بسم الله الرحمن الرحيم

07/05/1429

 رواية رجال ومدينه لكاتبها الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد 

الجزء الثالث

 موقع النهى*

 " من لا ينتبه، و تكون لديه عصا طويلة، تطمع فيه الكلاب، وتعضّه"..
كان الجار غير المباشر لدار حسين رجل بين الكهولة والشيخوخة، متزوج من امرأة أصغر منه بكثير.. وكان أحد الأشرار من خارج محلتهم غالبا ما يستغل فراق العمر بين الزوج وزوجته، ليظهر نوعا من ( الحرشة) بالزوجة، وقد شكته الزوجة إلى زوجها، ولكنه لم يستطع أن يفعل شيئا، ذلك لأن المشكو منه رجل في مقتبل العمر، ورغم أنه متزوج، لم يكن يرعوي، إذا ما فتحت أمامه فرصة أن يضع عينه على إحداهن، وبخاصة إذا لم يكن لها والٍ قوي يخافه، وكان يعتبر من أشقياء المدينة..
كان الزوج جار الجار لدار حسين، وكان لا يستطيع أن يفعل شيئا بعد أن اشتكت له زوجته من ذاك الشقاوة ( الشقي)، ورغم أنه قال لها: تجاهليه ولا تخرجي إلى الشط لجلب الماء ( بالصرفية)، والصفرية هي المشربة وعبارة عن وعاء من الصفر ( البرونز) على هيئة جرة، كانت بنات المدينة التي سنطلق عليها اسم ( بنت النهر) ونساؤها يتزودن بالماء بها من النهر إلى البيوت على أكتافهن.. ولكنه ظلّ يشعر بأنه مقهور في داخله، لأنه لم يستطع أن يرد على تحرش 1لك الوحش الكاسر، ثم تساءل مع نفسه:
- أليس من لا يستطيع أن يحمي زوجته، لا يخيفها، إذا ما سوّلت لها نفسها الزلل؟.. بل، أليس من لا يجد عقابا على فعل مشين يطمعه أكثر ليرتكب الفعل المشين؟ ثم أليس الإلحاح قد يجد ثغرته في نفس زوجتي إن لم أضع له حداً وأربّيه؟
ثم يقول مع نفسه:
- وكيف لي أن أربي هذا الوحش، مع ما لديه من إسناد عشائري وعدد إخوة، وأنا على ما أنا عليه من حال شبه مقطوع عن الإسناد إلا من رحمة الله، وأنا ما أنا عليه من ضعف؟ وتغرورق عيناه بالدموع، ويقول بصوت مسموع مع نفسه:
- لا حول ولا قوة إلا بالله.
وعندها ينفتح أمامه الأمل كأنه إشعاع ضوء، يكشف له العتمة، ويطرد الظلام من نفسه وأمامه، ويقول مع نفسه:
- ليس أمامي إلا أن أشكوه إلى رباح، أبي مال الله وصبحه، فهو رجل شجاع، ألم يذبح ضباط وجنود ( العصملي) فيما سمي ( بدقة) عملة البيكات بعد أن تجبّروا على أهل مدينتنا..؟ ثم يتوقف ويقول:
- الله أكبر.. كيف نسيت حسين أبا ( عمشة)- والقرب في الريف يكنون كل من يحمل اسم حسين بأبي عمشة، أو أبي علي، ولكنه إذا ما تزوج وأنجب، وسُميّ المولود، كنيّ به- إنه جار جاري، والرسول الكريم أوصى خيرا بجار الجار مثلما أوصى بالجار.. وحسين رجل شهم وشجاع، أليس هو الذي تغلّب على الذئاب الكاسرة في الشعاب الجنوبية لمدينتنا بخنجر وعصا ( كلنك) – عصا في رأسها قطعة حديد مستطيلة تثبت عرضيا في الربد- عندما هاجمته خارج المدينة العام الماضي؟ ألم يضع حدا لواحد من الذين حاولوا في العيد الماضي مضايقة النسوة المتجمعات، مخترقا تجمعهن قرب المزار بفرسه المغيرة؟ ألم يلحق به حسين مغيرا هو الآخر، على فرسه، فأوسعه ضربا بعصا على ظهره ورأسه حتى أدماه، وجعل منه هزءاً أمام كل الناس، بحيث أن ذاك الشرير لم يعد يحضر على فرسه في العيد الكبير، ولا في الأعراس منذ ذلك الوقت، وتحلى بالأدب معه كل من كانت في نفسه نية فعل سيء إزاء النساء والرجال؟
كان الناس يحسون بالأمان عندما يحضر حسين أبو عمشة على ظهر فرسه أي مكان فيه تجمع فرح..
- نعم أبو عمشة ( كدها)، يا الله ما أغباني!
يقول الرجل، ثم يضرب مقدمة جبينه بيده..
- كيف أنساه؟.. وماذا كنت سأفعل، أو أقول له، لو تخطيته وذهبت إلى رباح أستفزعه في هذا الأمر؟ بل وما الذي يقوله رباح عني وعن زوج ابنته وابن عمه، لو كنت قد استفزعته من غير أن أستفزع أبا عمشة؟ الحمد لله أنني اهتديت إلى معالجة الداء بالدواء المناسب له: أبو عمشة.. نعم إن إخوة هدلة، ومنهم أبو عمشة، أهل نخوة وغيرة، وهم سادة العرب، مثلما هم سادتنا، ويعرفون حق الجيرة، وحقوق الناس..
ولكنه عاد ليقول مع نفسه:
- ولكن كيف لي أن أستفزعه الآن في أمر كهذا، ولم يمضِ على وفاة ابنه إلا أقل من شهرين؟
ثم يعود ليقول:
- ولكن صاحب الحاجة أعمى، ومن في ( عبه) نار لا يستطيع أن ينتظر، في الوقت الذي يرى المطفأة قربه.. لأذهب إلى حسين.. إن حسين شاب عاقل.. وسوف يعذرني لأنه يعرف ما يعنيه حال من يشعر بضعف أمام متجبر في أمر يخص عرضه.. نعم سيعذرني، وليس غيره من هو أفضل منه ليأخذ بثأري من هذا النذل..
ظل أمام الباب الخارجي لداره ينتظر حتى خرج حسين من بيته، وصار أمامه.. وبعد أن حياه حسين وفق التقليد الصحيح بأن يحيي الماشي الواقف أو الجالس، وردّ عليه التحية، قال:
- لو سمحت، أبو عمشة، عندي حاجة سأقولها لك..
وبعد مقدمة إطراء مما استذكره عن حسين وأهله وعمومته وكل العشيرة.. قال لحسين:
- نحن جيرانكم، وضمن مسؤولية حمايتكم..
قال حسين:
- خير.. قل يا رجل، أنا عندك، وعين عيونك.. وهي نخوة أهل الريف إذا ما أرادوا أن يشدوا أزر أحد..
قال الرجل:
- والله، يا أبا عمشة، وقع عليّ ظلم لا أستطيع أن أرده.. بل ليس عيبا أمامك، وأمام نخوتكم وقدرتكم، أن أقول أنني أحس بضعف إزاء رجل ظلمني، ولا أستطيع الرد على ظلمه..
وعندما حكى قصته، وذكر اسم من ظلمه وضايق زوجته واستمر في ذلك، تطاير الشرر من عيني حسين، وتحول لون وجهه الأشقر إلى ما يقرب من لون ( كبدة!) واحمرّت عيناه، وعضّ على شاربه.. وهو يصفق يدا بيد:
- أيابه.. باطل.. أنا أعرف أن هذا الذي تحدثت عنه نذل.. ولكن كيف تجرأ على أن يأتي إلى محلة السكماني وهو ليس منها؟.. بل كيف تجرأ على أن يتحرش بعائلة تحت حمانا؟ والأدهى أنكم جيراننا؟ أي إهانة كبيرة يوجهها إلينا كلنا نحن السادة في السكماني؟.. بل وإليّ مباشرة!؟
وعندما استفسر منه حسين أكثر، قال إنه رأى زوجته في طريقها إلى نهر دجلة، لتملأ صفريتها من هناك، وتبعها في الغدو والإياب، وتعقبها إلى أن دخلت الدار.. وبعد أن عرف دارنا.. صار يفعل ذلك يوميا.. بل الأكثر من هذا.. صار يأتي في الليل.. ويمر أمام الدار، ثم يصفر مرة أو مرتين.. ويذهب.. وقد منعت زوجتي منذ أيام من أن تذهب إلى النهر، وصرت أقوم بذلك على ظهر دابة..
قال حسين:
- هل يحتمل أن يأتي الدنئ اليوم؟
أجاب الرجل:
- نعم..
- أرجوك، إذا جاء، اصعد من فوق سطح دارك على سطح دار عمتي عديلة، ثم على سطح دارنا، وادبك برجلك على سطح دارنا، وسأتولى أمره..
قال الرجل:
- أرجو حلمك عليّ، أبو عمشة، كيف تريدني أن أتجاسر على سطح دار عمتك، ثم على سطح داركم؟ وماذا يمكن أن يقول عني الجيران لو رأوني وهم لا يعرفون شيئا عن الحال الذي أقوله لك الآن!؟ وماذا يمكن أن يتكون في نفوسهم ضدي سراً أو علانية؟ وماذا يقولون عني غير لص غادر؟
تأمله حسين وهو يداور كلامه في نفسه، ووجد أنه محق في ما قاله، وأنه يعرف معانيه، ولكن نخوته وحماسته جعلته لا يتوقف أمام مثل هذه الاحتمالات.. اخرج حسرة وزفرة من صدره، ثم قال:
- إنك رجل شريف.. أسألك، أليس لديكم سراج أو فانوس؟
- نعم، لدينا سراج.
- هذا جيد.. راقب ( الدربونة) الزقاق أمام داركم من فوق سطح الدار، وليكن السراج قريبا منك، وإذا لاحظت ذلك الدنيء يمر من أمام بيتكم، أشّر لي بالسراج، وسأكون أنا- قال حسين- منذ غروب الشمس على سطح الدار، حتى أنني سأؤدي صلاة المغرب هناك، وستكون عيني على ستارة داركم، وسأجعل حتى صبحة تعاونني وتناوبني في هذا. وبعد ذلك سأتدبر الأمر..
شكره الرجل، وهمّ بأن يلتقط يده ليقبلها، لولا أن سحبها حسين وهو يقول:
- أستغفر الله، عيب يا رجل، نحن أهل إلا ما حرّم الله، ما دمنا أبناء محلة واحدة، فكيف إذا كنا جيرانا!؟
قال الرجل:
- لا خاب من هو جاركم، يا أبا عمشة، وتعدتك المنية..
كان حسين يراقب الحال من فوق السطح، هو وصبحة بالتناوب، أو كلاهما معا، وظلا يراقبان طيلة تلك الليلة، ولكن عندما حكى حسين لصبحة موضوع الدنيء مع جيرانهم لتعاونه في مهمته.. قالت صبحة:
- كيف تجرأ هذا الكلب العقور على هذا الفعل؟ وإذا كان قد توهم لأول وهلة، فكيف تجرأ ليديم تحرشه بامرأة لم تعطه وجها!؟
قال حسين:
- وماذا تظنين؟
- أعوذ بالله من الظن، يا ابن العم، ولكن أردت فقط أن أنبهك إلى ما يجب.. لأن النساء ثلاثة أشكال- وتقصد أنواع- واحد من الثلاثة المرأة الحشيمة – تقصد صاحبة الحشمة- ومن تتذكر نفسها وتذكرها بما لا يجعلها تنسى أن اعتبارها واعتبار أهلها هو سياجها داخل نفسها لتكون حصينة، والنوع الثاني هي التي لا ترتقي بها الحصانة إلى داخل نفسها، ولا تقيم في ذاتها تلك الاعتبارات التي عليها النوع الأول، ولكنها تخاف ( وليانها)، فتحجم عن عمل السوء، أما النوع الثالث، فهو الذي لا يتوفر فيه الحد المقبول من الحصانة الذاتية، ولا الاعتزاز بالمعاني العالية، ولا تخاف من ( وليانها)، إذا كانت تظن أنهم ليسوا بالمستوى الذي يقطع دابر السوء ويدفنه عندما تظهر جيفته.. فأي نوع ترى امرأة جارنا، هذا الرجل المسكين، يا حسين؟
- لا أعرف تفاصيل كثيرة عنها لأجيبك بدقة، ولكن زوجها رجل مستور، وليس قويا بما فيه الكفاية، وهي يتيمة، وإخوتها صغار في السن..
- على أية حال، لا بد أن تقوم بواجبك تجاه هذا الكلب، لأنه تجاسر على جيراننا.
ولم يحصل أن أوقد السراج في تلك الليلة.. حتى أن حسين، خشي أن الرجل لم يتمكن من إيقاد السراج، أو أنه أوقده وأطفأه الهواء، أو أنه لم يشاهده عندما اتقد، ولذلك ذهب إلى بيت جاره قبل أن ينام.. وبعد أن طرق الباب خرج إليه الرجل وسأله:
- ألم يأتِ الدنيء؟
قال:
- لا، لم يأتِ، ولكنه سيأتي حتما مساء غد، إن لم يأتِ ظهرا. ثم أردف قائلا:
- لا.. لن يأتي ظهرا، بعد أن عرف أن زوجتي لم تعد تخرج إلى الماء..
قال حسين:
- على أية حال، لنبق نتصرف وفق ما اتفقنا عليه..
- نعم، أمرك أبو عمشة..
وفي اليوم التالي، بعد صلاة المغرب، لاحظ حسين السراج وهو يتقد على ستارة سطح جاره، وكان يتحزم بحزام، ووضع على جنبه خنجره، وقربه عصا غليظة أعدها لهذا الغرض.. وبدلا من أن ينزل من السلم إلى داخل الحوش، ومن ثم يفتح الباب الخارجي ويستدير في الدربونة إلى حيث مكان جاره ( جار الجار)، قدّر حسين أن هذا قد يضيع عليه فرصة الظفر بالدنيء، فقفز من فوق سطح منزله إلى الأرض من الخلف، وجاء سقوطه على القسم الأسفل من ظهره في منطقة ( العصعص).. وشعر بعينيه تقدحان نارا، وآلمه ظهره ألما شديدا، ولكنه نهض والتقط العصا التي سقطت من يده أثناء ذلك، وتحسس خنجره، فوجده في مكانه.. وركض رغم الألم الشديد الذي كاد يسقطه على الأرض مغميا عليه، ولكنه تحامل على نفسه وهو ينتخي:
- أنا أخو هدلة..
وصل إلى الدنيء، وصاح به بقوة:
- ما الذي جاء بك إلى هنا، أيها الخاسيء؟
وقبل أن يتحسس الخاسيء خنجره في وسط حزامه، عاجله حسين بضربة على رأسه، وأخرى على رقبته، فوقع على الأرض مضرجا بدمائه وهو يصيح ويولول:
- دخيلك أخو هدلة.. دخيلك أبو عمشة
- أيها الغادر، أجابه حسين، تريد أن تكون تحت حمايتي، ممن؟ أتريد أن أحميك بالباطل على الحق، يا خاسيء!؟
جاء جار حسين يركض، وبيده عصا غليظة، وهمّ بأن يضربه على رأسه، وه8و ممتد، لولا أن عاجله حسين، فوضع عصاه أمام عصاه، فجاءت الضربة على عصا حسين، والتقط حسين عصا جاره ليقول له:
- ما فعلته به يكفي، يا صاحبي، اجعل نفسك كما الآخرين، ولا تظهر بالصورة، لكي أتدبر أمر هذا الدنيء..
فتح الجيران أبواب دورهم، وخرج كثر من أهل المحلة، وسألوا حسين عن الأمر فقال لهم:
- إنه حرامي (1) ( لص) جاء يسرق دار جاري، فأمسكت به، بعد أن استغاث جاري بي، وكذا همس في أذن الملعون، قبل أن يحضر أهل المحلة.. وقد كثرت على الحرامي ( النعل) من النساء،ورماه الأطفال بالحجارة، وراح الرجال يبصقون عليه، وصاح أحدهم مخاطبا حسين:
- لنذهب به إلى (الحفيز) يا أخو هدلة.. ( والحفيز) معربة محلية من ( الأوفيس) الإنكليزية.
قال حسين:
- نعم نذهب به إلى هناك ليحاكم كلص، أو يتعهد أمامكن بأنه لن يأتي ثانية إلى محلة السكماني أبدا، ولن يحاول سرقة أحد من أهل مدينتنا، وإذا تعهد بهذا أطلقنا سراحه، وإلا فإنه بعد ذلك يعرف عقابه.
وغمز الدنيء بطرف عينه، وقد فهم الدنيء ذلك، وقام وتناول يد حسين وقبّلها.. وقال له:
- حذاؤك، أخو هدلة، على رأسي، لن تطأ رجلي محلتكم بعد الآن، ولن أحاول أن أضع.. أراد أن يكمل ليقول: عيني على امرأة.. عفوكم، أقول لن أحاول أن أسرق أحدا.. أرجوك اعفني، أخو هدلة.. أنا دخيلك، بعد أن نلت ما أستحقه..
عند ذلك أطلق حسين سراحه، وبذلك ستر العائلة الكريمة من محاولته، وما يمكن أن تبني عليها عقول الجهلاء ومن يحبون الكلام والتأويل، وفي الوقت نفسه جازاه بما يستحق..
تصولُ الليالي والسيوفُ تطاول
ستعقرها حتما وتبقى الفضائلُ

ويؤخذُ مغلوباً بها كلّ عاصفٍ
إذا أوهموهُ أن ينجيه باطلُ

ففي كل ساحٍ تشرقُ الشمسُ عندنا
ويروي ثرانا كلما شاءَ هاطلُ

فنحن أُباةُ الضيمِ بيضٌ أكفنا
وحتفٌ مخيفٌ إن تجاسرَ سافلُ

يردُّ عليه سهلنا وجبالنا
ونهرٌ وشطٌّ من ربانا وساحلُ

وما همّنا يومٌ ثقيلٌ وإنما
يصدُّ بحق كل ما هو باطلُ



*********
 

ازداد الألم على حسين في أسفل ظهره وجنبه، وبدأت صحته تتدهور.. غير أنه اعتدل في غضون أيام، عندما أسرّته صبحة بأنها حامل، ولكن سروره بطفل موعود لم يغيّر شيئا في جوهر حاله، واستمرت صحته تتردى عن مستواها.. بلد ازدادت ترديا حتى بعد أن مضى على حادث الدنيء ثلاثة أشهر، وهو ينتقل بين الفتحة والبيت، وكثرت إجازاته على غير عادته.. أملا في أن تكون الراحة وسيلة إنقاذ لصحته.. ولكن مع الزمن الذي لم يزد عن عدد من الأشهر صارت الأيام التي ينقطع بها حسين عن العمل أكثر من الأيام التي يكون فيها في العمل، وعندما أفضى إلى أحد أبناء عمومته في العمل بتفاصيل ما كان يحس به من ظواهر المرض، ومن بين ذلك أنه بدأ عندما يتبول يلاحظ أن الإدرار صار تدريجيا يأخذ لون اللبن تخالطه سمره..
عندها قال له:
- أخشى أن تكون كليتيك قد أصابهما سوء، لا بد أنك تتذكر فلانا العبيدي.
- نعم، أتذكره، رحمه الله..
- كان صديق كثر من الولد ( يقصد شباب الديرة) عندما وقع من على ظهر فرسه وأصابه الشيء الذي تشير إليه الآن، وقد عرض على أحد الصلبة دون جدوى ( والصلبة اسم يطلق على قسم من الناس، يشبهون الغجر، وقد أسماهم أهل الريف بالصلبة وقد يكونون من بقايا الصليبيين من جيوش الغرب التي جاشت على فلسطين، وسحق العرب جيوشهم بقيادة صلاح الدين الأيوبي، في سلسلة معارك كانت الحاسمة فيها معركة حطين، وهم، على أية حال، غالبا ما ينقلون الأخبار من مكان إلى آخر، وهم يمتطون الحمير لا غير.. لا يركبون الخيل أو الجمال، وفي نفس الوقت يعرفون بمهنة التطبيب والمعالجة بالأعشاب، أو الإبر، أو الحجامة أو الكي).
عاود محدث حسين ليقول:
- عندما عرض ذاك الرجل العبيدي على الصلبي قال له: إن سقطتك من فوق الفرس جعلت إحدى كليتيك تتمزق، ولهذا السبب صار إدرارك أبيض كاللبن، مائلا إلى السمرة.
عندها قال حسين:
- نعم لقد سقطت فعلا على جانبي الأيمن، وأنا أقفز من السطح، وأخشى أن تكون كليتاي قد أصابهما أذى، بالإضافة إلى الألم في العمود الفقري.. ولكن هل بإمكاننا أن نحصل على صلبي لأعرض نفسي عليه؟
أجاب محدثه:
- لا أعرف، ولكن سأضع عيني عليهم إذا مرّوا للعبور من الفتحة، وسأوصي آخرين ليبحثوا عن واحد منهم، ولكنهم، مثلما تعرف، لا يستقرون في مكان، ولا يعرف لهم سكن، ولذلك ما علينا إلا أن ننتظر الفرصة والصدفة.. ولم تحصل الفرصة، ولم تنجح المصادفة لترجيح ذلك، ولم يستطع حسين أن يستمر في العمل حتى وفق الوجود الرمزي، وقد نصحه شقيقه سليمان، الذي كان يعمل في الفتحة أيضا، بالعودة إلى المدينة لكي يرتاح هناك، قائلا أنه سوف يتدبر أمر معيشة العائلتين، عائلته وعائلة حسين.
- ومن راتبي، هكذا قال سليمان، إلى أن تعود إلينا بالسلامة، يا أخي، مشافى معافى بعون الله..
كان قلق صبحة يزداد من تدهور صحة حسين، ورغم أنها لم تلاحظه يولول من المرض، ولكنها كانت تلاحظ أن كل شيء في صحته ينهار، وتفضي إلى والدتها بذلك، وكان والد حليمة من بين قلائل في المدينة ممن يعرفون القراءة والكتابة، لكنه لم يكن من عشيرة رباح والد صبحة، وكان ( يخطخط) يكتب أحجية تتضمن أدعية لمن يطلبها، وهي عبارة عن آيات قرآنية وأدعية مما يعرفه، بينما كان أبناء عشيرة حسين ورباح لا يقومون بذلك لأنهم سادة، بل ربما كانوا لا يقومون بذلك لأنهم يعرفون أن السادة الحقيقيين ينبغي أن يتجهوا إلى الله، ولا يضعوا أنفسهم موضع وسيط، أو موضوع تصور بأنهم يمكن أن يشفوا من يشفونهم من داء أو مرض.. وربما يكون سبب شفاء من يكتب له الشفاء من بعض الأمراض، ومن بينها الاحتباس الجنسي، أو العجز الجنسي، نفسيا، ذلك أن من يدخل نفسه أن صاحب الوسيلة يشفيه فعلا، يكون حاله النفسي على هذا التصور، ولأن كثرا من الأمراض ذات منشأ نفسي، كان هذا الشعور الأساس الذي يلعب دوره في النتيجة، وليس أصحاب الشعوذة والسحر والقراءات الخاصة والأدعية والأحجبة.. على أية حال من يغرق وليس لديه وسيلة يعتمد عليها لإنقاذه، يتوسل بالقشة، وفي ظنه أنها قد تنقذه من الغرق. وعندما يقول لهم حسين وهو يبتسم:
- عمة، ما الذي يمكن أن يفعله ماء ينفع عليه والدك؟
تقول:
- لنحاول، يا ولدي، فقد جعل الله لكل شيء سببا.
وعندها تقول صبحة:
- آمنت بالله..، نعم يا حسين لنحاول..
وعندما تستدير حليمة مبتعدة عنهما، يهمس وهو يبتسم من شعور بالألم:
- وما الذي فعله جدك مع أنور؟ ألم يمت أنور رغم أنه ( عزّم) على رأسه مثلما تقولون؟.. الحي حي والميت ميت، يا صبحة..
- توكل على الله، يا حسين، واطرد الوساوس من صدرك.
- نعم، يا صبحة، على الله نتوكل أولا وأخير، وهو ربنا، وبه نستعين، افعلا ما تريان أنت والعمة حليمة أنه يفيد..
**********
في أحد الأيام استيقظت صبحة مرعوبة من رؤيا قصتها على حسين والدموع تنهمر من عينيها..
- رأيت نسرا أسود، بشع المنظر، ليس كالنسور أو الحدآن التي نراها في الكهوف المطلة على شواطئ النهر أو في الريف، وإنما منقاره طويل.. ومخالبه طويلة ومعقوفة.. رأيته يحط على ( ستارة) دارنا، ثم انقض على خنجرك، والتقطه بمخالبه من قرب رأسك، وعبثا حاولت أن أطرده لأمنعه من ذلك، وكنت أصيح بأعلى صوتي، بأمل أن تسمعني وتعاونني عليه.. ولكن صوتي لم يعاونّي ليظهر.. وها قد استيقظت على صوتك وأنت تئن..
- متى كنت أئن؟
- نعم، لقد سمعتك تئن، يا ابن العم.. لماذا تكابر!؟
- لا والله، لا أقصد المكابرة، أو أضم عليك شيئا، ولكنني استيقظت على صوتك وجلوسك على الفراش..
- أنا خائفة من هذه الرؤيا. قالت صبحة
- ضعي الله بين عينيك، يا بنت العم
أراد حسين أن يغير على صبحة تركيزها على الرؤيا، رغم أنه في داخله لم يرتح لتلك الرؤيا..
- ماذا سنسمي ابننا، إذا رزقنا الله بولد؟ وماذا نسميها لو جاءت بنتا؟
- على كيفك.. قالت صبحة.. ولكن الأعراض التي لاحظتها عندما حملت بأنور ألاحظها الآن، مع أن العلم عند الله، ولكن اليقين داخل نفسي يقول لي إنه ولد ليعوضنا الله به عن أنور.. ولا بد أن أقول لك، يا حسين، أنني لم أعد أفكر الآن في أنور الذي توفاه الله، ولا حتى في من في بطني، إن الأساس الذي يهمني هو أنت، إذ بدونك، ماذا يفيدنا الولد؟.. وماذا يعني من غير أن يكون أبوه حيا؟
عندها قال حسين.. وكأنه يهيئ صبحة لاستقبال أمر واقع لا محالة مثلما يظنه..
- إنك أمه.. أخت مال الله.. وإن رباح أبوه مثلما أنا أبوه.. وإن سليمان أبوه.. وراح يعدّ إخوته الثلاثة.. ثم قال.. وإن خاله مال الله أبوه أيضا.
وعندها أحسّ بما يضيق عليه حنجرته من عبرة حزينة، لكنه حاول أن يغالبها، لكي لا تظهر على صوته، فلم يجد ما يداريها ليخفيها غير السكوت والاستدارة بوجهه ناحية الجدار الذي وضع فراشه بموازاته، ولكنه لاحظ وهو يهمّ بأن يستدير أن عيني صبحة كانتا تسكبان الدمع مدرارا.. فقال:
- أنا أخو هدلة، صبحة!!؟ ما الذي حصل معك لتبكي؟ توكلي على الله.. فما هي إلا أيام حتى أنهض وأكون بأفضل حال، ونحن نستقبل مولودك الجديد.. كم بقي له.. إذا سهّل الله؟
أجابته صبحة:
- ثلاثة أشهر، ربما..
- على أية حال، إذا كان ولدا نسميه مثلما اقترح عمه حسن، عندما زارنا البارحة.. نسميه صالحا، جعله الله من الأبناء الصالحين لنا ولكل أهله وشعبه، وإذا كانت بنتا فسمّها أنتِ، يا صبحة..
قال ذلك وتبسّم، وتبسمّت صبحة، ووضعت طرف فوطتها على فمها لتخفي ابتسامتها مثلما هي عادتها.. وأردف حسين:
- أما إذا أخذت برأيي، فأنا أحب أن نسميها فاطمة.
- يا حسين، أم أحمد فاطمة، وقد توفاها الله.. فهل يجوز أن أسمي ابنتي باسم عمتي أم أحمد؟
- وماذا في ذلك؟ أليس الاسم أحياء لذكر الميت!؟
- ولكن، ألا تعتقد أن اسم فاطمة كبير على طفلة؟ وأن من يناديها باسمها ستحضر في باله المقارنة بينها وبين عمتي أم أحمد؟ وأنت تعرف، يا حسين، كم هي غالية عليّ، وكف هي ( خاتون) النساء بحق! ( وكلمة ( خاتون) أعجمية تعني بلهجة ذلك الزمان، المرأة الحصينة الحصيفة الحبابة)..
عندها قال حسين:
- إنها ابنة صبحة، وستكون هي الأخرى خاتونا وحبابة.. أليست أمها صبحة، وجدتاها حليمة لأمها، وياسة لأبيها؟
قالت صبحة:
- وأبوها حسين.. ثم ضحكا
- أخشى أن نتحول إلى كوخات كرد يمدح كل منها الآخر. قال حسين، وضحكا مرة أخرى حتى بانت نواجذهما.


*********


عندما عرفت العشيرة بمرض حسين، توافد الرجال والنساء على داره ليعودوه، وكان أكثرهم من كبار السن من الجنسين، أعمام وأخوال حسين وصبحة، وآخرين من أعمامهم الأبعدين، ومنهم بخاصة الذين يلتقون بما لا يزيد عن خمسة أظهر مع عمر الوسطاني، مثلما أسموه، وهو واحد من ثلاثة أجداد كلهم سمّي عمرا، من عشيرة السادة في مدينة بنت النهر، أو في القرية المجاورة لها والمسماة رمز القرى.. ولكن أغلبيتهم، وبخاصة الموجودون منهم في قرية رمز القرى، والعدد القليل الإضافي الساكنون في بنت النهر ومنهم حسين، يلتقون عند عمر الثاني ( الوسطاني).. كانت صبحة إذا ما زاره واحد من كبار السن من أعمامهم وأخوالهم، لبست عباءتها، ورفعت فوطتها لتغطي فمها ومقدمة أنفها، وجلست معهم، أو وقفت قربهم لتقدم ما يلزم، وهو نزل يسير، ولترحب بهم، وتجيب عن أسئلتهم عن حالة حسين الصحية وأسبابها، مثلما هي عادة من يعود مريضا في السابق أو الآن.. وإذا جاء شبان لزيارته، وغالبا ما كانوا يتجنبون ذلك لكي لا يحرجوا صبحة أو حسين نظرا لضيق المكان، ذهبت إلى البيت ( الجوة)، وتولّت عديلة السلطان عنها واجب الضيافة أو الإجابة عن الأسئلة.. أما إذا ما كان الزائر من النساء، تبقى صبحة إلى جانب حسين لتلبي له طلباته، وما يحتاجه المريض، إما لتغيير وضعية جسمه أثناء النوم، أو لنقل الوسادة من طرف الفراش إلى الطرف الآخر، أو وضعها خلف ظهره، عندما يقعد متكئا بظهره إلى الجدار، أو رفع ( الشف) وإنزاله على ساقيه، أو رفعه حتى لا يبان إلا وجهه بعد دقائق، وكل ذلك يحصل تعبيرا عن ( لوبة) الروح، بمعنى الضجر، أو استجابة لمتغيرات حال الجسم، عندما يكون مريضا..
هكذا بقي حال حسين، وبقيت معه صبحة ليلا ونهارا، تستجيب بيقظة دائمة لكل همسة أو التفاتة، وتتفاعل مع كل حسرة أو تأوه ( آه)، ومع كل طلب مما ذكرنا..
*********
اشتد مرض حسين في شتاء تلك السنة، حتى صار واضحا أن نجمه قارب نهاية الأفق البعيد.. كانت صبحة تذرف الدموع من غير انقطاع، ولكنها كانت تفعل ذلك بصمت لكي لا تعصر قلب حسين عليها.. كانت تفعل هذا عندما ينام، وقليلا ما كان ينام في الأيام الأخيرة من حياته، بسبب الآلام التي كانت تعتصره جرّاء مرضه، الذي لم يعرف على وجه التحديد.. وكيف لهم أن يعرفوا مرض من يمرض آنذاك في مدينة بنت النهر، أو حتى في مدن العراق وقراه من أقصاه إلى أقصاه؟ وأين هم الأطباء الذين لم يكن عددهم يزيد عن أصابع اليد من الإنكليز، الذين جاءوا مرافقين لجيش الاحتلال عام 1917 عندما دخل الإنكليز بغداد ليحلوّا محل العثمانيين الذين هزموا في الحرب العالمية الأولى، أو أولئك الذين جاءوا لتطبيب الأجانب من الإنكليز والفرنسيين والهولنديين والأمريكان العاملين في نفط كركوك، وكانوا أحيانا يقدمون خدمة محدودة كجزء من صورة الدعاية العامة لما يحاول عليه المستعمرون، فيفحصون ويداوون هذا أو ذاك، وربما كان معهم عدد قليل من الأطباء العراقيين، ولكن هل يمكن أن يهتدوا إلى بنت النهر، أو إلى مريض فيها؟ أم إلى رجالهم وأصحاب الجاه والسلطان!؟ وهل تقدم الرشوة إلى لمن تكون نفسه مهيأة لأن يستجيب لها، ويكون متهافتا على تأدية خدمة!؟ وماذا يمكن أن يفيدهم حسين ليقدموا له خدمة كهذه!؟ وهو من عشيرة معروفة بأنها حاربت الأتراك، وقتلت ضباطا وجنودا منهم، وكان رباح في مقدمة من صال عليهم، وكان ( حوش) عديلة السلطان، و( دربونة) السكماني أبرز شاهدين على الكيفية التي صرع بها أعمام حسين ووالد صبحة سبعة منهم في يوم واحد، في ذلك المكان، ومنهم من كان برتبة ( يوز باشي)، وابن أحد قادة جيشهم، الذي على إثرها أحرق كل بيوت أعمام حسين وصبحة من الساكنين في بنت النهر، بعد أن وجوهم قد هربوا باتجاه الجزيرة على ظهور خيولهم، وظل رجال العشيرة يغيرون عليهم، ويقطعون عليهم الحركة في دجلة، حيث كانت ( الأطواف) تنقل المؤن بين أعالي العراق من الموصل وأربيل إلى بغداد، بالإضافة إلى ما معروف عن هذه العشيرة التي جاءت من الحافة الشمالية لوسط العراق حيث بنت النهر على الضفة اليمنى لنهر دجلة، لتشارك الثوار العراقيين في ثورة العشرين، التي اشتعلت شرارتها في الفرات الأوسط، وامتدت إلى جنوب العراق، ومن بعد ذلك إلى العراق كله، وتسبب ذلك في اعتقال عدد منهم ومن ثم نفيهم إلى الهند، ومن بين أولئك شيخ العشيرة أحمد الخطاب وعمه حسن العمر.. بل هل يمكن أن تدل فلوس حسين، أو فلوس أهله، على طبيب؟ ومن أين لهم بالفلوس في بنت النهر؟ وكيف تجد طريقها إلى بيت حسين الذي انقطع عن العمل منذ عدة أشهر!؟ وهل يمكن لعامل، أو فلاح، أو حارس، أو من هو في مقامهم أن يهتدي إلى طبيب، أو يهتدي إليه طبيب في ذلك الزمن، ومن مِن أولئك الحاكمين يعرف الله، ويقدر أحكامه حق قدرها، ويعيش الشعب في ضميره، وقد تحرر من المستعمر، ليعرف الشعب، حتى يهتدي إلى بيت حسين ليعالجه؟
أوشكت الشمعة التي كان نورها ساطعا في ركن من أركان محلة السكماني أن تنطفيء، وعندما لم تبق إلا ذؤابة أو ذؤابتين من تلك النجمة قبل أن تنطمس نهائيا في الأفق، كان حسين في شبه غيبوبة في ذلك اليوم، ولكنه كان يفتح عينيه من حين لآخر، ليسأل عن سليمان، الذي كان مؤملا أن يحضر إلى بيت حسين، بعد أن أوصلوا إليه رغبة حسين أن يراه، قبل أن يغادر إلى الدار الآخرة.. ولكن سليمان تأخر، بينما رأى حسين كل إخوته الآخرين، وأقاربه نساء ورجالا على ما أسلفنا..
كان حسين يفتح عينيه بعد أن يلتفت برأسه باتجاه الجالسين على يمينه، ويسأل:
- ألم يحضر سليمان؟
وعندما يجيبه أخوه حسن: إنه لم يحضر، ينفث حسرة كأنها حشرجة.. ثم يقول:
- لقد تأخر سليمان!!..
وغابت آخر ذؤابات النجمة الساطعة.. مات حسين، وبموته غرقت محلة السكماني في عزاء كامل، شمل مدينة بنت النهر كلها، ومعها رمز القرى.. وخرج الناس خلف جنازته رجالا ونساء، يتقدم الرجال النساء وهم يحملون نعشه، ويتركون المقبرة للنساء بعد الدفن، لكي تقول إحداهن بحق المتوفى ما تقوله، وتردد النساء مقاطع مما تقوله، ثم تصيح إحداهن بصوت يرتفع على ما حوله: يا خوية.. أو يا عمي.. ويعقبها صوت " يبووه.. بعد مد ( الواوين) وتسكين الهاء"، ثم تردد اثنتان من ( العدادات) من أهل المدينة، وليس من أهل حسين، وصدراهما شبه مكشوفين، بعد أن تزيحا فوطتيهما قليلا، وهما يضربان صدريهما بمجمع أيديهما كل على انفراد، صوت: حو... حو... حو...

أعاين ممزوجا من الماء والسنا
لتزهو من فوق الجراح نفوسنا

حريق هو الحب الذي إن أردتهُ
وجربتهُ صارت لك النار ديدنا

وتلتهبُ النارُ التي من لهيبها
تحول فيها قدرة المرء للونى

إذا ما أتى مجدا يريد حياته
ليسقي عطاشى أو ليروي من ضنى

إذا ما دنا منك احترقت بناره
وإنك إن أبعدته زادك العنا

تخالط فيه مره مثل حلوه
كما جاور الرمضاء درّ لمن دنا

 

 



---------------
(1) جاء وصف حرامي للسارق في العامية من معنى أنه يحوز المال الحرام بالسطو، أو بانتهاز غفلة غير مشروعة... 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إلى صفحة المقالات