بسم الله الرحمن الرحيم

08/05/1429

 رواية رجال ومدينه لكاتبها الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد

الجزء الخامس عشر

 موقع النهى*

 الكلب الذي يتبع كل من ينادي عليه، لا ينفع للحراسة، والذي لا ينبح قد يعقر"..
- ألا تختلف طبيعة عمل وإعداد الشرطة، عن طبيعة عمل وإعداد الآخرين.. كل الآخرين.. يا رفيق محمود!؟
- وكيف ذلك!؟..

- يعد الشرطي على أساس أنه مسؤول عن تنفيذ أحكام القانون، ويكون تدريبه وإعداده النفسي على هذا الأساس، ويخصص راتبه وكل امتيازاته على هذا أيضا، ولذلك، من لا يكون على صفة أنه ينفذ أمر من بيده القانون، طبقا لواجبه، لا يكون شرطيا جيدا.
- وماذا بشأن الإجراءات والتدابير غير القانونية للشرطي آنذاك؟
- اجتهاده في أن يقبل أو لا يقبل تطبيق أمر غير قانوني.
- ولكن أمر الجهة الأعلى مطاع في نظامهم، يعقب محمود.
- عند ذلك، له الحق في أن يجتهد، أو ينفذ بالطريقة التي لا تلحق به أذى، ولا يخالف جوهر العدالة وما يحبه..
عندها يقول محمود:
- إنهم يختلفون عن الجيش.. ويختلفون عن الشعب، كأنهم خلقوا ليخدموا نوري السعيد.. وقسم كبير منهم مع عبد الكريم قاسم الآن.
ويردف قوله:
- لهذه الأسباب كان الجيش يكرههم في العهد الملكي.. لأنهم كانوا مخلب السلطة آنذاك.. مثلما يسعى قسم منهم ليعود القهقرى بالوضع في عهد عبد الكريم قاسم، كأنهم يحلمون بعودة تلك السلطة إليهم، لا أن يكونوا جزءا من الشعب وضميره..

ثم يردف:
- إن ما يهمهم هو إلى أي مدى يستطيعون أن يأمروا وينهوا وينهبوا..

قد تكون مثل هذه الظواهر موجودة في كل عصر، ولكن المهم هو: هل تتحول الظاهرة إلى ما يشبه بالعرف أو القانون؟ وإلى أي حد تكون السلطة الأعلى راضية، أو رافضة، لأي ظاهرة مرضية؟ لقد جاءت سلطة نوري سعيد، ولأقل العهد الملكي، بالكثر من الشرطة، وأعني بذلك الأفراد وليس الضباط، من الشرائح الاجتماعية الأكثر انسحاقا في المجتمع، بحيث أن الشرطي عندما كان يراجع قريته كان وضعه المعاشي، وما ينتعل في قدميه، و( النطاق) و( القمصلة) التي يرتديها كلها أفضل منظرا وحالا من منظر وحال ما يرتديه كل أبناء عشيرته، مع أن راتبه محدود، فقد أطلقوا يديه ليكمل راتبه من جيوب الآخرين، كل على أساس ( شطارته)، أليست المسؤولة، بل المجرمة هنا، هي السلطة العليا، نية وتصرفا، وليس الشرطة!؟

أعود لأقول له: إنهم عراقيون، والعراقيون من جوهر واحد بوجه عام، وروحهم واحدة.. ولكن ظروف الشرطة وإعدادهم، بل وحتى توريطهم ممن يقوم بذلك أول مرة ويستمر في توريطهم، مستغلا ظرفهم، كلها تختلف عن الجيش.. فمسؤولية الجيش الأساسية حماية الوطن، ويتم إعداده العملي والفني والنفسي على هذا الأساس، لذلك يعتبر الجيش الحاكم الذي يضعف همة الشعب، ولا يجعله يشكل العمق العظيم للجيش، ليكون وضع الجيش بحال يستطيع فيه أن يدافع عن الوطن، كأنه يوجه سهاما قاتلة إلى صدره، مثلما يوجهها إلى صدر الوطن، وعلى هذا الأساس، يعتبر الجيش أن من واجب حماية الوطن والدفاع عن النفس، أن يقاوم هذا النوع من الحكام، بل ويثور عليهم، وعلى أساس هذه المبادئ، ثار جيش العراق في عام 1941، وثار في 14/ تموز/ 1958، وسيثور حتما لإنقاذ الوطن والشعب من الحالة التي وضعا فيها، في الوقت الذي كان الأمل يتجه إلى أن تعتق ثورة 14/ تموز الشعب والوطن من هذا المصير..
 
- هل هذا هو رأي خالك مال الله، أم هو رأيك؟
- لا، إنه رأيي، ولكن لماذا توقعت أن يكون هذا رأي خالي؟
- لأن خالك ضابط سابق، وأحد ثوار 1941،÷ وصاحب تضحية فيها، وصاحب غيرة قومية ووطنية مشهود له فيهما، وهو من أهم الشخصيات التي نسمع بأنها قريبة من حزبنا فكريا وواقعيا، رغم أنه غير حزبي..
- لا، هذه ليست أفكار خالي، بما في ذلك أنني أتوقع أن لا يبقى جيشنا وحزبنا الحال على هذه الكيفية.. إن بلدنا يحترق، يا رفيق محمود، ولا بد أن نعمل شيئا لننقذ شرف الوطن والشعب من الحريق الكبير..

سكتنا، ثم قلت لمحمود الذي جاء ليجلس على فراشنا الذي وصفنا مكانه:
- يساق كثر من الناس إلى الموت يوميا.. فإذا كانت ظروف الثورة لم تنضج بعد، ومعالجة عبد الكريم قاسم تخفف من غلواء القتل والسحل والإعدامات، لماذا لا يقوم أحد بذلك!؟
كنت أقول هذا كأنني أتساءل مع نفسي، في الوقت الذي أتساءل موجها الكلام لمحمود..
كان محمود في ذلك الوقت عضوا قديما في الحزب، أو عضو قيادة فرقة، فيما كنت نصيرا في الحزب.. وبعد أ، حان وقت ترحيله إلى موقف آخر، ودعني، وعانقني، وقال:
- بماذا توصيني؟ قد يطلق سراحي قبلك.
- سلّم.
تبسم، وخرج..

كان أحد أفراد الشرطة يمسك بمجمع المفاتيح.. جاء وفتح الباب، مستعجلا محمود بالحركة، وكان ينتظر خروج الوجبة إلى معتقل آخر، ليقفل الباب وراءها، و لا بد أن يكون محمود قد خزن كل هذا في ذهنه، هو وذكرياته وانطباعاته عندما كان معي في معتقل السراي..

كنا نترفه قليلا عندما يخف عدد المسجونين معنا، حيث يزداد اهتمام الشرطة بطلباتنا التي غالبا ما كانت متواضعة، وتخفّ عصبيتهم إزاء الموقوفين، لأن سيطرتهم بالنظر ومواجهة مخاطر الهروب تكون أفضل.. ومن الطبيعي أن أقول إن هذا المعتقل لم يكن فيه حتى ولو حمام واحد للاغتسال، وإنما مرفقان صحيان فحسب، وكان حالي أفضل من حال غيري، فقد كنت لا أواجه صعوبة كبيرة مثل الآخرين الذين لم يكونوا يستطيعون أخذ حمام في العراء بالماء البارد.. عدا خالي مال الله الذي تعلمنا منه ذلك، والذي كان لا يستحم بماء دافئ، وإنما بماء بارد فحسب، حتى أنه، عندما كنا في بنت النهر، كان يملأ وعاء بالماء، ويتركه في ليل الشتاء في ( الحوش) المكشوف ليكون الماء الذي فيه جامدا من سطحه العلوي في الصباح، فيسكر سطح الماء الجامد بـ ( الطاسة) ويستحم به..
 
كنت أخرج يوميا، أو بين يوم ويوم، لأستحم في باحة السجن المكشوفة من حنفية ماء في ركن من أركان الباحة المبلطة بالكونكريت، وكان يكفيني تدبير ( طاسة)، بالإضافة إلى قطعة ( صابون رقي) في الأغلب، وأستحم هناك.. وكنت أستحم حتى في كانون الثاني وشباط.. وبعد أن رتبنا علاقات طيبة مع الشرطة، صاروا يتساهلون معنا، ويسمحون لنا بزيارة خالي وعمي وهما فوق السطح، وكنت أفعل هذا عندما تزوره العائلة، يرافقها خالي عبد اللطيف.. الذي لم يجرِ توقيفه، أو أن أزور خالي حتى لو لم تكن العائلة وخالي عبد اللطيف ضمن من يزوره.. إذن، كنا كثيرا ما نحضر مع خالي لتناول طعام الغداء معه هناك، في الغرفة التي على السطح، وكان الطعام يجلب لخالي من البيت، بل صار ضباط الشرطة والشرطة مع طول الزمن، وازدياد نقمة الشعب والجيش على الشيوعية والشعوبية، وعبد الكريم قاسم، ومهم شرطة أكراد، جاءوا بهم ابتداء ليشددوا علينا بسبب صعوبة التفاهم، حيث حرصوا على أن لا يكون أحد منهم يتقن العربية، أقول مع لازمن بدأ بعضهم يتفاهم معنا، ولو بصورة بسيطة.. وصار الشرطة الأكراد يعرفون ما نحتاجه مما تعلموه من اللغة العربية، إضافة إلى لغة العيون المعبّرة عما في القلوب، مع أنهم تعلموا بضع كلمات فحسب!؟

كنا نصعد فوق السطح، ونجلس في الشمس، وكان الفصل شتاء، أو ربيعا، ونتناول طعام الغداء هناك.. وكان ضابط الشرطة الذي نوهنا عنه أعزب، ويبدو أن لديه صديقة عزّ عليها أن لا تكون وفية ومخلصة لعلاقتها معه، بعد أن صار نزيل السجن.. كانت تحضر هي الأخرى لتقابل ضابط الشرطة.. في زاوية من زوايا السطح، وهل هناك من يدبر ذلك أفضل من الشرطة في هكذا ظرف!!؟

وكان هناك شخص من الذين نوهت عنهم، يحب النساء وكل ما يتعلق بهن، إلى الحد الذي لم يكن يفوّت على نفسه التمتع بهذا، حتى لو كان في سجن.. كان صاحبنا هذا، إذا ما جاءت تلك المرأة لتقابل ضابط الشرطة المعتقل، ومثلها أخرى تقابل أحد الشيوخ الذين كانوا معتقلين في قاعتنا لأمر غير سياسي، يأخذ الفضاء طولا وعرضا، وهو يتمشى و ( يكرّ) حبات مسبحته، ونحن نتندر عليه فيما بيننا، وخاصة من كان منا قريبا من عمره، أو أكبر منه سنا، أما أنا، فلاعتبارات كثيرة ما كنت أشاركهم، إلا بما هو خفيف من التندر أو التعليق، خاصة وأنني كنت الأصغر سنا بين المجموعة الموقوفة معي على نفس القضية، وكان بين المعتقلين في موقف شرطة السراي مجموعة من الأشقياء وتابعيهم.

- نعم، وتابعوهم، أليس لكل الأشقياء تابعون؟
أجاب صاحبي على من تساءل عن الموضوع.
- انظر إلى عالم اليوم، ألا ترى للدول الكبرى والعظمى في العالم أتباعا للذوات فيها، وخدما وأتباعا لأتباعهم؟
مرة أخرى تساءل صاحبي وهو يجيب:
- أليس التابع ذيل صاحبه!؟
تساءل المتسائل:
- ألذيل الشقي.. والأشقياء خدم وأتباع أيضا!؟
- نعم، وهم مرتبة أخرى غير الأشقياء التابعين للذات الأمريكية أو السوفيتية أو البريطانية، إنهم أتباع ذيولهم.. وبالتوصيل الحراري أو الخاصية الشعرية، يتواصلون مع أسيادهم، على أساس حكمة يتداولونها مفادها: من يخدم ذيل الكبير كأنه خدمه.. انظر إلى الوطن العربي، كصورة قريبة من العالم،.. ترى التابعين ( الذيول) وتابعي التابعين ( ذيول الذيول).. مع أن في وطننا الكبير نفسه، ثوارا ومجاهدين ومناضلين وأبطالا، ولكن مثلما هي الطبيعة، أليس فيها جبال شم، وحضيض ومهابط لا يعرف الهواء الصحي سبيلا إليها؟. أليس من المياه ما هو زلال، وذو طعم تهواه النفس، كالماء في دجلة والفرات والنيل وبردى، ومنها ما هو ملح أجاج؟.. بل أليس فيها ما هو نقي وآسن، جارٍ ومستنقع؟ وفي المخلوقات الغرير و ( الجربوع)، وفيها الظبي والأسد، وفي النباتات ورد وشوك، وما هو سام يقتل، أو يشفي الجروح، ويطيل العمر، ويفيد الحياة الجنسية للتابعين و تابعي التابعين، الذي لا همّ لهم غير أنفسهم.. وأنفسهم فسحب؟ وهل غيرهم من يرى أن ما يهمه من الحياة، هو ما يتصل منها به وبمصلحته، وما يمتد منها إلى عمره، ولا شيء يعنيه بعد ذلك؟ أليس دعاؤهم لبعضهم حتى بالهداية، أو تعزيز الإيمان في نفس من آمن واتقى.. في الوقت الذي يتمنى له العمى وعثرة الموت، ليحل محله، بمن في ذلك، لو كان ابنا لأب يتقدمه في العنوان والكرسي..
قال صالح: كان صاحبنا هذا أستاذ جامعيا اعتقل لأنه قومي ( قذر)، هكذا كان الشيوعيون والشعوبيون يطلقون الأوصاف على كل، وأي، قومي مؤمن شريف لم يفصله عن أمته ضغط الظروف وأحداثها، ولا التهديد بالموت.. وعلى أساس ما لدى أساتذة الجامعات، كل وفق اختصاصه، من ثروة ثقافة، ولأن صاحبنا هذا كان مختصا في الفلسفة، ويعطي محاضرات أحيانا في التاريخ العربي، فقد ( فات بالموضوع عرضا وطولا)، كما يقول المثل العراقي الدارج.
عاد صاحبنا أستاذ الجامعة ليقول:
- بل حتى الإنسان نفسه، أليس لديه أنف يرمز إلى الرفعة والشمم في مفاهيم العرب، ويشار إليه في الشعر العربي، بل حتى إن بعض التابعين وتابعي التابعين، يقبّلون أنوف من يقدرونه، على خلفية هذه المعاني، من غير أن يستذكروها في الفكر والفعل، وإنما ورثوا المظهر دون أن يتساءلوا عن الأصول، وفيه ما هو عورة..!؟ واسترسل ليقول: ولدى الإنسان ( مخ يعقل)، تعبيرا عن مستواه بين الكائنات الحية، ولديه قلب وضمير ليشعر.. ويحس بالآخرين.. وفيه (بول)..و.. وتوفق لينفث ( حسرة) طويلة عميقة ويقول: نعم، يا صاحبي، هناك من هو تابع، وتابع تابع.. أما التابعون فهم ( البول).. وأما تابعو التابعين، فهم.. وكاد ينطقها، ولكنه اكتفى بالإشارة أو الدلالة المستخرجة مما يجاورها. قال ذلك وهو يقهقه..


**************


" تكثر الطفيليات في الماء الراكد، ويتناقص فيه الأوكسجين.. فجدد ماءك بالحركة والجريان، واحفظه من التلوث"..
إذن كان معنا عدد من الأشقياء وتابعيهم، على حد وصف الأستاذ الجليل.. وبذلك اختلط في مكان واحد بحكم الظرف القاسي، مجاهدون ومناضلون، يجاورهم، ولا يفصل عنهم إلا بضعة أمتار، مجرمون وأشقياء، لا يعيشون على كدهم الحلال الشريف، وإنما على حصيلة ما تأتي لهم به مهنة الشقاوة..

وكانت أسماء شقاة ( شقاوات) مثل محمود قرداش، وماجد ابن السورية، وأسماء أخرى غيرهما، تتردد على ألسنة البعض في نفس القاعة التي كنا معتقلين فيها، وكان معهم شقي إيراني مقيم في العراق اسمه فاضل ويكنّى ( أبو لزكه، يخدم الأشقياء العراقيين داخل السجن في كل شيء، بما في ذلك، أنه كان يحمل الوعاء الذي يتبولون فيه ليرمي به في الخارج، صباح كل يوم، وينظف ما حول أفرشتهم.. الخ..

وكان هذا الإيراني، أو الفارسي، لا يرتاح إلا بعد أن يتناوبوا عليه بالضرب.. كان دميم الخلقة، متوسط الطول، أسمر البشرة، يحلق شعر رأسه حتى لا يبقى للشعر إلا جذوره. وكان كبير الرأس، يزحف شعر رأسه على مقدمة جبينه، حتى لا يترك جزءا منه.. وكان يرتدي جلبابا قذرا عريضا نوعا ما، وينتعل ( نعالا) أصغر من قياس قدميه، حتى أن ثلث قدمه يكون خارج النعام عندما يمشي، أو يذهب إلى المرافق الصحية.. وكانت عيناه صغيرتان، وتبدوان كأنهما مطفأتان، لا بريق فيهما، وكان لا ينظر باستقامة أو بصورة أفقية، وكان نظره لا يبتعد عن قدميه إلا قليلا، وربما صارت عيناه على هذا الوصف لكثرة ما كان الأشقياء يضربونه على رأسه، وكان لا يمنعهم، ولا ينفصل عنهم، وهل يمكن لذيل التابع أن ينفصل عن التابع!؟..

كانوا يضربونه بقسوة، كأنهم بهذا أرادوا أن يرهبوا ويروضوا الآخرين، وكان كثر من المعتقلين غير السياسيين، وبعض السياسيين، يضحكون على هذا المنظر، وعندما يحاول أحد، ولو بطريقة خفيفة، أن يحجز بينه وبين من يحاول ضربه، كان الفارسي يحتج على ذلك.. ويقول:
- اتركونا وشأننا..

كنت أتألم له، وأمتعض من هذا المنظر المقرف، وكان الشقاة يتفننون في إيذائه، حتى أنهم كانوا يستخدمون لضربه على رأسه أحذية تبرز من كعوبها مسامير ثلاثية الرؤوس، كان كثر من العراقيين يستخدمونها في أحذيتهم كي لا (تسوف)، نعم كان البعض يضعها على كعب الحذاء من الجهة التي تلامس الأرض، كي ( لا تسوف)، أي لا تتآكل كعوب الأحذية، ويبدو أن أولئك الأشقياء أكثروا استخدام هذه المسامير في أحذيتهم، لا ليحموا الحذاء من التآكل، وإنما لضرب الفارسي على رأسه، وكانوا يضربونه بالتناوب بمثل هذا ( النعال)، وعندما يبالغون في ضربه، كان يبكي، وقبل ذلك يحاول أن يضع يديه على رأسه ويصرخ:
- لا.. لا.. مو هيج.. ( لا.. لا.. ليس كذلك).
وعندما يشتد الضرب، يكبر الألم على تحمله، فيبكي، ولكنه قبل هذا، كان يتحرش بهم، ولا يرتاح إلا عندما يضربونه بالنعال.. وكان من يضربه يلتفت نحونا، عندما يرانا مشمئزين، ويهز كتفيه ويقول:
- ماذا نعمل معه؟ انظروا، إنه لا يرتاح إلا عندما يأخذ استحقاقه.. ثم يقهقه.

كنت أتمزق ألما عليه، وعندما كانت نفسي تضغط عليّ لكي أحميه.. كنت أقول مع نفسي: إنه لم يطلب حماية مني.. ثم إنه صديقهم، أو خادمهم وفق ما رأينا ونرى الآن.. وماذا لو تدخلت، وقال: أنا لم أطلب معاونة منك؟ ثم أعود لأقول لنفسي: وهل يعرف كل مظلوم أنه مظلوم؟ وأعود لأقول: أليس من واجبنا كبعثيين أن نحمي الإنسان حتى من نفسه لو ظلمها، أو ظلم غيره؟ أليس من واجبنا أن نقاوم الظالم حتى لو لم يشعر المظلوم بعد بأنه مظلوم!؟

كنت غالبا ما أكون بين نارين، وإجابتين بعد تساؤلين، أو أكثر مع النفس ثم أقول: هل يليق بي أن ( أتعارك) مع مثل هذا المستوى!؟ وإذا ما منعتهم من ضرب هذا الإيراني، و( تضاربنا)، هل يكفي أن أقول لهم أنني انتصرت ضد العدوان، بغض النظر عمن وقع عليه!؟ وكيف سأمحو عني تهمة قد تضعني بنفس وصفهم؟.. أنا مجاهد ومناضل، ولست شقيا مثلهم، وقد يؤدي نضال وجهاد المناضل والمجاهد، دفاعا عن النفس والشعب، عندما يستهدفان، إلى أن يتصرف برد فعل، أو بفعل مصوّب، وليس ما يستوجب استخدام السلاح ضد من يواجه الرأي بالرأي، والحجة بالحجة، ويعطي الشعب والوطنيين هذا الحق على أسس متكافئة، والوقوف على خط عرضي بالنسق، ليكون الجميع أمام فرصة متساوية.

- ولكن ماذا لو لم يكن الحال على هذا الوصف؟ - قال الأستاذ- وماذا لو استبد صاحب الرأي برأيه، وحول رأيه إلى قانون، أو جعل من رأيه طريقة لتبوء موقع عالٍ في الشعب، بغض النظر عما يمكن أن يكون عليه رأي الشعب؟ بل والأكثر خطورة، ماذا لو أصم الحاكمون آذانهم، وأغلقوا منافذ تفكيرهم، واستعانوا بالأجنبي على الشعب، وجعلوا السلاح بدل الحجة أسلوبهم في المواجهة؟ ألا يجعل أمر كهذا حال الشعب وقواه الوطنية أشبه بحال البلد المحتل من أجنبي؟ وماذا يعني الاحتلال غير إحلال رأي ومصالح وقرار وإرادة الأجنبي محل رأي ومصالح وقرار وإرادة الشعب؟.. وعندما يكون البلد، أو جزء منه، محتلا من أجنبي، ألا يكون مشروعا لابن الشعب، وجيش الشعب، أن يستخدم ضد الأجنبي كل أنواع الوسائل والأسلحة التي تجعله يغادر البلد، أو الأرض المحتلين لصالح أهلهما الأصليين، بما في ذلك استخدام نعال ذي مسامير ثلاثية الرؤوس، على قفا ورأس من يستحق ذلك من العملاء الحاكمين أعوان الأجنبي؟

- صدقني، يا صاحبي – وجه الكلام إليّ، متجاهلا ذاك الذي كان يسأله- إن النعال ذا المسامير ثلاثية الرؤوس ضروري لبعض من هم على هذا الوصف، وبعضهم قد لا يكون بعيدا عنا كثيرا، مثلما هو ضروري، على رأي جماعة فاضل ذاك، وهم يزيدون ضربه بالنعال على رأسه.
أجبت الأستاذ:
- فيما يتعلق باستخدام السلاح، نعم هذا صحيح، يا أستاذ، على أن استخدام السلاح بين أبناء البلد الواحد، بغير الافتراض الأخير الذي قلته، يعتمد على ما إذا كان من يريد استخدام السلاح يبحث عن ذريعة وغطاء، أو عن حجة شرعية، من غير هوى..
قال الأستاذ:
- نعم، هذا صحيح، يا أستاذ صالح..
هكذا قال أستاذ الجامعة وهو يوجه الكلام إليَ، كأنه أراد أن يطريني ويشير إلى أنه يثق بي وبأفكاري بمستوى صفة الأستاذية التي أضفاها عليّ وهو يحاورني أمام عدد من الأقرباء والمعارف داخل سجن السراي، تعبيرا عن الهواجس والإرهاصات ومستوى الصراع الذي سجله حال العراقيين بينهم وبينه من دفعهم الأجنبي، أو زين لهم أمرهم، فطارت شرارة من موقدها، لتواجه بلهيبها التحدي الذي أراده عبد الكريم قاسم، وحلف الشعوبيين مع الشيوعيين، بتسيير قطار من هذا الخليط العدواني إلى الموصل.

ورغم أن العقيد عبد الوهاب الشواف، آمر موقع الموصل، حاول بكل الطرق أن يثني من يعنيه الأمر، ومنهم عبد الكريم قاسم نفسه، ولكن جهوده وجهود غيره ذهبت أدراج الرياح، بينما كان أهل الموصل معبئين لمنع قطار الشؤم هذا، أو قطار الموت، أو قطار الاستفزاز، كما أسموه، ورغم أن أهل الموصل كانوا مصممين على منعه، فقد جاءهم قطار التحالف الشعوبي الشيوعي في ليل طويل، وحلّ في الموصل مع الصباح.. جاء قطار التحدي المشؤوم إلى الموصل الحدباء حاملا من أصروا على التحدي، كأن عبد الكريم قاسم بهذا أراد أن يفجر لغما لم يتبين أين هو، ولكن بأقدام غيره، ليتحدى، بالإلحاد، إيمانهم بالله، وبكتبه ورسله واليوم الآخر، ويتحدى قوميتهم ببعض من حملهم القطار للعرب والعروبة.. فقدح الزناد، وشبت نار في مدينة الموصل، ولم يتوقف مسلسل القتل والتعليق على أعمدة الكهرباء، والسحل بالحبال، رجالا ونساء، شيوخا وشبابا، مما قام به الشعوبيون والشيوعيون، بعد أن أعلن العقيد الشواف الثورة في الموصل من إذاعة ساعد في إيصالها إلى الموصف القوميون في سوريا ومصر.. بعد أن فشلت شرارة الثورة التي اندلعت في الموصل ضد الحكم، لم يتوقف مسلسل القتل بأبشع صوره، بل امتد، بمراحل زمنية متعاقبة، إلى كركوك والبصرة.. وكانت مذابح كركوك، التي نشرت صورها على أوسع نطاق، واحدة من ذاك المسلسل، إن نسيت، فلن أنسى منظر الشهيد ( أنس) وهو يهتف للبعث والقومية العربية، عندما ربطوه بالحبال، وسحلوه في البصرة حتى فارق الحياة.. أو منظر الماجدة الشابة حفصة العمري، التي هاجموا بيت أهلها، وقتلوها، وعلقوها على عمود كهرباء، بعد أن قاومتهم بالسلاح.

نعم، لم يتوقف ذلك المسلسل إلا بعد أن ارتوى الأشرار من الدماء، وذهب ضحية هذا قروم قوم ومناضلون، وفشلت ثورة الشواف لأسباب كثيرة، منها الخوف والأنانية، وعدم إعلان من يعضدها من الجيش خارج الموصل.. وهل يمكن أن تتكرر تجربة عبد الكريم قاسم الذي انفرد بالثورة ضد الملكية، بعد أن وجد مثل آخرين غيره، أن إمكانية التنسيق مع كل الكتل، واختيار توقيت بعينه، والاتفاق على كل التفاصيل، قبل بداية الخطوة الأولى الحاسمة لتغيير نظام الحكم، غير ممكن؟ وهل بإمكان قائد الفرقة الثانية العميد ناظم الطبقجلي، أو مدير الاستخبارات العقيد رفعت الحاج سري، أن يؤيدا العقيد الشواف أمام الأمر الواقع الذي حاول أن يفرضه عليهما وعلى غيرهما، لأسباب تكتيكية وعملية، لم يجد الشواف بدا من أن يدخلها في اعتباره، ويبدأ الخطوة!!؟
 
ما إن فشلت خطوة الشواف تلك، حتى سنحت الفرصة التي أرادها الشيوعيون والشعوبيون وعبد الكريم قاسم، ليغرقوا العراق في بحر من الدم، مع الصرخات الهستيرية التي كانت تطوف شوارع بغداد ومدن العراق الأخرى، وخاصة شوارع مراكز الولايات القديمة التي كانت أعمدة الدولة العراقية في عهد ازدهار الدولة العربية الإسلامية، أو ما مثلت صورة بقاياها في العهد العثماني، ونعني بذلك بغداد والموصل والبصرة.

كان منظر التجمعات والتظاهرات الشعوبية والشيوعية، وهي تطوف شوارع هذه المدن، ومدن العراق الأخرى، وهي تردد: اعدم، اعدم.. جيش وشعب وياك.. مخيفا، وترتعد له أوصال من لا يذكر ربه بيقين، ويستقر على مبادئه بثبات. وقد انتشر في الصفوف الخلفية نوع من أنواع الإحباط بسبب فشل ثورة الشواف، ولكن الإحباط لم يستطع أن ينتشر ويعم الصفوف كلها، بل لم يستطع حتى أن ينتقل من حيث هو في الصفوف الخلفية أو الوسطية، ولكن الحزب الشيوعي أبرز كل ما كان يخفيه ضد القومية العربية، وركز هو والشعوبية على من كان يمثل القومية العربية تمثيلا فكريا ونضاليا متيقظا ومنظما، وهو حزب البعث العربي الاشتراكي.. وكان الحزب يقظا فعلا، بالإضافة إلى صفاته الأخرى، ويمثل القومية، والجماهير القومية، وأمته، تمثيلا نضاليا وجهاديا فريدا، ولذلك ركزوا عليه، وكانت تهمة ( فلان عفلقي) نسبة إلى المرحوم الأستاذ أحمد ميشيل عفلق ( مؤسس الحزب)، أو فلان ( بعسي) التي يطلقها من لا يجيد لفظ الثاء، هي التهمة الأعلى في قاموس الاتهامات التي كانت توجه إلى أي وطني حر شريف، وقومي مؤمن بالله والوطن والأمة، وكانت اللعنات تنهال، مع هذه التهمة، بما هو أقذع مما عرفه العرب عن تاريخ صراعهم مع الشعوبية، ابتداء من الدولة الأموية، مرورا بالدولة العباسية، وما شهدته ساحات الدولة العربية الإسلامية من واجهات ومسميات للصراع من القرامطة حتى الحشاشين والبابية والبهائية..

كان منظر الأسنان المكشرة لتلك الفعاليات والتظاهرات، التي غالبا ما كان يختلط بها، لأغرضا الإغراء المقصود، وكطعم لمن يستهويه ذلك، عدد من الفتيات، وهن في وضع خليع متهتك لم يعتد عليه العراق قبل هذا.. كانوا في تظاهراتهم في شوارع بغداد ومدن العراق الأخرى، عندما يصيحون ويهتفون، كأن أسنانهم تقطر دما بعد الفتك بفريستها، أو كأنها أفاعٍ تنفث سموما على من يحاولون عليها.. وصار نظر الكلاب المسعورة والذئاب الجائعة تلك، وهي تنطلق من الشعاب القصية على فرائسها العزلاء، ملوحة بالحبال، وكل ما يلقي الرعب في قلوب الناس، منظرا يوميا في الشوارع والأزقة، وحتى في القرى.

انتشرت المقاومة الشعبية التي شكلت في بداية الثورة، وكان الضباط القوميون والوطنيون يدربون الناس فيها، تهيؤا واستعدادا لكي يقاوم الشعب الغزاة لو حاولوا كما فعلوا عند استرجاع النظام الملكي بعد ثورة عام 1941، وقد تدربت فيها بضعة أيام، وكانت تقتصر على التدريب على استخدام البندقية الإنكليزية التي كان الشرطة يستخدمونها، وأحيانا على الغدارة ( استرلنك)، التي كانت السلاح الفردي للجيش آنذاك، ولأنني أساسا أتقن استخدام السلاح فقد اكتفيت بعدد من الأيام، ولكن ما إن ابتعد خطر التدخل الأجنبي، وعاد الشعب، ومعه الوطنيون والقوميون، ومنهم البعثيون، إلى أعمالهم، حتى تسلل الحزب الشيوعي، يسنده الشعوبيون، إلى المقاومة الشعبية، ومع تطور الصراع استبدل الضباط القوميون والوطنيون النزيهون بالضباط الشيوعيين والشعوبيين، أو من صاروا، بسبب كرههم للقومية، على المذهب الشيوعي.

انتشرت ( المقاومة الشعبية)، وهذا هو اسمها الرسمي، ولكن الشعب يجل عن ترصفها وصفتها، فقد كان يسميها (المقاومة الشيوعية أو الشعوبية)، وبانتشارها في كل عقدة طريق، راحت توقف المارة والسيارات، لتفتش عن (المتآمرين) على ( الزعيم) عبد الكريم قاسم من بعثيين وقوميين تحت عناوينهم الأخرى، وكان من لديه غرض، أو يريدها غطاء ليخلص شيئا ممنوعا في سيارته، يكفي أن يخرج رأسه من السيارة ليحيي الحزب الشيوعي ملقا، أو يشتم البعثيين رياء، لكي يسمحوا له بالمرور دون تفتيش، وكان بعض من تطاوعهم قلوبهم، ممن يريدون الإفلات من مخالبهم، يقولون نفس القول ( تقيّة)، ليمروا من غير أن يفتشوا، أو تطلب منهم هوية..
كان هذا المنظر المرعب في كل مكان.. وطمع الشيوعيون أكثر، عندما توهموا بأنهما صاروا في الساحة، هم وعبد الكريم قاسم فقط، وعندها طرحوا شعار ( الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيم)، وكانوا في حقيقة الأمر إنما يسيطرون على أهم الحلقات الأساسية في الحكم، ولكنهم كانوا يقصدون السيطرة الكاملة والرسمية..

في مثل هذه الأجواء انتخى البعثيون للشعب، للأمة، للتاريخ، للدين والحياة، بل كأنهم، بعد أن أمدهم ربهم بما أمدهم به من إيمان، كانوا ينتخون للسماء والأرض معا.

كانت قيادة الحزب قد توارت عن الأنظار والحركة العلنية، وكانت تقود الحزب من أوكار العمل السري، ولم تغرِ البعث وتنظيمه المكين، بل الحديدي، أجواء الأشهر القليلة التي تلت ثورة 14 تموز ليكشف تنظيماته، مثلما فعلت تنظيمات أخرى، ولذلك ما إن عاد العمل السري، حتى بدا كل شيء مهيأ ليغطس تحت الأرض، في الوقت الذي كان يقود الجماهير، ويسند أي صف يضعف، ليمكنه من الصمود قبل أن يتداعى.. وهكذا صار حزب البعث العربي الاشتراكي من الناحية الواقعية، مثلما تشهد ميادينها، فارس الساحات والرايات، يسنده الشعب العظيم، يصطف خلف قيادته كل الصناديد و الماجدات الذين آمنوا بربهم، بمعاني مبادئ أمتهم، وبالصلة العميقة التي لا انفصام لها بين القومية المؤمنة والوطنية النزيهة الصادقة، في الوقت الذي تراجعت، أو انسحبت، كل العناوين التي برزت إلى السطح بعد أشهر من الثورة، أو التي كانت لها جذور قبل الثورة، ولكنها جذور سطحية لم تمتد عميقا في الأرض، وبدأ نجم البعث يزداد إشراقا، مع مستوى ما كان يقدمه من تضحية.. وازداد دوره القيادي تألقا، وصار الناس الذين يقفون خلف قيادته يسعون للانتماء إليه تنظيميا، وليس جماهيريا، ومصيريا، وليس كموقف في مرحلة..

نعم كان هذا هو الإحساس الوطني والقومي العام، وكانت هذه هي مظاهره، ولكنه لأمر طبيعي أن تكتنف هذا الإحساس فجوات بعينها، وكل حالة ضمن وصفها المعلوم.. وكان هذا الإحساس على المستويين الشعبي والرسمي هو الإحساس الطاغي منم أقصى العراق إلى أقصاه. 

 

 

 

 

 

 

 يتبع الجزء السادس عشر ...

 

 

 

إلى صفحة المقالات