بسم الله الرحمن الرحيم

07/05/1429

رواية رجال ومدينه لكاتبها الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد

الجزء الخامس

 

 موقع النهى*
كان بعض ضباط الجيش قد درس الأركان خارج العراق، وعرفوا الكثير عن إيجابيات وسلبيات غيرهم، ومنها، وعن طريق المقارنة، حتى لو جاءت مجتزأة، وغير موضوعية في قياساتها واستنتاجاتها، عرفوا عورات الحاكمين في بلادهم، وما لم يعرفوه، ولم يستنتجوه، أغناهم عن الاهتداء إليه سلوك الحاكمين، كإمعات وتابعين للأجنبي، وعصاه الغليظة ضد الشعب وتطلعاته التي كانت تعبر عن جانب منها الحركات الوطنية وبعض المثقفين والمتعلمين، وكل واعٍ أصيل من العراقيين، ومثلما كان حال أهل بغداد، كان الحال في خضر إلياس، في تطور جزئي بسيط جدا، حتى يكاد لا يرى بين سنة وأخرى، إلا تطورا واحدا حصل في بيت مال الله، حيث جاءهم ابن عمتهم إبراهيم في زيارة إلى بغداد، وفاتح عمته أم مال الله، قبل أن يحكي مع مال الله، الذي كان في المعسكر، برغبته بخطبة صبحة، وعندما قالت له:
- وماذا عن ابنة عمها أمينة؟
قال:
- وماذا يهم في ذلك؟ إن كون أبي أمينة وأبي صبحة ابني عم يسهل جمعهما في بيت واحد، رغم أن أمينة في قرية رمز القرى الآن، وسوف أستأجر لصبحة دارا في بنت النهر تسكنه هي وابنها صالح، وسيكون وجودي الأساس في المدينة، حيث طبيعة عملي.
كان أبو همام هذا رجلا شهما من العائلة، فخاله رباح، وصبحة بنت خاله، وكان رجال بهيا، جميل الطلعة، طويل القامة، قوي البنية، محل ثقة أهل صبحة، لأنه مجرب لديهم في مناسبات سابقة، ذا عينين صفراوين، يميلان إلى الخضرة، وكانت تفاصيله جميلة كلها، إضافة إلى أنه رجل شجاع وغيور..
ومع أن حليمة، أم مال الله، كانت تجد صعوبة في أن تنزل صبحة على ضرة، خاصة وأن هذه الضرة من بنات أعمامهم، فقد كانت تدرك أنهم لو رفضوا أبا همام، فإن أيا من أبناء العشيرة لن يتجرأ ليخطب صبحة، إذ سيتكون لديهم انطباع بأن صبحة وأهلها لا يرغبون بتزويجها، وكون صبحة لا ترغب في الزواج ولا تسمح لأحد بأن يتحدث به حقيقة معروفة في العشيرة، ولكن رفض خطوبة أبي همام لصبحة يعني أن أهلها أيضا لا يريدون لها الزواج، وعندما لاحظت أن لديها ثلاث بنات وولدا قاصرا، وأن لمال الله ولدين، إضافة لها ولزوجته، وأن العدد يصير تسعة، وأن تسعة يعيشون في بغداد على راتب مال الله وحده يعتبر حملا ثقيلا، صارت حليمة تقول في نفسها:
- وماذا لو تزوج أبو همام من صبحة، وصارت أمينة ضرتها؟ ألم يتزوج فلان وفلان وفلان بأكثر من واحدة من بنات عمومتهم، وهم من نفس العشيرة؟ بل ألم تكن حليمة نفسها الزوجة الثانية لرباح، بعد موت زوجته الأولى؟. الخ
على أية حال، فاتحت حليمة ابنها مال الله عندما جاء من المعسكر، وعلق قائلا:
- أنت تعرفين، يا والدتي، أن صبحة غالية جدا على نفسي، لذلك لن أكسر خاطرها وأسألها رأيها في الزواج، وأنا أعرف رأيها مسبقا، فهي ترفض الزواج كفكرة، ورغم أنني أعرف أبا همام كرجل محل ثقة، وابن عمتنا وابن عمنا، لذلك بإمكاننا أن نطمئن على صبحة وعلى ابنها صالح إذا صارا عنده.. أن لم نجبر من أعمامه ليأخذوه لديهم، مع أنني أتذكر عندما جاء عماه سليمان وحسن، وأبديا رغبتهما في أن يعهد إليهما بتربيته، أن صبحة اعترضت بلطف.. وكيف قالا عندما عرفا موقفها أن صبحة التي أرضت أخانا، وأرضتنا كلنا في موقفها منه وهو مريض، لن نجعل دمعتها تسيل بأن نأخذ صالح من غير رضاها، لذلك متى ما وجدت أن من مصلحتها ومصلحة صالح أن ينتقل ليعيش بين أولاد أعمامه، لها تقدير ذلك، ونكون ممتنين وشاكرين لها.. أقول – قال مال الله- رغم أنني أعرف هذا، ولكن لا أعرف كيف سيتصرف سليمان وحسن وشقيقهما نفيس إزاء بقاء صالح مع صبحة لو تزوجت، رغم أن أبا همام ابن عمهم وليس بعيدا عنهم، على أية حال اترك لك، يا والدتي، التصرف في هذا بعد المذاكرة مع صبحة.
وعندما رأي إصرارها على تزويج صبحة، قال:
- أرجو صبرك عليها وأنت تحاولين إقناعها.. أما أنا فلن أفعل شيئا، لأنني إذا حاولت إقناعها، قد تتصور، رغم أنها امرأة عاقلة وحصيفة، أنني متثاقل منها ومن ابنها، ومن معيشتهما، وأن تتصور أن زوجتي لا تريدها في البيت، وأن موافقتنا على الزواج إنما هي لهذه الأسباب أو لأي منها..
**********
عندما فاتحت حليمة صبحة بالزواج وقالت لها:
- يمّة صبحة، أخوك مال الله ضابط، والدنيا، كما ترين، لا نعرف ماذا يمكن أن تلد..
أجابتها صبحة:
- إن شاء الله تكون ولادتها خير، حفظ الله مال الله.
ورغم أن صبحة لم تكن تعرف ما يدور في صدر وعقل أمها حليمة، فقد قالت ذلك جوابا لأمها، وفي ظنها أن أمها كانت قلقة على ابنها مال الله من التطورات المحتملة من الناحيتين السياسية والعسكرية، وخاصة مع شيوع أخبار الضباط القادة الأربعة بقيادة فهمي سعيد، وصلاح الدين الصباغ، وعدم رضا الجيش على الوصي، واتهام الوطنيين الوصي بتدبير مقتل الملك غازي، وما اصطدام سيارة غازي بعمود كهرباء غلا تمثيلية فحسب، وأن مال الله يحكي بهذا لأصدقائه وعائلته أيضا، ولكن حليمة لم تكتفِ بإجابة صبحة، وإنما قالت بوضوح هذه المرة:
- إن ابن عمك أبا همام جاء يخطبك. ولذلك نأمل – ولم تقل آمل بالمفرد، لتوحي لها بأن هذه هي رغبة العائلة كلها- أن توافقي، وهو في كل الأحوال ابن عمتك قنديل، وأنت تعرفينه، وهو أبو همام، والله من الرجال ( الزينة) يا بنتي، وأنت شابة، وفي كل الأحوال، فإن خير من يصلح لرعاية صالح بوجودك هو أبو همام.
انهمرت دموع صبحة.. وقالت:
- يمّة، هل هذا رأيك وحدك، أم رأي مال الله أيضا؟
- شوفي، يا صبحة بنتي، مال الله وحيد.. وأخوك عبد اللطيف، ما زال في عمر صغير.. وعددنا الآن تسعة في رقبة مال الله.. فهل هذا إنصاف يا بنتي!!... القسمة جيدة، ونحن لا نرضى أن تبقى بنت بعمرك في الدار من غير زواج..
عندما رأت صبحة إصرار أمها، عرفت أن رفضها لن يكون له معنى، وأنها ستكون بعد الآن ثقيلة على أهلها.. وصبحة ذات النفس العالية، والحساسة حتى من نفسها، ولأبسط الأمور، لا تتحمل أن تكون عالة على أحد أو ثقيلة وجود في بيت أحد.. عندها قالت لأمها بزعل:
- يبدو أنني أصبحت ثقيلة عليكم، افعلوا ما قررتم أن تفعلوه.. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون. وكأنها في هذا نعت نفسها، واستذكرت في هذا وفاة حسين ونعته أيضا.. رغم أنها لم تكن تحمل تجاه أبي همام غير ما تعرفه عنه من خلال أهلها، بأنه وفق ما وصفته أمها.. قالت صبحة ذلك، وسحبت نفسها من المكان الذي فيه أمها إلى مكان آخر في البيت، وراحت تبكي بكاء مرا..
بعد أن عٌقد قرآن صبحة على إبراهيم، سافرت هي وإبراهيم ومعهما صالح إلى بنت النهر، وهكذا عادت صبحة وصالح إلى بنت النهر، بعد أن تركاها منذ أكثر من سنة ليكونا في بغداد..
كان صالح آنذاك بعمر يناهز الثلاث سنوات، وقد سكنوا في دار استأجروه في الحارة، تجاورهم عائلة طيبة، تكن لعائلة صبحة احتراما لا حدود له، وكان ربّ هذه العائلة ياسين الرحيم يعمل على كل ما يجعل عائلة رباح وإخوته وذريتهم يرضون عنه، نظرا لسمعة أهل صبحة الطيبة في المدينة، ولما يحمله أهل المدينة عن والدها رباح كسيف صائل ورمح طويل في المدينة، وحيث كان هو وإخوته وأعمامه ناموس المدينة، وحماتها في الملمات.. وكانت عملة ( دكة) اليوز باشي مع عسكره الترك ما زالت أخبارها لا تتعدى الثلاثين سنة الماضية، حينها، بالإضافة إلى موقف العشيرة من الإنكليز في ثورة العشرين، كلها مع عوامل وأسباب أخرى تشكل خلفية احترام الناس في بنت النهر لعشيرة السادة الحسينيين، وتكّن تقديرا خاصا لأهل صبحة..
كان ياسين الرحيم، الجار اللصيق للبيت الذي استأجره أبو همام، وكانت عائلة ياسين الرحيم تقوم بأي أمر تراه صبحة أو يكلفهم به إبراهيم، ويركض أمامهم في هذا الرجال والنساء، صغارا وكبارا، وحتى ياسين الرحيم الطاعن في السن.. كان يحلب البقرة لأم صالح قبل أن تتعلم حلبها..
كانت بنت النهر تسمى مدينة، وكانت في الثلاثينات تحمل درجة ناحية في سلم الترتيب الإداري للمدن الكبيرة، وكانت سبعا في العراق، ستا بالإضافة إلى العاصمة بغداد، كان كل منها يحمل تسمية ومرتبة لواء بدلا من اسم محافظة وفق التسمية الحديثة لهذه المدن، وأصبحت أربع عشرة محافظة بعد ثورة تموز عام 1958، وأضيفت بعد ثورة 17-30 تموز أربع محافظات أخرى لتصبح ثماني عشرة محافظة، وأن المحافظات المضافة بعد ثورة 17-30 تموز هي محافظات صلاح الدين، والنجف، ودهوك، والمثنى.. وبذلك صارت ثماني عشرة محافظة، هي مجموع محافظات العراق حتى العام 2001، وكانت القائم مقامية هي الحلة الوسطية بين اللواء على ما كانت التسمية عليه في العهد الملكي، والمحافظة، على ما صارت عليه بعد عام 1958.. والقضاء أو القائم مقامية أكبر وأوسع من الناحية، ويضم ضمن دائرته الإدارية عددا من النواحي.
إذن، كانت بنت النهر ناحية، ورغم أنها مدينة عريقة موغلة في القدم، وتضم كنيسة أثرية على الضفة الشرقية المقابلة للمدينة على نهر دجلة، شيدّت في حوالي سنة 550 ميلادية، وتضم واحدا من أقدم الجوامع، إن لم تكن أقدمها في العراق، حيث تأسس في العام 16 للهجرة بعد الفتح الإسلامي لبنت النهر، وتضم واحدة من أكثر القلاع قدما، يمتد زمنها إلى العهد البابلي الوسيط ( 1307-1275 قبل الميلاد) فقد كانت مدينة بالاسم، رغم أنها أقرب إلى القرية المهملة في العراق آنذاك منها إلى المدينة.. وليس فيها إلا عدد قليل من الدكاكين التي تعرض قماشا، أو دلاء لأصحاب الآبار، وحبالا ومساحي ومناجل حصاد، وأعمدة خشب لبيوت الشعر، وبعض القدور وأواني شرب الماء ( طوس) من ( الصفر)، وربما تجرأ بعضهم ليبيع أباريق شاي متواضعة من المعدن أو الخزف، وأقداح شاي على شاكلتها، وفيها علوتان لشراء وبيع الحبوب والتمر والدبس وما شابه ذلك، وفيها دكانان، أو ثلاثة تبيع أقمشة، حتى أن الريفي عندما كان يتسوق من أي من هذه الدكاكين، لا يشتري القماش على وفق اختياره، وإنما يطلب من صاحب الدكان أن يختار له ذلك، بعد أن يذكر له عدد أفراد العائلة وأعمارهم وجنسهم، ومعه يوصي صاحب الدكان بإعطائه قماشا يتحمل الوسخ، غذ لم يكن يهمه منظر القماش، ولا كونه وسخا أو نظيفا بعد أن يلبس، وإنما الأهم لديه أن لا يظهر للعيان متسخا، وهذا يعني أن يكون لون القماش داكنا، أسود في الغالب، لكل النساء، وقريبا من ذلك للبنات في أعمار أخرى، ذلك لأن اللون الداكن لا يظهر عليه الوسخ بسرعة أمام العين، وضروري للنساء لكي يحجب أعين الرجال عنهن، ولا تنكشف من خلاله عوراتهن أو ( خيال) أجسامهن، حتى أمام محارمهن، مثلما لو كان القماش فاتحا.
أما الرجال فإنهم يلبسون ما هو داكن أثناء العمل، ويلبسون الأبيض للمظهر في المناسبات، ولكنهم يلبسون تحته سروالا داخليا طويلا يصل إلى كعب القدم.. ولم يكن من بين العربيات من يلبس الألبسة الحديثة، ومن الطبيعي أن نقول أن أيا منهم لم تكن تلبس البنطال، مثلما هو حال كثر من بنات هذا الجيل، ففي ذلك الزمان وقبله، كانت المرأة لا تخرج عن دائرة عمل زوجها في الريف، حيث الزراعة ورعي المواشي والأنعام، ولذلك كانت الملابس الفضفاضة الداكنة تكفي لسترها، وإذا ما أضيف إلى ذلك العباءة حيثما وجد رجل غير محرم، تكون حال المرأة في كامل الحشمة، أما الآن فقد اختلف موقع المرأة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وصار بعضهن يعتمد على نفسه في مورد أساس من موارد البيت، فمنهن من تعمل في الدوائر الحكومية، أو في أنشطة أخرى، وفي السابق لم تكن مظاهر قوم تنقل إلى قوم آخرين، بما في ذلك نوع ألبستهم ومأكلهم، إلا مع الحروب والغزو، أما الآن فإن شاشة التلفاز وما يماثلها صارت خير صديق، إذا أحسن التصرف القائمون عليها، وأسوأ جليس لو لم يفعلوا، وفي السابق كان البنطال يعد لباسا للأعاجم، حيث يحتاجونه لمقاومة البرد وتسلق الجبال والتعامل مع أشجار غاباتهم.. وعلى هذا جاء قول جد صبحة، أبي رباح، عندما أخبر وهو يسكن قرية الدور هربا من ملاحقة الأتراك له، بأن مفرزة من الجندرمة تنوي الهجوم عليه وعلى أبنائه عند أو ضياء من اليوم التالي:
- أنا أخو هدلة، هل أهرب من مواجهة أولاد أمهات السراويل؟
ويقصد الأعجميات. وبقي يقاتلهم حتى استُشهد، هو وعم صبحة مولان في نفس المكان، ثم استُشهد ابنه محمد، وكان شابا في مقتبل العمر، في معركة أخرى طاردهم فيها العسكر العثماني، على الضفة الشرقية لنهر دجلة، المقابلة لبنت النهر، بعد أن دارت معركة اشترك فيها هو وأخواه عبد ورباح من جهة، والجندرمة من جهة أخرى.
وعلى وفق هذه الخلفية اشتدت العداوة بين العثمانيين الأتراك، وبين عشيرة السادة الحسينيين في بنت النهر، وخلف الحسينيين ويعضدهم أبناء مدينة بنت النهر كلهم ضد الأتراك العثمانيين، وعلى هذه الخلفية، اصطدموا بالأتراك ونال منهم رباح وأخوته وأبناء عمومته في معركة في مدينة بنت النهر، قتلوا فيها اليوز باشي ومعه ستة أو سبعة من عسكره، وأدى ذلك إلى إحراق بيوت العشيرة، وهروب العشيرة من المدينة، حتى صدر عنهم عفو عام، من الباب العالي في اسطنبول، على وفق قصتهم الشهيرة في المدينة..
وهناك حادثة أخرى نبين عند ذكرها، كيف كان جندرمة الأتراك يتصرفون:
كان طه الخطاب شابا في مقتبل العمر.. تزاحم أثناء العبور مع اثنين من الجندرمة الأتراك، كانوا كلهم ينوون العبور إلى الضفة الثانية في الزورق الكبير المخصص لـ ( العبرة)، فتلاسنا مع طه الخطاب، فما كان من أحدهما إلا أن وجّه بندقيته على طه وأرداه قتيلا في الحال، على الشاطئ القريب لبنت النهر، وقبل أن يركبا في الزورق، وصل الخبر إلى أخيه أحمد الخطاب، فجاء راكضا وهو يخفي خنجره تحت ملابسه، وقال لصاحب الزورق، الذي امتنع عن العبور بالجندرمة الترك إلى الضفة الثانية بعد أن قبل طه: " اعبر بالجندرمة" وغمزه بطرف عينه، حين قال: " وسأكون معهما".. وما إن توسطا الماء حتى هجم على القاتل بخنجره وأرداه قتيلا، ولم يكفِ بهذا، بل راح يقطع أوصاله، وهو ( يحدي) وكلما قطع جزءا من أوصاله بالخنجر، رماه في الماء، ولم يبق شيئا منها.. وعندما أنجز واجبه، عاد بالزورق مع صاحبه إلى ضفة المدينة، بعد أن أوصلا الجندرمة الآخر إلى الضفة البعيدة.
عود على بدء، كانت بنت النهر مدينة تحمل صفة ناحية في السلم الإداري، ولكنها كانت أشبه بقرية مهملة من القرى العراقية آنذاك، وكانت فيها ( علوتان) فحسب، وأمر طبيعي أن نقول، إن كل، أو جل معاملات البيع للفلاحين كانت تجري بالآجل، سواء في الدكاكين، أو العلوتين، بين موسم وموسم، حيث كانت النقود نادرة، وكان أغلب البيع والشراء بين الفلاحين، ومن يبيعهم أو يشتري منهم، يجري بما يشبه المقايضة، حتى ذلك الحين...
وكان في المدينة حلاقان أو ثلاثة، أحدهم كامل الحلاق ( كامل المزيّن) حتى أن الطرف الذي فيه ( كامل المزيّن) كان يسمى ( محلة المزاينة) ذلك أن أحدا من أهل المدينة لم يكن يمتهن مهنة الحلاق، إلا من بين من هم في تلك المحلة.. وكان كامل المزين يذهب إلى رمز القرى من حين إلى آخر، ولكنه لم يكن يتقاضى ممن يحلق لهم أجورا فورية، وإنما أجورا عينية مؤجلة الدفع، يأخذها في الموسم حنطة وشعيرا، غالبا ما تكون ( تنكة) حنطة أو ( تنكتين) عن كل رجل بالغ، وكان المكيال للحبوب في بنت النهر وما جاورها هو ( التنكة) الفارغة، أي صفيحة الدبس الفارغة، وكانت وزنة الحنطة عبارة عن ثلاث كيلات بصفيحة الدبس، وكان سبب عدم تقاضي كامل المزين أجورا نقدية هي ندرة النقود، وكان من يتعامل نقدا مع الفلاحين لا يبيعهم مثلما لو تعامل معهم بالآجل.
ولم يكن في المدينة كلها متر واحد مبلط بالإسفلت، أو ما شابه ذلك، حتى قيام ثورة تموز عام 1958، وكانت أبرز الأبنية فيها: الأربعين ولي، التي تقول الروايات أنهم الصحابة الذين استُشهدوا في معارك تحرير بنت النهر من الفرس، ومواجهة من قاوم جيش المسلمين العرب بقيادة عبد الله بن الأعتم في العام 16 للهجرة، الموافق للعام 637 للميلاد، وقبول الذين هربوا قبل وصول جيش المسلمين، الذي حاصر المدينة أربعين يوما، حتى تم الاتفاق على فتحها سلما مع قبائل إياد وتغلب وبكر ونمر، إلا أميرا من قبيلة إياد رفض أن يستسلم لجيش المسلمين وفق قصة معروفة في أهم تفاصيلها، وبناية الحفيز، وهي ( الأوفيس) وفق التعبير الأجنبي الإنكليزي، وهو بناء متواضع يضم مركزا للشرطة وبعض الدوائر الحكومية، يجاورها الحاكم ( القاضي) الذي جاء وجوده في بنت النهر متأخرا.
ولم يكن في المدينة من يتصور أن تبليط الشوارع والأزقة من مسؤولية الحكومة، وكانت المياه الآسنة، التي تخرج من البيوت إلى الطرقات، قد حفرت مجراها وسط كل زقاق، أو طريق لتتجه كلها لتصب في نهر دجلة، وهناك كان صيادو السمك يجدون ضالتهم باصطياد السمك بالخيط، حيث يكون تجمع المياه الآسنة، وهي تنحدر من أعالي المدينة إلى النهر، وربما يحمل الماء الآسن معه ما يمكن أن يحمله من بقايا الطعام، فيتجمع السمك عند مصب الماء الآسن، مع أنه لم يكن يسيرا أن تجد قطعة خبز، أو حبة حنطة، وما شابه ذلك فرصة لتنحدر مع الماء الآسن إلى النهر في مدينة يعيش أهلها على الكفاف بوجه عام..
كانت المدينة خالية من الفنادق تماما، ولكن دواوين وجوه المدينة، ومنها دواوين السادة، تقدم خدمة الضيافة لكل زائر للمدينة، ولمن ليس له بيت يأوي إليه، وفي هذه الدواوين تقدم الضيافة كاملة، ومنها النوم والطعام، بصورة مجانية، على عادة العرب والعراقيين المعروفة.
وكان فصل زراعة الشواطئ أهم متنفس للمدينة في الصيف، حيث ينتقل أهل المدينة كلهم تقريبا إلى ( السوابيط)، ومفردتها ( سوباط) بينما تسمى وفق لهجة أهل المنطقة ( سيباط) وجمعها ( سيابيط)، ويزرعون الرقّي والبطيخ واللوبياء في الأرض المخصصة لكل منهم، بمحاذاة النهر، مبتدئين من الحافة الجنوبية للقلعة، حتى آخر مساحة شاطئ من الجنوب وتسمى ( الجبلة)، ولعلها الزاوية النهائية في شاطئ تكريت التي تكون أمام المصلين عند اتجاههم للقبلة، وتشكل خط الاتجاه العمودي على القبلة باتجاه مكة المكرمة. وكان المتنفس الآخر هو وقت الربيع، حيث يخرج الأهالي زرافات زرافات، إلى الأربعين ولي، أو إلى مرقد أحد الصالحين الذين قاوموا الاحتلال الفارسي للمدينة في عام 1733، ويسمى ضريح محمد البدر.. ينتشرون حول المزارين أو الشعاب القريبة من المدينة، حيث تكون مياه الأمطار قد حفرت مجراها وهي تنحدر من الأرض المرتفعة في غرب المدينة باتجاه الشرق، حيث نهر دجلة الخالد.. أو يخرجون في الأعياد إلى هذين المزارين، نساء ورجالا، وكان الشباب يتسابقون على ظهور الخيل كأنهم فرسان في معركة، يسبق من في الأمام من خلفه، ويحاول أن لا يعطيه فرصة عليه، ويلمس الخلفي من هو أمامه كأنه في هذا طعنه، وتكون المطاردة، في العادة، بين نقطتين على الأرض، متفق عليهما، بحيث من يكون مطرودا يتحول إلى طارد عند وصوله النقطة المعلومة على الأرض وهكذا.. فيما ( تفقع الهلاهل) الزغاريد من النسوة، ويطلق من لديه بندقية النار من على ظهر فرسه، وهي مغيرة، أو وهو على الأرض.
وكان السيد حسين يحضر السباق أو ( المطاردة) في هذا المكان مع الشباب، على وفق ما أسلفنا.. وإذا أريد وصف لبنت النهر آنذاك، فقد كانت بيوتها كلها من اللبن والطين، أو من اللبن والجص الذي يأتيها من الأرض المجاورة، بعد أن تحرق الأرض بروث الدواب لعدة أيام، وأرض بنت النهر جبسية صالحة كلها لأن تتحول إلى جص ( مادة النورة).. وتقع المدينة على أرض مرتفعة على حافة النهر وتطل عليه، وشكلها العام أشبه بكلية تراب رطب لفظته كيلة ( شفل) أو كيلة حفارة غير منتظمة.
*********
كانت صبحة تزور قبر والدها رباح كل جمعة، عندما صارت تعيش في بنت النهر، وتزور قبر حسين، وتقرأ سورة الفاتحة على قبور والدها وحسين وأعمامها، واحدا واحدا، وكانت في كثير من الأحيان تصطحب صالح إلى المقبرة، وهناك تقول له:
- هذا قبر جد، وهذا قبر أبيك، وهذا الذي قربه قبر أخيك أنور..
- أهو أصغر مني، يا والدتي؟ يعقّب صالح مستفسرا من أمه.
- نعم، عندما توفي كان أصغر منك، لأن عمره كان بين الأربعة وخمسة أشهر، بينما أنت، ولك العمر الطويل، يا ولدي، بعمر يزيد على ثلاث سنوات..
- ولماذا مات، يا أماه!؟
- أخذه الله إلى جواره.
- وهي يأخذ الله الجميع إلى جواره..
- نعم، يا ولدي..
وقبل أن يكمل ليقول: وأنت أكبر مني، وعمي إبراهيم أيضا؟ ضمته والدته إلى حضنها وهي تقول:
- أبعد الله الشر عنك، يا ولد، لقد مات أنور بعد أن مرض، ولم تكن لدينا إمكانية أن نأخذه إلى الطبيب، بل لم يكن هناك طبيب أصلا، بينما لم تمرض أنت.. وقد نشأت قويا والحمد لله..
وعندما يسألها عن النجوم في وقت ليل، تقول له:
- إن النجوم كبيرة، بقدر حجم الجمل، أو أكبر، وربما بحكم بيت، ولكنها بعيدة عنا، لذلك تبدو صغيرة لمن ينظر إليها من الأرض.
وعندما يسألها:
- كيف ذاك؟
تقول:
- إن الله أراد ذلك.
وعندما يسألها صالح:
- لماذا لا يقرب الله إلينا النجوم لتضئ لنا بصورة أفضل عن قرب؟
تجيبه أمه:
- إنه أمر الله، يا ولدي.
ورغم أن صالح لم يكن يفهم معنى هذا، إلا أنه يسكت..
ومع كل قبر تتعرف صبحة على صاحبه، تسرد لصالح قصته.. هذا قبر جدك مولان، شقيق جدك رباح.. قتله الأتراك في مدينة الدور، وقتل معه مسلط والده، وهذا قبر عمي محمد، قتله الأتراك أيضا في زمن لاحق، ربما بعد عدة أشهر من مقتل مسلط وابنه مولان، قتل مطاردة على ظهور الجياد مع الأتراك أيضا، بعد أن قاومهم ببسالة وهو في عمر لا يزيد عن ثماني عشرة سنة، واستطاع شقيقاه بعد ذلك، وهما جداك رباح وعبد، أن يتخلصا من شرهم... و... الخ، ثم تجلس بعد أن تكون قد مشت طويلا هي وصالح، أو وقوفا أمام كل قبر لتقرأ الفاتحة، وكان صالح يراقبها من غير أن يفهم لذلك معنى، ثم تجلس وتبكي مرتين، مرة أمام قبر والدها رباح، وأخرى أمام قبر حسين والد صالح، وكان صالح عندما تبكي يجد أن دموع عينيه تنهمر من مآقيها في أغلب الأحيان.
ليسَ المسمى بها من راحَ يشجيها
وإنما روحهُ إن شحَّ ساقيها

أحاورُ النفسَ منها كلّما هدأتْ
والدمعُ يهطلُ من سفلى مآقيها

أقاومُ الضعفَ فيها كلّما هزلتْ
فتنتخي ذاتها حباً لباريها

تسافرُ الروحُ مني في الفلاةِ فلا
جبراً تعاودُ بل طوعاً لحاديها

ولا تقصرُ عنها كلّما عصفتْ
تهدي الدماء على قدرٍ لمهديها

تسمو وتسمو نقاءً كلّما خفقتْ
وترتقي خبباً فاضت معانيها

زادتْ يدانا اشتباكاً في حرارتها
من فرطِ حبٍّ تديننا وندنيها

ليسَ العناقُ لها قد كان ضائرُها
بل كانَ ما كانَ بغياً صار يخزيها

سحّت دموعاً وحتى أن أرجلنا
حجلى تراءت وقد فاضت سواقيها

 

 يتبع الجزء السادس ....

 

 

 

 

 

إلى صفحة مقالات وأراء