفتى لهم بإمكانية ذلك، وبعضهم يقتلع عينيه ويحملها لكي لا ينام، وبخاصة إذا كان مطالبا بدم إنسان، أو بشيء مما يجعل حياته مستهدفة، وكان كفا الذئب يقطعان ( ليكفخ) بها ثدي امرأة، أو ناقة، إذا مرض أو احتبس فيه الحليب وصار لا يدر على طفلها.. وكانت امرأ’ في أبو ذويل قد أصيب ثديها بتقرح، كما كنا نسمع من النساء، ورغم كل المحاولات التي بذلت، ومنها ( كفخ) الثدي بكف ذئب ليخف المرض، فإنها لم تشف إلا عندما جرح زوجها صدرها بموسى حلاقة، وأخرج القيح المخزون فيه.
عندما يفز عمي في أي ساعة من ساعات الليل ولا يجد الغنم، ويتأكد من أن الراعي نائم، فإنه حين يلاحظ أن فراشي خالٍ، يخمن أنني قد ( نشرت) بالغنم، وهو تعبير عن رعي الغنم عندما تنفش في الأرض أو الزرع ليلا.. وكان أحيانا يأتي إليّ حيث المرعى ليتأكد من أنني والغنم بخير.. وكانت هذه المبادرات تجد من عمي تشجيعا كبيرا، وتزيد من وزني لديه، بالإضافة إلى أسباب أخرى يستطيع هو أن يستنتجها..
***********
" إذا كان لعدوك سيف طويل فأضعف خاصية سيفه بثبات جنانك، واجعل عقلك يقدح حيث يثقل يديه سيفه، وناور بالحركة وسرعة الوثوب، واقترب منه قبل أن يهوي به عليك، ليكون سيفك القصير قادرا على أن ينفذ في إبطه، وبذلك تلغي خاصية سيفه، وتتمكن منه"..
وفي أحد الأيام قبل الذهاب إلى أبي ذويل، شكا لي راعي الغنم بأن الرعاة لا يسمحون له بأن يرعى في وادي الحجل، وهو وادٍ يسيح فيه ماء المطر من جوانبه إلى حيث المنخفض فيه، أو يأتي بماء المطر كمسيل من أماكن بعيدة، ولذلك غالبا ما يكون خصبا.. وقد عزمت على أن أواجه هذا التحدي، وذهبت معه في اليوم التالي لنرعى الغنم، على أن نذهب بها إلى وادي الحجل ونواجه الرعاة، وعندما وصلنا الوادي، كان الرعاة قد تجمعوا في مكان واحد، في الوقت الذي كانت أغنامهم تسرح في الوادي، وعندما رأي راعينا هذا، تملص وابتعد عن الغنم وأبقاني وحدي، ولكنني لم أتردد عن قراري، وفعلا (نفشت) غنمنا في الوادي أيضا، وعندها جاء حوالي سبعة من الرعاة، كانوا كلهم شبابا، إلا واحدا كان عمره بحدود اثني عشر أو ثلاثة عشر عاما.. كانت لدي عصا طويلة نسبيا، قطعتها من الصفصاف المزروع على النهر الرئيس قبل أن نأتي بالغنم، وعندما قالوا لي: ما الذي جعلك تتجاسر، يا ولد، وتأتي بغنمك إلى هنا؟ قلت لهم: أن هذا الوادي لا يعود لأحد، وإنما هو ملك الله، لذلك جئت بغنمي لتسرح هنا مثلما تسرح أغنامكم..
وفي الوقت الذي كانوا يحكون معي، اقتربوا لينتزعوا العصا مني، ولكنني كنت متنبها لذلك، وكلما اقترب أحدهم مني ضربته، أو أهوّم عليه فيبتعد، وقد رمى أحدهم بجسمه عليّ، وهو يقتحم عصاي، وبعد أن وقعت على الأرض، انتزع العصا مني، ولكنه لم يضربني لأنه كان شابا وكنت بعمر لا يزيد على تسع سنين، ولكن من ضربني وأوجعني كثيرا هو ذاك الصبي ذو الثلاث عشرة سنة من العمر، وطردوني أنا وغنمي من الوادي..
وبينما كنت مهضوما على ذاك الحال، إذ بعمي إبراهيم يأتي متحزما بخنجر، ويحمل عصا غليظة وقضيب حديد، و(يدرج) رأسه بيشماغ ليقيه جزئيا من ضربة على الرأس، وكان راعي الغنم في أثره، وعند ذلك فهمت أن راعي الغنم عندما رأى الرعاة يحيطون بي وأنا ( أهارفهم) بالعصا الطويلة، أسرع إلى عمي ليأتيا لإنقاذي، وعندما رأى الرعاة عمي هربوا.. أو هرب من ضربني في الأقل، وجاء بأبيه وهو يحمل مسحاة..
كنت أعرف أن عمي إبراهيم شجاع، ولكنني لم أعرف أنه يجيد فن القتال بالعصا، وفق ما أثبت ذلك بالتجربة، لذلك قلقت عليه من طول مسحاة حاملها، أبي ذلك الراعي الذي ضربني، وما أن التقى عمي وذاك الذي جاء يتعارك، بدلا من الاعتذار لعمي لتجاسر ولده عليّ، رفع صاحب المسحاة مسحاته بكلتي يديه ليهوي بها على عمي، ولكن قبل أن يهوي بمسحاته إلى حيث أراد، وفي لمحة بصر، صار عمي أقرب ما يكون إليه، و( مطله) بقضيب الحديد، حتى التوى هو وقضيب الحديد، وفر وهو ( يجمح) يصيح ممسكا بخاصرته، وما إن صار قربي، وكانت في يدي عصاي التي استرجعتها، حتى ضربته على يده، وجاءت ضربتي على إصبعين من أصابع يده، وعلمت فيما بعد أنه قال إن أكثر ما أصابه من أذى إنما هو من تلك الضربة، ذلك لأنه لم يتصور أن تأتيه الضربة مني عندما مر بقربي وأنا بذلك العمر. وعندها فرّ الرعاة كلهم، حتى أولئك الذين لم يكن لهم دخل في إيذائي.. ومن ذلك اليوم صرت أذهب مع الراعي، وصار الراعي بعدها يذهب بمفرده، يرعى الغنم في وادي الحجل، ولا يعترضه أحد.
وبهذه الروح تمكن العراقيون أن يواجهوا الغطرسة الأمريكية والحلف الصهيوني الغربي في العدوان الثلاثيني، الذي امتد هو وقواه الأساسية أحد عشر عاما، وانتصروا عليه بصمودهم وصبرهم، وقدرتهم على المطاولة، ومثل ذلك فعل شعب فلسطين البطل في مواجهة الصهيونية منذ عام تقريبا، وهو في وقفته الجهادية، كأنه توأم شعب أم المعارك.. نعم.. هل يمكن أن يلد الرحم الواحد والصلب الواحد غير أخوة؟.. ذلك لأنهما عرب.
***********
كان كثر من الفلاحين يخصون الثيران المعدة للكراب ( للحراثة) تخلصا من مشاكلها مع البقر، ويخصون بعض تيوس الماعز المعدة للذبح، حيث أن الفحل الذي يخصى يصبح أسمن وأكبر حجما، وأقوى في سحب المحراث، أو حمل أي أثقال أخرى، وما عداها فهو ضعيف في تمثيل صفة جنسه.. ومن هذا الدرس يبدو أننا يمكن أن نستنتج أن الخصي، أو المخصي من شخص أكثر قدرة منه، ومن الخصيان، بعض حكام الدول الصغرى، وكثر منهم في العالم المسمى بالثالث، لا يصلحون بعد ذلك إلا للكراب، أو الأحمال الثقيلة، فمن هو على هذا الوصف، يا ترى!؟ إن الشعوب هي الأعرف، وإن شعب أمتنا متميز في الفراسة، ومشهود له بها..
وبمناسبة الحديث عن إخصاء الثيران والتيوس، فإن إخصاءها يتم بطريقتين كلاهما مؤلم، فإما أن يفتح الصفن، وتستخرج منه البيضتان ( الخصيتان)، وإما أن يربط، ويقلب على ظهره، ويضرب بعصا مناسبة على خصيتيه حتى يتأكد من يقوم بهذا من أنهما لم تعودا صالحتين.. وعندما كان عمي يفعل ذلك بمساعدتنا، ويستخرج خصيتي ثور أو تيس، يعطي الخصى للصغار، وكانوا من فورهم يضعون الملح عليها ويدسوّها في النار ليأكلوها بعد ذلك، ولذلك كان منظرا شبه طبيعي، وإن كان مؤلما، بل كان محزنا بالنسبة لي، ولكن لكي لا يفسر ألمي على الثيران أو التيوس ضعفا فقد كنت أخفي ذلك.. أقول مع أن منظر التيس أو الثور يتلوى من فرط الأذى الذي يصيبه مؤلم، ففي الوقت نفسه كان الأطفال يضعون خصيتيه على النار بعد أن يملحوّهما ليأكلوهما.. وكان هذا منظرا شبه طبيعي.. وقد صادف في أحد الأيام، وأنا بعمر التاسعة، وربما دخلت العاشرة، أن بطحنا ثورا على ظهره بنفس الطريقة، ولكنه كان ضخما، وبعد أن كتفنا رجليه في الوقت الذي ربطنا الحبل في قرنيه، انتفض وقام وهو ينفخ قبل أن تكتمل عملية قص خصيتيه، وكان همام يمسك معي برأس الثور، ولكن ما إن وجد همام الثور قد هاج كالوحش، حتى ترك معاونتي وتركني وحدي مع الثور، ولا أعرف كيف أمسكت به من قرنيه، كل يد تمسك بقرن واحد، وكنت لصيقا بصفحة رقبته ومقدمة جسمه، ولويت رقبته بكل ما أوتيت من قوة وعزم، وما إن فعلت ذلك حتى وجدته، مع التواء رقبته، يطلق ثغاء يائسا، و (تكوم) أي سقط، بعد أن ارتطمت مؤخرته على الأرض، وأنا أجلس فوق مقدمة جسمه، ويداي تمسكان بقرنيه بإحكام، وما إن رأى عمي وهمام الحال، حتى أسرعا يكتّفان الثور مرة أخرى، في الوقت الذي كان عمي يطلق كلمات تشجيعية منها ( حو.. يمة.. حو) ولا أعرف ما يقابلها باللغة العربية، ولكن أعرف أن معناها الاعتزاز بالموقف..
نعود لنقول إن ربيع ذلك العام كان من الفصول الجميلة التي قضيناها في أبو ذويل، بعد أن شبعنا من الكمأ هناك.. وكانت الأبقار والأغنام تحلب مرتين، وأحيانا ثلاث مرات، مما جعل حتى الكلاب تشبع لبنا.
***********
عدنا إلى عرب أحمد العامود في نهاية شهر نيسان، أو بداية شهر أيار، لنمارس حياتنا المألوفة هناك، وقد وصلنا خبر مع أحدهم أ، خالي أطلق سراحه من السجن، وأنه وعددا من وجوه العشيرة يتوقع أن يحضروا إلينا في عرب أ حمد العامود في أي لحظة.. كنت آنذاك قد تجاوزت التاسعة بقليل.. وفعلا حضر خالي ومعه عدد من وجوه العشيرة، أساسا لإرضاء عمي لكي يعود إلى ديرته، وقد حصل الرضا فعلا، وعدنا، بعد أن لملمنا حالنا وجمعنا الحبوب، و كانت تلك السنة وفيرة.. وكنا هناك لا نزرع الشعير بل الحنطة فقط.. وكان أحمد العامود لا يأخذ حصة الملاك مما نزرع، وإنما يتركنا نحمل الحبوب كلها، إكراما لنا.. ولأننا نتولى بأنفسنا كل العمليات الزراعية، بما في ذلك حبوب البذار..
عدنا إلى بنت النهر ورمز القرى على مرحلتين، في المرحلة الأولى، نزلنا في قرية ( شويش)، على مسافة ما جنوب شرق الفتحة من الجهة الغربية، وأمضينا الصيف فيها، وفي المرحلة الثانية عاد أهلي إلى رمز القرى.. وقد حصل تطور جوهري في حياتي في قرية شويش.
كانت قرية شويش كبيرة نسبيا، وتضم خليطا غير متجانس من الناس، من عشائر مختلفة، نزلوا هناك.. وكانت أرضها طيبة وصالحة للزراعة.
تقع شويش على الضفة الغربية لنهر دجلة بين الفتحة والبيجي، بالقياس إلى جريان نهر دجلة، وكانت تقابلها من الجهة الجنوبية الشرقية للقرية وسط نهر دجلة، جزيرة تحيطها المياه من كل جانب، وكان من يريد لأبقاره أن ترعى رعيا طبيعيا، أجبرها لتعبر إلى تلك الجزيرة، وكانت في الجزيرة الكثير من الخنازير والذئاب، ولكن الخنازير والذئاب لا تؤذي البقر، أو لا تستطيع إيذاءه، لأن البقر بقرونه، عكس الغنم، قادر على الدفاع عن نفسه.. وهناك كنت أقود الأبقار العائدة لنا إلى الشاطئ المقابل للجزيرة، ويفعل مثلي آخرون، وكنا نحيطها من كل جانب جماعيا حتى نجبرها على عبور نهر دجلة إلى هناك، وعندما يعاند البقر، كنا نركب فوقه حين يكون الماء ضحلا، ونجبره على العبور، ويكفي أن تبدأ هذا بقرة واحدة حتى يتبعها باقي البقر مسرعا خلفها، وكانت الأبقار التي تحرن وتمتنع عن العبور هي الأبقار التي لها عجول صغيرة تتركها خلفها في بيوت أصحابها، وأسبقها في العودة عندما تعود.
كنا نسبح في دجلة بعد أن يعبر البقر، وفي أحيان كثيرة كنا نعبر معه إلى هناك، ونتجول في الجزيرة، وإذا ظفرنا بخيول هناك ( أشبعناها ) عدوا ونحن عراة فوق ظهورها، ومن غير سرج أو لجام، ولا حتى ( رشمة)، وإنما نمسك بها من ( معارفها) الأعراف لنتوازن فوق ظهورها، عندما نغير بها، ولا نتوقف إلا بعد أن تتعب، وما دمنا نتحدث عن الخنازير على مقربة من الفتحة، أستذكر أن والدتي قد روت لي كيف اعترض والدي السيد حسين، رحمه الله، خنزير، وكيف حمل عليه بفأس أو عصا، وعندما حاصره في أحد سفوح جبل حمرين، وفي أحد المسالك الضيقة بين الصخور، وقريبا من الماء، وسدّ عليه المسلك وضايقه، هجم الخنزير على والدي و ( نجله) نطحه برأسه حتى رفعه عن الأرض أكثر من متر، وعندما وقع على الأرض لم يصب بأذى جدي، ولكن الخنزير خلص نفسه منه.
***********
في أحد الأيام، تمددنا على الرمل الحار قرب الشاطئ، وكان ( سلطة) معنا، وسلطة هو ابن عم والدتي، وكان يخطب بأصبعه، ويحفر على الرمل خطوطا لم أعرف لها تفسيرا، وعندما سألته عنها، أجابني هذا رقم واحد.. وهذا اثنان.. وذاك الحرف دال.. وهذا الحرف زاي.. وهذا اسمي ( سلطة).. وعندما سألته:
- أين تعلمت هذا؟
كان يقول:
- تعلمته في المدرسة.
- وهل تقبلني مدرستكم تلميذا فيها؟
- نعم.
كان سلطة وفق ما أشرت أبن عمر، عم والدتي، وكان قد حضر إلى قرية شويش في تلك السنة إلى شقيقته شمسة، التي كانت قد تزوجت فيها، وكان سلطة يسكن أساس في بنت النهر مع عائلته، وجاءت زيارته لأخته في العطلة الصيفية ليكون وجوده هناك مؤقتا، ليعود بعد ذلك إلى بنت النهر، وقد أفضى لي بأنه سيعود إلى بنت النهر في اليوم التالي، بعد أن تعرف على رغبتي في السفر معه إلى بنت النهر لأدرس هناك...
كان قراري في هذا نهائيا، ومن غير أن أسأل أحدا ابتداء، وكان سلطة بنفس عمري تماما، وربما الفارق أيام أو أسابيع، وقد دخل المدرسة ضمن العمر الطبيعي، ولكنه رسب في الصف الثاني الابتدائي في تلك السنة التي جاء فيها إلى شويش، إذن، مضت على دخوله المدرسة سنتان، وإذا كان قد دخلها في السابعة، كان عمره تسع سنوات حينها، وإذا كان قد دخلها في الثامنة من عمره، كان عمره آنذاك عشر سنوات.. وعلى هاذ أقدر أن عمري كان عشر سنوات، أو تسع سنوات وخمسة أشهر، إذا حسبن الولادة في نيسان..
طرحت فكرة الدراسة على والدتي، وكانت رغبتها أن أدرس، ولكن عندما طرحت الفكرة على عمي إبراهيم، رفضها من أساسها، ولعن الدراسة ومن يدرس، ولم يسمح لوالدتي أو لي بأن نناقشه، وعندما وجدت أنني بانتظار إقناع عمي كمن ينتظر أن تفوت الفرصة عليه، اتخذت قراري النهائي من غير أن أبوح به حتى لأمي.. وتظاهرت بالنوم، وكنت أنام تحت لحاف أو ( شف) واحد، أنا وأخواتي الثلاث الصغار، حيث تنام أمي على أقصى طرف الفراش، وأنام على الطرف المقابل الآخر، ونحصر الأطفال بيننا، لكي لا (يتكشفوا) ويمرضوا بعد أن يرفسوا الغطاء.. كنا في أيلول، وهواء ليل أيلول عليل وطيب، وبخاصة في تلك المناطق، بل حتى لو كنا في بنت النهر ورمز القرى، فإن هواء ليالي أيلول جميل وعليل..
كان عمي ينام قربنا على فراش منفصل ويتدثر بشف، وكان النوم يغالبني مع كل نسمة، ولكنني انتصرت عليه ببقائي يقظا، فما أعسر من أن يقاوم النعاس في إحدى ليالي أيلول من هو بعمري، بعد أن تنهكه السباحة وتلفحه حرارة الشمس في ظهيرة يومه ذاك! حيث كنت أنا وسلطة وآخرون نسبح في بنت النهر، وكنت أغلبهم، عدا واحدا، ربما زاد عمره قليلا عن عمري، وكان يسبح سريعا نظرا لقصر يديه المتناسب مع طول جسمه، حيث كان يضرب بهما الماء سريعا، ويرتد بهما ليقوم بذلك مرة أخرى، وعلى هذا فقد كنت أجهد نفسي، وأحاذر في أغلب الأحيان، لكي لا يغلبني في السباحة، ولكن في ركوب الخيل لم يكن أحد يغلبني..
أقول تظاهرت بأنني خلدت إلى النوم في تلك الليلة.. وكنت أحضرت قربي عصا جديدة، بعد أن قررت أن أذهب إلى بنت النهر، ولكن لم يلفت انتباه والدتي أو عمي، أي يضع القروي عصا أو سلاحا في متناول يده، لأن هذا من الأمور المألوفة، ولعل من لا يقوم بهذا ولا ينتبه إليه كان يذم، مثل من يطلق ذيل ثوبه، ويسحبه وراءه على الأرض من غير أن يتحزم.. وكان عمي يذم همام على إهماله ذلك، وعليه كان وضع عصا قرب فراشي لتكون في متناول يدي لا يلفت الانتباه، وكنت رصدت مكان ثوبي الأفضل، وحددته داخل البيت قبل أن يسود الظلام، وقبل أن آوي إلى الفراش، ولكنني لم أستطع أن أتناول طعام العشاء في تلك الليلة انزعاجا من عمي، لأنه لم يوافقني على فكرتي حول الدراسة..
كانت الساعات تمر ثقيلة، من غير أن نعرف توقيت الساعة، لأن أحدا من العائلة لم يكن يملك ساعة، بل كان كل أهل شويش لا يملكون ساعة.. وكان النعاس يغالبني.. وكنت أتغلب عليه قبل أن يغلبني أو يصرعني، وكنت عندما أضعف جزئيا أمامه، وقبل أن يتمكن مني، أقول في نفسي: إن دخول المدرسة فرصة العمر بالنسبة لي، وكادت المدرسة، وفق ما قال سلطة فيما بعد، ترفض تسجيل طلاب جدد فيها.. وكانت هذه المدرسة هي المدرسة الأولية في الحارّة.
بقيت مستيقظا حتى تأكدت من أن كل من هم حولي نيام.. وانسللت خارج الفراش، والتقطت عصاي، واستدرت لأكون خلف ظهر عمي من جهة الغرفة التي فيها ثوبي ( دشداشتي) لكي لا أكون قبالة وجهه، وبعد أن أخرجت ثوبي، ووضعته تحت إبطي، سرت مبتعدا عن المكان، وعندما كنت في الفراش، وقبل أن أنهض، هممت بأن أقبّل أخواتي الصغيرات، أو في الأقل من كانت منهن ملاصقة لي في المنام، ولكنني منعت نفسي لأن ذلك قد يوقظ الأطفال، ويفسد عليّ مشروعي..
اتجهت ناحية الفتحة بعد منتصف ليل ذلك اليوم من أيلول عام 1947 وهو العام الذي دخلت فيه المدرسة.. كنت أسير في الليل مع احتمالاته ومخاطره الكثيرة، ولكنني تدربت على ذلك من قبل، عندما كنت في حويجة التأميم، بل ما كان أي شيء يهمني، ولا أي مفاجأة تواجهني، وإنما أن تنجح خطتي، والأهم أن لا يحس عمي، ولا يتفقد مكاني قبل طلوع الشمس، ويتبعني لو خمن اتجاهي، فيمنعني من تنفيذ فكرتي..
كان عواء الذئاب وبنات آوى يسمع من أكثر من مكان، وكنت أجلس على الأرض القرفصاء، أو أمتد على الأرض، وانظر حولي من حين إلى آخر، لكي أتبين ما إذا كان أي منها صار قربي لأتهيأ له.. وكن أحمل، بالإضافة إلى العصا، حصاة قادرة على أن تؤذي لو أصابت، كرديف لمواجهة عدو قبل أن ألتحم معه بالعصا.. كنت أفعل ذلك، ثم أنهض لأواصل سير.. و( مع رفع الإبريق) مثلما يقول الفالحون، أي مع الوضوء لصلاة الفجر، أو قبل أن يتبين المرء ما إذا كان يراه ذئبا أو كلبا.. وفي كل الأحوال قبل طلوع الشمس، وصلت الفتحة، وهناك، كان علي وكامل، وهما ابنا عمي، يعملان رئيسي حراس لمن يحرسون المنطقة.. وكان كلاهما شاب وسيم، يرتدي ثيابا أنيقة ونظيفة بسبب ما يدره عليهما راتباهما، وكان كل منهما ذا معشر حلو..
كان علي أشقر، ذا عينين صفراوين، تداخلهما خضرة بسطة كلون عيني.. وكان كامل أسمر، أقرب إلى اللون الحنطي، مبتعدا عن السواد..
اندهش علي وكامل لوجودي في هذه الساعة المبكرة، وللمسافة التي قطعتها مشيا وسط المخاطر، من غير أن يكون عمي أو همام معي.. وعندما عرفا هدفي، كان سرورهما كبيرا بقراري، لأن كليهما كان قد سجل في المدرسة من قبل، ولكنه لم يصمد فيها، ولم يحث نفسه ليكون جديا فتركها، أو أن حاجة أهلهما إليهما ليكونا إلى جانبهم في العمل ضيّع عليهما فرصة المدرسة، مثلما ضاعت على همام، وكان حرمانهما من المدرسة، أو تقصيرهما الذي حرمهما منها، جعلهما يندمان عندما كبرا وصارا يدركان قيمة المدرسة ( ولات ساعة مندم).. إن هذا الشعور، وحبهما لي، مثلما هو نفس شعور كل أعمامي وأخوالي، جعلهما يفرحان بقراري ويشجعانني عليه، وبعد أن عرفت ذلك، قلت لهما: علينا أن نعمل على الفكرة بسرعة، وأهم شيء فيها أن أبتعد عن منطقة الفتحة، لأضمن عدم مجيء عمي في إثري بعد ساعات، فيحرمني من قراري.. لذلك قلت لهما: اعملا جهديكما لأكون في أقرب سيارة للشركة تذهب إلى البيجي.. وقد فعلا ذلك فعلا، بعد أن تناولت وجبة إفطار سريعة عندهما، وأهداني علي مسدسا كان يسميه ( صميط)، وأظن أنه كان يقصد أنه نوع ( سميث).. ولكنه كان مسدسا قديما، أهداني إياه مع عدد من الرصاصات، بعد أن دربني عليه من غير أن أطلق رصاصة منه..
أوصلتني السيارة مع من كان فيها من العمال إلى البيجي ومن هناك من وسط البيجي، حيث سوقها المتواضعة، ودورها المبنية من الطين، ذهبت إلى حيث بيت خالتي التي تزوجت ابن خالتها الذي كان يعمل هناك على ما قلنا سابقا،.. وأمر طبيعي أن تفرح خالتي هيلة بي، وبعد أن أجبتها عن استفساراتها عن والدتي، وعرفت أنني جئت لألتحق بالمدرسة، حيث بيت خالي مال الله في بنت النهر، فرحت كثيرا أيضا.. لأن كثرا من أبناء المدن حتى الصغيرة صاروا يعرفون قيمة المدرسة بعد العام 1940، ولو بصورة نسبية، ولكن ليس كثرا هم الذين ينتسبون إليها، ونادرا ما ينتسب إليها أحد من أهل الريف..
بدأ أخوالنا وخالاتنا من فرع عشيرة العزة في البيجي، أبناء وبنات صالح، أبي حليمة، وأزواجهن، يتوافدون على بيت خالتي هيلة، ليسألوا عن والدتي صبحة، ويرحبوا بي.. كانوا جميعا يحبون والدتي، ويحبونني، ويحبون والدي من قبل، ويقدرون عمي إبراهيم، لذلك عندما كانوا يتوافدون على بيت خالتي هيلة، كانوا كلهم شوق للالتقاء بي، وتوزيع القبلات على خدي وجبيني، ومن الصدف أن يكون عمر بنت خالتي البكر قريبا من عمري، وكان والدها، قبل ولادة عابدة، قد قال أنه ( يعطي) فوزية لصالح لو اتفقا.. ولكن هواي كان هناك، حيث بيت خالي، ووفق ما ركزت والدتي في ذهني..
في اليوم نفسه، ومن غير انتظار لليوم التالي، وفق ما أعلنت خالتي رغبتها هي وزوجها وأولادها بخلاف تلك الرغبة، سافرت إلى بنت النهر في سيارة ( باص)، بعد أن دفع زوج خالتي هيلة الأجرة بدلا عني..
ركبت السيارة المتجهة إلى بنت النهر بعد الضياء الأول، وبدأت السيارة حركتها، وكان الطريق ترابيا، ولكن مرور السيارات عليه جعله وفق قياسات ذلك الزمان صالحا لمرور العجلات.. كانت الأتربة تدخل على الركاب من كل جانب من خلال فتحات وجد الهواء منها سبيله، وهل يمكن أن يمنع الهواء من دخول سيارة قديمة بهذا الوصف، وفي طريق هذا وصفه؟ كانت مفاصل السيارة، بما في ذلك مفاصل أبوابها، ترسل أصواتا متنوعة، يمكن أن تصفها بأنها أنين تارة، وأصوات أمعاء فلاح جائع تارة أخرى، وما أقل من يكون شبعانا في تلك الظروف! أو كأنها جراء أو قطط صغيرة تستعجل أمها لترضع، بعد أن تأخرت عن توقيتها انشغالا بما شغلها، أو أي نوع من الأصوات التي يمكن أن يتصورها من يطلق لخياله العنان، على جدول مقارنة حول ما يمكن أن يتذكره من أصوات، بما في ذلك أن يتصور أنها موسيقى صاخبة، جريا على ما يمكن أن يسمع الآن من الإذاعات الأمريكية أو المتأمركة!!
وكانت السيارة تهبط وترتفع مع طيات الأرض، وعندما تهبط بعد ارتفاع، كانت كأنها تسحب قلوبنا إلى الأسفل بخيط خفي، ولكننا، أو لأقل عن نفسي، وأترك ما يمكن أن أرصده عن الآخرين، كنت مسرورا، ذلك لأنني أركب السيارة ثاني مرة، بعد أن ركبتها من الفتحة إلى البيجي، والآن إلى بنت النهر، ولا أتذكر أنني ركبتها قبل ذلك التاريخ، وإنما ركبت القطار عندما سافرنا إلى بغداد برفقة خالي، وعندما عدت إلى بنت النهر برفقة والدتي والعم إبراهيم.. إذن كنت مسرورا بالسيارة وعالمها، وكنت مسرورا لأنني وضعت البيجي خلف ظهري، ومع حركة السيارة وابتعادها عن البيجي، صار الأمل مستقرا في نفسي بأنني سأكون أحد تلاميذ الصف الأول الابتدائي، وينتهي أي احتمال لأن يغير عمي إبراهيم هذا..
وصلت سوق المدينة، لكنني لم أستدل على بيت خالي من سوق المدينة، لأنني لم أسلك طريق السوق إليه، ولم أشأ أن أسأل أحدا ليدلني على بيت خالي، ولكنني كنت أتذكر الطريق الذي كنا، قبل أن نبحر في دجلة متجهين إلى الحويجة، نسلكه من السوق إلى مكان سكننا القديم في محلة الحارة، وكنت أعرف الطريق إلى بيت خالي القديم الذي انتقلوا منه إلى بيتهم الذي هم فيه الآن، وكانوا عندما انتقلوا إلى هناك، ساعدتهم في تحويل محتويات الدار بأن حملت ( تختة) الحمام معهم إلى هناك، لذلك بقيت صورة البيت والطريق إليه مرسومين في ذاكرتي.. وهكذا بدلا من أن أسأل عن بيت خالي، وهو معروف في المدينة، أو أتجه إليه مباشرة على التخمين، كأنني في هذا أخبط خبط عشواء، اتجهت إلى بيت خالي القديم، ومن هناك تصورت حركتي وأنا أحمل ( التختة)، حين انتقلوا إلى بيتهم الذي أقصده الآن، عندما كنت صغيرا قبل سفرنا من شاطئ بنت النهر إلى الحويجة، وعقبت الطريق على ما انطبع في ذهني من صورة له من قبل.. ابتدأته من بيت الحاج طالب، أبي رديف.. وتوغلت فيه كأنني اتجه غربا، ثم انعطفت إلى اليمين، وبعد ذلك مشيت باستقامة الطريق، وقبل نهاية استقامته، كان بيت أول موظف صحي في تكريت على يساري، وهو بيت إبراهيم ( أبو جغدة ) الذي كان يكنى ( همّي)، فانعطفت بعده إلى اليسار ومشيت بضع خطوات، وفي ملتقى الطريق الذي ينحدر إلى النقطة التي كنت فيها من علو، من اتجاه الغرب، قبل أن انعطف إلى اليمين، وكنت في تلك النقطة عند ملتقى ثلاثة شوارع، أو قل أزقة، هناك تجمع عدد من الصبية حولي مبهوتين من منظر ( عغبي زغيغ) ويقصدون ( عربي زغير)، أي صغير، وغالبا ما يطلق أهل المدينة على كل الفلاحين والبداة خارج مدينة تكريت كلمة وصفة ( عغبي) عربي صغير، أو زغير.. ومن أهل مدينة بنت النهر ومن ذكرانا علاقات غالبا ما يشوبها عدم الارتياح، ذلك لان أهل بنت النهر يعتبرون أنفسهم أرقى تصورا وتصرفا من (العغب).. وأن أهل المدينة عانوا من هجمات أهل الريف والبداة على المدينة، في محاولة منهم لينهبوها، حيثما وجدوا فرصتهم على المدينة، ومع أن هذه الصور اختفت تماما منذ ان صار أمير المدينة عمر الكبير، وهو جدنا من السادة الحسينيين، ومن بعده المتوسط أو الوسط، ثم الصغير، فإن أهل المدينة، ظلوا جيلا عن جيل، يحملون ويرثون حالة الاشمئزاز منهم أحيانا، وكأن ما لاقوه من أجداد أولئك مع نوع من التعالي الذي يحمله أهل مدينة عمرها أربعة آلاف سنة، على أهل الريف على ا لحال الذي وصفنا جزءا يسيرا منه..
نعود لنقول إن الصبيان الذين تجمعوا حوالي همّوا أن يتحرشوا بي بعد أن وجدوا ( عغبي زغيغ) يحمل مسدسا ويمشي حافيا.. ومع أن قلة ممن هم بهذا العمر من أبناء المدينة كانوا يلبسون حذاء، فإن المهم الذي لفت انتباههم لهذا العمر أنني كنت أحمل مسدسا، في وقت ربما لم يكن في المدينة كلها آنذاك عشرة مسدسات.. ومن أجل أن أبسط سطوتي عليهم، وأعلمهم احترام قدر ( الرجال)، سحبت مسدسي من قرابه، و(هوّمت) به باتجاههم، بل قبل أن ( أهوّم) به باتجاههم، صار كبيرهم يعثر بصغيرهم، وبعد أن ارتمى من ارتمى على الأرض، نهضوا وهم يصرخون مذعورين، تاركين المكان لي وحدي، وواصلت مسيري منعطفا إلى اليمين، معقبا الطريق، وتركت بيت حسان والفرع الذي يأتي من بيت أمين المكسّر إلى اليسار، وبيت علّو على اليمين، وانحدرت مع الطريق، وتركت الفرع الذي يأتي من بيت كاظم الغثيث من اليمين، وكلما انحدرت مع الطريق صارت الأرض التي أتركها أعلى من الأرض التي أتجه إليها، وما إن وصلت إلى تقاطع طريقين حتى استدرت إلى اليسار، وكان بيت خالي ثاني بيت على اليسار، يقابله بيت عمر الطوكان من الجهة اليمنى، مع انحراف بابه عن باب بيت خالي، ويلاصق بيت عمر الطوكان بيت حميدي العبطة.. وكانت ملكية بيت خالي تعود أساسا إلى كامل عبد الباقي، ويسمى كامل الريس، لأنه رئيس بلدية المدينة، أو بالأحرى بيت والده عبد الباقي، وورثه أولاده وبناته عنه.. وكان على من يريد أ ن يطرق باب هذا البيت أن يصعد ثلاث درجات على مستوى سطح الشارع، وكان بالقياس إلى البيوت الأخرى يعتبر بيتا منتظما، وفي كل الأحوال لا تدخله مياه الأمطار مهما هطلت، بسبب ارتفاع أرضيته عن الشارع.. لم أطرق الباب، ذلك لأنني وجدته غير مقفل، وإن كان يقترب من أن ينسد، لأن صفحة الباب المتحركة لم تترك إلا فتحة بسيطة بين الصفحة الثابتة والمتحركة..
دخلت ممر الباب وما إن لاحظت أن الديوانية تقع على يسار الممر بالنسبة للدخول، وأن بابها أمام باب (الحوش) الرئيس، ومن يريد أن يصعد إليها عليه أن يرتقي درجتين عن مستوى سطح الممر حتى لم يبق لديّ أي شك بأنه بيت خالي، وبخاصة عندما تطابقت صورتان من الصور التي احتفظت بها مطبوعة في ذاكرتي، صورة المدخل الرئيس في الطريق، وصورة الديوانية التي ما إن فتحت الباب الخارجي للدار حتى صارت أمامي هي وبابها، وما إن ولجت الممر القصير وقبل أن أطل على الجالسين على الأرض عند مدخل غرفة المعيشة الكبيرة، في ظل جدرانها، صاح أحدهم:
- من في الباب؟
وقبل أن أجيب صرت أمامهم، وركضت خالتي وجدتي وخالي لطيف باتجاهي، واتجه خالي مال الله بأثرهم يمشي.. وكان منظرا يصعب عليّ وصفه.. إذ تدفقت العواطف كأنها شلال امتلأ عمقه بالماء، بعد أن احتبس، ثم رفع عنه باب الاحتباس فجأة، واختلطت الدموع بكل هذا، حتى لو وضعت هذه الصورة بشكل صامت أمام من يراها، قد يختلط عليه ما إذا كانت صورة حزن أم صورة فرح، ومن اختلاط الصورتين على من يراقب الدموع يجعله يتأكد من أن الحزن هو النتيجة المؤكدة، ولكن من يحاول أن يستدل على المعنى من مظاهر أخرى غير الدموع، فإن استنتاجه قد يكون حاسما بأنها صورة فرح.. وقبلّني خالي ما الله، ولكن عابدة وعدنان ظلا جالسين.. كانت عابدة ناجحة من الثاني الابتدائي.. وكان عدنان ناجحا من الأول الابتدائي حتى ذلك اليوم من أيلول..
فرح خالي مال الله وجدتي وكل خالاتي بقراري، وأطروا عليه، وقالوا جميعا: لو لم تتخذ هذا القرار وتأتي إلينا ما كان إبراهيم سيقوله..
- إن الزمن الجديد يحتاج لمن يدرس، لا لمن يفلح فحسب.. قال خالي، وكلف عبد اللطيف وجدتي بمتابعة تسجيلي في المدرسة وإجراء كل ما يلزم لذلك..
وجد خالي عبد اللطيف كأنني أخ صغير له، وفرح بوجودي مع فارق العمر بيني وبينه..
ورغم أن عابدة وعدنان، وخاصة عابدة، كانا منكمشين إزائي بعض الشيء، لأنهما يلتقيان بي لأول مرة، ولأنهما تركا والدتهما في بغداد، وجاءا إلى بنت النهر في بيت أبيهما، فقد كانا حريصين على أن لا ينافسهما أحد على أبيهما وعلى العائلة كلها.. ولكننا مع الزمن تعايشنا، وكان عدنان أسهل في هذا، عدا خطأ واحد صغير ارتكبه تجاهي، كأنه أراد أن يتجاسر متصورا خطأ أن أهل بغداد أقدر في العراك، فوضعت حدا له، وعندما توالت الأيام، ازدادت محبة عدنان لي، مثلما ازدادت محبتي له، ثم تعايشت عابدة معي هي الأخرى، عدا خطأ واحد ارتكبته، حينما كانت خالاتي وعابدة في بيت خالتي ليلى التي كانت تجاورهم، ولا أعرف لأي شيء أو سبب أنشبت أظافرها في وجهي ورقبتي، ولكنني لم أضربها أو أدفعها، وإنما بكيت بحرقة، وأنا انتحي جانبا لوحدي، وقد تألمت خالاتي لأنهن رأين المنظر، ليس على ما قامت به عابدة، وإنما على الطريقة الراقية التي تصرفت بها، وكأن رجلا مؤدبا تصرف بلطف ومستوى عالٍ من معاني الرجولة إزاء تصرف امرأة ارتكبت حماقة.. ولم أمنعها من أن تنال مني، ولم أحجزها عني، ولم أضربها، وكانت خالاتي يعرفن أنني قادر على ذلك، بل ربما كانت عابدة نفسها تعرف ذلك، مع أن عمرها كان بحدود الثامنة أو بعد الثامنة بقليل.. لا شك أن عابدة لم تكن تعرف أن جدي أعطاني إياها، وأن عطية الجد لا ترد.. إن خالي لا يمكن أن يحكي بذلك، ولا يمكن أن يسمح لأحد بأن يحكي به أمامه وأمام عابدة، وهذه هي عادة الرجال، بل إنها عادة والدتي أيضا وخالاتي وجدتي.. كانوا يستنكرون أن يتحدث أحد أمام ( الجهال)، ويقصدون الأطفال، عن الزواج وما يتصل به، لأنهم يظنون، وظنهم صحيح، بأن الحديث أمام بنت عن شيء من هذا القبيل يقوّي عين البنت، أي يقوّي رغبتها به، وعدم مطاوعة ولي أمرها في ما هو بخلاف رغبتها، بما في ذلك حتى لو كانت رغبتها خطأ..
لم تكن عابدة تعرف ذلك لأن أحدا لا يمكن أن يحكي لها عنه، وربما ما كانت لؤلؤ، بعد أن انفصلت عن خالي مال الله، ترغب في أن تسمعه عابدة، بينما حكت لي والدتي كل ذلك كأنها تهيئني له، ولأنني كنت أعرف، عليّ أن أتحمل، لذلك عندما بكيت بمرارة، فإنما كان ذلك ليس من ألم جراح أصابتني بها عابدة في رقبتي وفي وجهي، وليس لأنني لم أرد عليها رغم أنني كنت وما زلت أتألم من أي اعتداء يقع عليّ، أو يقع على من يتوجب أن أرد عنه الاعتداء، ولم تتهيأ لي فرصه عليه.. لا ليس من أي من هذه الأمور، بل لأنني أحب عابدة أساسا.. ولأنها تصرفت بما هو عكس ذلك..
حزنت لأن عابدة لم تعرف ما قرره جدي، ولم تكن تعرف أنني أحبها. ذلك لأن والدتي زرعت هذا في خلفية تفكيري.. ولذلك مع أن والد فوزية وخالتي هيلة ( أعطياني) فوزية، لكن هواي لم يكن عندها، وإنما عند عابدة، رغم أنني لم أكن قد رأيت عابدة من قبل بعمر يجعلني، قبل مجيئي إلى بنت النهر، قادرا على أن أتذكر ملامحها.. وحاولت جهدي أن أخفف من ثورة خالاتي وجدتي فيما بعد عندما علمت بذلك، ورغم أن عابدة ( أكلت راشدي) من إحدى خالاتي، وأعتقد أنه مأخوذ مما يرشد أو ( علقة) وفق المسمى المصري، وبكت، ولكن بكاء عابدة لم يكن كبكائي.. إنها بكت لأنها عنفّت على فعلها، أما أنا فعلى شيء آخر.. وعندما حاولت جدتي أن توجه لها ضربة، ( حجزت) عنها، وقبلت يد جدتي متوسلا لكي لا تفعل ذلك.. وتوسلت إلى الجميع، عندما عرفت بنية بعضهم، أن لا يشكون عابدة عند خالي.. وكررت و ألححت على خالتي الصغيرة بدرة ورجوتها أن لا تفعل ذلك..

 

 

 يتبع الجزء الحادي عشر ...

 

 

 

 

 

إلى صفحة المقالات