بسم الله الرحمن الرحيم

08/05/1429

 رواية رجال ومدينه لكاتبها الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد

الجزء السادس عشر

 موقع النهى*

 "الحصاة التي لا تتحسب لها، ولا تبالي بها، قد تشج رأسك"..
كنت في سجن السراي أتابع ما يجري في الشارع، وأعرف تفاصيله يوميا ممن يزورونني بشأن طبيعة نشاط حزبنا وفاعليته بشكل عام، ومن خلال زيارة من يزور خالي من أصدقائه والمثقفين، والمتعاطفين معنا، باعتبارنا من أوائل ضحايا المد الشيوعي والشعوبي الذين كانوا يعانون هم منه خارج السجن، ومن الأخبار التي كانت تصل إلى السجن، حيث امتد بنا الاعتقال هناك مدة ستة أشهر.


بعد فشل ثورة الشواف، صعد ضابط شرطة برتبة عقيد إلى السطح، وكان موقوفا في نفس الموقف الذي كنا فيه، ثم نكس رأسه إلى الأرض، وقفز من فوق السطح، بعد أن انتابته هستيريا من الهلع والخوف على مصير عائلته ومصيره، بعد فشل ثورة الشواف، وتعاظم المد الشعوبي، ذلك أن أعصابه لم تتحمل تلك الأخبار والمذابح، وانكسرت رقبته ورأسه ومات فورا..

ولنفس الأسباب، كان سلطة وهاشم يزراننا في السجن، وكانا طالبين في مدرسة الصناعة الرسمية، وكانا يبقيان معنا مسجونين داخل القاعة بإرادتهما، بعد أن نلتمس ذلك من الشرطة التي صارت لنا علاقات طيبة معهم، وتحول قسم منهم من موقفهم السابق المتشدد الذي كان يوحي بأنهم يؤيدون عبد الكريم قاسم والشيوعيين، إلى موقف جديد، بعد أن عرّفتهم الأحداث، ونوع الصراع، وطبيعة ما يجري بالحقائق التي كانوا يجهلونها قبل ذلك.. أو لأنهم وقعوا تحت تأثير خديعة الحزب الشيوعي الذي حاول أن يجعلها تنطلي على البسطاء من أبناء شعبنا من المذهب الجعفري، عندما روج أن الشيوعي هو الشيعي، وأن الشيوعية تعني الشيعة، حتى اضطرت هذه الفرية بعض أعلام الإفتاء الجعفري لأن يصدروا فتاوى تكذّب هذا، وتكفّر الشيوعيين.. واستخدم الشيوعيون مع الأكراد فرية أخرى تقول إن العرب ضد الحقوق الثقافية، وما يتصل بالهوية الكردية، ضمن شعب العراق الواحد.

صار الحزب الشيوعي، أثناء احتدام محاولاته للسيطرة على الحكم كليا ورسميا، يسيطر على محكمة المهداوي.. التي صار الشعب يطلق عليها هذه التسمية، بعد أن كان اسمها في بداية ثورة 14 تموز ( محكمة الشعب)، وكان اختصاصها محاكمة رؤوس العهد البائد، ثم تحولت مع تحول، بل انحراف مسيرة الثورة وشعاراتها، إلى محكمة لمحاكمة الوطنيين، ومنهم محاكمة الرجال الذين ثاروا ضد الانحراف والشيوعية والشعوبية في الموصل.

كان الحزب الشيوعي يدفع إلى سحب قضيتنا من المجلس العرفي العسكري، الذي كان فيه عدد من الضباط الذين اختيروا بديلا أو رديفا للمحاكم الاعتيادية بعد ثورة تموز، وكانوا إما قوميين بالاتجاه العام، أو حياديين في السياسة، مثلما كانوا يسمون أنفسهم، لذلك، فرغم أنهم مجلس عسكري، لا تخضع أحكامه للاستئناف أو التمييز، فقد كان أهون علينا من محكمة المهداوي، لأنهم في المجلس العرفي العسكري، يستعينون بالقانون، أو بالأحرى كانت المواد القانونية دليلهم في إصدار الأحكام بوجه عام، بعد أن يجتهدوا في ما يجتهدون به، وكان المدعي العام في هذه المحكمة ضابطا من خريجي كلية القانون، وكانت محكمة المهداوي تدخل زمر الحزب الشيوعي، ومعهم زمر الهتّافين واللعّانين، إلى داخل فناء المحكمة، وكان أعضاؤها ورئيسها والمدعي العام من الشعوبيين والشيوعيين الحاقدين على العروبة وكل عربي، وكان رئيسها، رئيس محكمة الشعب، العقيد العميد فيما بعد، فاضل عباس المهداوي، ابن خالة عبد الكريم قاسم، وبالإضافة إلى صفته السياسية التي تفترض الانحياز المسبق في أمر كالذي سنحاكم عليه، كان المهداوي والمدعي العام ماجد، أكثرهم سوءا في الحقد وقلة الحياء، بما كانوا يفعلون في مهرجانهم الخطابي، يعضدهما الهتافون الشيوعيون والشعوبيون، وهم يلوحون بالحبال لإرهاب من يتقدم إلى تلك المحكمة، وحتى أثناء المحاكمة، ومكان يلاحظ ذلك من على شاشة التلفاز، كان كأنه يقرأ في الأدب العالمي عن الأحداث التي رافقت ( كومونة) باريس في القرن الثامن عشر، بل وأقسى من ذلك كثيرا..

ورغم أن المحاكم العرفية لم تكن معروفة بالدقة في ما تحكم، وأن قضيتنا كانت قد أحيلت إلى واحدة منها، بدفع من الحزب الشيوعي أيضا، باعتبار أن المقتول شيوعي، والمتهمين بعثيون، وفق ما كانوا يقولون، مع أن المنظمين فينا آنذاك ليس إلا أنا فحسب.. رغم كل ذلك صرنا نتمنى بقاء قضيتنا أمام واحدة من هذه المحاكم.. بعد أن راجت أقوال مستندة إلى ما هو حقيقي عن نية الشيوعيين سحب قضيتنا من أمام المجلس العرفي العسكري إلى محكمة الشعب (محكمة المهداوي). وقد دفع رئيس المحكمة العرفية، وهو ضابط برتبة عقيد، باتجاه التمسك بالقضية، باعتبار أن تحويلها إلى محكمة المهداوي، طعن في أهليته، وانتزاع للثقة به، مع أنه مخلص للزعيم، كما قال عندما قابل عبد الكريم قاسم، وقد تنفسنا الصعداء عندما صدر قرار عبد الكريم قاسم بإبقاء القضية أمام المجلس العرفي العسكري الأول، وكان مقره في معسكر الوشاش ( حديقة الزوراء الآن)..

كنت قبل ذلك، تحسبا لاحتمال أن تحال قضيتنا إلى محكمة المهداوي، قد أقنعت شقيق ضابط الشرطة، الذي اعتقل مع خالي، واسمه عوني، وكانا من نفس المدينة التي ولدت فيها وهي مدينة بنت النهر، بأن يهيئ لي مسدسا، ويدخله، بعد أن يلفه في كيس ( نايلون)، داخل أواني الطبخ، عندما يأتي لشقيقه ضابط الشرطة مهدي، الموقوف معنا في نفس السجن، ويناولني إياه بعد ذلك.. وقد كلفته بهذا، ليس لشجاعته فسحب، وإنما لنفوذه بين الشرطة أيضا، حيث هو شقيق مهدي، الذي كان آمرهم قبل وقت ليس بطويل، ولأن مهدي لم توجه إليه تهمة بعد، مما جعل الشرطة يتوقعون عودته إليهم، ويتسابقون على نيل رضاه، ومن خلاله رضا شقيقه عوني وانطباعاته الجيدة عنهم لينقلها إلى مهدي.. بالإضافة إلى أن كثرا من الشرطة كانوا ( يودون لنا طرف) وفق التعبير العراقي، وكنت أقصد أن أستعين بالمسدس في اللحظة الحاسمة، وبعد أن نسيطر على من يفتح لنا الباب، نسيطر على حرس مدخل الباب النظامي، ثم نخرج كليا من السجن، وليكن ما يكون، بدلا من أن نبقى داخله، ونستسلم إلى محكمة المهداوي. ولكن إرادة الله كانت أقوى، وهي أقوى دائما، فدفع النار بالرمضاء، وهكذا أجلنا تنفيذ الخطة، وأجلنا إدخال سلاح إلى داخل السجن...

انشغل المهداوي بمزهلة المحاكمات، وبدلا من أن يحاكم رجال العهد البائد، أو أن تحل محكمة المهداوي، نشأت لها مهام جديدة لمحاكمة المناضلين والمجاهدين، أبناء الشعب والوطن الخلّص لدينهم وأمتهم وأرضهم وشعبهم وتاريخهم ومبادئهم، ومن ذلك المباشرة فورا بمحاكمة ثوار ثورة الموصل، وكان هذا العام هو العام 1959، وكان أكثر الأعوام حراجة ودموية بين أعوام حكم عبد الكريم قاسم، بالتحالف مع الثنائي الشعوبي والشيوعي، الذي انحرف عن مسار وأهداف ثورة 14 تموز 1958 الوطنية...

كان تلفزيون العراق يعرض محاكمة المهداوي للثوار، ولم يكن الذين عرضوا من على شاشته هذه المرة عملاء للاستعمار البريطاني، وفق ما كان يعرض في بداية الثورة، وإنما أبناء العراق، قادة جيش ومناضلون، وضباط من مختلف الرتب، بينهم قادة وآمرون، ضباط مشاة، وطيارون، ومن مختلف الصنوف.. ناظم الطبقجلي، رفعت الحاج سري.. ونافع داود الذي سملت عيناه، عندما قصفت طائرات عبد الكريم قاسم مقر عبد الوهاب الشواف في الموصل.. والذي كانت خطيبته قد أقسمت على أن تبقى على العهد وتتزوجه، إذا فلتت رقبته من حبل المشنقة أمام إصرار المهداوي وسيده عبد الكريم قاسم على إعدامه..

فاضل الشكرة، شاب من الموصل، مليء بالغيرة الوطنية والقومية، وكان مسؤول فرع حزبنا هناك.. وواحد من أبرز الثوار. وكان دوره، بالإضافة إلى إدارة الإذاعة، تكوين ظهير للجيش من الشباب لإسناد الثورة.. وكان أولئك الرجال والشباب عكس ما كان عليه رجال العهد البائد، لا يتوسلون بالمهداوي، ولا بذاك غير الماجد وغير الأمين ( ماجد محمد أمين)، الذي كان دوره مدعيا عاما، ولكن بدلا من أن يمارس واجب الإدعاء العام، كان يلقي خطبا سياسية مليئة بالشتائم والسباب، لتضاف إلى المهزلة التي كان المهداوي يمثلها بنفس الاتجاه، وإذا أراد المهداوي، أو ماجد محمد أمين أن يسيئا إلى أي من الذين تجري محاكمتهم أمامهما، كانوا يوقفونهما عند حدهما.. حتى أن ماجد محمد أمين عندما أراد أن يسيء إلى فاضل الشكرة بكلام خشن ضده، تكلم فاضل الشكرة بقوة ليوقفه عند حده، مذكرا إياه بأنه ليس كفئا له ليكلمه.. وما عليه إلا أن يحترم الرجال أصحاب المواقف العالية، وغير ذلك، مما جعل ماجد محمد أمين يلوذ بالصمت ولم يعد يسيء إلى فاضل.

كان فاضل الشكرة مفخرة ليس للبعث فقط، وإنما للشعب كله، بصلابته وتمسكه بمبادئه، وكان يعرف أنه صائر إلى الموت لا محالة، وكانت صلابة ( نافع داود) مماثلة أو قريبة من ذلك.. ومعهم، أو بعدهم العقيد رفعت الحاج سري، وعموما كل الذين سيقوا إلى محكمة المهداوي من ثوار ثورة الموصل أبناء شعبهم وجيشهم، ومحل اعتزاز الشعب والجيش بموقفهم.. ولم يطلب أحد مهم رأفة الزعيم به مثلما كان إمعات العهد البائد يفعلون.. وأمر طبيعي أن لا يتساوى أهل المبادئ، أبناء الشعب الغيارى، مع أهل الذمة المدنسة، سقط المتاع الذين باعوا أنفسهم للأجنبي، وتخلوا عن كل ما هو مشرف ووطني، ولم يحفظوا الأمانة..

كانت أمام الشعب صورتان، واحدة كالتي عليها أهل العهد البائد، ويا لها من صورة مخزية بالموقف الذي كانوا عليه عندما كانوا حكاما، وعندما أصبحوا في قفص الاتهام أمام محكمة الشعب، قبل أن تتحول إلى محكمة المهداوي!! إلا واحدا نذكره لنكون منصفين للتاريخ وللرجال، بغض النظر عن رأينا بخلفيات مواقفهم السابقة، وكان هذا الرجل الذي اختلف موقفه عن الجميع، والذي كان صلبا بما يناسب صفته كرجل، هو سعيد قزاز، الذي كان وزيرا للداخلية، بعد أن كان متصرفا ( محافظا) لبغداد.. وقد أعجب شعب العراق بموقفه الصلب ذاك أمام المهداوي، وهو الشعب الذي يحب للرجل، أي رجل، أن يتمسك بمستلزمات وشروط أن يحتفظ بصفة الرجولة تحت كل الظروف والأحوال، ولعل ذلك، والمقارنة بين ما كان عليه موقف كل واحد من العقداء الأربعة أثناء محاكمتهم عن ثورة 1941 ضد الإنكليز، وما تربى عليه البعثيون ليكونوا، وما علم الآباء أبناءهم ليحافظوا على معاني وقيم الرجولة والعروبة، كلها كانت حاضرة أمام أولئك الرجال والشباب، الذين وقفوا بصلابة وشمم أمام محكمة المهداوي، وقد باءت كل المحاولات التكتيكية بالفشل لجعل أي منهم يلتمس متهالكا ( الزعيم الأوحد)، وهكذا كان عبد الكريم قاسم يلقب.. بل رفضوا هذا، بعد أن نطلق المهداوي بالحكم الذي لم يكن هناك من يتوقع غيره.. حيث صدر حكم الإعدام رميا بالرصاص وشنقا حتى الموت بالمدنيين والعسكريين الأبطال.


*************
 

 كان استياء ورد فعل الشعب والجيش شديدا على الحكم الذي صد ضد ثوار ثورة ( الموصل)، أو من أتهم بالتعاطف أو الاتفاق معهم.. سواء لهذه المجموعة، أو لمجموعات غيرها في محاكم أخرى، ومع ذلك كان هناك من يعتمد على حسه ووجدانه لينطلق منه متصورا أن اللامعقول سيبقى" لا معقولا"، وأن المعقول هو الأساس في تفكير الإنسان، بغض النظر عن صفته، وما درى أن للحكم والحكام رأيا آخر في المعقول وغير المعقول، وأن من ينعزل عن الشعب، لا يعتبر المعقول سبيله للتعامل مع الشعب، ومعرفة نبضه ورأيه وموقفه.

كنا في سجن السراي.. وكان رئيس محكمة المجلس العرفي العسكري مترددا في البت في قضيتنا، لأنه يعرف أن لا مستمسكات يستند إليها للحك معلينا، ولكنه لا يستطيع أن ينطق بما هو مقتنع به.. وهل يستطيع كل واحد أن يصدر حكما في ظروف كالتي وصفناها، حيث يكفي أن يجمع أحدهم نفرا من الغوغاء الشعوبيين والشيوعيين ليصيح بهم ضد شخص يبيت له مكيدة: إنه بعثي، وضد الزعيم. ليهجم عليه أولئك، ويقال عنه بعد ذلك ( رحمه الله).

في كل مرة نذهب إلى المحكمة.. كانت المحاكمة تؤجل، ونعود أدراجنا، ويبدو أن ذلك العقيد، العميد فيما بعد، حسنا فعل عندما كان يؤجل محاكمتنا، فقد كان يرى أنه غير قادر على أن ينطق بالحق على أساس القانون، مثلما يريد، إذ لو أجرى محاكمتنا، ربما سحب نفسه، أو سلم لمن يضغط عليه في مساومة لا يمكن أن تكون قانونية أبدا، ولا يمكن إلا أن تكون على حسابنا، أو في الأقل، على حسابي، حيث شهد ضدي ثمانية وعشرون شاهد زور، إلا واحدا، ولكن أي واحد منهم لم يقل إنه كان حاضرا في مكان الحادث، ورأى صالحا يطلق النار على الشيوعي، وإنما كان بعضهم يقول إنه سمع صالح يتوعد، وبعضهم يقول إن صالحا بعثي نشط، والبعض الآخر سمع أن المتوفى، بعد أن وجد مرميا على الأرض إثر سماع الإطلاقات النارية، قال إن صالحا هو الذي قتله.. إلا واحدا قال: إنني كنت في الساعة ( كذا) أمشي في المنطقة التي وقع فيها الحادث، وما إن سمعت الإطلاقات، حتى وجدت القتيل على الأرض، ولما يفارق الحياة بعد، ثم جاء زوج أخته ( فلان) بعدي، وعندما حاول أن يسند رأسه على صدره سأله:
- من أطلق النار عليك؟
- أشك أن صالحا، هو الذي أطلق النار..
وعندما حاول زوج أخته، أن يقول له:
- بل هو.. هو..
- بل أشك ولا أجزم، لأن الذي أطلق النار عليّ كان ملثما، ولم أتبينه.
كانت هذه الإشارة التي أدلى بها فارس في شهادته هي الحاسمة، فعندما لا يكون هنالك دليل مادي يسند الشك، ويثبته على كرسي اليقين، يبقى الشك شكا في محله، ويبقى اليقين يقينا في مكانه هو الآخر، وليس بينهما جسر مشترك..
وعندما سئل صالح..
- بماذا تعلق؟
- أقسم بالله العظيم، بأن كل الشهود الذين جاء بهم الحزب الشيوعي كاذبون، إلا واحدا تقدم بالشهادة بدافع من نفسه ولم يطلب منه ذلك، وهو فارس، الذي قال إنه حضر أولا، ولم ينفِ أحد من الشهود أنه أول من حضر، ولم يسبقه أحد.
كان فارس هو الشاهد الوحيد الذي شهد بالحق، وغيره لم يشهد إلا بالباطل والهوى، وما أوعز به الشيوعيون إليهم، وأهم دليل على ذلك هو أن عددا منهم أغمي عليه عندما كنت أناقشهم، قال صالح، وهنا أتذكر طرفة:
- كان أحدهم أميا، وقد لقنوه أن يربط بين مجيء عبد السلام عارف، الذي عيّن سفيرا للعراق دون رغبة منه في ألمانيا الغربية، في بون، وعاد للعراق من غير رغبة عبد الكريم قاسم. وقيل إنه جاء ضمن مؤامرة مدبرة، وفق ما قاله الشيوعيون وعبد الكريم قاسم، ولم نر شيئا منها.. وكان مجيئه يوم 4/ تشرين الثاني من عام 1958.. لقن الشيوعيون هذا الغبي قصة ترتبط بهذا الحدث، كي يثبتوا أن مقتل الشيوعي من قبل المتهمين، كان جزءا من مؤامرة شاملة تنفذ في اليوم التالي لوصول عبد السلام عارف إلى بغداد، وذلك في 5/ تشرين الثاني، وتستهدف الزعيم عبد الكريم قاسم، مثلما كانوا يقولون، ومن الطبيعي أن لا يتقن ذاك سرد هذه القصة، إذ بالإضافة إلى صفته التي ذكرنا، كان يعرف أن قصته مرتبة وغير حقيقية، وبما أنه فوجئ بأنني أناقش من يدلي بإفادته، وأنه لم يسبق له أن رأى حكاما ومحكمة وعقداء يجلسون خلف منضدة، وأن الجندي أرعبه وهو يقول، بصوت قوي: محكمة. معلنا بدء المحاكمة، وفوق كل هذا كانت إرادة الرحمن الرحيم، لذلك ما إن جاء دوره ليدلي بإفادته أمام المحكمة وهو فلاح أمي، حتى صار يردد خمسة وعشرين.. ويكرر خمسة وعشرين عدة مرات وهو يتلعثم ويمسح عرقه المتصبب، رغم أننا كنا في شتاء، وعندما سأله رئيس المحكمة:
- ماذا تعني بخمسة وعشرين؟..
- خمسة وعشرون؟
وعندها قلت لرئيس المحكمة:
- إن الأخ ملقن على ما يبدو، ليربط بين موضوعنا الذي نحاكم عليه، وبين 5/ تشرين، اليوم الذي تلا عودة عبد السلام عارف من بون، وما قيل عن مؤامرته.
وعندا سقط مغشيا عليه، وهو يردد بشكل هستيري بائس ( خمسة وعشرين.. خمسة وعشرين) وحمل إلى خارج المحكمة.. وهكذا سقط آخر.. وآخر كلما شددت عليهم الخناق في المناقشة، وكلما سقط أحدهم كنت أقول:
- ( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) صدق الله العظيم.
فيزداد شأننا، ويتدنى شأن المفسدين في الأرض من الشيوعيين الذين ما رسوا ما مارسوا من زور وبهتان، بالإضافة إلى جرائمهم ضد الشعب والجيش والوطن..

بعد إجراء محاكمتنا، واتضاح كل شيء، كان لا بد من اتخاذ قرار، حيث بقي رئيس المحكمة ( شمسي) مترددا في اتخاذ القرار، وبعد أن استفسر محامينا منه، قال له بصريح العبارة:
- إن أي دليل على قول الشيوعيين واتهامهم الجماعة لم يثبت عليهم أبدا، وعندما أنطق بقرار لا بد أن أنطق بالحق وبالعدل..
- نعم، بارك الله فيك، يا حضرة الرئيس.. انطقها..
يهز رأسه ويقول:
- إن نطقتها سأوضع في السجن في اليوم نفسه، إذا لم ( أسحل)، أو أقتل، خلف مكتبي هذا.. مشيرا بيده إلى مكتبه الذي كان يجلس خلفه..
وعندما يقول له المحامي:
- لا أعتقد أن ذوي القتيل يفعلونها.
يقترب منه بعد أن يميل برأسه ناحيته، ويحرك كرسيه الدوار ليكون قبالة المحامي الذي يجلس قربه:
- لا أقصد ذوي القتيل، يا أستاذ، وإنما حزبه، أولئك المجرمون.. هل باستطاعة أحد أن يخلصني منهم، لو أرادوا؟..
يتابع المحامي:
- ولكن، ماذا يكون عليه موقف ( الزعيم)؟!
يجيبه رئيس المحكمة ( هامسا):
- عبد الكريم ( خلاص) صار منهم، إن لم يكن منهم أساسا، وخدع القوميين ليثوروا معه..
( يفرك) المحامي جبينه، وكأنه يشحذ ذاكرته، ويحرك رباطه ليكسب الوقت، بأمل أن تحضر فكرة في ذهنه، ولكنها لم تحضر، لذلك قال، ووجهه مطرق إلى الأرض، ورأسه يميل باتجاه رئيس المحكمة:
- ولكن يا حضرة رئيس المحكمة، الجماعة أبرياء.
وحين نطق كلمة ( أبرياء) لمعت في رأسه فكرة، كأنها أنقذت الموقف كله، وأنقذتنا، وأنقذت رئيس المحكمة.. بإذن الله..
- لدي فكرة.. قال المحامي..
سأله رئيس المحكمة بلهفة، وهو يقرّب كرسيه من المحامي أكثر فأكثر، كأنه يبحث عنها أيضا:
- ما هي؟
- لماذا لا تأخذ إجازة، ويتولى عضو اليمين العقيد حسين العاني النطق بالقرار في غيابك، وبذلك ننجز الموضوع، و (نخلص).
عندما قال كلمة ( ونخلص)، بدا كأنه قال في نفسه:
- لو أرجعت الخمسين دينارا، أجور المحاماة، واعتذرت عن القيام بواجبي، مثلما فعل عبد المحسن، من قبل، عندما اشتد عليه ضغط الشيوعيين في نقابة المحامين، لكان أفضل.
أخذ شمسي، رئيس المحكمة، إجازة، وصادف، أو كأن العميد شمسي أراد ذلك بالاتفاق مع العقيد حسين، أن النظر في قضيتنا والنطق بالحكم قد حان بعد يومين أو ثلاثة من إجازته، وفق الجدول المقرر للمحكمة.. وقد استدعينا إلى معسكر الوشاش.. وكنا في قلق شديد مثلما في المرات السابقة، عندما نخرج من السجن ونتجه إلى معسكر الوشاش لنحاكم في المحكمة العرفية هناك.. ذلك أن الموت صار منا قاب قوسين أو أدنى، ونحن في السيارة المخصصة لنقل المعتقلين، وكانت سيارة ( بيكب) خضراء اللون، على جانبي حوضها الخلفي مصاطب من خشب مصفوفة بصورة متقابلة من الجهتين، ويغطيها قفص مشبك من جوانبها، ومن الأعلى، يتيح للمعتقل فيها أن يرى من الداخل ويراه الآخرون من الخارج، وصادر أن مرت سيارتنا في شارع الرشيد، الذي كان مقررا أن تجري فيه فعاليات للحزب الشيوعي في ذلك اليوم، وقد جمع أنصاره ومؤيديه من كل أنحاء العراق، رغم أن قيادته قالت بصحيفة ( الشعب): إن الجماهير التي ستشارك في الفعاليات من بغداد فقط.

صرنا تقريبا في منتصف شارع الرشيد، وقبل أن نستدير باتجاه جسر الشهداء إلى معسكر الوشاش، حيث المحكمة العرفية العسكرية، صرنا وسط التظاهرة الشيوعية، وقد تجمع علينا أصحاب الوجوه الكالحة، وهم ( يشبون) يقفزون على سياج السيارة، ويسألون الشرطة المسلحين الذين كانوا يجلسون إلى جانبنا:
- من هؤلاء؟ وهم يشيرون بأيديهم إلينا.. أهم ضد الحزب الشيوعي؟ أهم ضد الزعيم؟ ما هي قضيتهم؟
وراحت القلوب تدق مسرعة، كأنها هي الأخرى تحاول أن تفر من أقفاصها مثلما كنا نحاول، لو أتيحت أمامنا في تلك اللحظة فرصة الهرب من قفص السيارة، لأن واحدا فقط من بين تلك الحشود لو عرفنا، لمتنا شر ميتة.. ولكن الله، سبحانه، لا يغفل، ولا شيء يحجب نظره عنا وهو في عليائه، ومع إيماني بالله، وضعت عيني على سلاح الشرطي الجالس قربي، كي أنتزعه منه، أو أستأذنه لأخذه منه، عندما يهجمون علينا، لنأخذ حقنا منهم، قبل أن نموت، لذلك تبادلت النظرات مع المتهمين، وخاصة مع ياسين وكريم.. ولكن الضابط بأمور الدورية التي تتولى حراستنا إلى حيث المحكمة قال:
- إنهم، وكان يقصدنا، من عشائر الجنوب، وقد تقاتلوا فيما بينهم، ومتهمون بقتل.
فتركونا وانصرفوا، وما إن تحركت مظاهرتهم مبتعدة عن السيارة باتجاه الباب الشرقي، حتى استدارت بنا السيارة منعطفة إلى اليمين، واضعة المتحف البغدادي، الذي يضم صورا عن جانب من حياة بغداد والبغداديين إلى يمينها، هو وسوق السراي، وسوق القماش إلى يسارها، إلى حيث جسر الشهداء.. وما إن صرنا فوق الجسر، حتى تداعت في مخيلتي أحداث الجسر، وكيف استشهد عليه من استشهد بتلك المقاومة الباسلة للطلاب عام 1952، حين كان صالح جبر رئيسا للوزراء، وما زالت ( هوسة) أهزوجة جماهير بغداد تتناقلها الألسن حتى الآن ( نوري سعيد القندرة.. وصالح جبر قيطانها)، وذلك الفعل الإجرامي الدموي الذي وجه ضدهم من النظام الملكي العميل، بنصيحة، بل بتوجيه من سفير بريطانيا ( العظمى)، من مقر السفارة الكائن في الصالحية.. وعندما تتلاشى من أمامي صور الشهداء وإطلاق النار عليهم، تحلق مخيلتي وأنا فوق الجسر إلى سوق الجديد، ومن بعده إلى خضر إلياس، حيث جدتي وخالاتي وعدنان، وحيث عابدة أيضا..

اطمئني فكلُّ سرٍّ مصونُ
فبقلبي حفظتُهُ وجفوني

كيف لي أن أبوحَ سراً عزيزاً
هو عندي أعزُّ ما في شؤوني

أنتِ في الصدرِ لي حضورٌ بهي
وعلى الأفقِ أنتِ صوتُ سنيني

أنتِ دمعي وبهجتي وشجوني
أنتِ حصني وأنتِ كلُّ حنيني

أنتِ من كلّما أطلّ على الكونِ منها
فيكِ روحي وخافقي وعيوني

لأرى فيكِ كلّ ما أتمنى
كاملَ الوصفِ رائعَ التكوينِ

لا رعى الله عاذلاً لو ثناني
عنكِ واستبدل الهوى بالظنونِ

ثم أعود بعد ذلك إلى نفسي، وخالي، وابن عمي، وعمي إبراهيم، وابن عم والدتي، وإلى ما سيؤول إليه مصيرنا، حين تنطق المحكمة بالحكم بعد سماع دافع المحامي هذا اليوم.. ثم أتساءل: أي حكم سيكون؟ وعندما أستعرض حيثيات المحكمة، وإفادات الشهود، لا أجد ما يقلق فيها، ولكن هل يكون الأساس حيثيات موضوعية في محكمة عرفية عسكرية في الظروف التي أوضحناها، ثم أعود لنفسي، فأقول إن رئيس المحكمة والأعضاء، العقيد حسين فرحان، عقيد في الجيش، ولا بد أن يكون كل عقيد شجاعا، ألم ينتمِ الشهداء، العقداء الأربعة، الذين ثاروا على الإنكليز في عام 1941، إلى نفس الجيش الذي ينتسب إليه العقدي حسين فرحان!؟.. وعندما أجيب: نعم، تحلق روحي كطير يرفرف جناحاه فوق خضر إلياس، وأرى أحلامي تتحقق بأن أنجز دراستي، وأكمل الثانوية..
 
ثم أتساءل مع نفسي: أي كلية سأدخل؟ فأقول بإصرار: الكلية العسكرية.. ثم أجفل عندما أستعرض الوضع السياسي..
 

 لأقول: وهل سيمكننا من هذا حكم عبد الكريم قاسم والشيوعية؟ ثم أعود بذاكرتي.. وأتذكر أنه لم يقبلوني أنا وعدنان في كلية القوة الجوية من قبل، بحجة أن نظر عيني عدنان لم يكن ( 6/6)، ورفضوا قبولي بحجة نقص في وزني قدره ثلاثة كيلوغرامات، وأعطوني مهلة أسبوع واحد لأزيد وزني، وهم يعرفون، ولعلهم لا يعرفون أن شابا في مرحلة نمو، حيث لا ( نستله) ولا حلويات تؤكل، وفق ما يشتهي الإنسان، مثل بعض الناس الآن، يصعب عليه أن يزيد وزنه ثلاثة كيلوغرامات في أسبوع واحد.. وإذا كانوا لم يقبلوني، ولم يقبلوا عدنان،قبل أن أتهم بهذه التهمة، فكيف لهم أن يقبلوني بعد هذا، حتى لو نطق رئيس المحكمة العسكرية العقيد حسين بالبراءة؟ ثم أعود لأقول: ألم يقبل عدنان في الكلية العسكرية، بتسهيل أمر قبوله من القوميين والبعثيين، رغم أنني وعدنان لم نقبل في كلية القوة الجوية؟.. إذن يمكن أن يدبر البعثيون والقوميون قبولي أيضا.. ثم أعود لأتساءل: وماذا لو لم يحصل هذا؟.. وما هي الكلية التي سأختارها؟.. وقبل أن أتوقف عند هذا التساؤل، أعود لأجفل مرة أخرى.. وأنا أستذكر رئيس المحكمة الأصلي قبل التمتع بالإجازة.. فأقول: أليس شمسي عقيدا، ومع ذلك كان خائفا، ولم يستطع أن ينطق بالحكم؟ إذن، ليس كل عقيد عقيدا!!..
 
ومن أجل إنصاف العقيد شمسي، بغض النظر عن دوره ودور حسين فرحان، أقول إن العقيد شمسي كان محقا في هواجسه، ذلك أننا سمعنا بعد انتهاء المحاكمة، التي سيأتي ذكرها، بعدد من الأيام، أن الشيوعيين هجموا عليه وهو في بيته الكائن على مقربة من شارع عمر بن عبد العزيز في الأعظمية، ورغم أنه حاول أن يستنجد بالانضباط، وربما اتصل ( بالزعيم) عبد الكريم قاسم أيضا، وكان العميد في الجيش يسمى ( زعيما)، ومن هذا اشتقت صفة الزعيم التي أطلقها الشيوعيون والشعوبيون على عبد الكريم قاسم، أي اشتقت من رتبته، التي كان عليها عندما قامت ثورة 14/ تموز.. ورغم أن العقيد شمسي اتصل بالجهات العسكرية المعنية، ولكن أحدا لم يأتِ لإنقاذه، وإنقاذ عائلته المهددة بالسحل والقتل، وهنا تذكر صفته العسكرية، ورتبته كعقيد في الجيش، وحمل عليهم ببندقيته، وأطلق النار عليهم، فولوا هاربين من أمامه، وبذلك خلّص عائلته وخلّص نفسه، وهكذا يمكن القول إن رتبة العقيد وما هو فوقها، أو أدنى منها، عندما تفعل فعلها على أسا سمعناها، تخلص من تخلصه من الخطر، وتحقق مثابتها في خدمة معاني الجيش، وفي الدفاع عن الوطن..

توقفت دواليب السيارة، محدثة صوتا بكوابحها.. وإذا بنا أمام الغرفة نفسها ( 2.5× 3 أمتار)، وهي غرفة مخصصة للحراسة أصلا، وأنا أعرفها.. وقلت في نفسي لقد خزّنا بها مرات، ونحن ننتظر وقوفا حتى نستدعى إلى المحكمة، وها نحن نخزن في هذه الغرفة مرة أخرى أيضا.. ولكن جاءنا من يقول إن النطق بالقرار مؤكد هذا اليوم، ولأن الشيوعيين كانوا يحضرون في قاعة المحكمة وخارجها، فقد أنفذنا إشعارا إلى بعض أعمامنا ليحضروا إلى هناك تحسبا لأي طارئ.. وقد حضر جمع من أعمامنا إلى هناك فعلا، وحضر عدد من الشيوعيين يتقدمهم محامون، منهم من كان من قياديي الحزب الشيوعي، بينما كان لنا محامٍ واحد، مثلما ذكرنا، لأن الثاني خاف وانسحب.. 

- محكمة.. 

 

 

 يتبع الجزء السابع عشر...

 

 

إلى صفحة المقالات