بسم الله الرحمن الرحيم

08/05/1429

 رواية رجال ومدينه لكاتبها الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد 

الجزء الحادي عشر

 موقع النهى*

 سارت الأمور بعد ذلك سيرا اعتياديا.. ودخلت المدرسة في الصف الأول الابتدائي في المدرسة الأولية الابتدائية.. في جانب الحارّة، وكنت أتنافس أنا وطالب اسمه ( حميد) على من يحوز المرتبة الأولى في تلك المنافسة.. وكان لحميد أخ اسمه مجيد، أقرع، بالكاد نتحمل الجلوس معه في الصف، بسبب الرائحة ومنظر التقرحات المنتشرة في رأسه، وكان مجيد بسبب هذا، وربما لأسباب رديفة أخرى، لا يهيئ واجباته، ومع أنه أصغر منا سنا، ربما كان عمر مجيد ثماني سنوات أو سبعا، في الوقت الذي كنا أنا وحميد بعمر متقارب، كانت المنافسة بيني وبين حميد تفضي ألن نكون كلانا أولا وأولا مكررا، وكنا نتناوب على هذا في المدرسة الابتدائية الأولية.

وفي المدرسة، لبست ( لباسا) سروالا داخليا لأول مرة، بعد أن هجرته منذ غادرت بغداد، ورغم أن السروال الداخلي يبدو وكأنه يخنق من لم يعتد عليه، مثلما قال خال أحدهم من الفرات الأوسط لابن أخته جوابا على سؤاله: لماذا لا تلبس ( لباسا ) داخليا؟ ولكنني كنت مسرورا به باعتباره كساء إضافيا إلى ما كنت قد اعتدت على ارتدائه..

وفي درس الرياضة، كنا نخلع ( دشاديشنا) ونبقى ( بالفانيلة واللباس)، وأمر طبيعي أن نقول أن ( اللباس) الداخلي كان لكل الأغراض، أو على الأقل لأغراضه العامة المعروفة، ولكنه نفسه، وليس غيره، للرياضة أيضا.. وكان بعض الطلاب لا يشاركون في درس الرياضة ليس لأنهم لا يحبونه، أو لا يقدرون على فعالياته، وإنما لأنهم لا يملكون ( لباسا) داخليا يظهرون به في الساحة وفق ما كان مدرس الرياضة عبد الرزاق الكميت يصر.. ومن الطبيعي أن أتفوق في درس الرياضة مثلما تفوقت في الدروس الأخرى.. أليست حياة الفلاحين وأبنائهم معدة لأعلى مراحل التحمل البدني!؟ ولم تكن الرياضة على عهدنا إلا نوعا من الإعداد والتحمل البدني، ومع أن حميد كان ابن المدينة المتصلة حياة وشؤونا أخرى بالريف، فإنه وأبناء المدينة غالبا ما كانوا يمشون حفاة بعد انتهاء الدوام في المدرسة، ولكنه كان بدنيا، وكان أقل نشاطا مني بكثير، حتى أنه عندما كان يركض، كانت تفاصيل كثيرة من جسمه تهتز كأنها تحاول أن تنعزل عن جسمه، ولكنني كنت رشيقا، ومع أنني كنت أغبطه على جسمه الريان، فإنني كنت أتفوق عليه، ولكن مدرس الرياضة يعرف المنافسة بيني وبين حميد، ويعرف بأنه لو ( كسره) بدرس الرياضة، سيقلل اندفاعه في الدروس الأخرى، وسأكون وحدي دون منافس، لذلك كان لا يكسر درجته، ولم أحتج، أو أعترض، أو أتململ من هذا، لأن حميد كان مثلي في الدروس الأخرى كثير الاهتمام والاستيعاب، وقد تتصورون أن سمنة حميد النسبية بالقياس إليّ وإلى آخرين متأتية من قدرة أهله المالية، لا.. إنني آكل أفضل منه، وألبس أفضل منه، ولكنه كان يأكل الكثير من الخبز والبصل، أو الشاي والخبز وحده، وهي وجبة الإفطار السياقية.. وكانت طبيعة جسمه تختف، بينما طبيعة جسم شقيقه مجيد غير هذا، كان مجيد أبيض، مائلا إلى اللون الأحمر، وكان رشيقا، مع ما ذكرنا عن حال رأسه..

وكان شاكر معنا في الصف الثاني، بعد نجاحنا إليه أنا وحميد، وكان شاكر راسبا في نفس الصف، ربما أكثر من سنة، وكان كسولا، على قياس المقارنة بين الشاطر والكسول آنذاك، ولا أظنه أكمل السادس الابتدائي، وكان يحاول أن يداري حاله بأن يكتب أرقاما ما ويكررها عدة مرات في دفتره، وإذا ما طلبت منه إعداد واجب كتابة بعض الكلمات التي يعرفها مكررة، أو بعض الأرقام بعينها، أحسن كتابتها، ولا شيء غير هذا..

وكان ابن عمي أمي، سلطة، يقصّر في الواجبات المدرسية، ولكنه لم يكن بمستوى شاكر دبنة، بل لعل الذين بمستوى شاكر قلة..

كان شاكر يجلس إلى جانبي على رحلة واحدة، لأنه طويل وأنا طويل نسبيا أيضا، ولكن كان بيني وبين شاكر فارق عمر لا يقل عن ثلاث سنين.. وكان شاكر جيدا في درس الرياضة فقط، ولا شيء آخر، حتى افترقنا، لأنني صعدت إلى الصف الجديد، وبقي هو ضمن صفه، وأعتقد أن هذا حصل في الصف الثاني الابتدائي..

كان التقليد أن من يقصر في واجباته المدرسية، ويكرر التقصير، يخرج إلى الساحة أمام الطلاب، بعد أن يصيح باسمه مدير المدرسة، ويجلده بعصا على يديه الواحدة بعد الأخرى بالتناوب، وعندما يكون المدير بحالة عصبية يضربهم (فلقة) على أرجلهم، والفلقة تعني أن يرفع فراشان من فراشي المدرسة الطالب متعاونين، بعد أن يكون قد خلع نعاله، أو حذاءه، ويجلد على أسفل رجليه بالتناوب كل وفق استحقاق ما قرره له المدير أو المعلم المختص.. ومع أن سلطة كان يجلد بقسوة على كفي يديه، فإنه كان يتحمل بجلد ثقل العصي، ولا يفعل مثلما يفعل آخرون، بأن يتأخروا في مد اليد، أو أن يمدوا أيديهم ويسحقونها عندما يهوي عليهم المعلم أو المدير بالعصا، فتأتي الضربة في الهواء أو شيء من هذا، ومن الطبيعي أن نقول أن أساليب الطلاب تلك لم تكن تجدي نفعا، بل قد ( يتعصب) المعلم أو المدير أحيانا، فيضربان بالعصا الظهور، أو حتى الرؤوس بدلا من الأيدي..

كان سلطة مثلما قلنا يتحمل الجلد، إلا مرة واحدة بكى بعد الجلد بحرقة، وهو يهمهم بكلام لم أعرف معناه، وهو يعاود الانضمام حيث مكانه في (الاصطفاف).. ولقد تألمت له، مثلما كنت أتألم لغيره من التلاميذ، وإن لم يكن بالدرجة التي تألمت بها على سلطة.


**********


 في عام 1948، كنا في الصف الثاني الابتدائي، وكان معلم الرياضة عبد الرزاق يشرح لنا على السبورة كيف هاجمت الجيوش العربية الكيان الصهيوني وطوقته من كل اتجاه، وما هي إلا أيام حتى ينتصر العرب ويندحر اليهود مثلما قال... ولكن اليهود في الكيان الصهيوني لم يندحروا بعد أكثر من خمسين سنة على قوله ذاك، وان العرب انتصروا في ميادين أخرى، كل تحت المسمى المناسب وفق معركته، إلا أن الفلسطينيين سينتصرون، وسينتصر العرب، إن شاء الله في منازلة الصراع العربي الصهيوني.. وبعد أ، شرح لنا عبد الرزاق خطة العرب، وفق ما تصورها من مصادر الإعلام آنذاك، خرجنا إلى الساحة، كل طلاب المدرسة، واخرجوا ( رحلة) واحدة، وقف عليها المدير وألقى كلمة حماسية.

كان المدير متحمسا وهو يلقي ( خطابه)، ولكنه لم يكلمه، حيث أغمي عليه من وطأة إحساسه بقيمة الحدث، ومن شدة حماسه وهو يلقي الخطاب.. ودعا خالي ومع من المثقفين الشباب للتطوع، وأعلنوا أن التطوع لمن يزيد عمره عن الثمانية عشر عاما، وقد تبرع خالي لواحد من المتطوعين ببندقية، إذ كان من شروط التطوع أن يحمل المتطوع بندقية على حسابه، لأن الحكومة لا تتمكن من تزويد المتطوعين بالبنادق.. وقد حمل أهل المدينة المتطوعين على الأعناق، ولكن هل يمهل الملوك والرؤساء العرب من يتطوع في عمق الوطن العربي ليأتي إلى فلسطين؟ لقد استجابوا لضغط الاستعمار الغربي، وأوقفوا هجوم العرب على اليهود.. وكان جيش العراق يقاتل آنذاك على حافات مدينة جنين.

عندما كنا في الصف الأول كان معلمنا ( ملائيا) وليس خريج مدرسة ريفية، وكان رجلا متدينا، لكنه كان قاسيا مع بنت أخيه المتوفى.. وكانت أمها، حسبما قيل لنا في حينه، من اليمن، وكان قاسيا مع الطالب المهمل، لكنه كان يحبني ويحترمني.. وهكذا كانت علاقاتي مع كل معلمي المدرسة ومديرها.. وتقديرا من الجميع لنشاطي وتفوقي، كنت أخص بأن ألقي المحفظة التي أختارها بتحية الصباح للعلم، وبرفع العلم في صباح كل خميس، وصرت أتناوب على هذا مع صديقي صابر المهيدي فيما بعد.. وقد خبط الماء على هذه العلاقة أحد أبناء المعلمين، ومثلما تعرفون، فإن أبناء معلمي المدرسة، الذين يدرسون في نفس المدرسة، التي تكون أمهم أو أبوهم معلمة أو معلما فيها، غالبا ما يتصرفون تصرف المدلل.. لقد كان ذاك الطالب معي في الصف الخامس الابتدائي، وبقرار من مدرس أراد أن يحابي والده، جعله مراقبا على الصف ليضبطه قبل دخول المعلم، ويصيح عند دخول المعلم: ( قيام)، وبعد أن يستقر المعلم في وقفته يقول للتلاميذ: ( جلوس)، وفي أحد الأيام مر مدير المدرسة من أمام باب صفنا، وكان المعلم قد تأخر في دخول الصف، وكان الطلاب في الصف يتكلمون بصوت عالٍ، وكنت أجلس على رحلتي في الخلف.. وعندما دخل المدير الصف، لاحظ عدم انضباطه، وكان قد خزن في ذاكرته أنني ما زلت مراقبا للصف، وزاد انزعاجه أكثر عندما لم يجد من يوعز للتلاميذ عند دخوله الصف بالقيام له احتراما وفق التقليد المعتمد.. حيث كرص ( خنس) المراقب في رحلته، كأنه أراد، بعد أن عرف أن المدير رأى عدم انضباط الصف وهو يدخله فجأة، أن لا يظهر أنه المراقب تخلصا من التوبيخ، فصاح عليّ المدير، وهو يرتجف، ولم ينتظر مني أن أقول له أن لا دخل لي بواجب المراقبة، ورفع يده عليّ ليضربني، ولكنني منعته عن ذلك باقتدار، وخرجت من المدرسة، وبعدها لم أعد إلى المدرسة، وإنما انتقلت إلى مدرسة أخرى خارج محلتنا.. ومن الطبيعي أن أقول أن هذا لم يؤثر فيّ تجاه مديري، وبقيت فيما بعد أكرمه باحترام كلما التقيت به.. ورغم أن المدير أسف على تصرفه عندما عرف الحقيقة، ولكن هل يمكن أن يظهر المدير أسفه لطالب آنذاك!؟

كان أحد المعلمين صغير عقل وشأن، ويبدو أنه كان يكن حقدا خاصا على أعمامنا السادة كلهم، ولا أعرف سببا لذلك، مع أنني سألت أهلي عن مغزاه، لقد تفوه بكلمات لا تدل على الرصانة وعلى مستوى الحد الأدنى مما ينبغي أن يتحلى به من الناحية التربوية.. فقد قال لسلطة وهو يعاقبه على أمر لم أجد يومها أن سلطة يستحق أن يجلده ذاك المعلم بسببه.. ومع العصي التي كان يهوي بها على يدي وأصابع سلطة بكل قسوة في صباح يوم بارد، فقد بدأ كأنه ينفس عن حقد دفين.. كان يقول لسلطة:
- راح عهد أهل ( الجزم الحمر) – ويقصد بهذا أجدادنا وأعمامنا، حيث كانوا ينتعلون بأرجلهم وفق ما قيل لي من قبل _ جزم جوزية).
عدا هاتين الحادثتين كانت الحياة التي قضيتها حتى أكملت الابتدائية جميلة.


**********


 في أحد سنوات الابتدائية حصل حادث مؤسف في العشيرة.. قتل أحد رجالها وهو في طريقه من بغداد إلى بنت النهر، قتل هو وفرسه في منطقة ( سميكة) التي هي الآن قضاء الفارس على الشارع العام، وعندما تحرى أهله وعشيرته على مدى التاريخ القريب أو البعيد، عن السبب، لم يكتشفوا أن لأي من العشائر في تلك المنطقة ( طلبة) معهم.. وعندما تقتل الفرس مع القتيل، فمعنى هذا أن هناك قصدا مسبقا، وأن المقصود هو راكب الفرس، وليس أمر آخر.. وبعد التحري والحوار فيما بينهم، مع أنفسهم، حامت الشبهة حول أحد رجال العشيرة من فخذ آخر.. وكان عمي إبراهيم واحدا من أبناء عمومة القتيل الأقرب إليه في العشيرة.. حاول عمي إبراهيم مع عقلاء القوم بكل الطرق أني يعينوا المشتبه به على نفسه ليطرد الشك والهواجس من عقول وصدور أعمامه أهل القتيل، ولكنهم لم يفلحوا، ولم يتعاون معهم كما ينبغي.. وكان مبعث الشك فيه أن المشتبه به كان في بغداد في الوقت الذي كان القتيل في بغداد أيضا، وأن كلا من القتيل والمشتبه به، وهما ابنا عم ضمن العشيرة، كانا يتنافسان على شابة من العشيرة، كل يحاول أن يحظى بها ليتزوجها، ورغم أنهما كانا متزوجين، وأسماهما عبد الله ومحمد، فإن عبد الله لم ينجب، بينما أنجب محمد ولدا وبنتين، وكان مستواهما واحدا، فهما ابنا العشيرة نفسها، إلا أن حال عبد الله كان أفضل، فمع أنه متزوج مثل محمد، إلا أن عبد الله لم ينجب بينما أنجب محمد.. إذن على قياس الحسابات المجردة كان عبد الله أحق بها.. ولكن هل يعرف المحب خارج النفس أين هو الحق وأين هو الباطل دائما،و بخاصة في منافسة كهذه، ليس فيها تقليد ثابت ليقول أحدهم لنسأل الفتاة، ويكون رأيها الفصل؟ وكيف؟ ومن يضمن أن تقول الفتاة رأيها بحرية!؟ ومن الطبيعي أن نقول مما عرف عن أهل الفتاة أن أمها كانت تميل إلى تزويجها من عبد الله عندما تسأل نفسها لتقرر بمفاضلة بين اثنين كلاهما ابن عم غير مباشر، ولذلك كان هواها أن تختار من ليس له ( خلفة)، ومن وضعه الاقتصادي أفضل.. وهكذا وفق ما قيل كانت الأمر ترجح تزويج ابنتها من عبد الله، ولم يظهر من أشقائها ميلا لتزويجها من محمد، لأن حالة كهذه تضع الرجال في حرج إلى الحد الذي لا يقولون رأيهم، إلا عندما يكون حاسما ويتصل بمسؤوليتهم.. وعندما لم يقتنع ذوو المقتول محمد بما قدم لهم عبد الله من مبررات، أو مسوّغات قالوا له إن الشك سيكون يقينا لدينا إذا أقدمت على زواج الفتاة التي نافست عبد الله عليها.. ولكن عبد الله أغلق منافذ تفكيره، وأقدم على الزواج من الفتاة، وبذلك صار الشك يقينا في عقول ذوي القتيل، وصارت أجواء العشيرة ملبدة بالغيوم.. وكان عمي إبراهيم لا ينام كثيرا في الليل، وهو يقلب ويداور الأمور مع نفسه، ويحاول بكل الطرق أن يهدئ أخوة القتيل، ويحاول ذلك أيضا مع المشتبه به عن طريق وسطاء ليقنع أعمامه ذوي القتيل، ولكن عبد الله كان عنيدا، ولم يكن ذا نظرة وافق بعيدين في هذا الموضوع عفي الأقل.. وكان واحدا من التطورات، التي اعتبرناها مهمة آنذاك، أن عمي إبراهيم اشترى بندقية ( برنو) طويلة، وكنت مسرورا بها، وكذلك عدنان الذي كان يزور رمز القرى معي في العطل، حيث كنا بعد انتهاء الدوام، بعد ظهر كل خميس نذهب إلى رمز القرى، ولا نعود إلى بنت النهر إلا عصر يوم الجمعة.. أليس حدثا مهما أن يشتري فلاح بندقية بثلاثة وخمسين دينارا، ويشتري لها طلقات بسبعة دنانير ونصف الدينار، إضافة إلى ستة مخازن ( أمشاط) من ( الفشك) في عام 1951؟ لقد اشتراها عمي من أحدهم في بنت النهر، وكنت معه في الشراء، وعندما جئنا بالبندقية إلى رمز القرى.. كانت هي الوحيدة في قرية البو حسن، بل هي الوحيدة من نوعها في رمز القرى كلها، مثلما كان مسدس عمي ( البرونك) هو الوحيد في هذه ( العرب) من قبل ذلك..

صادف بعدها، لحاجة دول الغرب الاستعمارية إلى مزيد من القطن لتشغيل معاملهم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أن شجعت الحكومة الفلاحين على زراعة القطن من خلال توفير البذور، وحث الإقطاعيين على إنتاج القطن.. لأن إنتاجه سيكون مجزيا لمن ينتجه.. هكذا أشاعوا، وهذا ما تولى الإقطاعيون وأصحاب المصالح إشاعته، وهكذا استفاد المرابون الذين كانوا يقرضون الفلاحين لشراء بذور القطن.. وقد زرع كل واحد من أهل رمز القرى وفق مقدرته على الزرع، وعلى أساس ما مخصص له من حصة مائية.. وقد كان إنتاجه مجزيا بالفعل، حيث صارت قيمة ما جمعه كل فلاح نشيط، إذا كانت أرضه تتجاوب مع الزراعة، خمسين دينارا، وبعضهم وصلت حصته إلى سبعين دينارا.. وبعضهم تزوج، وقد اشتروا كلهم على وجه ذلك الشتاء ثيابا للبنين والبنات والنساء والرجال دليلا على الاقتدار الإضافي الجديد، ومكافأة لدورهم في جمع المحصول، واشترى بعضهم بنادق، ومنهم غالب وأخوه الأكبر حيث اشترى كل منهما بندقية خاصة به، ومما غلظ قلبي غالب وأخيه، شقيقي القتيل محمد، هو أنهما قالا أن زوجة عبد الله التي تزوج عليها وانفصلت عنه بعد الزواج، جاءت بالقرآن الكريم إلى بيت أحدهما، وحلفت لهم واضعة يدها على المصحف وهي تقول ( إن محمد في بطن عبد الله).. وقد قتل غالب عبد الله.. وانقسمت العشيرة من ( خلفة) عمر الوسط ( الوسطاني) إلى قسمين. ومن هذا يمكن أن يتبين القارئ أي تصرف خطير تتصرف المرأة عندما تغضب، أو تحقد حتى ضد من يكون زوجها!!. ومنه أيضا يفهم أي نار تشب في جناحيها، بل وفي قلبها، لو تزوج عليها زوجها، بغض النظر عن المسوّغ، أو السبب بما في ذلك لو كان شرعيا!!

سجن عمي إبراهيم بتهمة التحريض مع عدد من وجوه الفخذ الذي ينتمي إليه غالب، ولم يكن لعمي إبراهيم أي دور في العملية، بما في ذلك تهمة التحريض، بل على العكس كان يدعو إلى التهدئة، ويتمنى أن تنقذ ( معجزة) عبد الله بتبرئته أمام غالب وأهله.. ولكن شيئا من هذا لم يحصل..

كنت في المدرسة، وانعزل همام مع والدته في بيت يجاورنا في رمز القرى.. وكان عمي إبراهيم، على أساس حسه المكتسب، وفطنته، وربما ممن يسرب له أخبار الشرطة عندما يتهيئون لليوم التالي من أول ضياء، ليفتشوا رمز القرى بحثا عمن يقصدون إلقاء القبض عليه، وبحثا عن غالب، ورغم أن غالب سافر إلى ضواحي الموصل، لدى عائلة كريمة من عشائر شمر العربية هناك هربا من الشرطة، فإن الذريعة ظلت نفسها، وهي تفتيش المنطقة بحثا عن غالب، ولأن عمي كان يخشى أن تقع بندقيتنا وبنادق إخوته وأعمامهم في أيدي الشرطة، كان يبعث إليّ، وهو في التوقيف، بعد أن يصبح قرار الشرطة نهائيا بأنهم سيكونون في رمز القرى مع أول ضياء من اليوم التالي، بحثا عن مقصدهم، ويطلب من أن أسافر في نلك الليلة إلى رمز القرى، التي تبعد مسافة عشرة أو ثمانية كيلومترات إلى الجنوب من بنت النهر، وكنت آنذاك في الرابع الابتدائي على ما أظن، ورغم ما يتخلل طريقي من شعاب، بما فيها من ذئاب مع كل احتمالاتها الأخرى، فقد كنت أذهب إلى هناك فورا، وأبلغ بإخلاء كل من لا يريد أن يرى الشرطة أو تراه.. ومن الطبيعي أن أطلب إلى الجميع إبعاد البنادق عن الديار، سواء بمفردها أو مع رجالها..

كانت والدتي تدير المنزل، وتوجه الاهتمام بالزرع، تعاونها أم همام وهمام.. وقد عبرت تلك السنة بأقل ما يمكن من الخسائر، حيث أطلق سراح عمي إبراهيم ومن كانوا معه، بعد أن مكثوا في التوقيف ستة أو سبعة أشهر.
عادت حياتنا في رمز القرى، وفي بنت النهر، إلى سياقها المعتاد: دراسة، وزراعة، وحصاد، وتربية حيوانات، وما يتصل بالزراعة والدراسة.. ولكي لا تفوتنا الإشارة إلى نوع النشاط الذي كان مال الله يمارسه بعد خروجه من السجن، لا بد أن نقول أن مال الله أعدّ نفسه ليواجه هذه الظروف بعد خروجه من السجن.. فقد أتقن في السجن اللغة العربية بما في ذلك قواعدها، ودرس اللغة الإنكليزية، وصار متفوقا فيها تكلما وكتابة، ولذلك ما إن خرج من السجن حتى أسس مدرسة ( تفيض) أهلية متوسطة وثانوية، وكانت بنت النهر خالية من هذه المدرسة، ولم يكن فيها بعد الابتدائية أي مستوى آخر.. وكان كثر من الذين لا يستطيعون دفع أقساط استحقاقهم من ثمن المدرسة إما يعفيهم كليا أو جزئيا، أو يقدم لهم تسهيلات من النوع الذي يمكّن أبناءهم من الاستمرار في الدراسة، وكانت العائلة تعيش على راتبه كمدير لهذه الإعدادية، ومن إشرافه على الزراعة في أرضه عبر النهر بمستوى يعتبر بالنسبة لبنت النهر من الصف الأعلى فيها.. ومن الطبيعي أن أقول أنني عندما دخلت الابتدائية وعمري عشر سنوات، لم أجد أنا أو غيري حرجا في هذا، وإنما كان الحرج مع من يدخل المدرسة بسن السابعة، وكان أحد أولاد المعلمين ابن السادسة عندما أدخله أبوه الصف الأول الابتدائي باعتباره معلما ويفهم قيمة المدرسة، وكنا نعتبره صغيرا على المدرسة وهو بذاك العمر، ومن هذا يمكن أن يخمن عمر مخرجات الابتدائية إلى المتوسطة والثانوية بعدها.. كان كل شيء مظهرا ومضمونا، وكان كثر منهم يقوم مع الدراسة بعمل محدود ليوفر أقساط الدراسة، إلا قلة منهم، وكان أهل رشاد قادرين على أن يجعلوه ينصرف إلى الدراسة في مدرسة التفيض الأهلية التي كان خالي مال الله يديرها ويشرف عليها.. وكان البنطلون قد دخل حديثا إلى هذه المدينة، وكان يمكن الاستغناء عنه لولا أن المدير مال الله لم يكن يتساهل في هذا، ولذلك كان كل واحد منهم يرتدي بنطلونا، ولكن قلة منهم كانت لا تستخدم قميصا مع البنطلون، وإنما الدشداشة نفسها، وكان كثر منهم يلفون طولها على بطونهم ويلبسون فوقها البنطلون، ولكن رشاد كان يرتدي قميصا نظاميا مع البنطلون، ولكن أحدا لم يعرف لماذا لم يتحزم بحزام جلد وإنما بحبل من القنب، حتى أصبح شائعا ومعروفا من أبناء صفه أنه لم يكن يلبس تحت البنطلون سروالا داخليا، وقد ( نصب) له الطلاب فخا في أحد الأيام، فعندما طلب المدرس من أحد الطلاب أن ينظف السبورة ( بالمساحة)، رجاه كل الصف أن يأمر رشاد بذلك، وكان الذين يجلسون إلى جانب رشاد وخلفه في ترتيب الجلوس هم أصحاب هذا الفخ، وقد قصوا حزامه من الخلف ( بتا، بتا) أي خيطا خيطا من غير أن يعرف، ولم يبقوا منه خارج القطع إلا جزءا للربط الاسمي أو المؤقت من الحزام، وهو بالكاد يصمد عندما يكون رشاد جالسا، وعندما أوعز المدرس إلى رشاد بالحركة إلى السبورة للقيام بمحو الكتابة من عليها، وتنظيفها لتكون مهيأة ليكتب عليها من جديد، وبينما رفع رشاد يديه إلى الأعلى، تحت إلحاح ومناداة الطلاب له من الخلف أن يفعل ذلك، وبعد قليل من مباشرته محو الكتابة عن السبورة، انقطع الحزام، ولأن البنطلون غير نظامي، وكان أعرض من قياس خصره كثيرا، سقط البنطلون من فوره على الأرض، حتى صار عند قدميه، وقد حل برشاد مصاب عظيم وهو على هذا الحال بعري كامل، وسط الضحك الهستيري لجميع من كانوا في الصف..

التقط رشاد بنطاله وخرج من الصف راكضا، ولم يعد إلى المدرسة أبدا، مع أنه كان في ذلك الوقت في الصف الخامس وهو الصف النهائي في الثانوية، وبعد التخرج فيه تنفتح أمام الطالب اختيارات واسعة.
 

 

 يتبع الجزء الثاني عشر

 

 

 

إلى صفحة المقالات