بسم الله الرحمن الرحيم

06/05/1429

 رواية رجال ومدينه لكاتبها الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد 

الجزء الرابع

 موقع النهى*

 

" كلّ يرى وفق ما بذر، ويحصد على قدر همته، ويجمع من المحصول وفق ما اعتنى به"..

 

بقيت النساء يجلن بعباءاتهن، وأيديهن اليمنى تتناوب مع اليسرى، في صعود وهبوط متخالف، وأخريات ( يخمشن) الخدود، أو يلطمن على الصدور حتى يدمينها تعبيراً عن المأساة.. وبعد ساعتين أو نحو ذلك، قامت الأكثر تأثيرا وقربى فيهن، لتقول:

- يا الله يا نسوان ( نساء)، يا الله يمّة نروح للبيت.

ثم ينتقل معهن إلى البيت المنظر ذاته، وأحيانا بدرجة أخرى من الحماسة وإيذاء النفس، أما أصوات الـ ( يبووه) و ( الجولة) وضرب الصدور وترديد كلمة ( حو.. حو.. حو).. فتستمر، ولكن هذه المرة قد تجول إحداهن مولولة مع من تقابلها من غير عباءة لأنهن في الدار.. وأما صبحة فقد قصت شعر رأسها، وازرّق ما حول عينيها من اللطم ( الكفخ) عليهما.. وكانت قبل أن تذهب إلى البيت معهن قد تهالكت على القبر وهي تبكي وتنوح، وكلما حاولت إحدى عماتها أن تبعدها عن القبر لتعود معهن إلى البيت، تشبثت بالقبر، وهي تقول:

- اتركنني.. أرجوكن.. أليس في قلوبكن رحمة؟ اتركنني أموت هنا إلى جواره..

وتأتيها الأكبر سنا من بين عماتها، هي عديلة السلطان، لتقول لها:

- ابنتي صبحة، الميت لا يعود، عليك بحملك إذا كنت تحبين حسين.

وتجفل صبحة، وتنظر إليها باستنكار مع سماعها عبارة ( عليك بحملك إذا كنت تحبين حسين) وتهمّ بأن تقول لها كلاما قاسيا، لولا أنها تذكرت في آخر لحظة أن من قالت تلك العبارة هي عمتها أو خالتها، وأنها تحبها كما تحب حسين، ولكن الحرص على الطفل الذي في بطن صبحة هو الذي دفع عمتها لتقول ذلك، مع أن الكل يعرف مستوى حب صبحة لحسين وإخلاصها له..

وهنا تذكر ابنها صالح، الذي كبر وصار رجال، وقال في نفسه ولكن بصوت مسموع:

- أرجو أن تسامحيني، يا والدتي الحبيبة، لأنني تحدثت عن الولادة والحمل، مع أنني أعرف مدى استنكارك لذلك، ولكن ما عساي أن أفعل.. وهناك من يلحّ عليّ لكي أقول وأكتب شيئا عن هذا الموضوع، حتى لو جاء في رواية؟.. أرجو صفحك، وأرجو مغفرة الربّ الرحيم لك ولوالدي.. تغمد الله روحيكما الطاهرتين بحنوه، وأسكنكما فسيح جناته.

*********

" من يستعجل قطف العنب قبل نضوجه، يأكله حامضا حصرم"..

انتقلت صبحة إلى دار أبيها بعد انتهاء العدة، بعد أن كانت أمها رافقتها لتسكن معها في دارها، دار حسين، طيلة فترة إمساك العدة، وكانت عديلة السلطان ترافقهما حتى أثناء النوم كل فترة العدة.

وبعد أن عادت صبحة وأمها إلى بيت أبيها، كان مال الله قد تخرج من الكلية العسكرية برتبة ملازم في الجيش، وكان في صنف الخيالة، وعندما استورد العراق أول سرية دبابات، كان مال الله واحدا من فرسانها، وقد سكن ما الله في بغداد، لأن وحدته كانت فيها، وكان قد تزوج منذ تخرجه من المدرسة الريفية كمعلم من السيدة لؤلؤ.

كانت لؤلؤ جميلة الشكل، عفيفة، نظيفة، أصيلة.. ولكنها لم تكن سلسة الطباع، ولم تألف حياة ( بنت النهر) ولا نوع طباع أهل ما الله، الذين تغلب على حياتهم وطباعهم حياة أهل الريف، مع فوارق نسبية خاصة أدخلتها في حياتهم حليمة، أم مال الله، بوصفها بنت مدينة أساسا، وأدخلها مال الله عليهم، بعد أن درس في المدرسة الريفية وفي الكلية العسكرية حتى تخرج منهما على التعاقب، وكانت العائلة المؤلفة من الأم والأب وخمس أخوات وأخ صغير تسكن نفس الدار الذي تسكن فيه لؤلؤ أيضا، وهو دار رباح الذي أنشأ فيه مال الله غرفة منعزلة نسبيا، لتستقل فيها لؤلؤ أثناء النوم فحسب، وكانت كل هذه العائلة تعيش على مورد ما الله، ولكم أن تتصوروا مستوى ونوع الحساسية التي يمكن أن تصبغ حياة وعلاقات كنّة تأتي من بغداد، وعائلة في ( بنت النهر) بالوصف الذي أشرنا إليه، مع ما يقابل عدم سلاسة لؤلؤ بما يماثلها من أخوات زوجها، أو قل أغلبهن..

ورغم كل ذلك، كانت الحياة تسير سيرا طبيعيا في حياة رباح، أثناء غياب مال الله خلال الدراسة في الكلية العسكرية، أو حتى بعد أن تخرج منها، وكان قادرا بحكمته، تعاونه حليمة، على أن يفك أي عقد قبل أن تتكون لتنشأ بينهم، وما لم يحلّه المنطق، يحلّه التهديد لمن يستحقه، أو الفعل الذي ينفذ التهديد الذي يسبقه..

ولد صالح، وبولادته بدت السماء كأنها تضحك لصبحة بعد مطر سخي بانت بعده الشمس، ولكن، هل يمكن أن يفرح القلب المجروح؟ ألا يذكر المولود صبحة، يوميا، بأن والده أفل كنجمة، دون أن يترك في نفسها إلا الذكريات الحبيبة الأنيسة إلى نفس شابة أطلت لأول مرة من خلال زواجها على حياة، فتصورت أنها ستمتد بها إلى مدى أبعد من ذلك الزمن القليل.

فرح أهل صالح، وأعمامه، وفرح خالاه، ما الله وعبد اللطيف، وكان عبد اللطيف بعمر لا يزيد على سبع سنوات، والأخ الوحيد لما الله، وفرح جده لأمه، ألن صالح حول الحياة مما يشبه المأتم إلى سعادة في بيته، ومع الغصة التي كانت تنافس الفرحة في صدر صبحة، فقد بدأت حياتها تأخذ لونا جديدا، أليس صالح فلذة كبدها الوحيد، بعد أن مات أنور قبله، وأعقبه حسين؟ أليس هو ( خلفة) حسين، وهو الوحيد ( خضرة) داره؟ ولكن الحزن بقي جاثما على صدر صبحة، وتنفس عنه عندما تهز مهد صالح وهي تقول:

- دللول، يا بني دللول.. عدوك عليل وساكن الجول ( الأرض الفلاة)..

ومع إكمال ذلك تتدفق الدموع من عينيها، ويرتفع صوت نشيجها.

وعندما صار عمر الطفل صالح عدة أشهر، راح يزم شفتيه، ويهمّ أن يبكي مع بكاء والدته، وهي                ( تعدّد) أو تبكي.. وربما كان المنشأ الأساس للبكاء العاطفي للكثير من الرجال العراقيين هو هذه الصلة بين من ( تعدّد) على مهد الطفل، أو تجرش وتطحن الحنطة أو الذرة أو الشعير برحى حجرية بيتية، وكانت الرحى الوسيلة الأساسية لتهيئة الجريش ليطبخ، أو الحنطة أو الشعير، ليستخرج منها الطحين، ليعجن ويخبز في مدن وقرى العراق، وبقيت إلى الأربعينات، وحتى الخمسينات، وسيلة العراقيين الأساسية في الأقضية والنواحي وكل ريف العراق، ثم حلّت محلها المطاحن الحديثة، مبتدئة بالمدن، اعتبارا من نهاية الثلاثينات من القرن الماضي، وتصاعد وجودها في ريف العراق حتى حلّت فيه بقوة كاملة، وصارت الرحى لا تذكر كوسيلة للطحن والجرش، وإنما كتعبير أدبي، أو كتعبير عن صراع وحرب..

أضحت دِمانا فائراتٍ في الوغى

 

 

نفني العداةَ وعلقماً نسقيها

 

دارت رحانا طاحناتٍ حنطةً

 

 

حيناً، ودوماً للعِدا نبقيها

 

***********

ولدت لمال الله ابنته البكر عابدة، وكان عمر صالح دون السنتين، وقطع رباح جد صالح لأمه، وجد عابدة لأبيها ( ردن) عابدة، وقال:

- إن عابدة لصالح.. وهي من نصيبه، زوجة له، إذا كتب لهما الحياة.

كان هذا هو التقليد السائد لدى أغلبية الناس آنذاك، وقبل ذلك الوقت، وبقي إلى خمسينات القرن الماضي ذا وزن خاص عند العوائل، يقوم على أساس قول مشهور كأنه حكم فاصل: عطيّة الجد لا ترد.. شكرت صبحة والدها، وشكرت مال الله، لأنه أقرّ عطيّة أبيه.

كان مال الله، عندما يعود في إجازته من بغداد إلى ( بنت النهر) حيث والده وأمه وزوجته وأخواته، وأخوه، يقضي الكثير من الوقت يتسلى مع صالح، حتى أنه كان يحمله معه بالمنشفة إلى خارج باب دارهم، إذا جاء شاب من العشيرة ليسلم عليه، من غير ما يدخله إلى البيت، أو إلى ديوان والده، وعندما كان مال الله يحمل صالح بيد واحدة بالمنشفة، يطير قلب صبحة معه، خشية سقوطه على الأرض، ثم تلحق بمال الله بضع خطوات، وهي تقول:

- أرجوك، يا خيي، ضع عينك عليه لئلا يطفر من المنشفة إلى الأرض..

ويضحك مال الله وهو يقول:

- لا تخشي عليه، ألا ترين كم هو هادئ؟ ثم، هل تخافي عليه يا صبحة، وأنا أتعهده!؟

تسكت صبحة، ولكنها تبقى قلقة في داخلها، حتى يعود مال الله بصالح وهو نائم، أو لما يزل يقظا أحيانا.

كان تخرّج مال الله من الكلية العسكرية ليصبح ضابطا في الجيش، وولادة صالح، ومن بعده عابدة.. وزواج هيلة من ابن خالتها الذي تربّى في كنف رباح، بعد أن توفيت والدته، وهو ما زال صغيرا، وزواج أبيه في الريف، وزواج ليلى من ابن عمها، كان ذلك كأنه فتح على العائلة مداخل جديدة لتتعامل مع الحياة بصورة طبيعية، بل وبحالة من حالات السعادة بوجه عام، عدا ما كان يعتمل داخل صدر صبحة، ولكن القدر يطبق أحكامه التي لا توقفها سعادة هذا أو بؤس ذاك.. وجاءت الفجيعة الكبيرة: مات رباح أخو هدلة، وسيف العشيرة، وعمره لم يبلغ الستين عاما.. وبموت رباح صار حزن العائلة عاما، وشاملا، بل تعداهم إلى كل من يقدّر للرجال المتميزين أدوارهم وفعلهم، وكان توت رباح كأنه قد أحيا في نفس صحبة حزنين.. حزنها على حسين، وحزنها على أبيها الذي كانت تقدمه على نفسها، وتعتزّ به بما لا يمكن وصفه، ورغم أن مال الله كان طيبا في موقفه وتصرفه، فقد أحسّت صبحة كأن سقف الدار سقط على رأسها ورأس ابنها الطفل صالح، فهل يمكن أن تركن البنت إلى أخيها مثلما تركن إلى أبيها الذي جرّبته أكثر مما جرّبت أخاها، وبخاصة بعد أن تزوج أخوها وصارت له بنت؟

حزن الجميع حزنا ثقيلا في مظهره وجوهره، حتى أن صبحة جعلت ابنها صالح يحزن معها، إذ لم تكتفِ بأن تحزن.. وإنما ألبست صالح، أو صبغت ( دشداشته) بالسواد، وقالت تخاطبه دون أن يعي شيئا مما تقول:

- الآن، وليس قبل الآن، مات أبوك، يا صالح.. لقد مات حسين وتعهدّك جدك.. وجدك غانم، ولكنه مات الآن، ولم يبقَ لك أب..

كانت تقول ذلك وهي تنتحب، والعينان تتدفقان بما تجودان به في ضوء حرارة اللوعة، ويبكي صالح معها، ولا تتوقف دموعه إلا عندما تتوقف دموع صبحة، فتمسح الدموع من عينيه بطرف                        ( دشداشته)، أو بطرف ( ملفعها)، ثم تمسح بيدها على وجهه وجبينه..

**********

بعد أن انتهى العزاء الرسمي، أكملت حليمة أشهر العدة التي تبقى فيها الزوجة في بيتها ولا تخرج منه إلا بعدها، وهي أربعة قروء وعشرة، وفق ما جاء في القرآن الكريم، أي أربعة أشهر وعشرة أيام. جاءهم مال الله من بغداد في إجازة بعد أن استأجر لهم بيتا في سوق الجديد ( محلة خضر إلياس) وقال لأمه ولصبحة ولزوجته أن هيّئوا أنفسكم لننتقل إلى بغداد، لقد استأجرت لكم بيتا هناك نسكنه معا..

قالت والدته:

- هل انتقالنا ضروري، يا بني؟

قال مال الله:

- وهل بقي ما يستوجب أن تبقوا هنا، وأنا في بغداد، يا والدتي؟ ألا تحتاج العائلة إلى رجل على رأسها؟ لقد كان والدي، رحمه الله، لا يرغب في الذهاب إلى بغداد وترك الديرة، أما الآن فلم يعد هناك مسوّغ لنبقى منقسمين بين بغداد وبنت النهر.

همّت صبحة لتقول شيئا والدموع في عينيها، ولكن مال الله عاجلها بالقول:

- أما زيارة قبر والدي وقبر حسين فبإمكانكما أنتِ وصبحة أن تأتيا ومعكما عبد اللطيف، أو أن أكون معكما، إذا ما أتيحت لي فرصة ذلك من حين إلى آخر، وأن تبقيا للأيام التي تريدانها في بيت ابن عمنا أحمد، زوج ليلى، ثم تعودان إلى بغداد..

وبعد قول مال الله ذلك، لم يبقَ من يبدي ملاحظة على قراره، أما طليعة وبدرة وعبد اللطيف، أخوة مال الله في البيت، فإنهم في حقيقتهم فرحوا بالسفر إلى بغداد، و من ذا الذي لا يفرح بأن يكون من أهل بغداد، العاصمة الخالدة؟ إلا من يكون خلفه من يشده إلى اتجاه معاكس.


وضوءٌ إلى بغداد صوتٌ ينافسهُ

 

 


وصعبٌ لمن يختارَ شيئاً يعاكسهُ

 

لقد كان هذا حال صبحة، أما حليمة فإنها أم البيت وأم مال الله، ورغم حزنها على رباح، فإن المحافظة على ( لمّة) أهل البيت: مال الله  وزوجته، وبناتها، ومنهم صبحة وابنها صالح، وشقيق مال الله عبد اللطيف، كانت هدفا ثمينا، ومن أجل هذا الهدف، وعلى أساس الترتيب الذي بينّه مال الله من أن بإمكانها هي وابنتها صبحة زيارة بنت النهر قادمتين من بغداد، فقد سدّ لها ما هو أساس من رغبتها لزيارة قبر رباح في المناسبات، ومنها الأعياد بوجه خاص..

*********

حملت لؤلؤ بعدنان، وولدته في بغداد، بعد أن انتقلت العائلة إليها من بنت النهر..

*********

انتقلت العائلة كلها إلى بغداد، ومنهم صبحة وصالح، وسكنوا في ( خضر إلياس)، ورغم أن بغداد عالم جديد على قياس الحال، والظرف، والحياة، والعادات، وجانب من التقاليد، في بنت النهر، إلا أن الفروقات لم تكن متباعدة إلى الحد الذي لا يكون بإمكان المرء الذي يعيش على شاطئها أن لا يرى شواطئ النواحي والأقضية التي يأتي منها إلى بغداد، بل حتى جانبا من حافات القرى لو جاء منها..

كانت بغداد آنذاك بين العم 1936، حيث تخرج مال الله من الكلية العسكرية، والعام 1941، أشبه بقرية كبيرة، مهملة الشوارع والأزقة، لا فروقات جوهرية بينها وبين مدن العراق الأخرى، إلا عندما يزور من يأتيها من المدن الأخرى بعض شوامخ الآثار القديمة، ومنها المدرسة المستنصرية التي أنشأها المستنصر بالله، المنصور بن الظاهر، الخليفة العباسي السادس والثلاثون، وشارع الرشيد وسط بغداد، وهو شارع عريض على قياس أزقة المدن القديمة، وعلى قياس أزقة بغداد آنذاك، تعرض فيه بضائع من الأنواع التي تذكر الإنسان بأن عالم بغداد يمكن، من زوايا بعينها، وفي بعض الجوانب المظهرية في الأقل، أن يجد له إطلالة على عالم القرن العشرين، ومنه ( الكاري) أو ( الترام واي) الذي كان ينقل الركاب في الزيارات بين الكاظمية والكرخ، تجرّه الخيول، ويدق جرسه في كل محطة وقوف، لينبه من ينزل منه أو يصعد إليه.. ومنه المأكل أيضا، ففي حين أن بنت النهر تفتقر إلى وجود صمون، هنا في بغداد نوع منه لمن يشتهيه ويبذل مجهودا للعثور عليه، أما ( القيمر) الذي ينعدم وجوده في المناطق الشمالية والوسطى من العراق إلا في جنوبه، فإنه هو الآخر موجود في بغداد، ولعلّ أكثر ما وجدته عائلة مال الله من تغيير في حياتها هو ركوبها العربة التي تجرّها الخيول في بغداد، وعند سفر أي من أفرادها بالقطار إلى بنت النهر، أو التنقل برفقة مال الله لشراء حاجيات بعينها من سوق الشورجة، بالإضافة إلى القيمر والجبن عند تناول  وجبة الإفطار.. وأما سعادة لؤلؤ فكانت أكثر من سعادة أي من أفراد العائلة الآخرين، ذلك لأن والدها  ووالدتها وأخويها الاثنين موجودون جميعا في بغداد..

إن ما جعل العائلة لا تجد نفسها في غربة، رغم أنها تركت بنت النهر، التي كانت ناحية قبل أن تصبح قضاء في الخمسينات، هو أن حي سوق الجديد في جانب الكرخ، ومنه محلة خضر إلياس، يضم في أغلبيته أناسا جاؤوا طلبا للرزق من سامراء والدور وتكريت، وكلهم بالأساس ضمن حدود المنطقة الجغرافية لبنت النهر، وتتقارب عاداتهم وطباعهم وتقاليدهم مع القادمين الجدد إلى حد بعيد، مما أضاف اعتبارا آخر إلى جعل الذين يسكنون في خضر إلياس، لا يكادون يبتعدون في تقاليدهم، ولا في سمة حياتهم العامة، عن المدن التي جاءوا منها، إضافة إلى أنهم كانوا جميعا باستثناءات بسيطة في كل جانب الكرخ، ومثله الرصافة، محدودي الدخل، فمنهم من يقوم بمهنة التجديف وتسهيل عبورا لناس بين حافتي دجلة، نظرا لان بغداد لم يكن فيها آنذاك غير جسرين خشبيين متحركين، وكلما هبّ هواء عالٍ، أو ارتفع الماء عن مستوى معين في نهر دجلة، فلتت ( الطبقات) الأطواف الخشبية من مكانها فرادى، وأحيانا مجتمعة، وعندما تفلت مجموعة يذهب من يكلّف بإرجاعها بعد أن يبتعد بها تيار الماء، ويذهب معه كثر من الناس، بينهم دراويش يضربون على الدفوف ليرضوا الجسر المنفلت، الزعلان من اجتيازه بحمولة كبيرة، أو ممن كان على نجاسة، عندما اجتاز الجسر، ومنهم من يظن أن جنيا سحره فقطع الجسر وأفلته من مكانه..

كان هذا هو الحال غير المستقر للجسرين، اللذين كان مكان أحدهما وسط العاصمة، التي كانت على مساحة محدودة آنذاك، ليربط الكرخ بالرصافة، والآخر في مكان ما قرب الكاظمية، على مقربة من ضريح سيدنا موسى الكاظم، يربط المنطقة هناك مع الأعظمية، حيث ضريح أبي حنيفة النعمان..

كان عدم استقرار الجسرين، وتباعدهما، قد أوجدا أعدادا كبيرة من الناس الذين تقترب مساكنهم من دجلة على طرفيه الشرقي حيث الرصافة، والغربي حيث ( صوب) الكرخ، ومنه حي سوق الجديد، ومنه محلة خضر إلياس، يعيشون على ما يجود به النهر من سمك، وما ينقل من خلاله من شمال وحتى من جنوب بغداد.. وهكذا كانت الزوارق موزعة بين مالكيها، أو مشغّليها، ولكن ملكية غالبيتها لغير أهل خضر إلياس، أما الآخرون فموزعون على مهن يدوية شتى، وكان في محلة خضر إلياس دكانان لا غير، أحدهما لبيع أشياء بسيطة لا تتعدى الإبر والخيوط، وعلكة الماء، وأشرطة شعر الرأس لطالبات المدارس، بعد أن صارت في المدارس طالبات لاحقا، وفصّا أو فصّين من الجبن، وقليلا من القيمر في الصباح، وأشياء بسيطة من هذا القبيل، لا تتعدى عناوينها ما هو حاجة عابرة وبسيطة، وكان الدكان عبارة عن غرفة صغيرة داخل البيت، تشق منه فتحة للتعامل مع المشترين من الخارج، وآخر مثله يحتوي على ( عطارية) بسيطة، أغلبها من ( الكركم والفلفل والسماق  والبابونج) وأوراق ورد يابسة، تغلى وتسقى لمن يراد إطفاء التأثير السلبي عنه بعد زعل أو ( عركة) وما هو شبيه بذلك، وتحتكر المحلة امرأة تحمل على رأسها صينية واحدة من القيمر، تأتي من خارج المنطقة، وتنادي لترويج بضاعتها بصوتها الجميل، ذي اللحن الخاص الذي يعرفه كل أهل المحلة عندما يسمعونه.. " كيمر يوخ يا حبايب" (1) وكانت في الغالب لا تبيع كل ما تحتويه صينيتها من القيمر، لأن أهل المحلة، أو حتى نصفهم، أو ربعهم لا يتناولون جبنا أو قيمرا في الإفطار، وإنما كل حسب حاله، فمنهم من يقلي طماطم وباذنجان، أو ما يمكن أن توفره ربة المنزل، وهناك منظر مألوف أيضا هو منظر من يبيع الباقلاء في قدر يغلي فوق ( بريمز) أو لمبة، ويأتيه من يريد أن ( يشرّب) باقلاء بخبز يابس وصح، وبعد أن ينقع الخبز اليابس في ماء الباقلاء، يخرج الخبز ليضعه في صحن صاحبه مع عدد من حبات الباقلاء ويرش عليه ( بطنج).. أما إذا تزاحم على بائع الباقلاء عدد من المشترين، فإنه يشد خبز كل واحد منهم بخيط، مثلما يفعل أهل الحلة، ويطلب من صاحبه أن يحفظ لون خيطه لكي لا تختلط على البائع الخيوط، وبعد أن ينقع الخبز اليابس لكل المشترين يبدأ يصيح على أصحابه فيقول لهذا أو ذاك متسائلا: ما هو لون خيطك؟ وعندما يقول له أحمر، يخرج له الخبز المشدود بالخيط الأحمر، وهكذا لصاحب الخيط الأسود والأبيض والأصفر.. الخ.. وليس غريبا أن تجد من لا يأكل إلا خبزا عاديا مع الشاي في الصباح..

أما بائع القماش، فهو في الأغلب يهودي، كان يحمل على كتفه عددا من قطع، أو أطوال ( مفردها طول) القماش، ويحمل في يده آلة قياسه، وهي ذراع من حديد، في الوقت الذي يسند القماش على كتفه بيده الأخرى، وينادي على بضاعته هو الآخر بصوت معروف ( للحبايب)، والحبايب هنّ نساء المحلة، ولخبرته الطويلة صار يعرف من منهن تنوي الشراء وقادرة عليه، ومن منهن لا تنوي إلا التفرّج، وجمع معلومات عن أنواع الأقمشة وأثمانها، لأن جيبها من جيب زوجها، فإذا كان زوجها بخيلا، أو كان دخله لا يسمح لها بالشراء، تفرّجت فحسب، وإذا كانت قادرة على الشراء، ومحتجة له فعلا، وليس بطرا، مثلما يحصل عند كثر من النساء الآن، ومثلما كان يحصل قبل الحصار لكل النسا، والاستثناء حالة بطولة تسجّل لصاحبتها، اشترت من ذاك القماش ما يعجبها، وكان اليهودي يعرف من تريد أن تشتري فعلا، ومن تريد أن تتفرج، ولا يرمي القماش من على كتفه إلا أمام الباب الذي يخمّن أن من نادته، أو همّت لتوقفه أمامه، تنوي ذلك فعلا.. ومن أكثر من ا ليهود يعرف من أين تؤكل الكتف؟ ومتى؟.. وكتف من أكثرها هشاشة أو سمنة؟ خاصة وأن خضر إلياس فيها قلة نادرة من الموظفين، لم يكن بينهم ضابط آنذاك إلا مال الله، خال صالح، ومثل هذه الوظيفة والرتبة، بالإضافة إلى مستوى أخلاق العائلة، وحشمتها العالية، وأصولها الحميدة، جعلها محل احترام، بل ومحبة أهل خضر إلياس كلهم..

كانت الفواكه والخضار واللحم والدجاج والسمك كلها تحضر على مقربة من دور ساكني خضر إلياس، وبعضها يحضر حسب الطلب.. وكانت التسهيلات محلية: فالسمك يصيده الصيادون من نهر دجلة، والدجاج يعرض في سوق قريبة، أو حتى يشترى من سكان المحلة ممن يربون في بيوتهم، أو على سطوح دورهم عددا من الدجاج ويكثرونه، أو يبيعون بيضه لسد حاجاتهم من المال.

ولم يكن، في ضواحي بغداد، ولا في العراق كله، مداجن لتربية الدجاج مثلما هي الحال الآن، لذلك كان الدجاج والسمك أغلى قياسا بسعر اللحم، ومن هذا كانت العوائل المقتدرة تأكل الدجاج أو السمك في أيام الجمع في الغالب.

مرت سنوات قليلة على تخرج مال الله من الكلية العسكرية، وظلت الحياة مثلما هي في العراق بوجه عام، أو قريبة مما كانت عليه في أوائل العشرينات، حين نصّب الملك فيصل الأول ملكا على العراق عام 1921، ولكن فيصل الأول ما لبث أن مات، وخلفه ابنه غازي على عرش العراق، ولكنه ما لبث أيضا أن قتل في حادث سيارة، وفق ما كان يتناقل ذلك أهل بغداد، ليوجهوا التهمة إلى خاله عبد الإله، وربما شاركته في الجريمة أخته، زوجة الملك غازي، حيث صار عبد الإله، وصيا على العرش، نظرا لأن عمر الملك فيصل الثاني، ابن الملك غازي، كان أربع سنوات في حينه، هذا ما كان أهل بغداد يتداولونه بعد الحادث، ولا يعرف الحقيقة إلا الله، ذلك لأن كره أهل العراق للإنكليز، وعميلهم عبد الإله، قد جعل بعضهم يرمي الكلام على عواهنه، وما جعل أهل بغداد يذهبون إلى هذا الاعتقاد، أن الملك غازي كان يوجه نداءات من إذاعة لا يغطي بثها مدينة بغداد الصغيرة إلى الشعب في الكويت يذكره بأن يقوم بدوره ليعود إلى حيث أصله وصلته كجزء لا يتجزأ من العراق، أرضا وشعبا، ويهاجم الإنكليز، ويشجع الفلسطينيين على مقاومة الصهاينة في الأرض المحتلة، التي ذرّت مؤامراتهم بقرونها آنذاك، في مطلع الأربعينات، وصاروا يشكّلون، في ظل الاحتلال البريطاني، جمعيات وتشكيلات مسلحة تهاجم العرب، لتفرض عليهم ترك أرضهم، أو بيع قسم منها توطئة لبناء كيانهم البغيض..

وقد نساعد في التوصل إلى الاستنتاج الصحيح، إذا ما أضفنا إلى ما قلناه بعض الوثائق التي يمكن أن تلقي بضوئها على طبيعة علاقة الملك غازي بالعائلة الحاكمة في الكويت، والإنكليز، وآخرين غيرهم، وربما تلقي الضوء على جانب من أسباب مقتل الملك غازي، كما يأتي:

  المملكة العراقية                

البلاط الملكي                      

إن مرحلة ضم الكويت إلى العراق قد وصلت حد النضوج حيث تم كسب تأييد عشرة إلى اثني عشر عضوا من المجلس التأسيسي الكويتي حيث قاموا بدعوة أمير الكويت بالانضمام إلى المملكة العراقية وإنهاء الوضع الشاذ في هذه الإمارة العراقية والتي كانت تابعة إلى العراق أيام الحكم العثماني كقضاء، وبما أن المملكة العراقية باعتبارها الوارثة للدولة العثمانية، لذا فلها الحق بإنهاء الوضع الذي فرضه الأجنبي بسبب مصالحه، وقد قام هذا الأمير بأمر من الأجنبي باعتقال أعضاء المجلس وحلّه وإلغاء القرار الذي اتخذوه بالأكثرية، حيث لم يوافق عليه ثلاثة فقط من مجموع الأربعة عشر.

إنني يجب أن أساند أحرار شعبي في الكويت والمطالبين بالحرية والخلاص من ربقة الأجنبي.

إن الاجتماعات التي تم عقدها بين أحرار الكويت في قصر الزهور جعلتني أطمئن على أنه لني تمكن ضغط الأجانب ولا عملائهم في الكويت من تغيير حقيقة أن الكويت جزء لا يتجزأ من المملكة العراقية وأن محاولة الأجنبي التدخل وإضعاف التجمع الوطني الكويتي يجعلنا متحفزين ومصممين أكثر من السابق على معاونة إخوتنا أحرار الكويت الذين كانت توجيهاتنا لهم بواسطة إذاعة قصر الزهور خير دليل ومرشد..

إنني سوف أجعل لهم حصة في تقديم خطب وبرامج على نفس المستوى، أو أكثر مما نقدمه إلى بلاد الشام.

أعاننا الله على تقديم الخير والرفاه للجميع(2).

غازي       

21/12/1938

إني أرى نفسي ( سجين محترم) جدا..

فقد نقل كافة من قررت تقريبهم والوثوق بهم، ومنع الأصدقاء والأعزاء من الحضور إليّ خاصة صديقنا عبد الرسول صادق، والصديق يونس بحري.

إن ذلك لن يدون أبدا.. يجب إيجاد الصيغ الكفيلة بتجديد الإدارة ونبذ المحسوبية، وإنهاء التوسط والرشوة، سأحاول جهدي ذلك، إن وضع عزلي هذا آمل أن لا يدوم أبدا إن شاء الله.

إن ياسين والعسكري يحاولان ( جهدهم) الاستئثار بالسلطة ( بمآزرة) من نوري وهذه المجموعة والخليط العجيب مجموعة تأتمر بأمر الأجنبي، ليس غير، وتنفذ سياسته ومصالحه.. سوف أكون لهم بالمرصاد(3).

غازي

25/تموز/1936

إني أرى حلما من الأحلام العديدة يتحقق فبعد أيام سيتم استعراض عام للفتوة في عاصمة ملكنا بغداد التاريخ، بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية بغداد العروبة الهاشمية، سوف يتم استعراض سبعة آلاف شاب في شوارع العاصمة الأزلية بغداد، وقد أكملوا تدريباتهم وأتموا استعداداتهم العسكرية والفنية.

إنهم النواة.. والظهير والسند لجيشهم الأبي.

إن الرعاية والاهتمام التي أرى أن يحظى بها هؤلاء الشباب ( واجبا وطنيا)، تفرضه علينا خدمة الوطن وحمايته، إن هؤلاء الشباب بحماسهم العربي شاهد، واندفاعهم يجعل العملاء والإنكليز يحسبون لشعبنا الحساب.

لذا سوف أستمر بدعم الجيش وأهتم به شخصيا.. وظهيره الفصائل المسلحة، الفتوة والكشافة.

إنهم ينظرون إلينا بعين الريبة والحذر، ولكن الله معنا(4).

غازي

7/ أيار/1936

الخميس: 9 شوال سنة 1325هـ

25 كانون الثاني 1934

اليوم، الخميس عصرا، تم عقد قراني على بنت عمي الأميرة عالية، وبحضور عدد غير قليل من الأقارب والأصدقاء، وقد قررت عدم إقامة أي مراسيم، احتراما لكبير الأسرة الهاشمية في العراق، والدي، الذي لم تتم بعد أيام الحداد على روحه الطاهرة، ولكن للظروف أحكام.

وفي الساعة التاسعة تم عقد القرآن المنتظر، من قبل الشيخ يوسف العطا، مفتي العاصمة، وقد شهد على عقد قرآني كل من الأفاضل السيد الجليل محمد الصدر، رشيد الخوجة، صالح جبر، نصرت الفارسي، جميل المدفعي، جمال بابان، ناجي شوكت ونوري السعيد.

وقد قام بالحديث معي السيد محمد الصدر، وكان بحق حديثا طيبا شيقا، لقد كنت بحاجة لمن يتحدث معي في مثل هذه الأمور الخاصة والمحرجة، فكان أن عالج السيد الجليل هذا الإشكال الذي أعانيه بكل حنكة ورؤية واقتناع وبعد ذلك دعوتهم إلى تناول طعام العشاء بهذه المناسبة. وقبل انتهاء دعوة الطعام، كنت قد غادرت الحفلة والدعوة(5).

غازي

25/1/2934

كان كل ذلك سببا من أسباب اتهام عبد الإله كعميل للإنكليز، وطامع في الحكم بعد مقتل غازي، أما لماذا امتد الاتهام، وإن جاء من مصادر قليلة، إلى أن  زوجة الملك كشريكة في الجريمة، فإن السبب هو عدم استقرار العلاقة الزوجية بينهما، وهذا ما أكده مرافقه فؤاد عارف عندما سأله أحد المسؤولين في مجلس قيادة الثورة في السبعينات، وعلى وجه الدقة في عام 1974، حيث أكد أن العلاقة الزوجية ما كانت حسنة..

على أية حال، هكذا كان حال العراق آنذاك: فقر مدقع، وتخلف يضرب إطنابه في كل مكان، بما في ذلك الحياة ومظاهرها في بغداد، وفق ما أشرنا إليه.. وكان الفقر والمرض والتخلف العام عن موارد العصر.. هي الحالة التي تشكل السمة العامة للعراق، رغم غنى العراق بالماء والأرض والتراث والمعاني الحضارية العميقة، وذكاء الإنسان.. والنفط، ولكن هل يمكن لجسم كبير.. لشعب.. لبلد.. لأمة.. أن ينهض، من غير أن يكون له محرك من داخله، ورأس، وعيون تدلّه إلى الطريق، وأهداف تجتذبه إليه، وعقل يحركه ضمير مؤمن بالشعب لتجديد الدور، وسيف مرهف لا يلتوي، يحمي مسيرته، ويظللها بيرق عال؟ وهل يمكن لهذا أن يكون من غير قيادة ونموذج يزرع الإقدام مكان التردد، والثبات مكان القلق، والهداية، التي تجعل مرتسم الطريق واضحا في بدايته، وإلى حيث يتجه، أو يتفرع.. مكان الضياع!؟

---------------

(1) يوخ، كلمة أعجمية تعني (جيد)

(2)

 

 

 

(3)

 

 

 

 

 

(4)

 

 

(5)

 

 

 

إلى صفحة المقالات