بسم الله الرحمن الرحيم

09/05/1429

رواية رجال ومدينه لكاتبها الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد

الجزء السابع عشر

 موقع النهى*

 - محكمة..
صاح الجندي المخصص لذلك، ولكن قلبي لم يخمشني عندما صاحها.. كنت مطمئنا إلى أن القرار سيكون إلى جانبنا، ومثلما يحتاج الحق لأهله، بعد الله، لكي يظهر، فإن القانون يحتاج لأهله لكي يطبق، من غير أن تأخذهم في تطبيقه وفق ما يرون لومة لائم..

بدأ حسين فرحان المرافعة بالقول: على كل من هم داخل فضاء المحكمة، وليس لهم عمل قانوني، أن يخرجوا.
وصار واضحا لي ولغيري أنه يمهد ليقول قراره من غير تشويش، ولكن إلى أين سيتجه قراره؟ لا أحد يعرف، إلا أن كل من كانوا داخل أو خارج القاعة انشغلوا في التخمين الأقرب إلى هواجس أو هوى كل منهم، وربما انخفضت درجة الحرارة في بعضهم، فيما ازدادت لدى آخرين، ولكن لم يتثاءب أحد مثلما حصل في مرات سابقة.

ضرب رئيس المحكمة حسين فرحان منضدته بالمطرقة الخشبية، كأنه يقول بحزم: أن اقطعوا الكلام.. ولا يتكلم أحد..
صار أي صوت يسمع من الجميع بعد ذلك، بل.. حتى المتهمين في قفص الاتهام..

وبعد أن قرأ ديباجة الحكم قال: قررت المحكمة بإجماع أعضائها الحكم.. وقبل أن يضيف كلمة ( ببراءة) بعد قوله الحكم.. بدت الفاصلة كأنها دهر، وكان ظننا في تلك اللحظة أنه سيصدر علينا حكما محددا، وحبست الأنفاس في الصدور، كأنها أبت أن تخرج منها، لأننا لم نكن نعرف أن الحكم سيصدر بالبراءة أو الإفراج، أو بالإدانة أيضا.. وعندما قال ببراءة: مال الله، إبراهيم، أحمد، ياسين، عبد الكريم، سليمان، سكت لحظة، فعاد النفس لينحبس في صدرونا لأنه لم يلفظ اسم صالح بالبراءة، وعادت الهواجس والظنون بأنني سأكون ضحية، وثمن مساومة أفدي بها احتمالات الخطر عن رقاب أعضاء المحكمة، أو ما يمكن أن يصيبهم من أذى.. ولكن ما هي إلا لحظة، وإن كانت ثقيلة وطويلة، حتى قال: وحكمت على صالح.. وتوقف الزمن مرة أخرى، أو هكذا بدا لنا.. وصار بين عبارة ( حكمت على).. وبين النطق ( بالإفراج) كأنه دهر، وعندها هتف خالي مال الله: يحيا العدل.


قد تعالى اللهُ في قدرتهِ
نحنُ في قدرتهِ كنّا ازدهينا

إن سعى الناسُ إلى جنتيهِ
فلعليينه نحنُ سعينا


  كان حسين فرحان رجلا جديا في منظره وفي تصرفه، وكان في حوالي الخامسة والأربعين من عمره، يحلق شعره على طريقة العسكريين بأن يلح في حلاقة شعر جوانب رأسه، و( يعيل) عليه، ويترك في أعلى رأسه شعرا لا هو بالطويل، ولا هو بالقصير جدا.. وكان الشيب يعلو فوديه، بما يجعله على لون شعره الأسود..

لقد نطقها حسين فرحان، ولم ينطقها شمسي.. ومع أن من نطقها حسين وليس شمسي، فقد أحيل شمسي إلى التقاعد قبل حسين.. ومع أنهما أحيلا إلى التقاعد، والتقاعد ليس سهلا على الضابط، ولكن فخر حسين بموقفه كان أعلى من فخر شمسي بموقفه.. وإذا كان لكل درجة اعتبار مستواها بمستوى ما يقدم صاحبها من التضحية مثلما في قوانين القادر العظيم، فهي كذلك أيضا وفق نواميس الحياة!.. نعم، حتى نمط البصمة التي يتركها كل إنسان للتاريخ تتشكل على هذا الأساس، بل أكاد أقول حتى قبور الناس، إنما ترى فوق الأرض، أو تعرف ويهتدي الناس إليها، ليقرءوا سورة الفاتحة على أصحابها، بمستوى ما قدم كل واحد منهم من تضحية، بما في ذلك لو اقتصر تاريخه على فعل أو قول الخير فحسب، من غير هامش يضع الروح أمام الاحتمالات الأخطر.. أليس عمل الخير للآخرين تضحية؟ وإذا كان كظم الغيظ فضيلة، استدعت أن يطريها الله، بعد أن حثّ عليها في قرآنه الكريم ( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) وعلى أساسها أعطى الناس الإمام موسى صفة ( الكاظم) وصرنا جميعا ننعته به، ونسميه ( موسى الكاظم).. فإن عمل الخير معروف أيضا..

إن النطق بقرار كهذا لا بد أن يلقم العتو والفساد في الأرض حجرا، ويجعل المؤمنين يعلون اسم الله فوق الأرض مثلما هو عالٍ، تعالى ربّ العالمين، ويمحق كيد الكافرين.. وهكذا، دخل حسين فرحان التاريخ بنطقه بذلك القرار، وصار رمزا عاليا في القضاء العراقي العادل والحازم.. ونطق معه كثر من القضاة بقراراتهم، دون الالتفات لهوى الشيوعية والشعوبية، فكانوا أبناء بررة للعراق العظيم، وصورة مشرقة للقضاة، بوجه من صاروا مطية، أو وسيلة للشعوبية، وأزلاما لعبد الكريم قاسم، بحكمهم على الأحرار بما يوافق الهوى..

كان العراق يغلي بعد الحكم بالإعدام على مجموعة ناظم الطبقجلي والعقيد رفعت الحاج سري.. وكان عددهم في تلك الوجبة اثنين وعشرين فحلا مجاهدا.. وكان الغضب تحت هذا العنوان شبه ملجوم تحت القول: ربما يعفو عبد الكريم قاسم عنهم.. ولكن آخرين كانوا يطلقون العنان لخيالهم بالقول إن ثورة الموصل ربما جعلته يصحو على الواقع، ويعرف أن الشعوبية والشيوعية ورطتاه بما جعله يكون على طرفي نقيض هو والشعب والجيش.. ثم راح كلّ يروي رواية حسب خياله وهواه.. فمنهم من يقول، ربما يعفو عنهم، ولا ينفذ حكم الإعدام، بعد أن سمع صوت الشارع العربي الذي جاءه ببرقيات احتجاج، تضمن بعضها تحذيرا بأن لا يفعلها، وينفذ حكم الإعدام بالأحرار..
هذه الأرضُ التي ما إن نموتُ
تحتوينا لهفةً أن لا نعود

فلقد منها خُلقنا ولقد
تكرمُ الأجسادُ فيها بالخلود

حقها عيناً علينا إننا
نرخصُ الأرواحَ إن لاقت جحود

****************


  ولكن الصدور كانت تغلي في الداخل، وبدأ نشاط حزبنا المنظم يأخذ مدى أبعد بين الجماهير، وداخل الجيش أيضا.. في هذه الظروف، وبعد خروجي من السجن، جاءني مسؤولي الحزبي ليقول لي.. إن محمود الذي التقيته في سجن السراي يريد أن يراك لأمر بعينه، وقد كلفه الحزب بذلك.. وأن كلمة السر (.......)..

جاءني محمود، وبعد أن تعانقنا، ورحبت به، وقال لي: الحمد لله على السلامة، لما واجهته من ظروف صعبة.. بل لعلها محنة حقيقية.. قال:
- أتذكر الأيام التي قضيتها معك في سجن السراي، وأتذكر أنك.. قلت لي أن ليس من حل يفتح الطريق أمام الشعب والجيش إلى نوع جديد من الحياة إلا بإزاحة عبد الكريم قاسم..
عندما قال ذلك، عرفت أن محمود خزن ما جمعه عني من صور واستنتاجات و تقييم، عندما كان معي في سجن السراي، ولا بد أن يكون قد أفضى بهذا إلى من اتصل بهم من الحزب، وعلى أساسه جاءني بتكليف من الحزب لدور ما..
فقلت له:
- أجل.. قلت ذلك وأتذكره.
قال بعد أن تأخر قليلا:
- لقد رشحتك لدى الحزب لعمل فدائي ضد عبد الكريم قاسم، وسأكون معك في هذا العمل..
ودون أن ينتظر جوابي، سألني:
- فماذا تقول؟
قلت، بعد أن نظرت إليه وأنا أبتسم:
- وهل بعد قول الحزب قول!؟..
قال الرفيق محمود:
- نعم.. على قاعدة ما هو مثبت في النظام الداخلي، تعبيرا عن قيمة رأي الفرد، في ظل العمل الجماعي والقرارات الصادرة باسمه، من غير أن يوقف العمل، أو يغيّر القرار: ( نفذ ثم ناقش)..
قلت له مازحا وأنا أبتسم.. وكان واضحا أن المسرّة، بل السعادة غمرتني، وأفصحت السعادة عن نفسها بحيث لاحظها محمود:
- عندما ننفذ، إن شاء الله، يحق لمن يريد مناقشة قرار القيادة أن يناقشه. ولكن، أبعد كل هذا التكريم الذي منّ الله به عليّ وعلى أهلي، بأن أوحى للقيادة أن تختار صالحا من بين آلاف البعثيين لهذه المهمة المشرّفة، وتريدني أن أناقش؟ الحمد لله على كل شيء، وأشكرك، وأشكر القيادة على تكريمكم وتقييمكم لي بهذا المستوى.. وأنا جاهز لهذا، يا رفيق..
قام محمود من فوره، وعانقني.. اتفقنا على الخطوة اللاحقة.. ثم ودعني، وانصرف..


*****************


" من لا تحمّر عينه غضبا ضد انحراف، يسهل تسوّر داره، ومن لا يسعى لعمل صالح لكسب ود الآخرين، بعد رضا الله، صدّوا عنه، واستغنوا عن رضاه"..
استمرت الحياة السياسية والأمنية تتدهور، واستمر الحزب الشيوعي والشيوعيون يضغطون على عبد الكريم قاسم، ليتوغلوا أكثر وأكثر داخل السلطة والجيش، واستمر القوميون، بوجه عام، يقودهم البعث، في موقفهم الأصيل..
أبلغني محمود بأن أكون جاهزا في صباح اليوم التالي، عندما زارني في أحد الأيام، وقال إن واجبنا الآن أن نذهب، مع ما تم تهيئته من أسلحة، إلى منطقة ما خارج بغداد، لنتدرب عليها في أرض خلاء..
قلت له:
- أنا أجيد استخدام الأسلحة..
قال:
- ليس الرشاشات طبعا..
قلت:
- من يجيد استخدام الأسلحة، يجيد استخدام الرشاشة..
- مع ذلك لا بد من التدريب..
- نعم، ولكنني أردت أن أطمئنك على أنني أجيد استخدام السلاح..
- أعرف ذلك..
ثم تبسم، وانصرف بعد أن اصطحبته إلى الباب، وودعته هناك.
التقينا في صباح اليوم التالي، بعد أن تجمعنا في مكان محدد، وهناك عرفت رفاقا آخرين، هم المجموعة الفدائية التي قررت القيادة أن أنضم إليها لتنفيذ الواجب.. قدمهم لي مسؤول المجموعة، بعد أن قدم نفسه باسم عبد الرحمن.. هذا محمود وأنت تعرفه.. وهذا سمير.. وحاتم.. وسليم.. وعبد الوهاب.. وسلمت عليهم واحدا واحدا.. وقال لهم عبد الرحمن: إنه ( ويقصدني) فدائي جديد من رفاقنا، وقد تكونون مطلعين على أخباره.. إنه صالح..

توجهنا في سيارتين، إحداهما دوج موديل 1956 على ما أتذكر..
كان عبد الوهاب دليلنا إلى نقطة ما في المحمودية، وهناك، كان أبو طارق بانتظارنا على الشارع العام.. وكنا قد.. خبأنا أسلحة التدريب تحت ( كشنات) السيارة.. وكن أحمل مسدسي الشخصي بحزامي..

توقفنا، بعد أن خرجنا قليلا عن حافة الشارع اليمنى، بعد المحمودية مباشرة، واضعين بغداد مسندا لظهورنا، وكان دليلنا، أبو طارق الذي ركب في السيارة الأمامية، وبعد المحمودية بمسافة ليست ببعيدة، انعطفنا إلى اليمين، وصرنا نسير على طريق ترابي، وتوغلنا في عمق صحراء قاحلة.. كان الوقت صيفا.. وصلنا إلى نقطة معلومة، أرادها أبو طارق مكانا للتدريب حسب خبرته.. ترجلنا وأخرجنا البنادق والعتاد..

كان العتاد محدودا، ومع ذلك كان كافيا بالنسبة لمن يجيد استخدام السلاح، ويريد أن يعرف خواص الرشاشة التي يستخدمها فحسب، والطريقة التي يضمن استقرارها غريزيا على الورك، عند الرمي على الهدف، صليا ومفردا.. ولأن المهم هو الرمي صليا، حيث المجال لا يتسع للرمي المفرد في مثل هذه العملية.. فقد ركز على هذا الأمر من بدأ يشرح لنا ذلك..

بدأنا نسدد على نبتة ( شوك) كانت على الأرض، أو شجرة ( صريم) نشرنا فوقها منديلا أو قطعة قماش.
باشرت الرمي مفردا، ثم ( صليا)، ولم أعد أتذكر من أصاب الهدف ومن أخفق.. وكيف لنا أن نعرف هذا من خرقة منشورة على نبتة ( شوك). ما إن توجهت إليها النيران حتى التهمتها!! وبقينا نطلق على بقاياها.. كان الكل متحمسين للواجب، وصار بعضهم كأنه يستعجل ممثل القيادة، الذي التقى بنا فيما بعد، على الإسراع في تنفيذ العملية قبل أن تكشف..

عدنا من هذه السفرة إلى بغداد، وبعد أن أوصلني الرفاق إلى رأس جسر الشهداء من ناحية الكرخ.. ذهبت مشيا إلى خضر إلياس، بأمل أن نلتقي في اليوم التالي.. وهكذا صارت لقاءاتنا متقاربة..

****************


  لم ينفذ عبد الكريم قاسم حكم الإعدام بالضباط وبفاضل الشكرة، المدني الوحيد بين تلك المجموعة المؤلفة من قادة عسكريين وآمرين وضباط برتب متباينة، ويبدو أن الضغوط العربية، جعلته يتردد في هذا، وربما لاعتبارات أخرى أدخلها في حساباته الخاصة.. ومع عدم تنفيذ حكم الإعدام، بلغنا بأن الحزب أجلّ تنفيذ العملية إلى إشعار آخر.. كان السبب الأساس لقرار التأجيل هو انتظار ما يمكن أن يسفر عنه الضغط العربي الشعبي والرسمي، بأمل أن يؤدي إلى استبدال حكم الإعدام بحكم أخف.
كان قرار القيادة تأجيل تنفيذ العملية ثقيلا علينا بوجه عام.. وربما كان ثقله عليّ هو الأكبر.. ومع ذلك لم أضجر، أو أبدِ أي ملاحظة على القرار..


*****************

 
 في أحد أيام صيف عام 1959، وربما في بداية خريف عام 1959، نفذ عبد الكريم قاسم حكم الإعدام رميا بالرصاص في الضباط الأبطال في منطقة أم الطبول، حيث موضع الجامع الحالي، ومعهم البطل فاضل الشكرة..
خرجت تظاهرة حاشدة حزينة غاضبة، أعد لها الحزب، انطلاقا من الأعظمية، حيث بيوت بعض القادة العسكريين، ومنهم ناظم الطبقجلي، ورفعت الحاج سري.. وكان حجم مشاركة العنصر النسوي فيها كبيرا.. وكانت النساء يلبسن السواد، ومع الهتافات التي كانت تعلو في كل مكان.. كانت النسوة يلطمن الخدود، ويولولن على الأبطال الذين أعدموا.. وكان من ينظر إلى تلك التظاهرة التي اتجهت إلى وزارة الدفاع، حيث مقر عبد الكريم قاسم، يتصور أن بغداد خرجت كلها في ذلك اليوم، الذي كان يوم حداد وغضب، ولأول مرة يفصح العراقيون من خلال جماهير بغداد بشعارات تدعو إلى الثورة ضد عبد الكريم قاسم.. وتتعالى الهتافات..
يا بغداد ثوري ثوري
خلّي قاسم يلحق نوري

والقصد هو الثورة على عبد الكريم قاسم، ليحلق ميتا بنوري سعيد، الذي قتل في ثورة تموز 1958 من قبل.. وقد حشد عبد الكريم قاسم القوة التي كان يأتمنها، وهي قوة الانضباط العسكري، التي حوّل واجباتها من قوة انضباط في الجيش ( شرطة عسكرية مثلما تسمى في بعض الجيوش العربية) إلى قوة لمكافحة التظاهرات، وجزء من أمن عبد الكريم قاسم.. وكان على رأسها العقيد عبد الكريم الجدّة العميد فيما بعد..
أحاطت تلك القوة بالتظاهرة من كل جانب، إضافة إلى ما تحشد معها من قوة الشرطة.. ولكنها لم تضرب التظاهرة، وقبل أن تصل التظاهرة، ونحن فيها، جسر الحديد، كانت مدرعات عسكرية تقطع الشارع وتتهيأ لإطلاق النار.. وعندما تيقنت قيادة التظاهرة التي كان الحز قد أعد لها وقادها، بأن لا أمل في الوصول إلى وزارة الدفاع، وأنها إذا ما أصرت على ذلك، كان الموت في انتظار هذه الحشود الغفيرة من الناس، رجالا ونساء، شيوخا وصبايا وصبيانا، توقفت التظاهرة عند الحاجز العسكري الذي كان يبعد بضع مئات من الأمتار عن وزارة الدفاع، حيث مقر عبد الكريم قاسم، وتفرقت بعد أن أسمعته صوت الغضب الشعبي..


*****************


" من لا يحسب حسابا لغضبة الآخرين دفاعا عن حق.. خاف منهم"..
كان تنفيذ حكم الإعدام في أم الطبول بضباط الجيش وأحرار العراق على ثلاث وجبات في 5/4/1959 و 25/8/1959 و 20/9/1959، هو الحد الفاصل بين أي أمل في إمكانية إصلاح عبد الكريم قاسم، وبين سقوطه إلى الهاوية، وهو يحاول مثل ثور أو بغل يدور على محور دوار، يخرج الماء مع حركته بالدلاء على ( سربس)، فعندما يخطئ التقدم ويحرن، يسقط في البئر الذي يسحب الدولاب الدوار منه الماء بالدلاء.. ويسحب معه عند السقوط كل الدلاء، وربما الدولاب الدوار أيضا، إلى قعر بئر مظلم..

صار سقوط عبد الكريم قاسم مؤكدا ونهائيا بإعدامه الأحرار، تنفيذا لرغبة الشعوبية التي لبست ثوب الشيوعية، وكأنه بهذا أراد إحراق العراق من غير أن يترك له أثرا إلا بقايا رماد.. وبماذا يمكن أن يوصف نظام الحكم الذي يخضع للشيوعية، التي تدعو إلى الإلحاد والرذيلة، والتخلي عن المعاني الأصيلة للشعب، والتي إذا حكمت يكون قانونها قانون الأشياء التي تنعدم فيه أي ولاية للرحمن الرحيم، وقانون الميكافيلية الغربي، الذي يقوم على فكرة الغاية تبرر الوسيلة أو الواسطة، وأن المادة وقوانينها هي ما يعترف به فحسب، وليس أي حال آخر؟ وما الذي يمكن أن ينتظر من حكم تحرّكه نوازع الشعوبية المعادية للعروبة والأمة العربية، غير مزيد من الشر والأذى، اللذين يعقبهما انحداره إلى الهاوية؟

ماذا يكون بعد حال كهذا لو تحقق بمداه غير أن يحترق العراق، عندما يحترق أكثر من 1400 عام من تاريخ العراق، وعندما تحترق روح بغداد، التي تأسست عليها، حتى صارت منارة ضوء للإنسانية كلها، ودليلها في الليل البهيم والتصحر!؟

ماذا يعني هذا، لو حصل، غير القول إن العراق يحترق؟ وماذا يعني هذا غير الانسلاخ عن جسد الأمة، بعد أن تنتزع روحها من أرض العراق، فيتحول العراق من دور الهادي للأمة، وجمجمة الحكمة فيها، ودرعها وسيفها، إلى دور الضائع الضال الذي لا يترك مجالا لمن يهديه إلى حيث ينبغي، بعد أن يتخلى عن دوره الطليعي القيادي عندما ينسلخ عن أمته، ويتمرد على روحها، ويغترب عنها وعن نفسه؟ ولو حصل هذا، لا سمح الله، هل كانت حدود تأثيرات الحزب الشيوعي ستبقى على نطاق ضيق، مثلما كانت في اليمن الجنوبي ( اليمن الديمقراطية)، وبين صفوف الأقليات، والتيارات الشعوبية المحدودة في لبنان وسوريا، وأجزاء من الوطن العربي الكبير، أم يوقع ثقل العراق الواقعي والتاريخي آخرين معه في وهم الشعوبية وخداعها، فتنقسم الأمة، وتحترب إلى أن يشاء الله، حاميها؟

للشعوبية جذور عميقة وقديمة في العراق.. ويمتد وجودها ونشاطها إلى بداية نشوء الدولة الأموية، وقد لعبت دورا في تقويض هذه الدولة، ليس كرديف نشط للأسباب الأخرى، وإنما كانت أحيانا الأساس، والأسباب الأخرى محض غطاء أو أغطية لتخفي أغراض وأهداف حركتها. وفي كل الأحوال، كانت رديفا جاهزا ونشاط لكل سبب تجد في مرافقته والتأثير فيه ما يحقق لها أغراضها.. وعندما سقطت الدولة الأموية، سقطت بسقوطها أي فرصة لتوسع الدولة العربية الإسلامية، عدا تثبيت ما حصل عبر البحر الأبيض، حيث أسس الأمويون في الأندلس، عبره دولة جديدة، ووضعوا بينهم و بين الدولة العباسية بحرا، وبقي تأثير الدولة العباسية في المغرب العربي ومستوى إحكام قبضتها هناك مرتبطين ومتأثرين بما يمكن أن يؤثر على ولاء المغرب العربي وهو يحتضن فتحة جبل طارق، التي تقع على طرفها الآخر دولة مناوئة، هي الدولة الأموية، التي أسسها صقر قريش، مثلما وصفه باستحقاقه غريمه أبو جعفر المنصور، فأنصفه وأنصف نفسه في التاريخ..

ولكن الشعوبية في العراق لم تلق السلاح بسقوط الدولة الأموية وبتولي العباسيين السلطة بدلا عنهم، ذلك أن أطماعها لا تتوقف باستبدال عربي بعربي، حتى لو كان أناس شعوبيون رديف من هم في السلطة من العرب، مثلما كان أبو مسلم الخراساني على عهد أبي العباس السفاح، وإنما بإلغاء دور العرب القيادي، فاستبدال عربي بعربي ليس غير تكتيك ضمن مرحلته، لإضعاف حكم العرب المؤمنين، وإضعاف دورهم وتأثيرهم القياديين، وإشغالهم ببعضهم بما يقربها أكثر فأكثر إلى حيث ينبغي أن تسدد لتطلق.. ولذلك لم تكتف بما سجلت من انتصار حيث التأثير الواسع للبرامكة على عهد هارون الرشيد، والذي ابتدأت بدايته مع تأسيس الدولة العباسية على عهد أبي العباس السفاح، وإنما سعت إلى إقصاء العرب نهائيا عن مراكز التأثير والقيادة، وإذا كانت قد احتاجتهم كغطاء مهلهل لمرحلة عبور إلى شاطئ آخر، فلم يكن ذلك إلا دورا وسلطة شكليتين، مما جعل هارون الرشيد، يعضده العرب، ينقلب عليهم في القصة المعروفة..

إذن، رغم مواجهتنا تحالفا شيوعيا شعوبيا مع عبد الكريم قاسم في العراق، فقد كانت الشعوبية في حقيقتها قاعدة الشيوعية، ولولاها لما وجد في العراق حزب شيوعي واسع العدد والتأثير في أوساط بعينها.. ولولا الله، ودور البعث العظيم، لانتصرت الشعوبية، ولسلخ الوجه العربي للعراق وروحه معا..

****************
 

"من يترك كلبته وقت التلاقح من غير أن يربطها، تلد له جراء لا يعرف أباها.. والكلب الذي لا يربيه ولا يعتني به صاحبه، قد يلغ في اللبن الخاثر في الإناء"..
نعم إن الحركة الشيوعية في العراق حركة شعوبية بوسائل جديدة دفعت بها تيارات الشيوعية الأممية آنذاك، مع الإبقاء على نشاطاتها تحت واجهات أخرى رديفة لما يراد له أن يكون أساسيا في كل مرحلة من مراحل الزمن، ولذلك، كانت الشيوعية في العراق، في جانب من جوانب تأسيسها وفكرها وتنظيمها ونشاطها، حركة شعوبية هدامة، مثلها مثل أي حركة شعوبية مسيسة، من حيث النوايا أو الفعل، وهي تنطلق أساسا من نية وتصميم مؤكدين لهدم لحمة وسدى القومية العربية، والتراث والتأريخ العربي الإسلامي العظيم، الذي شكل عقيدة العرب المسلمين، وامتد به العرب، لأول مرة، كنشاط إنساني عظيم وواسع المدى والتأثير من خلال دولته، إلى محيطات أمم وشعوب خارج محيط العرب، وهكذا مارست دولة العرب الإسلامية لأول مرة في تأريخ الإنسانية، قبل أكثر من (1400) ألف و أربعمائة عام، دورا إنسانيا مجيدا في محيط الإنسانية، وحيثما وصلت في تأثيرها وقدرتها، ولم يسبقها إلى هذا أي دين وأية أمة، وبعد هذا الزمن الطويل، بعد أكثر من ألف وأربعمائة عام أيضا، تحاول دول غربية أن تتحدث بشعارات ذات شكل إنساني بوجه عام، ولكنها تخفق من ناحية النية والتطبيق في أن تقنع أحدا بجديتها في هذا.. وإنما هي محض أغطية لفعل يراد به خدمة أهدافها الإمبريالية فحسب!.. فهل يستحق ذلك تراث العرب الإيماني المجيد، وفكرهم القومي الحضاري العظيم، وإيمانهم الذي أخرج الإنسانية من الظلام إلى النور، يوم كانت بغداد مشعلها وعقلها وضميرها ورمحها الطويل الذي ما وجد سبيله إلا في قلب الباطل دفاعا عن الحق؟.. وهل يستأهل هذا التراث والفكر.. أن يهدما!؟

وإذا كان الجواب: لا.. فهل الشيوعية في بلادنا، وكل الحركات الهدامة الأخرى، إلا حركات شعوبية في قاعدتها الفكرية، وفي منهجها العملي!؟
هذا ما واجهته جماهير شعب العراق، و حركاتها وقواها السياسية الأصيلة المؤمنة بقيادة البعث العظيم..
وبعد أن انتخى البعث لواجبه القومي المغمس بعمق التراث، وأريج الرسالة المؤمن، ومع أي خطوة حالفها التوفيق من الرحمن الرحيم أولا، وكانت جماهير الشعب سببا لها وعونا في الأرض، يفهم شعبنا المجيد في العراق، وعلى مستوى الأمة ككل، أي دور مشرّف وكبير هذا الذي نهض به البعث ليخلّص الأمة والشعب من تلك الغمة، التي ألمت بشعب العراق، ومن بعده ما يمكن أن يصيب الأمة!! ولولا البعث، بعد رعاية الرحمن، لكان للأمر شأن وتأثير لا يعرف فيه مستوى الظلام الذي سيدخله العراق، والأمة من بعده.. فهل سبق للعراق أن سجل صعودا على قمة استحقاقه، من غير أن يضيء ضوءه للأمة كلها؟ وهل سبق أن خيّم ظلام عليه، من غير أن يسود الأمة ظلام دامس، وتنكفئ دلالها، وتطفأ نار مواقدها، ويجف حليب ضرعها، وتكسر سيوف فرسانها، أو تسبى نساؤها!!؟

في ظروف كهذه، وبعد أن يأس البعث من إمكانية إصلاح عبد الكريم قاسم، وبعد أن صار انحرافه عن مبادئ ثورة 14 تموز واضحا، قررت قيادة الحزب، ثأرا لكل المعاني العاليات، ودفاعا عن النفس، وعن الشعب و الأمة، وكجزء من تمنيات أو خطط لم يشهد الضوء منها إلا الجزء الذي كلفنا نحن بتنفيذه.. قررت القيادة المباشرة بمهمتنا، لتوجيه نيران أسلحتنا على عبد الكريم قاسم، بعد أن كانت قد أجلت تنفيذ هذه المهمة من قبل، بحثا عن أمل الحد الأدنى في الإصلاح، ولكن التمني لم يجد فرصته، بعد أن أعياه فتح نافذة على عقل وضمير عبد الكريم قاسم، الذي مات عقله وضميره، مع موت عقل وضمير الشعوبية، وواجهتها الجديدة: الحزب الشيوعي العراقي..

استدعينا كلنا لأحد بيوت الكرادة.. وحضر الاجتماع ممثل قيادة القطر إياد، وبعد أن سلم علينا، جلس، وأفرد ورقة عريضة نسبيا، تحتوي على مخطط لمعالجة سيارة عبد الكريم قاسم، وسيارة الحماية خلفه، مع التركيز بوجه أساس عليه مباشرة، وأن يقوم عبد الرحمن من مجموعتنا بفتح باب سيارته بعد ذلك، ليطلق عليه النار، وهو داخل السيارة، لتكون الضمانة أعلى بأنه مات فعلا، بعد التوكل على الله، وفق ما وجهنا بهد مندوب القيادة.. وفي الوقت الذي نتلقى إشعارا بتوجه عبد الكريم قاسم إلى المكان الذي نكمن فيه، تتهيأ سيارة سليم، وهي بيوك موديل 1956، تقف على مقربة من رصيف الشارع بالاتجاه الذي سيسلكه عبد الكريم قاسم، وهو قادم إلينا، وحين يقترب منا، وقبل أن يمر أمامنا، يفتعل سليم، وهو خلف مقود السيارة، بما يفسر بأنه ارتبك أو ما شابه ذلك، ليصطدم بسيارة ( عبد الكريم قاسم)، من الجهة القريبة إليه، على أن يكون تماس السيارتين في أقرب نقطة لمقدمتيهما، بما يفرض التوقف على سيارة عبد الكريم قاسم.. وفي كل الأحوال، ينبغي أن يقطع سليم الشارع بسيارته على سيارة عبد الكريم قاسم، لتكون بعد ذلك هدفا أسهل على الرماة ليصيبوه.

هذا ما قاله مندوب القيادة.. وحدد الواجبات بالأسماء: فلان وفلان واجبهما الرمي من الأمام، بعد أن يتركا الرصيف، وينزلا معا إلى جزء من الشارع، وفي الوقت الذي يكون فلان وفلان مهتمين بالتركيز والرمي على عبد الكريم قاسم شخصيا.. يتولى محمود إلقاء قنبلة قبل الانسحاب.. والتفت إليّ وقال: ويحمي صالح الرفاق الذين يقومون بمهمة الإطلاق على السيارة، وهم يستديرون بظهورهم على المارة في الشارع، ليكونوا في وضع أمين من أي جهة تستهدفهم من الشارع، ولا تنسحب من الشارع إلا بعد أن يكون آخر واحد من المجموعة قد دخل في مدخل الشاعر الفرعي الرابط بين شارع الرشيد ، وشارع الجمهورية، وتوغّل فيه..

ومن غير أن أنطق بكلمة واحد، أو أسأل، وبعد أن تفحص تعابير وجهي، قال الرفيق إياد، عضو القيادة:
- إن مهمتك صعبة، يا رفيق صالح، وليست سهلة أو فرعية، فأنت ستكون آخر من يترك مكان التنفيذ، وستكون عليك مهمة حماية رفاقك، وإطفاء أي مقاومة راجلة لو حصلت.. وعليك أن تحميهم أثناء التنفيذ، وتحميهم أثناء عبور الشارع بعد التنفيذ، لو كان التنفيذ من الجهة الأخرى المقابلة لشارع الانسحاب الفرعي.. وفي كل الأحوال، عليك أن تحميهم من البداية حتى وصولكم إلى السارة المخصصة لنقلكم بعد التنفيذ في نهاية الانسحاب، حيث شارع الجمهورية.

قال الرفيق إياد ذلك وهو يتبسم، كأنه عرف ما كان يدور في فكري من تمنيات أن أكون أول من يطلق النار على عبد الكريم قاسم، ليس لكره شخصي له، وإنما إيمانا بأنه على باطل، وأن الشعب والجيش وحزبنا على حق.. بل حتى بعد تنفيذ العملية لم أكرهه وأحق عليه، وإنما كرهت أعماله فحسب.. وقد أشعرت الرفيق إياد بأنني أفهم مهمتي ودوري.. ولم أسأل أبدا.. بينما سأل رفاق آخرون ما سألوه بمن فيهم من سأل: وماذا بعد، على المستوى السياسي، والإجراءات الأخرى، لتكون عمليتنا جزءا من ثورة شاملة، وإن شكلت فيها رأس النفيضة، وشرارة الإشعار بأن ابدأوا؟.. ولكنني لم أسأل.. بل كنت أتضايق في داخلي ممن كانوا يسألون، خشية أن يتصور عضو القيادة خطأ بأن سبب الأسئلة يستند إلى قلق الرفاق، وربما يقول إنهم خافوا، وعندها قد تقرر القيادة إرجاء المهمة، وإما لمزيد من الإعداد النفسي، أو استبدال مجموعتنا بمجموعة أخرى.. ولو حصل هذا، لا سمح الله، كان امتياز التأريخ، ووشاح الشعب، وشهادة الإيمان ستفلت من أيدينا، أو هكذا تصورت.. نعم لم أسأل، وتضايقت في داخلي من الذين سألوا عضو القيادة، ولكن القيادة لم تستبدل أحدا منا..
 

 

 

 

 يتبع الجزء الثامن عشر

 

 

 

 

 

إلى صفحة المقالات