بسم الله الرحمن الرحيم

08/05/1429

 رواية رجال ومدينه لكاتبها الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد

 الجزء الرابع عشر

 موقع النهى*

تعطلت المدارس وذهبت أنا وعدنان إلى رمز القرى، ولم نعد مرة أخرى إلى بغداد.. إلا بعد أن أذيع بيان بعودة افتتاح المدارس ثانية، وبعد أن بقيت مقفلة عدة أسابيع.. وعدنا إلى الدراسة، ولا بد للتظاهرات التي خرجت تأييدا لمصر ولموقف عبد الناصر، ومواجهة الحكومة للمتظاهرين بالنار.. والعدوان الثلاثي على مصر، وموقف الحكومة في بغداد الموالي للغرب، وقبلها هزيمة، بل تواطؤ الحكومات العربية في قضية فلسطين، وما سمي بهزيمة العرب وجيوشهم أمام شرذمة الصهاينة المجرمين المسلحين في فلسطين، وثورة العراق الوطنية عام 1941، من أن تكون كلها قد شكلت خلفية محفزة للجيش ورجاله الوطنيين، ليفكروا في الثورة..

مر عام 1957، وبسبب انشغالي بالعمل الحزبي، لم أحقق نتيجة العفو الشامل بالدروس كلها، وإنما بدرسين فقط، هما: الرياضيات، واللغة الإنكليزية، اللذين حصلت فيهما على معدل العفو الفردي، أما باقي الدروس فقد امتحنتها بصورة اعتيادية، ونجحت إلى الصف الخامس، وكان المرحلة الأخيرة في الثانوية، وقبل أن أتجه إلى رمز القرى، التقيت مسؤولي الحزبي، وقلت له:
- لاحظت أن مدينة بنت النهر تخلو جدرانها من شعارات الحزب، وأحسب أن هذا غير جيد.. لقد أثبت الحزب جدارة في تعبئة الشعب في عام 1956 و 1957، وهذا العام 1958، وكان متميزا في موقفه على الحركات والأحزاب السياسية كلها، مما يقتضي أن لا يكتفي فقط بالوسائل المعتادة، التي يجري من خلالها كسب أناس للحزب وتنظيمهم.. وأنا أعرف أن للحزب تنظيما سريا في بنت النهر، ولكن ما هو الضير في أن تعرف شعارات الحزب وأهدافه وكل ما يعبئ الشعب على منهجه، عن طريق كتابتها على جدران الأبنية المهمة في المدينة؟

ورغم معرفتي أن ليس هناك جدران في بنت النهر لأبنية مهمة تصلح لتكتب عليها الشعارات، بالقياس النسبي بما في بغداد، لأن أبنية المدينة كلها من اللبن والجص، أو اللبن والطين.. وقلة منها مداخلها الخارجية فحسب مزينة بعدد من صفوف الطابوق على يمين ويسار بعض أبواب البيوت، بما لا يزيد على أصابع اليدين الاثنتين، وكأن أصحابها أرادوا في هذا الإعلان تمييز ما يملكون عن غيرهم، رغم أن كل ما يملكونه متواضع، بل وبائس..
وعندما وافقني مسؤولي على هذا.. طلبت منه أن يسجل لي الشعارات والجمل التي يرغب في أن أقوم بكتابتها على الجدران.. وقد سجلها لي فعلا على ورقة بقدر كف اليد..وبعد أن ناولني إياها، طويتها ووضعتها في جيبي.. واتجهت إلى بنت النهر، لأكمل واجبي، الذي اقترحته، ووافق عليه المسؤول، في مهمة أنفذها في بنت النهر، وبعد إنجاز هذا الواجب اتجه إلى رمز القرى..

سافرت بالسيارة مع الركاب، واتجهت إلى بيت خالتي ليلى في بنت النهر، وقبل أن يحل الليل، أحضرت أصباغا وفرشاة، وما أن اقترب الوقت من منتصف الليل، حتى حملت عدتي ووسيلتي دفاع عن النفس، هما عبارة عن مسدس وضعته في حزامي، وإلى جانبه خنجر، وفي جهة الخنجر علقت مصباحا ( لايت) لأستخدمه في إضاءة المكان الذي أقرر الكتابة عليه.. وحملت الأصباغ في كيس، واتجهت أخط في الأماكن التي اخترتها..

بدأت أولا بمركز شرطة المدينة، وكتبت عدة شعارات على جدران مركز الشرطة.. ثم انتقلت إلى الحاكمية فكتبت على جدران المحكمة عددا منها.. وبهذا كنت قد كتبت في أماكن ما إن يراها المواطن حتى يقدر مستوى اندفاع الحزب ونوع مناضليه، وكان هذا أسرع إعلان مقلق لسلطة الحكومة في المدينة، بالإضافة إلى أنه تحدٍ للسلطة.. ثم بعد ذلك، رحت أكتب في كل ( عقدة طرق)، أو جدار يمكن أن يظهر عليه الكتابة بصورة واضحة، وعدت قبل صلاة الفجر.. وبعد أداء الصلاة، بدلا من أن أنام اتجهت إلى رمز القرى، ابتعادا عن منطقة الخطر، فلو بقيت هناك، وأرادت الجهات المعنية أن تخمن، سأكون في أغلب الظن من تتجه إليه أصابع الاتهام..

ليسَ المسمى من به شجنُ
وإنما الروحُ إذ شحّت سواقيها

أحاورُ النفسَ دوما كلما هدأت
فتدمعُ العينُ درا من مآقيها

أقاومُ الضعفَ ( فيهم) كلما هزلت
فتنتخي ذاتها حبا لباريها

تسافرُ الروحُ مني للفلاةِ فلا
تعودُ من ولهٍ عشقا لحاديها

لا تقصرُ الروحُ مني حيثما عصفت
وترتقي للعُلا.. فارت معانيها


بقيت في رمز القرى أمارس الفلاحة وما يتصل بها من شؤون لمعاونة عمي إبراهيم، حتى حلّت صبيحة يوم 14/ تموز 1958، وكنا بدأنا لأول مرة زرع فسائل نخيل في ( جزرة أم العوسج)، وبينما كنا نقوم بذلك، لاحظنا أن ابن عمي، زوج إحدى أخواتي، يطلق في الهواء عيارات نارية من بندقيته البرنو، وغالبا ما كان يفعل هذا من لديه بندقية في الريف ليلفت الانتباه ويجمع الناس باتجاهه، أما من أجل الفرح، أو حالة وفاة، أو مشاجرة يريد فيها أن يستفزع وينخو جماعته، ليكونوا إلى جانبه في اللحظة المناسبة، وعرفنا أن غالب هو الذي أطلق العيارات النارية، وكنا نراه وهو يتجه إلينا مسرعا وبيده البرنو، ولكن أيا منا لم يخمن الخبر السار الذي سمعناه منه، وهو يصيح: لقد حصلت ثورة، وقتل الملك وعبد الإله.. وسيطر الجيش على الحكم..
قالت والدتي عند سماعها غالب يقول ذلك، لأن عملنا كان قريبا من البيت:
- اللهم ( صلي) على محمد.
وقال عمي:
- يابة غالب على مهلك، لكي نتبين..
- أي شيء تريد أن تتبينه؟ لقد سمعت هذا من الراديو، وهو يذيع البيان الأول..
ثم أردف عمي يقول:
- على الله ما يكون مصير الثورة مثل مصير ثورة 1941.
قال ذلك كأنه أراد أن يستذكر تلك المحاولة الوطنية التي فشلت، وسجن خالي على إثرها، أما أنا فلم أسأل كثيرا، وتركت العمل من فوري، واغتسلت بأسرع ما يمكن على شاطئ دجلة، ولبست ملابس واتجهت إلى بنت النهر.. ومن الطبيعي أن أقول أن بيتنا في رمز القرى، كان يخلو من مذياع ( راديو)، ولم أعد أتذكر ما إذا كان أي أحد في رمز القرى يملك مذياعا، ولا أتذكر كيف، وأين، وممن سمع غالب بالخبر السعيد أول مرة.. رغم أنه قال أنه سمعه من الإذاعة، ولكن أين، ومتى وجدا مذياعا ليسمع منه!؟

بعد أن تأكدت في بنت النهر من أن الثورة قد تحققت فعلا، اتجهت إلى بغداد، وهناك صار كل شيء واضحا: إن الثورة وطنية، هكذا قال الحزب، إن الحزب يشارك حكومتها بأمين سر القطر.. وبدأ خالي مال الله يعد أسماء الضباط الذين يعرفهم أو سمع عنهم.. وقال:
- إن أحمد – وهو الذي نوهنا بأنه تخرج معلما، مثلما تخرج بعد ذلك ضابطا هو وخالي مال الله- أحد الثوار البارزين، وإنه الآن آمر فوج في لواء المشاة الذي قام بالثورة.. وإن مسؤوليته الآن حماية الإذاعة في الصالحية، لذلك علينا أن نعمل عشاء له ولكل الضباط هناك.

طبخت النساء في البيت ما يقتضي، بما في ذلك ما أضيف إلى الطعام من حلويات، أبرزها ما كانت زوجة خالي تجيده من طبقات ( المحلبي) في صحن واحد من أكث رمن نوع وأكثر من لون.. وبعد أن سبقنا خالي إلى إذاعة الصالحية، توجهت بالطعام أنا وعدنان في عربة تجرها الخيول إلى هناك، وربما بسيارة عسكرية بعث بها العقيد أحمد إلينا لهذا الغرض، ورأيت خالي أحمد برتبة عقيد للمرة الثانية، بعد أن كنت قد رأيته قبل هذا مرة يزور بيت خالي ما الله، لأنه ابن عمه، أو بالأحرى، كان أبو أحمد وأبو خالي مال الله ( جدي رباح)، ابني عم، ولأنني أنادي خالي مال الله، خالي، كانت أقرب صفة للاحترام أن أنادي أحمد خالي أيضا، وكان عدنان يناديه عمو.
 

************


" عندما لا تدثر طفلك يموت، ولكنه يقتل أباه عندما لا يكون ابن حلال"..
لم تمض إلا أسابيع قليلة على قيام ثورة 14/ تموز/ 1958، حتى ابتدأ الشارع الشعبي يغلي بنفسه، بعد أن تأكد الجميع من أن التدخل الأجنبي البريطاني، وربما الأمريكي لم يعد ممكنا من جهة الأردن، مثلما كان يرغب النظام الملكي هناك، تحت ذريعة أن العراق والأردن كانا في اتحاد، وأن هذه الصفة تخوّل الأردن بأن يسعى، تحت ذريعة الحماية الدولية للكيان الاتحادي الذي أودع وثائق الاتحاد لدى الأمم المتحدة، لجعل بريطانية تتدخل لمعاونة الأردن في استرجاع الاتحاد.. وحشدت أمريكا الأسطول السادس قرب الشواطئ العربية.. نقول بعد أن تأكد العراقيون، شعبا وحكومة، بأن شبح التدخل الذي ضمن وحدة معقولة في الموقف، هو والترقب أملا بأن يكون نجاح الثورة فاتحة عهد جديد، يعوض الشعب عن زمن التبعية والبؤس والشقاء، في الأسابيع والأشهر الأولى، حتى بدأ الشعب بسبب فتائل البارود التي أشعلت سلسلة من الانفجارات في علاقة الشعب بالقيادة الجديدة، أو بالأحرى بالعناوين الجديدة.. وبدأت الجبهة الوطنية التي قامت بين الأحزاب، ومنها حزبنا، تنفرط هي الأخرى، وراح التصرف الأحادي لكل حزب أو تيار ينعكس بكتابات تقرأ من الجماهير، كل منها يعبر عن نفسه وفق ما يرى، من غير أن يرى أو يضع في اعتباره ما يرى الآخرون، وبعد أن جمع الموقف الموحد للضباط الثوار عملهم ضد الحكم الملكي العميل، بدأ إنجاز الهدف يفكك وحدتهم، وصارت الأغلبية فيهم لا يعجبها ما آل إليه وضعها بعد نجاح الثورة، ولم يعجبها ما حاز عليه آخرون من عناوين ومسؤوليات أيضا، وصار كل منهم، ومعهم السياسيون القدامى والجدد، يقف أمام المرآة ولا يرى إلى وجهه، وإذا رأى وجوها ما إلى جانب صورته ووجهه، فغالبا ما كان يراها مشوهة بالقياس إلى نفسه، واختلط الطموح المشروع مع الطموح غير المشروع، والنية الحسنة مع الهرطقة والهراء، ونية السوء التي يمتد بعضها، وإن جاءت تحت أغطية عراقية، إلى خارج الحدود، وبعد أن فاق الاستعمار وشركات النفط التي كانت تسيطر على نفط العراق من الصدمة، بدأ كل يعمل بمفرده، أو مجتمعا، لخلق ما يتمكن منه في كل ما يخلق الفرقة، أو ينمي ما يذر منها بقرنه، واستيقظ وحش ( الأنا) والأنانية عند كثر ممن كانوا في صف الانتظار الطويلة ومعه، وفاق من سباته من لم يجد له مكانا يعجبه في الفيلم التصويري للثورة أو السلطة، عندما وجد أن بإمكان عدد من الضباط، لو اجتمعوا، أن يصلوا إلى الحكم، قياسا بقيام الثورة بفوج مشاة واحد، على رأسه آمره العقيد عبد السلام عارف، من لواء المشاة التاسع عشر، الذي كان آمره العميد عبد الكريم قاسم، وكان العتاد في هذا اللواء قد سحب، وفق ما تقضي بذلك التعليمات إزاء كل قطعة عسكرية تمر في بغداد آنذاك، وبالتأكيد استطاع بعض ضباطه، وعلى رأسهم آمر اللواء العميد عبد الكريم قاسم، أن يخفوا عددا من الإطلاقات، وبالكاد كان بإمكانهم أن يوزعوا بعضا منها على القوة التي هاجمت قصري الزهور والرحاب، وهي تهجم على الحرس الملكي الذي كان ملاكه لواء مشاة كامل، ولكن الملك وولي عهده جبنا.. فماذا يمكن أن يفعل من يرفضه الشعب كله، والجيش كله؟ بل، وقبل هذا، ألا يكون العميل منحطا كانحطاط من يبصق في وجه أبيه، ويزني بمحارمه، وليس جبانا ورعديدا وحسب!؟..

كان هذا باختصار جانب من المظاهر التي ذرت بقرنها وسط الشعب، ومعها صار عبد الكريم قاسم، بعد أن أسكرته الدعاية الشيوعية والشعوبية من الحلف الشرير لشخصه، حتى صاروا ينسجون له الروايات والقصص التي صدقها بعد أن سوقوها عليه، بل حتى لو لم يقم الحلف الشرير بما هو مخرب، ليتصور عبد الكريم قاسم نفسه بأنه بمعزل عن الجيش والشعب حالة جاء بها القدر ليحكم فرديا، وما على الآخرين، بعد أن يقول ويقرر، إلا أن ينفذوا..

أقول: حتى لو لم يفعل هذا الحلف الشرير ما فعله.. ألا تحتاج السلطة والمال والجاه إلى حظ وعقل يحميان من يعنيه الأمر من سكرتها، ابتداء بأن يستذكر ولا ينسى، وقبل كل شيء أن يتذكر ولا ينسى، أنها بلوى؟ فإما أن ينجح في التعامل معها، وهذا فضل من الله أن وجد فيه عوامل الخير، وقدرة اتخاذ القرارات الناضجة، والتأثير في الآخرين، أو أن يهدرها، عندما لا يذكر فضل الله عليه فيها، ولا يحث نفسه عليها، ويتذكر ولا ينسى أنه ابن الشعب، حتى عندما يكون قائده، وأنه مدين للشعب، حتى عندما يهرق دمه في فرصة أتاحها أمامه الشعب والأمة، بعد الله، ليقوده.. وهل كان بإمكان آمر لواء، من غير أن تعركه حركة طليعية وتربية، ومن غير أن تكون في صفات الحد الأدنى لما ذكرنا، أن يمتد بصره وعقله، ويتسع صدره وضميره إلى ما قلنا من معاني المسؤولية، وشروطها وسط الظرف والحال الذي أشرنا إليها؟..

وقع عبد الكريم قاسم تحت ضغط عوامل الأثرة والفردية والغرور، التي تفرخ في العقول المحدودة القدرة والتفكير وصغيرة الوزن والرؤية، من ناحية، وتحت ضغط ما أرادت تحقيقه أطماع الحلف الشيوعي الشعوبي الشرير، الذي انضم إليه كل معادٍ للأمة العربية والوطنية الصادقة، بالإضافة لمريديه الذين جمعتهم شعاراتهم للوقوف بوجه الخط المقابل المضاد.. ولقد أسكرت عبد السلام عارف، على الطرف الآخر، دعوة القوميين العرب وأجهزة عبد الناصر، بأنه ممثل القومية العربية، وكان حزبنا، بأمين سره الشاب الذي كان عمره 28 عاما، ولم تكن له تجربة حكم، وبمنتسبيه وقيادته التي لم تتجاوز أعمارهم هذا العمر، بل إن، الغالبية الساحقة من منتسبيه كانوا أقل عمرا.. وعندما يكون العمر صغيرة، ووسط ولادة عسيرة، ومن خلال تجربة متنوعة، فهذا شيء، ولكنه عندما يكون على هذا الحال، وليس في التجربة غير عمل سري لا يزيد عن عشر سنوات، فهذا شيء آخر، بل وأقل من هذا، كانت التجربة الأحادية مع العمر مع عدم تهيئة النفس لاستقبال الاحتمال الأصعب.. ولأن الصفحة الأولى في حياة الثورة والثوار، والتي يزاح فيها حاكم أو حكام قدماء ليحل محلهم من يخلفهم ليست هي الأصعب دائما، بلا ولا حتى كنس نظام قديم مرفوض، ليحل محله في واجهته الأمامية، وعند خط البداية من عناوينه الرسمية المباشرة، نظام جديد.. فإن استعداد القيادة لمواجهة المراحل والتطورات والمفاهيم والإمكانات والأعداء والأصدقاء على أساس التطورات اللاحقة يكون حاسما في نوع الدور والأثر الذي لا بد منه لتقسيم الأمور..

لم يكن حزبنا، ولا الشعب مهيئين لهذا.. وعندما أقول أن البعث والشعب لم يكونا مهيئين لهذا، رغم دور البعث الكبير في تعبئة الجماهير قبل الثورة، فإنني إنما أقصد القيادة في العنوانين والمكانين.. وعلى هذه الخلفية صار كل عنوان في العراق يصطرع مع عناوين أخرى، ولم تبق ساحة وعنوان من غير صراع، وقد تطور الصراع لتكون قاعدته الكره والحقد الشديدين، يردفه طمع عند كثر ممن كانوا يتصدرون عناوين الشعب والجيش.. صراع داخل الوحدة العسكرية الواحدة، والثكنة الواحدة، بين الآمر وضباطه، وبين ضابط وباقي الضباط والجنود، وبين جندي وجندي.. وبين الأحزاب، وداخل النقابات والاتحادات والمنظمات الشعبية والمهنية.. صراع بين الأخوة داخل البيت الواحد، وبين الأب وأبنائه، وتقف الأم لا تعرف مع من تقف، وبين بيت وبيت، بل بين طرف ومحلة، وطرف ومحلة أخرى.. بل وحتى بين مدينة وأخرى على نطاق أقل وطأة، وبين عشيرة وأخرى، حسب ثقل صلة كل عشيرة بالواجهات الأمامية للصراع..
وسط هذا الجو، وظروفه الدموية المشحونة بالموت في كل لحظة، حتى لم يعد الإنسان يأمن على نفسه، إذا خرج من بيته، ولا يأمن أن يعود إليه سالما.. ويجد أهله سالمين عندما يعود إليهم.. قتل رجل من عشيرتنا في بنت النهر.. وكان من قياديي الحزب الشيوعي، وصادف أن أقصي خالي مال الله من منصبه كمدير لمعارف بغداد ( يقابل مدير عام تربية بغداد) في وزارة التربية، التي تولى منصب الوزارة فيها شخص شيوعي معروف، بعد أن انحلت الجبهة الوطنية، وانسحب الوزراء الذين كانوا يمثلون الاتجاه القومي العربي من الوزارة، ومنهم ممثل حزبنا وأمين سره.. قتل هذا الرجل وصادف مقتله وأنا أزور بنت النهر، وأسكن بيت خالتي ليلى.. وكنت قد أبديت استيائي قبل هذا الوقت، إزاء تصرف هذا الرجل الشيوعي، ليس لشيوعيته المتعارضة مع أبسط تقاليد وإيمان السادة الحسينيين المعروفين بورعهم وخشيتهم لله، وحبهم للقومية العربية التي بدونها ما كان الإسلام ليكون على ما هو عليه، وإنما لأنه تنكر لكل هذا، وصار أداة بيد الحزب الشيوعي، مما جلب العار على كل الحسينيين في بنت النهر، بالإضافة إلى إساءته للوطن والعشب.. ومن هذه وخلفية إيماني البعثي.. وجهت التهمة إليّ، واقتادتني الشرطة من بيت خالتي، بعد أن أيقظتني في إحدى ليالي خريف عام 1958، وبعد توقيف في بنت النهر دام عدة أيام، تم نقلي إلى مدينة سامراء لأسجن هناك عدة أيام أيضا، ومن سامراء نقلت إلى سجن السراي في بغداد، وكان أكبر موقف في بغداد آنذاك.. وهناك وجدت خالي مال الله، وعمي إبراهيم، وابني عم والدتي، وابن عمي، معتقلين بنفس التهمة..

كان عمي إبراهيم وخالي مال الله قد اعتقلا في غرفة على السطح، ومعهما ضابط شرطة معتقل في نفس المكان، ولكن بتهمة أخرى، نسبت إليه تعبيرا عن الصراع بين القومية من جهة، والشعوبية والشيوعية، ومعهما عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء والحاكم بأمره في العراق، من جهة أخرى.

كان اعتقالي، ومعي ابنا عم والدتي وابن عمي، في الموقف الرئيس، الذي كان عبارة عن قاعة مساحتها 42 مترا، وأبعادها ستة أمتار في 12 مترا، أو نحو ذلك، وفيها باب محكم، وشباك واحد يطل على الباحة الداخلية، وليس فيه أي منفذ آخر.. وكانت جدرانه مصبوغة ( بالبوية) وليس بـ ( البنتلايت)، ومع ذلك، كانت الجدران مليئة بالكتابة بألوان متعددة بنفس تعدد ألوان المعتقلين، سياسيين وعاديين من الذين مروا على هذا الموقف منذ آخر مرة صبغت فيها جدران القاعة. ولعل ذلك كان قبل عدة سنوات، وليس أشهرا، ولك أن تتصور ألوانها، وتنوع ما كتب عليها، وكان كل من يكتب حقله على الجدران، يضع التاريخ بعد الانتهاء من كتابته، وكان في ذلك التوقيف كله مرحاضان فقط، غالبا ما كنا نجد أرضيتهما غارقتين بالقاذورات، وكانوا يخرجوننا لقضاء حاجتنا مرتين يوميا.. ورغم أنني كنت أبتعد عن وضع فراشي قرب باب المكان الذي أكون موقوفا فيه، وفق ما كان عمي إبراهيم ينصح بذلك، لكي لا يخف وزن الموقوف بأن يبقي عينيه مفتوحتين على الباب كلما فتح، ومع ذلك اضطررت هذه المرة، عكس ما كان عليه الحال في بنت النهر وفي سامراء، لأن أضع فراشي قريبا من الباب، ولكن ليس لصيقا له.. ذلك أن أرضية صالة التوقيف كانت بمستوى واحد، عدا الجزء الواقع على مسافة متر ونصف المتر من مدخل القاعة والملاصق لجدار الغرفة، ومساحته 2.5 متر×5 متر أو 3 أمتار× 3 أمتار، فكان يرتفع عن أرضية القاعة بثلاثين سنتمترا أو نحو ذلك، وكان مبلطا بالكاشي الذي ربما كان أحد أصحاب الإمكانية الخاصة قد هيأه لنفسه، عن طريق ما قدمه من مال لشرطة نوري السعيد، عندما تم توقيفه في هذا السجن آنذاك.. إذن كان هذا المكان مبلطا بالكاشي، عكس أرضية القاعة التي كانت مبلطة بالأسمنت الكونكريت، وقد خصنا بهذا ضابط الشرطة الذي كان مأمور المركز المسؤول عن التوقيف، مثلما خص خالي وعمي قبل ذلك، بأن يكونا في غرفة على سطح المخفر، ولكن الصراع لف مأمور المركز، لينضم إليهما موقوفا بعد أكثر من شهر، وصار الشخص الثالث مع خالي وعمي في غرفة التوقيف على السطح..

ولكي يأخذ القارئ الكريم علما بما يعنيه، ولو جزئيا، على رسم صورة للموقف الكلي، أستعرض عمل كل واحد من الموقوفين الستة، بتهمة قتل الشيوعي الذي مر ذكره..

صالح، طالب في الصف الخامس الثانوي، ومال الله، مدير عام معارف بغداد، وصار بعدها مفتشا تربويا.. وأحمد، شرطي.. وياسين، موظف صحي.. وإبراهيم، فلاح.. وعبد الكريم، فلاح.. بعضهم كان يسكن بغداد، وآخرون يسكنون بنت النهر، ويسكن عمي إبراهيم في حويجة العوسج في رمز القرى.. فأي شيء جمعهم على تهمة واحدة؟ أو أي حال جمع ضدهم تهمة واحدة وقعت في مكان بعينه، وفي زمن بعينه، حين حصل القتل، وهم موزعون بين بغداد وبنت النهر ورمز القرى؟ إنه الصراع الذي تحدثنا عنه، وما نشأ عنه، بعد أن بدأ الشيوعيون بالتصفية الجسدية للقوميين الذين يقودهم البعثيون، سحبا بالحبال حتى الموت، أو رميا بالرصاص، أو سحقا بالعصي والهراوات وتحت الأقدام حتى الموت، وما قابله من رد فعل من القوميين بقيادة البعث.. أليس لكل فعل رد فعل، إن لم يساوه في المقدار، لا بد أن يكون معاكسا له في الاتجاه؟ ولم تسلم من ذلك حتى المدارس، حيث كان الصراع والشجار والضرب يدور بين الطلاب والمعلمين والمدرسين، وبين طلاب الكليات والمعاهد، وبين أساتذة الجامعة وموظفيها، وبين قسم من الطلاب مع قسم من الأساتذة، وبين رؤساء الدوائر والموظفين التابعين لدوائرهم، وبين الموظفين مع بعضهم، وبين العمال والموظفين المسؤولين عنهم، وبين العمال مع بعضهم، وبين الفلاحين مع بعضهم، الخ.. كانت هذه هي الظروف التي أودعت التوقيف فيها، وأودع من أودع معي بتهمة قتل ذاك الشيوعي..

كانت الحياة السياسية والاجتماعية والأمنية، وما ينعكس منها حكما على الأوضاع الاقتصادية، تزداد تعقيدا وسوءا يوما بعد يوم.. وغصت السجون بالقوميين والوطنيين الأشراف في كل أنحاء العراق، وحتى إصلاحيات الصبايا والصبيان امتلأت، وعندما كان المرء يدخل إلى السجن، يجد فيه صورة الشعب بكل عناوينها وشرائحها، من راعي الغنم إلى وزير سابق في حكومة الثورة، عند أو تشكيلها، ومن الجندي إلى قائد في الجيش.. وفي سجن السراي، الذي كنا موقوفين فيه..صرنا نستقبل جماعات وجماعات من المعتقلين الذين كانوا يمكثون معنا عدة أيام، ويساقون بعدها إلى سجون ومعتقلات أخرى، وبعضهم يبقى عدة ساعات ثم يجري ترحيله إلى معتقلات أخرى، مثلما حصل للمجموعة التي ارتادت سينما النصر في بغداد، وكان في الفيلم المصري الذي عرض على شاشة السينما مقدمة يظهر فيها الرئيس الراحل عبد الناصر، رحمه الله، وصادف، أو كان الأمر باتفاق مسبق، أن كان بين رواد تلك السينما في ذلك الدور عدد من الطلاب، وما إن ظهر عبد الناصر على شاشة السينما، حتى تعالى التصفيق والهتاف بحياة عبد الناصر والقومية العربية، وهل هنالك ما هو أخطر من تهمة محبة عبد الناصر، أو الانتماء للقومية، أو البعث آنذاك!؟ ما إن حصل هذا، حتى جاءت قوة لتطوق السينما، وبعد أن أكل من أكل استحقاقه من العصي، سيقوا معبئين، كما أثاث مهمل، أو أجزاء من طابوق لم يعد للبناء به حاجة، بعد إنجاز مهمته، في شاحنات عسكرية، وجاءوا بهم إلى السراي، ليوزعوهم على سجون أخرى بعد حين..

هنا تعرفت لأول مرة على واحد منهم اسمه محمود.. كان محمود هذا من مدينة سامراء التاريخية المعروفة، وتقع ضمن منطقة مدينة بنت النهر، وكانت كلتا المدينتين تابعتين إداريا إلى محافظة بغداد.. ومنذ أن تعرفت على محمود هذا، بدأت حياتي مرحلة جديدة وفق ما سيرد ذكره.. ورغم أن الصدفة قد جمعتني بمحمود، يبدو أن محمود كان يعرف مما يعنيه من خطط الحزب مم الم أعرفه، ولذلك انتهز محمود، على ما يبدو، فرصة اعتقاله معي، لينتبه إليّ كثيرا وتفصيليا، لأنه سمع عني الكثير مما يعز، مثلما قال لي، وأنه سمع كيف قتل الشيوعي، وكيف اعتقلت، وكيف رحلت من توقيف بنت النهر إلى التوقيف في مدينته سامراء، وكيف أنه، كما قال، كان يعرف عن صلابتي وشجاعتي، وحسن تصرفي مع الشرطة ومع الموقوفين معي أيضا وعندما قلت له:
- أليس من مسؤولية البعثي أن يؤثر في المحيط الذي يكون فيه حيثما حل؟
قال:
- نعم، هو كذلك، ولكنني لا أطيق الشرطة، ولا أحسن التعامل معهم.. إنهم شرطة نوري السعيد، والقسم الأكبر منهم الآن شرطة عبد الكريم قاسم.
وكنت أخالفه في أمور، وأعدّل له الأسباب التي ينسب الظاهرة إليها.. وأقول له مازحا:
- وغدا، عندما يكون البعث قائد السلطة سيكونون معه أيضا..
- ومن يفعل هذا معناه انتهازي..

ومع أنني لم أعارضه بالمباشر، ولكنني لم أوافقه على هذا الحكم القطعي والمطلق بالنسبة للشرطة

 

 

 

 

 يتبع الجزء الخامس عشر

 

 

 

 

إلى صفحة المقالات