بسم الله الرحمن الرحيم

08/05/1429

 رواية رجال ومدينه لكاتبها الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد

الجزء الثاني عشر 

 موقع النهى*

 " من لا يهتم إلا بحقوقه، ويهمل رؤية ورعاية حقوق الآخرين، يعيش وحده، ويموت وحده، ومثلما ينفرد لنفسه في ما يراه، يترك وحده ليواجه الذئاب، واللصوص، والعادين عليه"..

لم أبنِ صداقات بعينها في خضر إلياس، وإنما معارف فحسب، ولكن أهل خضر إلياس كانوا يعيشون، بوجه عام، كأنهم عائلة واسعة في حقوقهم وواجباتهم الاجتماعية داخل المحلة.. ومع أن ميدان الصداقة في ( الأطرف) أو المحلات القديمة في بغداد أوسع نسبيا منها في المحلات الحديثة، إلا أن الصداقة بمعناها الواسع، الذي يتضمن تزاورا في البيوت، محدودة بالنسبة للرجال، على غير ما هو عليه الحال في ميدان العمل أو علاقة الجيران المباشرين مع بعضهم، أما الشباب، فإذا أردنا الابتعاد عن صداقات اللهو غير البريء، فهي في الغالب صداقة بين طلاب يدرسون معا في بيوتهم متناوبين، أو يقفون في مكان بعيد نسبيا عن الأبواب المباشرة للبيوت، يتحدثون مع بعضهم وقوفا على أقدامهم، أو يتكئون على الأسيجة المطلة على نهر دجلة، أو يركبون متجولين على دراجات هوائية، ولأن دخول غريب في بيت خالي يجعل حرية أهل البيت مقيدة، ويفرض على النساء ما يشبه حالة الطوارئ، فمن الطبيعي أن أتجنب هذا، أما تنمية الصداقة على الأشكال الأخرى التي ذكرتها فلم أكن من أهلها.. ولأنني كنت أفرق بين مجرد معرفة الآخرين والصداقة، لم تتحول أي معرفة بيني وبين من أعرفهم إلى صداقة في خضر إلياس، غير أنني وجدت في صفي متفوقا في الدراسة مثلي، كان ابن ريف أكثر منه ابن مدينة، ونشأت بيني وبينه مودة يمكن وصفها بأنها أعلى من مجرد معرفة، لكنها، لأسباب تتعلق بتباين بعض ما هو أساسي في صفاتنا وطباعنا، لم تتحول إلى صداقة..

وفيما أرى، يمكن تعريف الصديق بأنه أخ تميز، ينوف على غيره من الأخوة بصلاته المحببة، ويميزه صديقه في كل شيء سوى أنه لا يرث صديقه، ولا يحلّ عليه محرّم.. كان الشخص الذي ذكرته قبل قيلي معي في الصف، وكان ذاتيا بعض الشيء.. ومن الطبيعي أن لا تكون قياسات التعرف على خاصيات الناس والاقتراب منها في فرصة ليست أوسع من لقاء في مدرسة مثلما لو كانت في عمل، أو في قرية.. وكان الطلاب يحاولون أن ينظروا إلى ما يكتب ( الشطّار) المتمكنون من دروسهم أثناء الامتحان، ليصححوا لأنفسهم ما كتبوه خطأ جوابا عن سؤال، أو أن يكتبوا ما لم يتذكروه جوابا عن سؤال وفق ما يقرأون في جواب من يجاورهم من الجيدين، وكنت لا أجيب من يسألني في الامتحان عن شيء، خشية أن يؤدي هذا إلى كلمة خشنة يطلقها عليّ المدرس.. وكان الطلاب يعرفون ذلك عني، ولكنني لم أكن أقرّب رأسي من الدفتر الامتحاني، وأحيطه بيدي عمدا، لأمنع عمن يحاول أن ينظر إلى الدفتر، أي فرصة لأن يرى ما كتبته لو أراد ذلك، بينما يفعل هذا صاحبي الذي كان معي على رحلة واحدة، ولذلك، ولأسباب تخص الطلاب، كان الطلاب لا ينظرون إلينا بمعيار واحد، رغم أن كلينا متفوق في الرياضيات واللغة الإنكليزية، بل كان أعلى مستوى مني في درس اللغة الإنكليزية، ذلك لأنه أتيح أمامه أن يعمل في مصفى نفط الدورة، الذي كان يدار من شركات أجنبية..

على أية حال، كنا أحيانا، وفي الأيام التي يقترب فيها الامتحان، أو حتى في أيام الامتحان، نلتقي في مقهى من مقاهي الكرخ، تطل على نهر دجلة، وكان صاحبها يحرص في مثل هذه الأيام على أن يهيئ للطلاب جوا دراسيا فيها، فلا يفتح مذياعا، ولا يسمح لأحد بأن يلعب طاولة ( زار)، ولا صوت يطلق إلا بصورة خافتة، ومن غير هذا، لم نكن نلتقي إلا في المدرسة، ما خلا مرة واحدة ذهبنا بها إلى السينما، ولا أتذكر ما إذا كان هذا مع العدد الإضافي من الطلاب الذين ذهبنا معهم جماعيا لمشاهدة فيلم عراقي ينتقد الحكومة العراقية بصرة غير مباشرة آنذاك، أم أنا وإياه وحدنا.
كان عدنان أسهل مني في إضفاء صفة الصداقة على معارفه، وكان أسهل مني في قبول فكرة ركوب الدراجات في الطرقات، أو الوقوف معهم في مكان بعينه ليتحدثوا وقوفا، أو متكئين على جدار واطئ، ولكنه لم يكن بالسهولة نفسها التي كان عليها أصدقاؤه الآخرون.

كان عدنان كأنه حال وسط بين من لا يفرق بين الصداقة والمعرفة إلا قليلا، ولا يمنح الصديق من العناية والاهتمام والحقوق أكثر من تلك التي يمنحها للمعارف، وبين نظرتي إلى الصداقة.. والأهم أن عدنان كان قادرا أكثر مني على تكوين وسط معارف، أو وسط صداقة على الطريقة السهلة أو الأكثر سهولة، بينما لم يكن لي في مرحلة الابتدائية كلها إلا صديق واحد خارج إطار صلتي بأبناء عمومتي، ولم يكن لي غيره في المتوسطة حتى الصف الثاني المتوسط، وقصته المعروفة، ولم يكن لي خارج الحزب إلا من أشرت إليه حتى الرابع الثانوي، وكان هذا حالة بين الصديق والمعرفة، ولم يكن لي صديق خارج أبناء عمومتي في كل محيط رمز القرى وبنت النهر إلى علي الرشاد، مع أن الفارق بين عمري وعمره كان حوالي السبع سنوات أو أكثر، وبعدها كسبته إلى الحزب..

أما عندما انتميت للحزب، وصارت دائرة المعارف واجبة للكسب الحزبي، وانتقلنا من ( بيت كبر) مستأجرين دارا تعود لبيت الوسواسي، تقع على ( الشط) مباشرة، وفيها غرفة ( للخطار) للضيوف خلف باب ( الحوش) تماما، يفصلها عن ( حوش) الدار ممر مغطى بستارة فاصلة، فقد وسعت دائرة معارفي، لأ،ها صارت ضرورية لانتقاء من يصلح منهم للحزب، وصار بإمكاني، وبإمكان عدنان أيضا، أن نصطحب من نرى أن واجبنا الحزبي يستوجب اصطحابه إلى غرفة الضيوف، بعد أن استأذنا خالي مال الله بهذا، حيث كنا نعقد اجتماعاتنا الحزبية..
كانت حياتي الدراسية، وعلاقاتي مع المدرسين، ومستوى دراستي ودرجاتي العالية، كلها محل ارتياحي، وكان خالي يفخر بي، ويعتز، ذلك لأن ( صالح سبع، ومتفوق في دراسته) مثلما كان يقول.. أما عابدة وعدنان فقد كانا ينجحان في المدرسة، عدا ما سجله كل منهما كسنة إخفاق واحدة، سجلها عدنان في الثاني المتوسط، وسجلتها عابدة في الخامس الثانوي..

كان خالي مال الله لا يدخن، ولا يشرب القهوة إلا نادرا، ولم ينحدر إلى ما انحدر إليه بعض المتمدنين من الموظفين بشرب الخمر.. وكان ينام مبكرا، ولا يسهر إلا نادرا، متمسكا بشعائر الدين، وكان من النادر أن تجد في بيته من لا يصوم ولا يصلي إلا بعذر شرعي، عدا استثناءات، فقد كانت عابدة لا تستطيع من الناحية الصحية أن تصوم إلا بضعة أيام في شهر رمضان، وكان خالي عبد اللطيف لا يصوم إلا قليلا آنذاك.. وكنا جميعنا صغيرنا وكبيرنا نؤدي فرائض الصلاة، إلا خالي عبد اللطيف، ومثلما احتجب عن الصوم إلا قليلا احتجب عن الصلاة، إلا قليلا أيضا، وربما، بل المؤكد أن واحدا من الأسباب التي جعلت خالي مال الله يشدد على خالي عبد اللطيف أحيانا هو أن خالي عبد اللطيف دخّن في وقت مبكر، ولم يواظب على الصوم والصلاة..

كانت العائلة كلها تذهب في العطلة الصيفية إلى بنت النهر، ومنها يذهب من يذهب إلى بيتنا في رمز القرى، أما في العطلة الربيعية فكنت أنا وعدنان فحسب، نذهب إلى بنت النهر، ومنها إلى رمز القرى، وهناك كنا نصطاد ( الدراج)، ونلتقي مع أبناء عمومتنا والمعارف والأصدقاء في سفرات في الفلاة ( الجزيرة) القريبة من رمز القرى، وبنت النهر، أو نعاون أهلنا في شؤون الزراعة والسقي الذي كان بأقل ما يمكن في الربيع، حيث تتولى الأمطار سقي المزروعات، ولا يوجد محصول ناضج ليقطف في هذا الفصل إلا بحدود قليلة، لذلك كان العطلة الربيعية هي العطلة الأكثر ملائمة لنا لنتمتع بها في هذا الفصل، وعندما كنت في الثالث المتوسط، وكان عدنان في الرابع الثانوي ( إعدادي) قرأنا معا في العطلة الربيعية كتابا كبيرا عنوانه ( أزميرالدا) مؤلفا من ثمانية أجزءا، وربما اثني عشر جزءا، وفي اليوم الأخير من العطلة قال لي عمي إبراهيم:
- لو استطعت أن تستيقظ مبكرا، ربما قبل صلاة الفجر، قد تظفر بـ ( وز) من الذي يأتي طافيا على الماء تحتنا في النهر، على مسافة تقرب من مائة متر عن الدار، ويسرح على الشاطئ، بل حتى يخرج إلى الزرع أحيانا.
قلت له:
- سأفعل ذلك، إن شاء الله.
نمنا ليلتنا، واضعا هذا في بالي، وقربت بندقية الصيد التي كانت في بيتنا من فراشي، وما إن حان الوقت الذي قدره عمي حتى التقطت البندقية، بعد أن استيقظت من غير أن يتولى أحد إيقاظي، وهي عادة بقيت تلازمني منذ الصغر، إذ عندما أحتاج لأن أستيقظ، يكفي أن أخزن هذا في فكري، وأكون قد استيقظت في الموعد المحدد، ربما بفارق دقائق قبل الموعد أو بعده، إلا قليلا من الاستثناء، أو نادرا ما يحصل عكس ذلك..

اتجهت صوب المكان المخمن كمسرح للإوز البري، ولكنني بدلا من أن أتجه إلى هناك ماشيا وجسمي منتصب كما هو في حالته الاعتيادية، انحنيت بعد عشرين مترا، وأنا أبتعد عن الدار، وصار صدري موازيا للأرض فوق الركبتين، وعندما صار المكان المقرر يبعد عني مسافة تقرب من الخمسين إلى الستين مترا، بدأت أزحف على كوعيّ وركبتيّ، والبندقية في يدي، كما يفعل جندي المشاة، وقبل أن أمتد على الأرض لأزحف كما قلت، انتبهت إلى أن كلبنا كان يتبعني، فنهرته بإشارة من يدي من غير أن أصيح به، لكي لا يطير الإوز، وكررت عليه عدم رغبتي بمرافقته بأن قذفته بحجر صغير لكي يعود أدراجه، ولا يفسد عليّ بغيتي..

اتجهت إلى المكان المقرر بين الأشواك والشجيرات، حتى صرت أسمع أصوات الإوز تحت المكان الذي كنت فيه مباشرة، وعلى مسافة قدرتها بما لا يزيد عن ثلاثين مترا.. وكان من مساوئ المكان الذي كنت فيه أنه مرتفع عن المكان الذي فيه الإوز، حيث كان على شاطئ النهر، وعلى الماء القريب من الشاطئ، بينما كنت على كتف النهر الذي يرتفع على بطن النهر ومجراه.. حاولت أن أتبين أي هدف لأطلق عليه النار، ولكنني لم أهتد إلى تشخيص دقيق، ولأن من يقف على أرض واطئة يرى أكثر ممن يقف على الأرض الأعلى، وصاحب المرتسم الأقل في طوله أو ارتفاع جسمه يرى بصورة أدق صاحب الجسم الأكبر والارتفاع الأعلى في الليل، فقد حرصت أن لا يظهر مني من الأمام إلا عيني ليريا، وما هو فوقهما من الرأس من خلال الشجيرات والأشواك، على أن لا يرتفع رأسي في كل الأحوال عن الأشواك، فيشكل مرتسما غريبا على المحيط الذي اعتاده الإوز يوميا، وبعد أن عجزت عن تبين الإوز بسبب ظلام الليل حصرت المكان الذي كان فيه ضمن نظري، ومن خلال الأصوات التي كانت تنطلق منه وهو يأكل الحشائش في الماء، إذ أن مناقيره تخرج أصواتا تسمع، سحبت البندقية التي كانت موازية لي، وأنا ممتد، وحاولت أن أسللها رويدا رويدا من بين الأشواك بما لا يجعلها تصدر صوتا مع الحركة، خاصة وأن الشوك كان يابسا آنذاك، وعندما يكون يابسا أو جافا غيره عندما يكون أخضر، فإنه في الحالة الأولى يرسل أصواتا مسموعة، وفي الحالة الثانية يكون صوت المشي عليه، أو صوت تسلل بندقية من خلاله أقل، وعندما أكملت تسديد البندقية، وحصرت مكان حركة الماء مع أصوات الإوز، ضغطت على الزناد، وانطلق الرصاص، وطار الإوز، ولكنني سمعت صوت خبط في الماء، فركضت إلى الشاطئ فإذا هن ثلاث من الإوز في المكان.. وعندما ذبحت اثنتين واحدة بعد الأخرى، كانت الثالثة لا تزال تخبط في الماء على مسافة من مكاني، وما هي إلا كلمح البصر حتى وجدت واحدا من بنات آوى ينقض عليها من بين الأدغال ليفوز بها، ولكنني لحسن الحظ كنت قد هيأت البندقية تحسبا لاحتياجي لها في أمر آخر، وقبل أن يفوز ابن آوى بها، بل ربما كان فمه قد أمسك بجناحها، صوبت البندقية عليه، وضغطت على الزناد فألقى بها مهزوما، وهو يتعثر ويقع على الأرض ثم يستوي، وصارت الإوز الثلاث في حوزتي..
سمعت عمي إبراهيم يصيح مع صوت الإطلاقة:
- ثار ملح العشار من مشومخات صوتهن يشلع الدور..
أهلهن حضور وبيرق الموت لمن دنا منشور
طبخت والدتي اثنتين من الإوز لوجبة غداء اليوم نفسه، واحتفظت بالثالثة، وجهزتها لنا متاعا عندما ركبنا القطار في الليلة التالية أنا وعدنان من محطة ( عنيقة)..

لو كنت تعلم كم عانيت من دهري
وما أصبت من قرّ ومن حرِّ

فقد تحملتهُ مالا يطاقُ كما
أصبتُ بعد ضناهُ المرّ باليسرِ

لطار لبّك هولا واجفا وأنا
لما يشب في عزّ الصبا شعري

وجهان ما فارقت روحي الهوى أبدا
جرح يئن ويعلو شأنه قدري

*************


 كان الريفيون يقولون أن لابن أخت الغانم ثلاث دبكات على صدر خاله، ويقصدون وطأة دالة عليه بما يثقل صدره، فلا يخف منها حتى ينجزها لابن أخته.. فإذا كان خاله غانما ينجزها له.. واحدة أن يسلحه، وأخرى أن يخيّله، أي يهديه فرسا، والثالثة أن يزوجه.. فإذا فعلها لابن أخته يعدّ خالا متميزا، والدبكة وفق لغتهم هي دالة لابن الأخت الغانم على خاله الغانم، ولأن خالي مال الله غانم، فقد فعل اثنتين منها، ولكن، هل يفعل الثالثة فتكون خاتمتها مسكا؟
هكذا كنت أقول في نفسي، عندما اشترى لي خالي مسدسا نوع ( سميث) بثلاثة وعشرين دينارا، حين كنت في الثالث أو الرابع الإعدادي، وكان العرب الحقيقيون وأهل المعاني، ومنهم عرب الريف، يتعاونون على هذا فيما بينهم، ويتمنون للشاب الذي تعز طلعته العشيرة، الفرس الجيدة ( الركوضة) والبندقية الجيدة ( النواشة) ويفضلون له المرأة (المؤصلة)، أما إذا كانت حلوة فليس هذا شرطهم الأساس، وإنما سلوكها وأهلها.. نقول أما إذا كانت حلوة فخير على خير.
لقد ( خيّلني) خالي و( سلّحني)، ولم يفعلها مع أخيه ولا مع ابنه، وإنما فعلها معي، بعد أن ثبت له أنني أهل لها في كل ميادين الحياة التي احتاج فيها نخوتي وقدرتي واستعدادي للتضحية، أو التي احتاجها الوطن فيّ، وكان شاهدا قريبا عليها، ولأن تفاصيل الحياة كثيرة، ولا أريد أن أثقل على القارئ بتفاصيلها، ولكن خالي كان رجلا شجاعا وكريما، وكان وطنيا غيورا، ولأنه على هذا الوصف، كان من يحمل صفاته، بغضّ النظر عن درجتها، سواء كانت أعلى، أو أدنى قليلا، قريبا إلى نفسه، وكانت أمي تشترك معه في هذه الصفات، ولكن حنانها وخشيتها عليّ كانا يمنعانها أحيانا من أن تظهر مستوى غبطتها عندما أمارس دور الشجاع المتميز، أما الإباء والكرم والعفة والترفع عن الصغائر قولا وفعلا، ومستوى الأدب والحنان الذي أتعامل به ضمن وسطي، وخاصة معها ومع إخوتي وأخواتي وأبناء وبنات الديرة، فكان مبعث فخرها ونشوتها، وهي تتحدث عني، وتطري موقفي وتصرفي..
ومن الطرائف عن والدتي أنها عندما اشتد عليها ضغط الأحداث، بعد أن دخلت ميدان الانتماء للبعث، وما اتصل بهذا من التزامات، كنت أنفذها بالتزام عالٍ، كانت تقول لي:
- لقد ألبستك أقراطا ( تراجي) في أذنيك وأنت صغير يا ولدي، ظنا مني أن هذا قد يخفف من تركيز وراثة الشجاعة عن أبيك وأجدادك، ولكنني لم أستطع أن أخفف هذه الصفة..
ثم تقول، وهي تكفكف دموعها بعد كل شدة تواجهني على الطريق:
- أنا، يا ولدي، أغبط من ابنها فلاح، لا طالب مدرسة، فيسلك الطريق الذي سلكته، ذلك أن من ابنها فلاح تستقبله، بعد أن تعاونه في غسل أقدامه من الطين، وتراه يوميا حتى لو خرج منها باكرا في بداية النهار، لأنه لا بد آتٍ إليها عند المغرب، أما أنت فقد صرت في بغداد، وأنا بعيدة عنك في رمز القرى، ولا أعرف ماذا يحمل لك الغد، بل لا أعرف كيف تفكر وإلى أين أنت متجه، يا ولدي.
وعندما أمزح معها، وأقول لها:
- ألم يكن جدك فلاحا، وأخواه الشابان فلاحين، ومع ذلك قتلهم الأتراك!؟ ألم يكن جدي رباح فلاحا، ومع ذلك كان دوره متميزا في ( دكة اليوزباشي) ثأرا لوالده وأخويه؟ ثم إذا كان ما يخيفك من المدرسة هو أن خالي مال الله، قد دخل المدرسة، وصار ضابطا، وشارك في الثورة ضد الإنكليز، فلا أعتقد أن السبب الأساس أنه درس وصار ضابطا، ووجد عليه التزام أن يثور مع الثوار، وإنما لأنه وطني غيور، وعراقي شريف، ورجل بمعنى الكلمة، ولأنه على هذه الصفات كان عليه أن يقوم بما قام به.
وعندها تحبس حسرة في صدرها، وتعود لتنفثها، كأنها تقي نفسها لكي لا يحترق صدرها، وتقول:
- إيه، يا ولدي، سجنت شهرين وأنت بهذا العمر، ولا أعرف ماذا يخفي لي وعليّ الدهر بعد ذلك.
وأضحك، وأقول لها:
- إن شاء الله خير، يا أمي، ولكن أن تطمئني من أنني لن أستخدم المسدس الذي اشتراه لي خالي إلا لما يعز الخيرين والناس أجمعين.
- نعم يا ولدي، إلا أنت، يقتضي أن تعمل على ما يعز الخيرين والناس أجمعين.. لماذا لا يقوم بذلك آخرون لهم أخوة أكثر منك؟
ثم تعود لتقول:
- إن أخوتك صغار، ولو استطاعوا حمل السلام لكانوا معك، يسندون ظهرك، ويشدون عضدك.
وبعد أن أتبسم، أعود لأناكدها، فأقول لها:
- ومن بإمكانه أن يكون بديلي في واجبي من المحيط الذي تعرفينه!؟
وعندما أستفزها، تقول:
- لا يوجد أفضل منك في أي أمر كبير، ولكنني أقول لو حمل كل واحد جزءا من الحمل، لخفّ عليك حملك.
وكانت عندما تقول هذا، تتصور أن من يمكن أن يقوموا بالواجب الوطني هم عدد من الأشخاص فحسب، أنا واحد منهم، مثلما كان خالي مال الله واحدا من بين عشرات الضباط الذين قادوا ثقل فعل الثورة ضد الإنكليز..
كان مثل هذا الحوار، وشبيهه، يدور غالبا بيني و بين والدتي، بعد كل محنة نلتقي معا.. ثم تقول بعد أن تيأس:
- لقد غلبت طبيعة وخواص البذرة التي نبتّ منها.. التطبيع الذي أردته لك.
وعندها أمزح معها فأقول:
- لم تلبسيني الأقراط في أذني لأنك أردت أن تخففي تركيز عامل الشجاعة الذي ورثته، وإنما لأنك تحبينني، وربما أردت أن تدلليني، مع أن الدلال مفسدة، وأنت لا تقرّين به، مثلما لا يقرّ به عمي إبراهيم بصورة مشددة، وخالي بدرجة أخرى.. وأردت أن يتوهم من يراني بأنني بنت وليس ولدا لكي لا يحسدني.. أنا أعرف أنك لا تطيقين الضعيف، حتى لو كان ابن أخرى غيرك، فكيف إذا كان ابنك؟ أنا أعتقد أنك تريدينني شجاعا، وأن تعتزي وتفخري بشجاعتي، ولكنك تتمنين أن تضعيني تحت سلة، وأن ( تكبيها) تقلبيها فوقي، لتحميني من غراب أو باشق، كما تعمل بعض مربيات الأفراخ الصغار عندما يعتنين بأفراخهن.
تنتفض وتقول:
- بل أريدك صقرا، يا ولدي، صقرا يفقأ عيون الغربان، ويخيف البواشق.
وعندما تعرف أنني استدرجتها إلى ما أريد، تعود لتقول:
- انتبه لنفسك، يا ولدي، وانتبه من أجلنا، من أجلي أنا والدتك، التي تحملت الشقاء في الريف لكي تكبر، وانتبه من أجل إخوتك، بأمل أن يكون لهم طريق آخر غير الفلاحة، وتعب القلب ( شلعان القلب) لو صرت قادرا على أن ترعاهم في الدراسة، وانتبه لنفسك من أجل عابدة التي تنتظر تخرّجك، وعملك موظفا لتتزوجا حتما.
كانت عندما تقول ذلك، يشرق وجهها وعيناها، وتزادا ثقتها بنفسها، ويشرق معها وجهي وعيناي، ولكن خيال الوطن والشعب والأمة كان الأكبر والأكثر قدرة على الجذب، والنفس أكثر مطاوعة له، بل، كأنها في اختيارها كما لو كانت أسيرة له، ولم يكن أسرها لينفك لتكون في جانب من فعلها لنفسها، إلا عندما ترفع الغمة عن الوطن والشعب، ويشرق نورهما وقدرتها بهيين معافيين.

نسابقُ الريحَ ونطفي السعير
بمهرنا والليلُ داجٍ عسير

ونهزمُ الأعداءَ مهما طغوا
جميعهم صغيرهم والكبير

نقهرهم في صبحهم والمسا
نرديهم شيخهم والأمير

إن قام يوما قومنا إننا
أهلُ رماحٍ نحن فيهم غزير

نعدلُ المعوّج في حكمنا
ونرتضي الصادقَ فينا سمير

نطاردُ الباغين أهلَ الخنا
واللهُ يحمينا الغنيّ والفقير

ما همّنا الصوفُ لبسنا ولا
كنا لبسنا بعد ذاك الحرير

نلوي اللواتي هاجها روعها
ولا نشحَ مع ضيفنا والأسير


بعد أن بدا عليّ كأنني اكتفيت بما قلته لوالدتي في الحوار، عدت لأقول:
- إذا احترق درانا..
وعندما قلت ( إذا احترق دارنا) لم تنتظر والدتي أن أكمل الجملة، حيث قالت:
- بسم الله الرحمن الرحيم.. بعيد الشر.
عدت لأقول، بعد أن أكملت والدتي ذلك:
- إذا احترق دار، فهل أقف لأراقب النار، وأتفرج عليها، أم أحاول إطفاء النار، وأصيح على الآخرين لتجمعوا ويعاونوا في إطفاء النار!؟ وكذا لو جاءت الذئاب إلى ..
وكدت أقول إلى غنمنا، لولا أنني استدركت لأقول:
- لو جاءت ذئاب تفري بطون غنم، هل أصيح؟ أم أتفرج على منظرها وهي تقتل الغنم؟ أم أتصدى لها؟
أجابت والدتي:
- بل تباشر إطفاء النار، وأنت تصيح ليساعدك الآخرون، وكذا تتصدى للذئاب ريثما يتجمع ساكنو القرية.
عندها صحت بحرقة، كأنني أهم بأن أبكي مع قولي:
- إن العراق يحترق، يا أماه.. إنه يحترق.. لقد أحرقه الإنكليز بمعاونة من نسب نفسه إلى أهله، لقد أحرقوه، يا أماه، وأكلت الذئاب غنمه، ولم تبق لشعبه إلا العظام، وكلما ظهر فيه مشروع فارس وفرس.. خيل وفرسان.. أسقطوا الفرسان من فوق ظهور الخيل، قبل أن يتعلموا ( الطراد)، واستخدام الرمح والسيف، وقبل أن تشتد سواعدهم لحمل الراية، وقطعوا أرسن الخيول وتركوها نهبا للذئاب.. لقد أكلوا العراق.. أو أحرقوه، يا أماه، لقد قتلوا يونس السبعاوي، وفهمي سعيد، وصلاح الدين الصباغ..
ورحت أردد أسماء، وأنا ( أعضّ) على بداية شاربي، ودموعي تنسكب، وشاركتني والدتي البكاء عندما قلت هذا، خاصة عندما صرت أردد أسماء من تعرفهم، وكانت ترددهم على مسامعي، وهي تحكي لي عن خالي مال الله، وكيف، ولماذا اعتقل، وكيف ولماذا قتلوا الملك غازي! كانت تقول لي الشيء نفسه، بالمفردات نفسها تقريبا، مع فارق واحد فقط هو أن المدرسة أعانتني في استخدام المفردات التي استخدمتها بصورة مرصوفة أفضل ربما مما كانت تستخدمها، وفي السابق كانت تحكي لي عن أخيها مال الله الذي كان مسجونا بعد أن أصيب بشظايا الإنكليز، وأن أخاها مطلق السراح الآن، ومحال على التقاعد، وقد غادر أمله في أن يستمر ضابطا في جيش العراق، وصار مدير مدرسة أهلية، ثم مدير مدرسة الصناعة الرسمية، وفي السابق كانت تسمع كل هذه المفردات، أو كثيرا منها، من أخيها عندما كانت معه في بغداد، وأنا طفل، كانت تسمع تلك المفردات منه قبل أن يشترك في الحرب ضد الإنكليز، كانت تعرف رأيه في الوصي على العرش عبد الإله، وبشخصيات الحكم، أما الآن، فصارت تسمع المفردات نفسها، وإن جاءت بصوت ولسان آخر، من ابنها، كأنها وراثة في مواجهة السوء الذي يدهم شعبنا من الأجنبي.. في السابق كان العثمانيون الأتراك يقاومهم شعبنا، ومنهم أعمام أمي وأبوها، وصار الإنكليز هم الذين يقاومهم شعبنا الآن، ومنهم، بعد أخيها، ابنها، يا للوراثة والوارث!! متى الخلاص؟ عونك يا رب.. كأن والدتي قالت ذلك مع نفسها، بعد أن كفكفت دموعها، ولم تزد على ما قالته، سوى أنها قالت بإيمان، كأن كل حرف قالته تغمس في بئر زمزم، بعد أن امتزج بكل ما تعنيه الأم الطاهرة المؤمنة:
- حماك الله، يا ولدي، وحمى خالك.. وحمى العراق..

نسابقُ حتى الريحَ أو نقهر الردى
بمهر لنا لا يعرف الخوف أجردا

ونطفي لظاها كلما اشتدّ وهجها
ونبلغُ في أعلى أقاصيها المدى

ونهزمُ من قد رام غدرا بشعبنا
ونسمعُ من يجهل لنا حقنا الندا

إذا الحرب ذرت قرنها تستفزنا
فنحنُ أعاليها وفي الأسفل العدا


ولأول مرة قدمتني، وهي تدعو الله لي ولخالي، من غير أن تقصد.. لاحظت هذا ولم أعرف يومها، ولم أفهم أن الابن غالٍ مثلما الأخ، ومثلما يتقدم عند الأم والأب في الاهتمام أي من أولادهما الصغار، عندما يمرض، يأخذ أي من الابن أو الأخ، عندما يكون أقرب إلى الخطر من غيره، الاهتمام والتركيز بأسبقية الذكر والهواجس والدعاء، ومن ذلك الوقت لم تعد هواجس والدتي تنزاح عن صدرها، ولم تتوقف دموعها عن الجريان، إلا بفواصل صغيرة من الزمن.
*************
جاء القطار القادم من الموصل إلى بغداد، وصعدت فيه أنا وعدنان من محطة ( عنيقة)، وكان عدد من الطلاب المجازين قد ركبوا القطار قبلنا من بنت النهر، وكان عدد من الطالبات من بنات بنت النهر، الدارسات في دار المعلمات الابتدائية في بغداد آنذاك، يركبن القطار هن الأخريات بعد أن انتهت العطلة الربيعية، قاصدات بغداد من المحطة التي سبقت محطة ( عنيقة)، حيث أن عنيقة كانت واحدة من المحطات المؤقتة التي لا يتوقف القطار فيها إلا قليلا، وقد رأيت منظرا لم أستطع تحمله، فقد وجدت كل الذين ركبوا من محطة بنت النهر واقفين حيث لا توجد مقاعد يجلسون عليها، والأدهى من ذلك أنني وجدت أن أغلب من ينطبق عليهم هذا الحال من النساء، بينما يتمدد رجال نيام على المقاعد المخصص كل منها لثلاثة ركاب.. وعندما مشى القطار ولم يتغير المنظر، صحت بصوت مسموع:
- يا إخواننا النيام، ليجلس كل منكم على مقعد واحد، وليفسح المجال لجلوس اثنين معه رجاء.. ولكن أحدا لم يتحرك
كررت القول بصوت أعلى، لكنهم لم يعدلوا حالهم، بل رفع أحدهم رأسه، وكان ذا جسم ريان، وشارب أشقر، ورأس كبير، وعينين صغيرتين نفاذتين، بعد أن دفع إلى الوراء براحة يده قليلا من شعر رأسه المتهدل على جبينه، ووضع سبابته على فمه ليقول لي:
- (أس).. لا تزعجنا، دعنا نائمين.
عندنا قفزت عليه، وسحبت مسدسي من حزامي، وصفعت وجهه بقبضة المسدس، وأدميته، وصحت بهم بقوة:
- اخرجوا جميعكم من هذه العربة ( الفاركون)، واتركوها للنساء، وإلا سوف يندم من لا يفعل ذلك.

عشنا ولم نغلب دوما من الهوى
والخوف ما يلقى لدينا مركبا

كل غلبنا وهو في عنوانه
رعبا وأرعبنا لديه الركبا


عندها وجدت كل أولئك الذين كانوا يتظاهرون بأنهم لا يسمعون، أو يسمعون ولا يرعون، يهبون واقفين ويتزاحمون على الباب الذي أشرت لهم عليه، وهو الباب الذي وضعته أمامي، وظهري على الباب الآخر من العربة ( الفاركون)، لكي لا أترك لأحد فرصة أن يمر قريبا مني، وكنت أشهر مسدسي والشرر يتطاير من عيني، وكان عدنان يمسك بعصا غليظة لا أعرف من أين وكيف جاء بها، ويقف خلفي، وقريبا مني في الممر، وهو متهيئ لنزال.. صحت بالنساء الواقفات: أن اجلسن إلى جانب من بقين من النساء، وسارت الأمور بهدوء، ولكنني لم أستمر في القطار إلى بغداد، وإنما نزلت في محطة المشاهدة التي توقف فيها القطار قليلا، مثلما توقف في ( عنيقة) من قبل..
تركت القطار أنا وعدنان ونزلت هناك، وعندما قال عدنان مستفهما:
- لماذا ننزل هنا؟
قلت له:
- لو استمررنا ربما كان المعنيون قد سبقونا بشكوى باتصالهم ببغداد عن طريق مسئول القطار، ولذلك من الأفضل أن ننزل هنا.
ومن هناك ركبنا عربة تجرها الخيول إلى بغداد
 

 


يتبع الجزء الثالث عشر ....

 

 

 

 

إلى صفحة المقالات