بسم الله الرحمن الرحيم

08/05/1429

 رواية رجال ومدينه لكاتبها الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد 

الجزء الثالث عشر

 موقع النهى*

 بنفس الروحية التي ناقشت بها والدتي حول بلدي الذي يحترق، وأهله الذين تأكلهم الذئاب، كنت أناقش نفسي، وأنا أبحث عن سبيل للإنقاذ، وكان الأساس في ما كنت أتصوره هو أن أدخل الكلية العسكرية، أو كلية القوة الجوية، وبعد أن أتخرج ضابطا أقوم بانقلاب ضد الحكم الملكي والإنكليز، ولم أفكر بأن أنضم إلى حزب لأنني لم أهتدِ بعد إلى العنوان الذي يصلح لما في صدري وعقلي، بل ولطاقتي ونفسي أيضا.


عندما كنا في بنت النهر، ونحن لا نزال تلاميذ في الابتدائية، عرض علينا أحدهم فكرة ( الإخوان المسلمين)، ويومها كان عمري بين الرابعة عشرة والخامسة عشرة، ورغم أنني كنت معجبا بدور الإخوان المسلمين عندما واجهوا الإنكليز في قناة السويس وفق ما كنا نسمع من مثقفي المدينة ومن خالي، فإن أفكار الإخوان المسلمين لم تستقطبني، رغم أنني زرتهم في مكتبة أعدت لنشاطهم بصورة خاصة في بنت النهر، فانقطعت عنهم، ونصحت أبناء عمومتي بأن ينقطعوا عن مراجعة تلك المكتبة. ثم حاول شخص آخر في بنت النهر أن يعرض علينا منشورا للحزب الشيوعي، وهو يحكي عن الديمقراطية، والطبقة العاملة، حتى صار أحد أبناء عمومتنا يلفظها تبكيتا ( قمطراطية) أو ( قمطراطيات)، وصار ( سعيد) الذي قتل في شمال الوطن فيما بعد، في حركات التمرد، هزءا من الحضور، وهو يجلب صورة ستالين بشاربيه المعقوفين إلى الأعلى، ومع أن شاربي ستالين أعجبا قسما من الأولاد أو الشباب الحضور، ولكننا لم نجد داخل أنفسنا أي صلة حية وحارة مع ما قرئ علينا، ذلك لأن ما قرئ علينا كان أجنبيا أيضا، بالإضافة إلى أن الدعاية بالغت ضد الشيوعية ومنهجها الإلحادي آنذاك، حتى أن الانطباع لدى أبناء بنت النهر كان أنهم يتزوجون أخواتهم.

إن ما نفرنا من ( حزب) الإخوان المسلمين وأبعدنا عنهم هو أن جل ما كنا نسمعه منهم هو أنهم يدعون إلى الإيمان وقراءة القرآن ولا شيء آخر، وأن أحدهم كان يجوّد أو يرتّل آيات القرآن الكريم، وكانوا يفكرون ويتصرفون كأنهم ينوءون تحت إرث ثقيل مع أنه ثمين، ولكنهم لا يستخدمونه لإحياء الإنسان في الحاضر، وإنما ينوحون فقط على الماضي وذكرياته..، وفيما كنا نبحث عن الثأر من اليهود لتحرير فلسطين، ونبحث عن الطريق للثأر لأبطال العراق الذين أعدموا بعد فشل ثورة العراق ضد الإنكليز عام 1941، ونبحث عن طريق يخلص شعبنا من البؤس الذي كان فيه، ونزرع فيه روح الوثبة باتجاه أهداف تتصل بثورة روحه على الواقع المر، والتطلع إلى المستقبل، بغد تغيير الحاضر ضمن خصوصيات أمتنا، كانوا يتحدثون لنا عن حسن البنا وجماعته في مصر، وفي الوقت الذي كانوا يتحدثون فيه عن ضرورة قراءة القرآن، ويقرأون لنا كتبا لم نكن نفهم معناها عن فتاوى دينية في أمور لم تكن ضمن اهتمامنا في ذلك العمر، فإن كل واحد منا يتذكر أن في بيته، حتى في الريف، قرآنا كريما، وأن الكل يذكرون الله، وإن كان قلة هم الذين يداومون على الالتزام بالشعائر الدينية بصورة نظامية، ومنها الصوم والصلاة، ولكننا كنا نتذكر أحد أعمامنا يملأ القرية بصوته العالي وهو يقرأ القرآن وقت الظهيرة.

وإن ما نفرنا أبعدنا عن الحزب الشيوعي هو أن قائده فهد من أصل أجنبي فهو أفيلي من أصول فارسية، كان في الاتحاد السوفيتي، وأرسل من هناك رئيسا للحزب الشيوعي العراقي، إذن هو أجنبي مثلما الإنكليز المستعمرون أجانب، وإن كارل ماركس، صاحب النظرية الشيوعية يهودي ألماني، وإن لينين، مكمل نظريته التي صارت تعرف بـ (الماركسية اللينينية) كان متزوجا من يهودية، مما يفسر السبب الذي جعل الاتحاد السوفيتي أول دولة في العالم تعترف بالكيان الصهيوني عند قيامه في عام 1948..

وكانت منشورات الحزب الشيوعي العراقي تتحدث عن أمور لا تهم أبناء بنت النهر، ولم تكن من اهتمامات العراقيين، إنهم يتحدثون عن الطبقة العمالية وحقوقها، ولا يأتون بذكر على حقوق الفلاحين، في الوقت الذي لم نكن نعرف من العمال في بنت النهر إلا اثنين كانا يكنسان بعض الأزقة، هما ( شيمي وسعيد)، وكانا عندما يكنسان الطريق، ويجمعان ترابه، يهملانه إذا لم يأتِ الحمار وعليه ( السابل)، ليضعا فيه ما كنساه، ويذهبا به إلى إحدى الحفر خارج المدينة، ليستفاد منه بعد أن يتجمع كسماد لزرع الشواطئ، بعد أن يمر عليه موسم الشتاء.. فأين هي المصانع والمعامل آنذاك، ليس في بنت النهر فحسب، وإنما في العراق كله، لتتشكل منها طبقة تأخذ الأسبقية في البناء الإيديولوجي والسياسات المرتبطة به!؟ وكيف يمكن أن يهمل الفلاحون وتهمل فلسطين، ويهمل الجانب القومي، والقيادة القومية النابعة من روح الأمة؟، وقبل هذا، وفوق هذا، كيف يمكن لعربي أصيل، يعتز بتراث أمته الخالد، وبدورها الإيماني العظيم، أن يتجاهل الموقف الإلحادي للماركسية اللينينية؟ كل هذه التساؤلات وغيرها كثير، كانت السبب الأساس لنفورنا، وابتعادنا عن الحزب الشيوعي من أول عرض لمن مثله آنذاك.
ومن يومها طردنا سعيد.. وبعد محاولته تلك معنا، لم أره، حتى سمعت فيما بعد أنه قتل في شمال الوطن..

تناقض العثّ في الأوصافِ والنحل
كل يقال له ما يحسن القولُ

لا يرحم العثّ شيئا قد يحيط به
والنحلُ يصبحُ من أضداده النذلُ

والعثّ مخربة في كل زاوية
فيها يمرّ وفيها يقطع الحبلُ

هذا بخيلٌ شحيحٌ كله ضررٌ
والنحلُ تهفو إليه النفسُ والطلُّ

كذا عدوا لنا كالأرضة انتشرت
ونحن في أرضنا يا سائلي نحلُ

سبحان من خلق الأضداد مقتدرا
في كل وقتٍ له الإحسانُ والفضلُ


 وعندما سألت خالي مال الله عن حزب الاستقلال، بعد أن اطلعت على نشريات أو صحف له، تركها خالي في السرداب الذي كان ينام قيلولته فيه، عندما كنا في بنت النهر، وقبل أن ينقل خالي إلى مدير للتفيض الأهلية في خانقين على ما مر ذكره، ورغم أن خالي قال: إن حزب الاستقلال حزب قومي، ولكنني، وهو يشرح لي أهدافه ومبادئه، لاحظت أن خالي لم يقلها من قلبه وكل كيانه، لذلك لم أهتم به، وبقيت أفتش عن الطريق، وبعد حين اهتديت إليه في بغداد، اهتديت إلى الطريق الذي منه نرى الأمة، في الوقت الذي ولد من رحم الأمة، وخطته روحها على جدران بغداد، وهل ثمة طريق يرفع الأمة بعد أن تلده لا يبدأ من بغداد، أو يستقر، بعد أن يرتكز على أرضيته الرصينة فيها، حتى عندما تكون بدايته الأولى خارجها؟ أليست بغداد سرة العراق، وضمير الأمة؟ ألم تبدأ الخليقة بولادة النبوة في العراق؟ ألم ينتشر إشعاع أي شمعة وقنديل ضوء في أي بقعة في العراق، ليضيئا أرجاء الوطن الكبير كلها، ويتعديا ذلك إلى ساحة الإنسانية؟ أليس في بغداد سر الدنيا والحياة، ومجمع عقل الكون، والحياة موروثة عن قرون وقرون منذ سومر وآكد وبابل واشور؟ أليس بغداد وريثة أول حضارة فتحت للإنسانية شباكا للرؤية، تهتدي إليها وبها حتى العيون العمياء؟ وفتحت على عقول الإنسانية منافذ لتعقل، وتشاء وتؤمن، بعد أن ترى فتجيب!؟

نعم، في بغداد رأيت الطريق.. جاءني في أحد أيام عام 1956 من يعرض علي الانتماء لحزب البعث العربي الاشتراكي، ويجيب عن أسئلتي، وبعد أن وضح، وكان يومها طالبا في الصف الذي يسبقني في المدرسة، قلت له: لنتحاور غدا، وكان في ذهني أن أستكمل المعلومات عن الحزب، رغم أن ما عرضه علي كان قد لامس نفسي وروحي.. إن حزب البعث حزب من الجماهير.. من الناس أبناء العروبة، ومثلما لديه فرع في العراق، لديه فروع في كل قطر عربي، وإن أهدافه هي وحدة العرب من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي في دولة واحدة، تكون القيادة فيها لمن هو أفضل، وفق ما كان عليه العرب قبل أن يجزئهم ويشرذم دولهم الاستعمار الغربي، وإن الحكم الحالي في العراق عميل للأجنبي، وأنه ليس بمقدوره، بعد أن رهن نفسه بإرادة الأجنبي، إلا أن يطاوع الأجنبي على كل ما يسيء للشعب والوطن ولا يعزهما، هكذا قال لي ممثل الحزب.

*************
 

 أرجأنا كلامنا إلى اليوم التالي عند هذا الحد.. وبعد انتهاء الدوام، تناولنا طعام الغداء مع خالي، واستأذنت منه لأنتحي به جانبا، وبعد أن استجاب خالي، جلسنا في غرفة منعزلة، وسألته عن الحزب من غير أن أقول له ما دار بيني وبين من فاتحني للانضمام إليه، قال:
- إن ما أعرفه عن هذا الحزب أنه حزب قومي، وأنه يدعو إلى الوحدة والحرية والاشتراكية، وهو حزب نظيف وقيادته نظيفة، وإن قيادته العامة – هكذا قال، ولم يقل قيادته القومية- في سوريا، وكلهم عرب، وهو حزب شباب، وكذلك أغلب من يقولون به، وليس له علاقة بالحكومات، ويدعو إلى الثورة على الاستعمار الغربي.. الخ
قلت لخالي:
- لو كنت شابا، وعرضت عليك الأحزاب التي تعرفها في العراق، فهل تميزه وتنتمي إليه؟
أجاب خالي:
- نعم، أفعل هذا.

ورغم أن خالي في السؤال الأخير عرف قصدي، وكان في جوابه كأنه يشجعني على الانتماء إليه، رغم أن سؤالي لم يترك له مناورة في هذا الموضوع، لم يسألني عن السبب الذي دعاني لأن أسأله عن حزب البعث، ولم يذكرني بهذا لاحقا أبدا.

شكرت خالي، ونهض بعد أن كان جالسا، ووقفت مع نهوضه، وانصرف إلى غرفته، وذهبت إلى غرفتي التي كنت أشغلها مع عدنان، وهي غرفة تشكل ركن بيت ( عريبي الكبر) وتطل على ( الدربونة) من فوق مدخل الدار نفسه، علما بأن دارنا ( دار خالي) هذه كانت بالأساس نهاية ( دربونة)، أي نهاية شارع مغلق، وكأنها تشكل في نهاية الشارع سدادة القنينة فيه، ولكننا تركنا هذه الدار كما قلت، واستأجرنا دارا أخرى مطلة على نهر دجلة، قبالة وزارة الدفاع، بجوار بيت حميد ( أبو سنون)، ,المقصود ( أبو الأسنان)، استعارة من مهنته طبيب أسنان، ولأن اهتمام العراقيين بأسنانهم جاء متأخرا في ذلك الوقت، لم تكن مكانة طبيب الأسنان كمكانة طبيب الباطنية.. وإلى مسافة من بيت حميد أبو سنون، وهو جار طيب، وفي الجهة المقابلة لبيته يقع بيت عارف السويدي، وزير المعارف (التربية) السابق، وشقيق توفيق السويدي رئيس الوزراء، قبل قيام ثورة تموز 1958..

جلست في غرفتي أستعيد كلام الطالب الذي فاتحني بالانضمام إلى الحزب، وأعيد كلام خالي مال الله، ولم أجد تناقضا بينهما، إذن كان الشخص الذي فاتحني صادقا في ما تحدث لي عن حزبه، هكذا قلت في نفسي، ثم رحت أقلب الأمور وأتساءل: هل يعمل هذا الحزب على قلب نظام الحكم العميل في العراق؟ أم ينادي بشعارات، وينشط ثقافيا وإعلاميا فحسب!؟ كيف تتم الوحدة العربية؟ وما هي الاشتراكية؟ وهل هي مستنسخة من مرحلة ما من التراث فحسب؟ أم حالة أخرى، متجددة بروح الأمة، ومقتضيات المرحلة وفق اجتهاد، وإن انطلق من الأصل كنبع لروحه، ومسند ظهره، ولكنه يأخذ لون مرحلته؟ وما هي يا ترى!؟

أسئلة وأسئلة.. ولكنني توصلت إلى ما يقرب من أن يكون قرارا نهائيا بأن هذا الطريق هو الطريق الذي تفتش نفسه عنه قبل أن تراه عيناي، ويقبل به عقلي.. كان نومي يتخلله ما يوقظني على غير ما اعتدت عليه عندما أنام، وما إن بزغ الصباح، وبعد أن صليت صلاة الفجر، وكنت هذه المرة قد توضأت قبل أن يستيقظ خالي وعدنان وجدتي وخالاتي وزوجة خالي وعابدة، وبعد أن تناولنا طعام الإفطار مبكرا، حيث أن خالي يعبر نهر دجلة من الشريعة القريبة إلينا إلى ( الصوب) الضفة الثانية من النهر، ومن هناك يركب ( باصا) حتى يصل مدرسته، أما أنا وعدنان فغالبا ما نخرج معا، وأحيانا نخرج على التتابع من البيت حسب نشاط كل واحد منا.. وكان ذلك في بداية سنة دراسية على ما أتذكر.. وبعد أن وصلت المدرسة، وجدت صاحبي هنا، انتحيت بها جانبا، وبدأت بتوجيه الأسئلة إليه وهو يجيب، ثم عندما دق الجرس الأول معلنا بداية الدوام الصباحي.. تواعدنا على أن نلتقي في الفرصة الأولى، وهكذا فعلنا، ثم في الفرصة الثانية، وقبل أن يدق الجرس قلت لصاحبي:
- نعم، أقبل أن أنتي إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، وسيكون انتمائي إليه بكل كياني وروحي، ولن أحيد عن مبادئه لإعلاء شأن الأمة والشعب.. وكان ذلك في العام 1956..
سرّ صاحبي كثيرا، وصافحني قائلا:
- على بركة الله.

قلت:
- على بركة الله
أعطاني نشرة عنوانها ( بماذا تتسم حركتنا)، وفرحت بها كثيرا، وقبل أن أتمعن في معنى ( الحركة) أو ( الحزب) عندما قرأت أن من سمات حركة ( البعث)، عرفن أن اسم ( الحركة) هذا سبق اسم ( الحزب) بتاريخه أو تسلسله الزمني، أو أنه جاء هكذا، ويقصد به الحركة العامة داخل الحزب أو حركة الحزب في المجتمع، على أية حال، فرحت عندما وجت أن هذا الكراس يتحدث عن ( الانقلابية) وبعد أن محصت وجدت أن القصد ليس الانقلاب العسكري، وإنما انقلابية الإنسان داخل نفسه ليصير حالة جديدة بانتمائه، ومعها وفيها دور الإنسان المنقلب داخل نفسه، والمنقلب على أي سلبي فيها في المجتمع، وجعل المجتمع ككل ينقلب، بمعنى الرفض للمهترئ البالي، وكل ما هو سلبي في الحياة الاجتماعية، والسياسية، وغيرها، ببديل يعزّ الأمة والشعب ويرتقي بشأنيهما بعد أن يرتقي بمهمتيهما ودوريهما..
وبعد ذلك بدأت مرحلة جديدة من حياتي.

تلاقح الغيمُ حتى أنجب المطر
وابن أنهارنا الحبلى هو البحرُ

واستنفرت همة كانت مشتتة
فكان من أمرنا في أمرها خيرُ

نحنُ العراقُ ولدنا هاهنا وبه
من أمةٍ شاء أن يعلو بها القدرُ

من خير من أخرجت للناسِ قاطبةً
يهابها البغي والطاغوتُ والكفرُ

سبحانك الله قد باركت تربتهُ
أمواهه عذبةٌ، أبناؤهُ الدررُ

الرافدان وما أدراكَ شعبهما
بداوةٌ كثرةٌ والأكثرُ الحضرُ

خابَ الظلامُ وفينا نورُ القمر
والشمسُ بانت وولى عامنا العسرُ

راحَ التنائي فهذا عامُنا النضرُ
والجدب غابَ وجاءَ الخيرُ والمطرُ

وأقبلت نحونا ليلى كساريةً
يحفها الطيرُ والأنوارُ والسحرُ

جاءت إلينا كما شاءت على عجلٍ
بالفجرِ يعبقُ من أردانها الزهرُ

الأرضُ تندى لنا في كلّ خطوتها
يفوحُ مسكٌ بها أو يورقُ الشجرُ

ونحنُ ندى لها في غيرنا عدمٌ
جدباء لا ربعها ينمو ولا خضرُ

وجندنا كلهم فخرٌ ومكرمةٌ
لو يستقونَ سماء يهطلُ المطرُ

ونحنُ رمحٌ لها لو سار سائرها
نحشمُ القومَ أن قد جاءكم خطرُ

فلا نجيبُ ولا ترجى شجاعتهُ
من خافَ من هزبرٍ أو مسه خورُ

ولا يودُّ الذي من لا عهودَ لهُ
ولا حبيبٌ بسرٍّ منه ينتشرُ

ولا أصيل ولا ترجى حميته
من يجهلُ الجدَّ أو يودي به الضررُ

وليس نجماً إذا ماتَ الضياءُ بهِ
ولا كمياً إذا ما هزهُ الخطرُ

أنا وأنا وكلُّ المكرمات لنا
من مزننا هطل في أرضنا المطرُ

*************


 بدأت كسب الأقربين إلي، وكانوا كلهم أكبر سنا مني عدا عدنان، وكسبت عدنان، وكسبت خالي عبد اللطيف، وكسبت خال أمي محمد صالح، وكسبت علي الرشاد في بنت النهر، وكسبت أخي همام، ولم أعرض الانتماء على خالي مال الله، لأنه كان كبيرا في السن قياسا بما كان عليه شباب الحزب آنذاك، ولأنني قد لا أكون مستعدا لأجيب خالي مال الله عن كل ما يقنعه، مثلما فعلت مع الآخرين. وكسبت عددا من طلاب المدرسة.. ولكن المسؤول الذي تكفلني بعد أن قبلت الانتماء كان يدعوني إلى عدم التوسع.. وكنت كلما كسبت واحدا رفعت اسمه إلى مسؤولي مع كلمة سر ليرتبط به الحزب، وما إن أعطي أيا منهم كلمة سر، حتى ينتهي دوري في التعرف على نشاطه، بما في ذلك أنني لم أكن أسأله متى؟ ومن جاء مسؤولا له؟ وكيف؟ كنت لا أقبل لنفسي هذا، ولا أقبله لأحد، إذ طالما كان العمل سريا، فليكن سريا بكل معنى الكلمة.. ولم أكن أناقش أيا من الذين أكسبهم في أي شأن حزبي، بعد أن يجري ترحيل تنظيمهم ومسؤوليتهم، بمن في ذلك عدنان الذي كنت أسكن معه في بيت واحد، وننام في غرفة واحدة، ومن الطبيعي أن أكسب عابدة.. بعد أن صارت أجواء البيت بعثية..

*************

 
 " عندما تترك جيفة حولك، تكون أول من يشم رائحتها"..
بدأ العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، في نفس السنة التي انتميت بها للحزب، كان أحمد سعيد يحثّ العرب بصوته القوي على الثورة، ويخص الحكم في العراق بثقل أساسي في تعليقاته من إذاعة صوت العرب، وقبل انتهاء الحرب.. وأثناءها.. كانت كل مقهى، وكل بيت، يفتح المذياع على صوت العرب، عدا من لم يكن لديه مذياع أو اهتمام بالسياسة، وكانت العوائل تتجمع حول المذياع، وكذلك يترك رواد المقاهي أماكنهم ليتجمعوا حوله وينطلق الصوت: ( صوت العرب من القاهرة) متحدثا عن المقاومة في بور سعيد، وعن الإنذار الروسي بالانسحاب متوافقا مع الموقف الأمريكي، وكأن الأمريكان وجدوا الفرصة على الاستعمارين البريطاني والفرنسي ليهووا على نفوذهما في الشرق الأوسط بهراوة ( كاو بوي)، كان قد هيأ نفسه بين الأدغال، لينقض على فريسة كانت تتحسب من أن تكون ضربتها منه..
كان الشارع في العراق يلتهب، وكانت العواطف تغلي، وقد شخص العراقيون تشخيصا دقيقا، في الوقت الذي كانت المعارك تدور مع العدوانيين البريطانيين والفرنسيين واليهود الصهاينة هناك، عندما تصرفوا مؤكدين أن معركة مصر تحتاج إسناد العرب، ليس بالتأييد اللفظي، وبالمظاهرات، ورفع الشعارات المؤيدة لمصر والمنددة بالعدوان، على أهميتها، وإنما بالعمل على إزاحة عملاء الأجنبي في كل عاصمة عربية، ودفن جيفهم التي صارت تملأ أجواء الوطن الكبير، وهكذا خرجت تظاهرات من الكليات والمدارس، وكان جانب الكرخ، وبالذات ثانوية الكرخ للبنين، كأنها مركز إشعاع، وفتيل أساس لتفجير الغضب الجماهيري في جانب الكرخ، وكان الغضب في ثانوية الكرخ للبنين يتفجر، ويتفجر معه الغضب في ثانوية الكرخ للبنات، التي لا يفصل بينها وبين الأولى سوى شارع فرعي، عرضه لا يزيد عن اثني عشر مترا، وعندما يخرج طلاب وطالبات المدرستين، يمتزج مع نبضيهما نبض الشوارع المجاورة، وتتدفق من الأزقة الشعبية موجات من الناس، فيتكون بركان ( الغضب الكرخي)، ويتجه لو أراد إلى رأس جسر الشهداء، وعندما تنطلق تظاهرة في جانب الرصافة، يلتقي ( الغضب الكرخي) مع ( الغضب الرصافي)، القادم بتظاهرة من الكليات تتجه إلى شارع الرشيد، وعند ذاك، يغص شارع الرشيد بالجماهير، وتصنع الجماهير ملحمة الموقف القومي.. وتعلو الهتافات ( يسقط نوري السعيد، يسقط حكم العمالة.. يسقط عبد الإله) وكأن الشعارات التي على أساسها قامت الثورة الوطنية عام 1941 عادت للحياة من جديد.. وكأشعار لبدء التظاهرة، كان يكفي أن تلقى لفافة صغيرة من مخلوط النورة والزرنيخ، في داخله حصى صغير، ينبعث منه انفجار كبير بعد قليل، ليخرج الطلاب من الصفوف، ويتجمعوا في ساحة المدرسة، ويبدأ أحدهم بالهتافات، ثم تنطلق الحناجر مدوية..وتتجه جموع الطلبة إلى الباب الخارجي للمدرسة، وعندما كنا نجده مقفلا، وهو باب ضخم من الحديد المشبك، تهزه سواعد الجمع عدة مرات حتى ينفلت القفل من موضعه وينفتح، وما إن يفتح باب مدرسة الكرخ للبنين، ويتظاهر طلابها خارجها، حتى يندفع من التظاهرة عدد من الطلاب، راكضين ليفتحوا باب ثانوية الكرخ للبنات فتتكون التظاهرة..

كان الحز سيد تظاهرات عام 1956، بع أن أفلت، أو كادت، نجوم الأحزاب الأخرى، وصعد نجمه الشاب إلى سماء استحقاقه، ومن الطبيعي أن نكون أنا وعدنان من بين المتظاهرين.. وكان عدنان يهتف مع من يهتف.. أما أنا فغالبا ما كنت أتجنب الهتافات كأنني أخجل من أن أطلق صوتا ضد جهة لا أراها، أو أن أستبد الفعل بالقول، وما إن تبدأ التظاهرة في الكرخ، حتى تتدفق جموع الشرطة لتحيط التظاهرة، لمنعها من السير في الشوارع، لأنها كلما سارت بعيدا عن المدرسة، ازداد عدد المنضوين إليها من الشعب، وكانوا يعتبرون اتجاهها إلى شارع الرشيد، والتقاء الكرخ بالرصافة هناك، هو الحلقة الأخطر في الفعاليات الجماهيرية، وعندما تبدأ الشرطة باستخدام الهراوات، أكون في مقدمة من يرمي الطابوق والحجارة على الشرطة، لنفتح المجال للمتظاهرين ليسيروا، ونحمي العنصر النسوي، لكي لا يصيبه سوء..

وفي أحد الأيام، بعد أن كانت التظاهرات تخرج كل يوم بهذه الطريقة، حصرت أحد رجال الشرطة، وأنا أتقرب منه وأرجمه بالحجارة، حتى أدميته، ومع أنني أعرف عقليا ومبدئيا أن رجال الشرطة ليسوا أعداءنا، وإنما الإنكليز وأذنابهم الحكام والنظام الملكي، ولكن عندما يبدأ القتال، يصير من يحول بين الجمع وأهدافه كأنه العدو في الميدان، تماما مثل قتال بين جيشين ملتحمين في معركة، فإن الجندي في أي صف فيهما لا يعود يتذكر دائما وتفصيليا الأهداف الكبيرة التي يقاتل من أجلها، وإنما مواجهة من يواجهونه في الميدان والانتصار عليهم.. وإن قتل أي واحد من الذين يواجهونه، كأنه حالة دفاع عن النفس.. فيكون تحت وطأة ( ارمي لتقتل قبل أن ترمى فتُقتل)، وفق روحية هذا التفسير، وإن كانت مشاعر المتظاهرين تتجه إلى صورة أخرى أحيانا، في غمرة إرهاصات التواصل الميداني مع التفاصيل، حتى أن الشرطي الذي يسيء إلى المتظاهرين، يتحول ويصير كأنه الهدف الذي لا بد منه في تلك اللحظة للمتظاهرين، فتحل روح الانتقام بدلا من روح الثورة.. ومثلها يتحول المتظاهرون كهدف للشرطة عندما يقتل أحدهم، أو قسم منهم، وهكذا كان الميدان يتحول، إلا القليل منه، إلى ما يمكن وصفه بـ ( الشرطة أعداء الشعب، والشعب أعداء الشرطة).. ولذلك عندما كان المرء ينغمر في المعركة، يعتبر عدوه من يواجهه، وليس أولئك الخونة الذين يجلسون على ما سمي عرشا لهم، ولم يكن في حقيقته إلا مخبأ سوء لخدمة الأجنبي..

كنت في تلك اللحظات أتعامل مع رجل الشرطة الذي حصرته في زاوية، وفق هذه المشاعر، وبعد أن رأي أن التهويم بالمسدس باتجاهي من غير إطلاق لم يجدِ نفعا، وأنني مستمر في تسديد أنصاف وأرباع الطابوق نحوه، واقترب منه، خمن أنه سيكون في خطر، رغم أن التظاهرة كانت بعيدة عني نسبيا، حيث كنت أتقدمها مع آخرين خلفي لأصطدم برجال الشرطة، أطلق النار باتجاهي مرة وثانية، ولكنه لم يصبني، رغم أنني لم أكن بعيدا عنه، وما إن وجد رجال الشرطة أن صاحبهم في خطر، حتى تجمع عليّ عدد منهم، محاولين تطويقي والإمساك بي، وربما تصوروني المسؤول الحزبي للمدرسة، ولكن المتظاهرين هجموا عليهم فتراجعوا، ومع استخدام الهراوات والرصاص الذي كان يصيب كل يوم عددا من الطلاب، كان أفراد الشرطة يستخدمون الغاز المسيل للدموع، وعندها تسعفنا البيوت المجاورة بالنفط الأبيض وقطع القماش، نغمسها فيه ونزيل بالنفط الأبيض ( الكيروسين) ما حول العينين والأنف، لنخفف تأثير الغاز المسيل للدموع، ويتناول بعض المتظاهرين القنبلة المسيلة للدموع، وهي ( تبحث) على الأرض، قبل أن تستنفذ وقودها، ويرميها باتجاه الشرطة، ليكون تأثيرها عليهم، وفي إحدى التظاهرات، وأنا أصطدم بالشرطة، على هذه الكيفية، سمعت عابدة تصيح من خلفي:
- صالح.. صالح..
وعندما التفت نحو الصوت، وجدتها تشير إلي، أن أترك المكان وأتبعها إلى البيت!! كأنها في هذه الإشارة قد قلقت عليّ.. ولكنني قلت لها:
- اذهبي من هنا، ولا تبقي، اذهبي، يا عابدة إلى البيت..

وعدت لأنشغل في معركتي مع رفاقي وأبناء الشعب.. وهكذا ترون أن أول من استخدم الحجارة في المعركة ضد الاستعمار الغربي.. وعملائه.. هم العراقيون.. أليست هذه هي إحدى المظاهر التي تعطي تفسيرا للعلاقة المصيرية بين العراق وفلسطين، هو والموقف القومي الأصيل في إسناد شعب مصر؟، بحيث يسيل، مع الدم الذي سال في بور سعيد وأماكن أخرى من مصر، الدم العربي في بغداد ومدن العراق الأخرى، وبنفس الرصاص الذي أصاب مصر والمصريين؟ ألا يذكر هذا بالعمق الذي يجعل شعب العراق البطل سباقا في إسناد رجال الحجارة في فلسطين, واعتبار فلسطين والعراق حالة واحدة في خندق القتال ضد الصهيونية، ومن يدعمها من الغربيين..!؟

بعد أن يئست الحكومة من تمكن الشرطة من قمع التظاهرات وحدها، حاولت أ، توحي للمتظاهرين بأن الجيش معها، وراحت تستخدم الجيش بطريقة مظهرية استعراضية، بما يوهم بأن الشعب سيظن عندها بأن الجيش مع النظام العميل، وقد بعثوا لنا في إحدى التظاهرات، إلى ثانوية الكرخ، بعد أن خرجنا إلى الشارع، بضابط جيش برتبة عميد أو عقيد، ليهدئ التظاهرة، وما إن رآه المتظاهرون وعرفوا أ،ه ضابط من الجيش، حتى حملوه على الأكتاف، وصاروا يجولون به أمام المدرسة، وهم يهتفون للجيش والشعب، ويهتفون ضد الحكم.. وبالكاد أقنع المتظاهرين بإنزاله عن الأكتاف، وغادر ولم يعد مرة أخرى..

وأمام عجز الحكومة عن مواجهة التظاهرات في العراق كله، عطلوا المدارس، وقبل ذلك، وبعد أن أطلقت الشرطة النار على المتظاهرين من طلاب مدرستنا، ومن تجمع معهم من الشعب، مستخدمة الهراوات، والغازات المسيلة للدموع، انفضت التظاهرة.

وقبل أن أعود إلى البيت، كان عدنان قد وصل إلى هناك، واخذ مسدس خالي مال الله، واتجه إلى مكان التظاهرة، وفي نيته وما قرر أن يطلق النار من مسدسه ذد الشرطة هناك، وقد قلقنا عليه، وكان قلقي اكبر، لأنني خمنت أنهم سيقتلونه إذا أطلق النار عليهم، وقد ذهبت مع من ذهب في أثره نفتش عنه، كان وضع النساء في البيت محزنا، بل مأساويا، ولكن القدر لطف بلطفه، إذ وجد عدنان أن الشرطة انسحبوا من المكان ولم يبق أحد، فعاد أدراجه، وبعد أن عدنا معا، أنا وهو إلى البيت، انتحيت به جانبا، وقلت له:
- إن الأساس يا عدنان.. يا رفيق عدنان.. هو أن نشعر الحكام بأن الشعب ضدهم، وان نعطي إشارة واضحة للجيش أن الشعب يرفض الحكام، وأن نشعر شعب مصر بأننا معه في الخندق نفسه، وإن بعدت المسافة بين القاهرة وبغاد، وأن شرايين القلوب ونبضها وعمق التاريخ المشترك لا تعطل الفعل المشترك لأصحابه كأبناء أمة واحدة تعبيرا عن المصير الواحد، مهما كان بعد المسافات.. وأن الشرطة ليسوا الهدف الأساس، وإنما نظام الحكم والحكام، وقد تحقق هذا بما قمنا به كطلاب مدارس.. ثم ألم نتفق، أنا و أنت، على أن ندخل الجيش لنقوم بدورنا في إعلاء شأن الأمة والشعب من خلال المبادئ التي نحملها!؟.. إنك لو استخدمت مسدسك لكنت أفسدت كل هذا، وستعتبرك الشرطة عدوهم في لحظة دفاع عن النفس، مثلما اعتبرتهم أعداءك لو أطلقت عليهم الرصاص، وقد يقتلونك، ومع أنني أؤمن بأن من يسعى إلى نتيجة جدية في النضال، لا بد أن يكون مستعدا للتضحية، ومن ذلك، أو في مقدمة ذلك، التضحية بالنفس.. إلا أن نفس المناضل ليست حالة مستوردة أو هامشية، ويمكن التفريط بها من غير أثر جدي، وفق خطة تحقق الغرض الذي يريد المناضلون تحقيقه، إنك بهذا تكون كمن يقدم نفسه في غير الوقت المناسب لتقديمها.. أرجوك أن لا تفعل ذلك بعد الآن.. ولا تجعل بيتنا ينقسم، إن تصرفك سيجعل النساء لا يقفن إلى جانبنا كما ينبغي، حرصا عليك، وقد يجعل هذا خالي مال الله قلقا من تصرفنا، إذا اعتبره من النوع الذي لا يقدر المسؤولية، ولا يعرف هدفه كما يجب.. وإنك تعرفني، وتعرف أنني أجيد استخدم السلاح أفضل منك، وأنني أملك مسدسا وبإمكاني أن أستخدمه، وإن تجربتي ربما تجعلني أكون قادرا على الإيذاء لو استخدمت السلاح، أكثر من احتمال أن أؤذى، ومع ذلك لم أفكر في استخدام السلاح.. إن السلاح أمانة في جوانب من مفاهيمه لدى المقاتل، ولذلك عليه أن لا يستخدم هذه الأمانة إلا من أجل هدفها الصحيح وعلى أساس توقيت صحيح.

ومن يومها وعدني عدنان بعدم استخدام السلاح، ولم يستخدم سلاحا بعد ذلك.. إلا وفق هذه المفاهيم.

 

 

 

 

 يتبع الجزء الرابع عشر

 

 

 

 

إلى صفحة المقالات