بسم الله الرحمن الرحيم

09/05/1429

رواية رجال ومدينه لكاتبها الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد

الجزء الثامن عشر

 موقع النهى*

 " من لا ينظف بئره دوما، يقل ماؤها.. ومن لا ينظف صدر ساقيته، لن يتمكن من إرواء الأرض البعيدة عن الصدر"..
انتقلنا في اليوم التالي إلى شقة تطل على شارع الرشيد، قبالة عيادة الدكتور حازم، أعدت خصيصا للعملية.

كان عضو قيادة آخر هو الرفيق مدحت، يوصلنا بسيارته أحيانا، وفي أغلب الأحيان كنا نستخدم سيارة يقودها عبد الرحمن، أو نأتي فرادى، ونخرج فرادى، وهو ما فضلناه، لكي لا تكشف حركتنا عندما ندخل الشقة في تلك العمارة المتواضعة، أو عندما نخرج منها، خاصة وأن بابها لصيق بأقرب دكان إليها في شارع الرشيد..
صالح طالب ناجح، في الصف الأخير من الإعدادية، وعبد الرحمن طالب في الصف الثاني في كلية الطب.. وحاتم طالب في الصف الأول في كلية الحقوق ( القانون حاليا)، وسليم في الصف الأول أيضا، ومحمود لم يكمل الثانوية.. وسمير في الصف الأول في كلية الحقوق أيضا، وممثل القيادة المسؤول عن الأسلحة، مدحت سنة ثالثة، كلية الآداب، وعبد الوهاب خريج كلية الآداب ولما يعين بوظيفة بعد، وإياد ممثل القيادة، المسؤول عن متابعة عملية التنفيذ خريج كلية التجارة حديثا.. وأي منهم لم يتزوج.. ولم يكن موظفا في الدولة..

كان هذا هو الوصف العام للمجموعة، وكلهم أعضاء في حزب البعث العربي الاشتراكي، إلا صالح الذي اكتشف فيما بعد، أو أن الحزب كشف له ذلك، أنه عندما نفذ هذا الواجب، كان نصيرا في الحزب، أخّر منحه العضوية وجوده في السجن، وعدم الانتباه إلى هذا بعد خروجه من السجن وتكليفه بالمهمة، وهل يمكن أن لا يكون شباب الأمة، ودماؤها الحارة المؤمنة، في الميدان!؟.. ومن ينتخي لشعبه وأمته غير شباب الأمة، عندما يكون الحق مهددا بالباطل، أو يستخدم الباطل بندقية على الشعب والأمة والحق!؟

نعم، كان الجميع في مقتبل العمر.. ومثلما الورود والزهور تحمل الندى، وهي تتفتح لتستقبل شعاع الشمس، وكل منها يأمل أن ينتشر ضوعه ليدل عليه، ويجذب الفراشات والنحل، لتنتقل من تاج وكأس إلى تاج وكأس لأوراد وزهور أخرى، فتستمر الحياة، حيث يتولى النحل والفراشات، عند انتقالها من زهرة إلى أخرى، كما الهواء عندما يهب تلقح الورود والزهور والأشجار والنباتات.. ألم يكن أولئك الشباب نبت الأرض؟ وهل يرسل نبت الأرض ظله إلا على أرضه؟ وهل يفوح شذاه إلا في هوائه، وهل يمكث بذره إلا في أرضه؟ وهي يعيش إلا بماء؟ وإذا مات، هل يموت إلا بأرضه؟ وعندما يموت ميتة عالية المعاني، ألا يمنحها، هي وماءها وهواءها، الحياة؟ ألم يكن حال أولئك الفتية ( الذين آمنوا بربهم فزادهم هدى) على هذا الوصف؟ ألم يكن لكل واحد منهم آماله وتطلعاته الشخصية؟ ولكن ما هي قيمة أي تطلع شخصي، وإيمان، وسعي من غير وطن معافى، وشعب عزيز مستقر، آمن على نفسه، وأحفاده من بعده؟ والأهم أن يضمن أن البذرة التي يبذرها لا يلتقطها ( زرزور)، وأن ( الفرخ) الذي يودعه عشه لا يأكله غراب.. وأن الماء الذي يهيئه لأطفاله، لا تشربه الهوام.. وأن الماجدات.. نعم الماجدات.. نعم الماجدات.. لا يمزق ملابسهن عن أجسادهن، ولا يغدر بعفتهن، عاتٍ زنيم أجنبي، أو دخيل ماجن شرير.. وأن الهواء الذي يتنفسه هواء طلق نظيف صحي، ليس فيه مرض، وأن مبادئه وقيمه ودينه في حرزٍ أمين!

نعم هكذا، وعلى هذا، كان وضع كل أولئك الفتية، بعد أ آمنوا بربهم فزادهم هدى.. وضعوا كل آمالهم الذاتية إلى جانب، وانشغلوا بآمال وآلام وتطلعات وحاضر ومستقبل الأمة والشعب، بل لعلهم ما كانوا يرون آمالا لهم تتحقق، من غير أن تندمج وتتسامى مع آمال الأمة، ولن يكون لهم إحساس، ويروا في الماء الذي يشربونه ما هو مريء من غير أن يكون شعبهم معافى، وأمتهم سعدية، ذلك لأنهم أناس مؤمنون مرهفو الحس والضمير.. ولم يكونوا جرادا، ليديموا الحياة وفق قانونها البدائي فحسب.. عندما يضع بيضه في باطن الأرض، وعلى عمق ما منها، ليفقس جرادا في السنة التي بعدها، ويقولوا عندها، كما لجراد، أو الحيوانات الأخرى.. حسبهم أنهم ماتوا بعد أن خلفوا من جنسهم.. لا، إنهم مناضلون، وإن أساس قانون الحياة بالنسبة للمناضل والمجاهد الأصيل هو القانون الذي أراده الرب للإنسان في أرضه، ومن ذلك أن يكون مجاهدا، دفاعا عن الحق والوطن والشعب والعرض.. وعندها فقط، يكون قد خلف ما أراده الله لمن أرادهم أن يسعوا في الأرض.. وفي هذا، يخلف كل واحد على هذا الوصف، رجالا كانوا أم نساء، مثابته وشهادته في الدنيا والآخرة، وهي ابنه، وقنديله ليرى، وبذره ليبقى في الأرض، وضوعه وشذاه في الهواء، بعد أن تكون روحه في السماء. وبغير هذا لا يكون في الأرض ولا في السماء، وقد لا يكون على الأعراف بين الجنة والنار.. ولذلك حتى لو استشهدوا قبل أن يتزوجوا، لكانت ( خلفتهم) حسنة ودائمة، تتناقل الأجيال صفاتها ومعانيها، إنهم سيكونون في كل (خلفة) للآخرين، تتربى على طيف فعلهم ونضالهم وجهادهم والمعاني التي من أجلها يستشهدون، وستكون مكافأتهم عظيمة ومتميزة هناك في رحاب الرحمن، وفسيح جناته.. ولذلك، فلا شك أن لكل واحد من أولئك الفتية، أو لأغلبهم، من تحبه من العراقيات الحلوات، ولكن أياّ منهم ل يلو هذا همته وعزمه ليقوم بواجبه.
 
كان صالح يتساءل مع نفسه: هل لرفاقي من يحبونهن مثلي؟.. وهل يحببنهم مثلما تحبني عابدة؟ وماذا عساهم يقولون الآن؟ هكذا كان يقول وهو يراهم منصتين صامتين، لا يتكلمون وهم ينتظرون أن يصيح عليهم طه من أسفل الشقة بكلمة ( محمود) أو ( شكري)، في ذلك الوكر التاريخي على رصيف شارع الرشيد الخالد، متلهفين لمرور سيارة عبد الكريم قاسم، ليكون ما يريده الله بعد ذلك. ألا يمكن أن يضعف أحدهم بسبب ذلك، ليس خوفا على نفسه، وإنما تعلقا بمن يحب؟ ثم يجفل صالح من هذه الهواجس، والسؤال الذي يترتب عليها، ويقطب حاجبيه، ويقول: وما قيمة الحب، إذا سيطر الشيوعيون على العراق بصورة نهائية؟

ألا يدفن الشريف نفسه حيا، إن لم يقاوم، ويموت شهيدا؟ فهذا أشرف له من أن يرى المهانة والذل!؟ لا.. لا.. لا أعتقد أن يضعف أحد من رفاقي في هذه الكوكبة الغراء.. أليسوا بعثيين؟ أم أنهم مجرد حزبيين!!؟.. إذا كانوا بعثيين، كيف يمكن أن يضعف من يدعو إلى الوحدة والحرية والاشتراكية.. ومن يناضل ويؤمن بإمكانية إعادة وحدة الأمة، بعد أن صارت اثنين وعشرين جزءا؟.. لا. البعثي لا يضعف، والعراقي الأصيل، والعربي المجيد لا يضعف، لأنه ابن من أراد لهم ربهم، أن يكونوا أسيادا أعزة بعد أن آمنوا.. لذلك لن يضعف أحد في مجموعتنا.. قال صالح ذلك جازما مع نفسه، ولكي يطمئن نفسه إلى أن استنتاجه صحيح، يعود ليقول: ألا أحب عابدة؟ وعابدة تحبني؟ ألا ينتظر أهلي أن يكون جهدي، بعد أن أدخل العسكرية جزئيا؟ ألا ينتظر إخوتي، وكلهم صغار، أن أكون ربانهم ليعبروا إلى ضفة حياة جديدة، تنقطع فيها وراثة الشقاء التي جاءتنا من عمق شجرتنا بعيدة الجذور في التاريخ والمجتمع؟ إذا كانت هذه هي صورة حياتي الشخصية.. فلا أعتقد أن أحدا منهم يعيش ما هو أثقل منها، وحتى لو كان أي منهم يحب من يحبها، أو تحبه من تحبه، فلن يكون هذا الحب أعمق وأعرق من حبي لعابدة، ومحبتها لي..

ثم يردف: بل حبها لي..
لم يدرِ ما عطرُ الحياةِ ونارُها
إلا فؤادُ الفارسِ المغوارِ

والحبُّ لا يدري به إلا الذي
قد شمه كالوردِ والنوارِ

أو عبّهُ عبّاً وقد ثملَ الهوى
حتى بدا متحيراً ذو الثارِ

ثم يعود صالح ليقول: إذا كانت هذه هي إرهاصات وصور حياتي الشخصية ومشاعري، ومع ذلك قلت قولي الفصل، ولم أسأل، أو أستشر أحدا، من أول كلمة قالها محمود حول تكليفي بالمهمة.. بل لعلي قررت قبل أن ينطقها، ومن أولى كلماته التمهيدية.. ولم، ولن يهتز لي جنان ليخفق متعارضا مع أحلام شعبي وأمتي. كيف لي أن أتصور، أو أن أتساءل مع نفسي عما يمكن، وكيف يفكر رفاقي؟ ألا أظلمهم بمجرد التساؤل مع النفس؟ ترى، هل يمكن أن يضعف أحدهم؟ ولأنني لا أحب أني قع ظلم عليّ، وأرفضه، فعليّ أن أقلع عن التفكير بهذا، لكي لا تظلم هواجسي أحدا من رفاقي.. وعندها دخل طه إلى الشقة، فأنقذ نفسي من تساؤلاتها.

دخل طه الشقة مرتبكا، وما كاد يسترجع أنفاسه قليلا وجزئيا حتى طلب سيجارة من أحد رفاقه.
قلنا له: ها، ماذا وراءك؟
قال، بعد أن استرجع أنفاسه جزئيا:
- ( شكري)، وكانت هذه هي كلمة السر التي كان على المكلف أن يقولها للرفيق طه بهاتف الدكتور حازم، بعد أن نسق معه لكي يبقى في العيادة.. وكانت كلمة السر ( شكري) تعني أن عبد الكريم قاسم متوجه من الباب الشرقي، سالكا شارع الرشيد بعد أن يغادر بيته في الكرادة، متجها إلى وزارة الدفاع..

قال له أحدنا:
- يعني عبد الكريم قاسم متجه إلينا من الباب الشرقي..
قال:
- نـ.. عم، متقطعة بسبب ارتباكه..

  قفز كل واحد منا، وهو يخفي بندقيته الرشاشة تحت السترة التي يضعها على يديه والرشاشة تحتها، كما هي عادة العراقيين في فصل الصيف، أو حتى في الخريف مثلما كنا آنذاك، وكنت أخفي رشاشتي تحت سترة طويلة، أخذتها من دولاب الملابس العائد لخالي عبد اللطيف من غير أن أستأذنه بأخذها، ذلك لأن خالي عبد اللطيف كان أطول مني، وأن سترته طويلة على القياس الكلاسيكي آنذاك، وهي على هذا مناسبة لإخفاء بندقيتي أفضل من سترتي.

نزلنا الدرج ( السلم).. مسرعين، وسقط مسدس أحدهم من حزامه، وتدحرج إلى أسفل الدرج الذي ينتهي بالشارع، ولكنه التقطه وأعاده إلى حزامه.. ولم يكن وضع الشارع، ولا طبيعة إخفاء الأسلحة يشجعاننا على الركض، لأننا لو فعلنا ذلك، نكشف نيتنا قبل أن نطلق النار، وعندها نحمّل أنفسنا مشقة أن نصطدم برجال الأمن، قبل مرور عبد الكريم قاسم من أمامنا، لأن زرع الشارع بالشرطة السرية أمر متوقع..

قبل أن نصل إلى حافة الشارع، مرقت سيارة عبد الكريم قاسم. وقد يتساءل المرء: لماذا كان عبد الكريم قاسم يمر في شارع الرشيد كمنهج شبه ثابت في ذهابه وإيابه من والى مقره في وزارة الدفاع، ولا يستبدله بشارع آخر في حركته هذه!؟

ابتداء كانت الشوارع الرابطة المناسبة بين الباب المعظم ( الأعظمية) وبين الكرادة محدودة آنذاك، كما أن شارع الرشيد هو الشارع التجاري الوحيد في حينه، إضافة للفروع التي تخرج منه، أو تدخل إليه من سوق الشورجة، وسوقي السراي والقماش. وعلى هذا الوصف، كان شارع الرشيد مزدحما بالمارة، مثلما هو مزدحم بحركة البائعين في محلاتهم والمشترين منهم.. وشارع على هذا الوصف لا يمكن إلا أن يسلكه من هو مثل عبد الكريم قاسم، بسبب ما آل إليه وضعه النفسي الذي هيأه له الشعوبيون بما جعله يصاب بداء العظمة، التي تعيش على الشكل، بعد أن تكون النفس والنية خاويتين، وشارع بهذا الوصف، وحيث يحشد الشعوبيون والشيوعيون من يحشدونهم في التوقيت الذي يمر فيه بعد الكريم قاسم، ليصفقوا له، ويرفعوا الشعارات، وينادوا بالهتافات التي تحرضه على القومية والقوميين، وتشجعه ضد الأمة والدين، بما يرضي نفسه، ويكسبه بصورة نهائية إلى جانبهم، بالإضافة إلى أن ظهورهم في الشارع هكذا يوهم عبد الكريم قاسم بأنهم وحدهم في الشارع، بما يسهّل لهم الاستحواذ على السلطة، بعد أن يقع في حبائلهم.. نعود لنقول إن شارعا هذا وصفه، يعد بالنسبة لعبد الكريم قاسم، الشارع الأنسب، ذهابا وإيابا، في تنقله بين وزارة الدفاع وبيته، وهو بالنسبة لنا الشارع المناسب أيضا، بسبب ضيقه، إذ ربما لا يتعدى عرضه الستة أمتار، وضيق الشارع هذا يجعل الهدف أقرب إلى فوهات البنادق، ويجعل قدرة المناورة فيه محدودة.. ولذلك اتفق المناسب له مع المناسب لنا، وإن تقاطعت الأهداف والنوايا.


**************

 
  عدنا إلى الوكر، بعد أن أخفقت الفرصة في إيصالنا في اللحظة المناسبة إلى المكان الذي نكون فيه مستعدين لنطلق النار، وعدنا إلى حيث كنا، عدنا إلى الوكر.. في الشقة نفسها، في شارع الرشيد، وأعدنا الأسلحة الرشاشة إلى مخبئها في خزانة ملابس من الخشب، صممت بصورة خاصة لهذا الأمر، ولكن كأنها جزء من أثاث الشقة المتواضع.

خرجنا من الشقة وسط غضبنا ولومنا، بل سخطنا على طه، لأنه جاء متأخرا، وحاول من حاول أن يهدئ الوضع دون جدوى.. بين من يقول محتدا: يا أخي، لو صاح من الشارع، وفق اتفاقنا معه، لكنا استطعنا أن نصل في الوقت المناسب.. ولكنني قلت في نفسي: هل يمكن لشاب بعمر طه، عاش حياته في بغداد، ولم يعش حياة الريف، أو تجربة، تقرّب له صورة واجبه من الناحية الواقعية، لتعده نفسيا لمثل هذا الأمر، أن يكون حاله أفضل من حال طه؟ ليس خوفا من طه ولا جبنا منه- هكذا كنا نقول أنا وحاتم- بل ربما عدم دقة في التنفيذ، أو عدم دقة في التقدير، وهو يتصور انه إذا قال لنا ذلك، بعد أن يصعد إلينا السلم مباشرة، أفضل من أن يقوله، مناديا من الشارع، بل ربما ما كان صوته يطاوعه ليقول ذلك، وهو في الشاعر ويجعل صوته مسموعا منا.. ويقول عبد الرحمن، ووجهه محمّر، وبعد أن دار حول نفسه حانقا، واحمرّت حتى أذناه الكبيرتان الشقراوتان: لا يا أخي صالح.. لا يا حاتم.. لقد جاء يرتجف – ويقصد طه- حتى أنه لم ينطقها، إلا بعد أن استفسرنا منه، وبدلا من أن ينطقها في لحظتها، راح ( الأفندي)- هكذا قال عبد الرحمن- يطلب سيجارة ليداري بها ارتباكه، ولعله، أراد بالسيجارة، أن يلم أعصابه، بعد أن هربت من مكانها، وخرجت عن سيطرته..

يسكت حاتم على مضض، بسبب ما وضعه فيه طه من حرج، لأن طه ابن خالة حاتم، ولأن حاتم هو الذي رشح طه لهذا الدور، ورشح عبد الوهاب حاتم لهذا، مثلما رشحني محمود لدوري، بعد أن كان أحدهم قد انسحب، أو أبعده الحزب من المجموعة، وصرت بديله..

ثم أتدخل وأقول: هوّن عليك، يا رفيق عبد الرحمن ( خيرها بغيرها)، قد تكون فرصتنا في المرة القادمة هي الفرصة التي اختارها الله لنا.. وعندها تكون فرصتنا لضرب عبد الكريم قاسم أفضل.. ويكون أداء طه، بعد أن نوصيه، وبعد خوضه التجربة، أفضل بالتأكيد، إن شاء الله، في المرة القادمة..
وقال عدد من الرفاق:
- آمنا بالله..
ثم يعود عبد الرحمن، ولكن بدرجة عصبية أقل: ليس المهم أن نكرر المحاولة، أو ننتظر فرصتنا فترة أطول.. وإنما أن لا ينكشف الوكر الذي نحن فيه، بعد أن بدأنا محاولتنا، ونزلنا حتى الشاعر..
لم أعلق بشيء، لأنني كنت أعرف أن ما يقوله صحيح..
ولكنني قلت:
- على أية حال، التوفيق من الله، ومنه القدرة، وبه نستعين.
لا أعرف لماذا مالت نفسي إلى حاتم، ربما لأنه هادئ ومتواضع، حتى أن حاتم طلب استبدال بندقيته بأخرى، لأنه لم يكن يثق بها، فغضب عليه عبد الرحمن، وصاح بوجهه من غير أن يستوجب الحال لذلك، وعندها انتصرت لحاتم وقلت كلاما، ربما يسمعه عبد الرحمن لأول مرة، رغم أنه مسؤول المجموعة المباشر، تلك المجموعة التي كنا أنا وحاتم ضمنها، ومن ذلك اليوم صار حاتم صديقي، وبقي حتى الآن.
بعد لحظة صمت قال عبد الرحمن:
- يا الله، يا رفاق، لنذهب الآن، ونعود غدا.
قال أحد الرفاق:
- ما رأيكم لو تناولنا العشاء معا في مكان مناسب..
قلت لهم:
- إذا أردتم ( أكلة شعبية)، فعليكم بـ ( باجة) ابن طوبان.. إنه يقدم رؤوس غنم وكوارع نظيفة مع الثريد ( والباجة ربما أكلها مع البصل من يريد التخلص من هم وإرهاصات اليوم بالنوم، وهي من الأكلات المحببة لأصحاب الكروش).
قلت ذلك وتبسمت، وضحك كثر من الحضور معلنين موافقتهم، إلا حاتم، فقد اكتفى بأن تبسم قليلا، ولكن بصورة كافية لتظهر ثنايا أسنانه الأمامية، وقد تباعد بعضها بما يشير بوضوح إلى أن أحد أسنانه سقط من مكانه في حادث، ولم يبق ما يظهر كاملا منه..

خرجنا من الوكر.. وصدورنا تغلي بسبب الفرصة التي ضاعت.. وقد ظهر ذلك في كلام بعضنا، وكتمه آخرون، ولم يظهروه.

توقفت سيارتانا، ومعنا مدحت عضو القيادة، الذي كان مكلفا بأن ينتظرنا في مكان بعينهن ليقوم بنقل أي شيء يتعلق بالواجب إلى أمين سر القيادة. وما إن وصلنا مطعم ابن طوبان، الذي كان يقع في سوق الجديد في الكرخ، قريبا من مدرستي، ثانوية الكرخ للبنين، وجلسنا خرج المحل، نظرا لأن الطقس كان جيدا في فصل الخريف.. حتى تعالى صوت أحدهم، وهو ثمل يشتم البعثيين والقومية العربية وعبد الناصر، ويحيي عبد الكريم قاسم والشيوعية.. وكان هذا الشخص يقوم بهذا، رغم علمه أ،ه في محلة تعتبر واحدة من قلاع القومية العربية، وقائدها البعث، وقد تمادى أكثر، ملتفتا إلينا وهو يقول:
- إنني بهذا، إنما أرحب بالجماعة، وأحتفي بهم.
قال مدحت، وهو يبتسم، ليبرد أعصاب ذاك ( المستهتر):
- شكرا لك، يا أخ..
ولكنه بقوله هذا، كأنه وسع فرصه ( استهتاره) ضدنا من غير قصد، وراح المستهتر الشعوبي يكيل الشتائم على عبد الناصر والقومية والبعثيين، وكنت أكثر رفاقي حرجا، لأن سوق الجديد لصيق بمنطقة سكني في خضر إلياس، وأنا في هذا، كما لو كان عليّ حق ضيافة رفاقي، طبعا لمعنى أن الحق في هذا على صاحب الخطوة الأقرب في المكان..
كنا نجلس على كراسٍ من حديد، لم أقدّر أنها جعلت ثقيلة هكذا من صاحب المطعم، كي لا تستهلك بسرعة.

نهضت بهدوء، بعد أن قلت لرفاقي هامسا:
- استمروا في أمكانكم، وكأنني لست منكم.. وإنما جمعتنا الصدفة.
قبل أن يتعرفوا على نيتي، سحبت الكرسي الذي كنت أجلس عليه، ولكنني وجدت أثقل من أن أهوي به على رأس ذاك الشرير ( المستهتر)، ولكن هل يكون الثقل مانعا أمام عزم من يقرر وهو في سن الشباب؟
رفعت الكرسي عاليا، وهويت به على رأس ذاك ( الكلب) وشججته، وتركت المكان، من غير أن أنطق بكلمة، ومن غير أن ألتفت ناحيته، وهو ممدد على الأرض، ولا ناحية جماعته، الذين ما إن هوى صاحبهم على الأرض بسبب ضربتي، حتى صاروا كالنعاج، وعرفت فيما بعد أن جماعتي ساعدوه في تضميد رأسه.. وقالوا إنهم لا يعرفونني، وإنما وجدوني جالسا قبلهم، وأنهم جلسوا معي لضيق المكان، وعدم وجود كراسٍ فارغة..
على أية حال، أفرغت فيه انزعاجي على الفرصة التي فاتت علينا جراء تصرف طه.. ولأنني لم أقل ما قاله رفاق آخرون، معبرين عن غضبهم وحنقهم، وكان التنفيس عن خاطري بضرب ذاك المستهتر بعد أن أساء، وكأنه، بإساءته تلك قد وفرها فرصة لي أو جرّني إليها.


**************


  في اليوم التالي التقينا، في التوقيت الذي اتفقنا عليه في الوكر.. وتناولنا غداءنا في الوكر أيضا.. وكنا قد كلفنا أنفسنا بأن يخرج أحدنا بصورة شبه دورية لتسوق لحم بقر معلب ( بيف)، وسمك سردين، أو ما شابهه من الأسماك المعلبة.. أو رقي وعنب وجبن ( كرافت)، بالإضافة إلى ( الصمون) أو الخبز.. ولأول مرة أكل جبن ( كرافت) ولحما وسمكا معلبا، حيث إن حياتنا لم تدلنا على هذه الأكلات.. وإنما نشأنا على الطبخ الاعتيادي، والكباب الذي يأتي به ( مهدي)، وهو يدق بجرس دراجته الهوائية للعشاء أحيانا، بعد أن يكون قد سجّل طلبات من يطلب ذلك، ويعود محملا بالكباب في ( صينية) من الصالحية، يضعها فوق رأسه، ويداريها بإحدى يديه أحيانا، في الوقت الذي يقود الدراجة الهوائية، ممسكان ( السكان) المقود باليد الأخرى، ولا نعرف كم مرة واجهه عارض وأسقط الصينية من على رأسه، ليلّم بعد ذلك ما يقع منها على الأرض، ويعيده إليها!.. أعود لأقول إن الرقي والعنب والمعلبات والخبز والصمون هو بشكل عام ما كنا نتناوله من وجبات غذاء في الوكر.. وأحيانا قد يأتي أحدهم بوجبة كباب، وفق التسمية العراقية، و( كفتة) وفق التسمية المصرية، عندما يراد ترفيهنا.. أما الإفطار في بيوتنا فهو الجبن الأبيض الاعتيادي، والبيض والقيمر.. على أن لا تجتمع هذه المواد في وجبة واحدة، وإنما يقدم نوع واحد منها في وجبة الصباح، وكنا نضع العسل لنأكله مع البيض أحيانا، مثلما اعتاد خالي مال الله على هذا، وأحيانا، وبصورة محدودة، بعض أقراص الزبد المعلب مع مربى.. وعلى أية حال، لم يسبق أن أكلت ما هو معلب من الأصناف التي أكلتها في الوكر مما مر ذكره، غير البسكت أحيانا، وعلى نطاق ضيق، وبعض الأنواع الشعبية من الحلويات، أما الكعك فقد كان موجودا في بيوت بغداد، بينما صار البسكت حالة مستديمة في شقتنا، لأنه أسهل، ومتوفر لمن يريد أن يسد رمقه عندما يجوع..

جاء دوري لأشتري للمجموعة شيئا من المعلبات من المحل ( الدكان) الواقع إلى اليمين من شقتنا، بالنسبة لمن ينزل منها، ويكون هذا المحل الركن (الزاوية)، أو ما قبل الركن المطل على شارع الرشيد، ووجدت فيه شريرا كذاك الذي صادفته في مطعم ( باجة ابن طوبان).

كان صاحب المحل هذا، كلما ذهب أحدنا ليشتري منه – هكذا عرفت فيما بعد- ينهال بالسباب والشتائم على القومية العربية وحزب البعث وجمال عبد الناصر.. ويبدو أن هذا الأسلوب كان مشتركا بين الشعوبيين وواجهتهم الشيوعية.. لا ليدل على معدهم الرديء فحسب، وإنما وسيلة استفزاز لكل من لا يعرفون اتجاهه، ليعرفوا بعد ذلك اتجاهه، فإن شاركهم بحماسه فهو منهم، وإن لم يشاركهم، وضعوا عليه علامة استفهام، وإذا اعترض عليهم، كانت الحبال موجودة.. هكذا كانوا يهددون أعداءهم.. وعندما يشتمون. مهددين بالحبال، أو منوهين عنها، فإنما يذكرون من يحاول أن ينسى أو يتناسى، بأن مصير من يعارضهم الموت سحلا بالحبال، وعلى هذا كانوا يهتفون أمام عبد الكريم قاسم، أو في محكمة المهداوي، أو في شوارع بغداد، والموصل وكركوك، والبصرة وغيرها: ( ماكو مؤامرة تصير والحبال وموجودة).. أي أن ( مؤامرة) لن تنجح طالما وجدت الحبال التي يسحلون ( المتآمرين) بها، وفق وصفهم لأي صاحب رأي مخالف لرأيهم..

عندما بدأ صاحب الدكان ذاك ( يرغي) ويسب، تمالكت أعصابي، ولم أعراضه بشيء، ولكنني سكتّ، وبان عليّ أنني لم أشاركه رأيه، لقناعتي المختلفة عنه، وعندما كنت أتميز غيظا عليه، وأضبط نفسي، كنت أقول: ليتك بالذات لم تكن هنا في المكان الذي ننصب فيه الكمين، وتقول هذا القول، لكنت جعلتك ترى نجوم الضحى، وتندم، أن لم تلعن نفسك، لأنك أسأت الأدب، ولكن الهدف الأكبر يستوجب صبر داعيته، أو صاحبه أمام أي حالة يبعد فيها الهدف الأصغر الهدف الأكبر عن النوال..

في ساعة بعينها، وفي لحظة ما، ينفتح باب السماء كبركان أمام الطاهرات: أمهاتنا، أخواتنا، جداتنا، وحبيباتنا أيضا، ليتجهن إلى رب العالمين، داعيات لنا بالتوفيق في مهمتنا، لو كنّ وكل العراقيات يعرفنا في تلك اللحظة..

 

 يتبع الجزء الأخير...

 

 

 

 

 

إلى صفحة المقالات