بسم الله الرحمن الرحيم

07/05/1429

 رواية رجال ومدينه لكاتبها الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد 

 

 الجزء السادس

موقع النهى*

 " عندما لا تفكر، يصدأ دماغك، وإن لم تعتنِ بعينيك، هرشها القذا، والزند الذي لا يقدح، لا ترجو منه خيرا، وعندما لا يهيأ ليلاوي، يخذل صاحبه إذا اقتضى الأمر استخدامه في صراع، ومن ينشد الشر يحصد نتائجه"..
وضعت صبحة أدهم، وكان أول ابن لها من إبراهيم، وفرح صالح بالطفل الجديد، مثلما فرحت به صبحة وإبراهيم، ولكن هل تقع حرب من غير خسائر!؟ أليس صراع الإنسان العراقي في حال كالذي أشرنا إلى جانب منه في مدينة بنت النهر، حربا مستديمة للإنسان ضد المرض والجهل والجوع والتخلف، مثلما هي الحرب ضد كل أجنبي محتل..؟ أليس كل عنوان من هذه العناوين قادرا على أن يلحق خسائر جسيمة بالإنسان، عندما لا تكون وسائله وتهيؤه في الوعي، والتحسب، والتحوط، على وفق ما ينبغي!؟. بل لو لم يكن الإنسان العراقي ذا صلابة خاصة، ألم تكن قادرة، لو اجتمعت، على أن تفتك به وتخرجه من حلبة الصراع مهزوما!؟ ألم تتحالف هذه الوحوش الأربعة ( الفقر والجهل والمرض والتخلف)، مرجفة فعل الأجنبي المحتل، ضد العراق مدة سبعمائة عام؟ وتتعامل مع شعبه وهي تحمل كامل عدة التدمير ( كفرط)، أي بالمفرد، وليس ككتلة يواجهها.. وأقصى ما يمكن أن يكون عليه حاله الجمعي من تضامن غير واعٍ، أن يحصل على مستوى العائلة، أو الأقرباء الأقربين من العائلة، أو على مستوى العشيرة، والقبيلة؟ أليس مثل هكذا مواجهة، حيث يحشد العدو للعراق بكل ما معروف عنه كشعب عريق وكبير على عهد الدولة، عندما ازدهرت في زمن العباسيين، حتى صار الشعب ثلاثين مليون إنسان، بينما يواجهه شعب العراق بمقاومات فردية من هذا أو ذاك ممن لم يقع عليه المرض، وهو معصوب العينين والعقل، ولا يعرف كيف يتخندق أمامه، ليقلل أ ضراره، ولا يعرف كيف يختار وسائل المواجهة المؤثرة ليدرأ عنه شر العدوان؟ أليس هذا هو الذي جعل المرض والجهل والتخلف، بالإضافة إلى غزوات جيوش الأجانب، تقضي على تسعة وعشرين مليون إنسان، وكل نسب الزيادة في الولادات، حتى بقي من ذلك العدد بحدود المليون إنسان في العشرينات والثلاثينات، أو ما يزيد عن ذلك قليلا؟.. أليس الاختلال في التوازن وغياب الوعي والقدوة وسيف الدولة الأمين، هو الذي أطمع هولاكو بالعراق، فدمر حضارته العظيمة، وقتل من قتل من أبنائه، وفي مقدمتهم العلماء؟ ثم أليس التخلي هو الذي دمر الحضارة، حتى لو لم يأتِ هولاكو ليقضي عليها وتحسب عليه؟
نعم، هكذا كانت المقاومة ضعيفة، بل إنها لا يمكن أن تسمى مقاومة جدية، وإنما وضع الجسم دريئة لحماية بقايا النفس والاعتبار والحياة، لكي لا يأتي المرض والتخلف والفقر والأجنبي على العراق والعراقيين ككل.
وهكذا مات أدهم وقبله أ نور، وبقي صالح فحسب من بين ثلاثة أخوة، آنذاك، من أم واحدة، على قيد الحياة.. ألا يجعل من يعيش بعد قتال وخسائر يكون الناجون منها ثلث الذين قضوا، الناجين أكثر قدرة في معرفة فنون الحرب؟ وكيف ينازلون العدو وينتصرون عليه؟.. ألا يكسب عبور شطئان الموت من يعبرها خبرة خاصة لعقله ونفسه وجسمه؟ هكذا كان العراقيون الذين بقوا على قيد الحياة، وهم يواجهون المرض والجهل والجوع والتخلف، ويواجهون مع هذا كله غزوات متلاحقة، تسعى لتدمير الإنسان والحضارة والاعتبار والدين.. وكان المليون الذي بقي أو ما يزيد عليه قليلا ومنهم صالح، بقايا من لم يستطع الموت أن يزدردهم، وكان هذا المليون حجر الأساس، وما يديم الحياة ويطورها، ومنه ولد آباء وأبناء وأحفاد، ومن ذلك التأسيس الذي أدخل في المليون إنسان أوائل القرن العشرين، أعدت، بعد أن حضرت عواملها الحيوية الأساسية، قاعدة المقاومة والانتصار على الأعداء كلهم، من غير أن تتدمر الحياة، حتى يومنا هذا.. ونأمل أن تكون دائمة الصعود، إن شاء الله.
***********
انتقلت عائلة إبراهيم.. صبحة وصالح وإبراهيم إلى بيت جديد وجيران جدد، غير بيت ياسين الرحيم، ذلك لأن صبحة أرادت ذلك، واستجاب إبراهيم لرغبتها، وفي ظنها أن سبب وفاة أدهم، أو في الأقل واحدا من الأسباب الرئيسة هو أن ( عتبة) ذلك الدار لم تكن عتبة خير على العائلة.. ألا يتخبط من يجهل الأسباب لظاهرة أو نتيجة، في الإتيان بأسباب ليس لها دور في ذلك؟ وربما كان من بين الأسباب التي رأتها صبحة، ومعها النساء اللائي وافقنها في الرأي، أو حثثنها عليه، أن امرأة ما جاءت إلى البيت بوجه محب وهي تتعطر بعطر الخضيرة ( رائحة مسك وخضيرة بطي أكذلهن) واقتربت من أدهم، وبعد ذلك، انكسرت رقبة أدهم، ولم يعد أحد يستطيع أن يوقفها على محورها، فمات!!..
التفت أحدهم إلى من حوله ليقول: أتعرفون، لماذا، وكيف كانت رائحة الخضيرة، أو المسك، أو ما شابه ذلك، وهي كلها عطور أو مواد أولية في عطور، تضر الأطفال، وأحيانا تضر حتى الكبار إذا أصابهم جرح!؟.. ذلك لأن جسم الإنسان آنذاك، وأجهزته بما في ذلك جهازه التنفسي وتكوينه الكلي لم يعتد إلا على التعامل مع روائح محددة يشمها في محيطه.. كروائح الورود التي اعتاد عليها ضمن محيطه.. وروائح روث البقر والغنم والخيول، ورائحة تراب الأرض والحنطة عندما تخبز، والشعير والذرة.. بل كانت حتى الحنطة، عندما تخبز بعد الحصاد مباشرة، تلحق أضرارا بجرح من يشم رائحة الخبز.. حتى يتعرف ويعتاد عليها الجسم.. ذلك لأن قسما كبيرا من الناس في الريف، في الأقل، وبدرجة أخرى في المدن الصغيرة، لم يعتادوا على تناول خبز الحنطة، الذي كان يعتبر حالة نادرة. ألا يُستفز جرح من يشم صاحبه رائحة لم يعتدها!؟.. وإذا كانت وسائل النقل بوجه عام على الدواب، فإن اعتياد الجسم على رائحة يألفها قد تبقى معه في المكان المحدد سنين وسنين، وما عداها غريب، وأحيانا تبقى مضر مثله مثل من تؤلمه معدته، ويسأله صاحب الحذق المتميز آنذاك، ماذا أكلت هذا اليوم؟ فإذا قال له مثلا إنه أكل ( مثرودة) والمثرودة عبارة عن بقايا خبز يابس، هي في الأغلب حافات أرغفة الخبز كبقايا لا تؤكل، تضعها ربة البيت في ركن مرتفع من البيت، غالبا، وتجمعه، وعندما ترى أنها تكفي لإفطار العائلة وفق تقديرها، تضع في قدر كمية صغيرة من (الادام)، و( تثرم) فوقه بصلة أو اثنتين حسب المتوفر، وعندما ( يحمس) يقلى البصل في ( الدهن) السمن تضيف للدهم والبصل كمية من الماء والكاري، وتضع فوق كل ذلك، كسر الخبز، وتترك القدر يغلي بما فيه لزمن قصير، حتى تصبح الوجبة جاهزة.. والمثرودة وجبة متميزة في الريف، لا ينالها إلا من كان ذا حظ عظيم.. وكثر من فقراء الريف يتحسرون على الظفر بها لأنهم لا يتمكنون منها.. وكان هذا أيضا حال أهل المدن الصغيرة، إلى حد قضاء داخل، وعلى ذكر البصل، ونحن نتحدث عن أكلة ( المثرودة)، أذكر طريفة مؤلمة تؤشر جانبا من حياة العراقيين آنذاك، بل وبعد ذلك إلى حين.. فقد كان الناس على الضفة الثانية الشرقية من النهر، إذا ما مرض لهم شخص، يصيح أحدهم من على حافة الشاطئ المقابل، إن رأى رجلا أمامه على الضفة الغربية من نهر دجلة حيث قرية رمز القرى: هل لديكم بصلة للوجعان ( المريض) وفي ظنه أن البصلة تشفي المريض ( الوجعان)، وعندما يجيبه قائلا له: نعم.. يعبر باتجاهه سباحة ليحوز على رأس بصل أو أكثر، ويعود إلى الضفة التي جاء منها ليعطيه للمريض مع كسرة خبز.. أليس اعتقاد أولئك الذين لم يكونوا يملكون حتى رأس بصل يقدمونه للمريض، صحيحا بأن البصل يشفي المريض!؟ نعم، إن البصل يشفي المريض بما فيه من طاقة وفيتامينات حيث أن مرض كثر من الناس آنذاك سببه نقص الغذاء وافتقارهم إلى الحد الأدنى مما يديم الحياة، فيمرضون ويموتون، أو يشفون إذا تهيأ لهم بصل بإذن الله، أما من تذبح له دجاجة وتطبخ ويأكلها، أو يأكل جزءا منها، فهو صاحب حظ عظيم.. وإذا قال أحدهم لسائله الخبير في معرفة المرض: إنه أكل مثرودة، أو أن فلانا دعاه فذبح له ذبيحة، وأكل لحما مع الثريد، أ, أنه حضر فاتحة في المكان الفلاني، أو ختانا لابن أحدهم، أو عرسا وقدم له صاحب الوليمة والدار طعاما يختلف عما اعتاده في حياته اليومية، قال له: إن سبب الألم في معدته، إنه ( مخلوف)، بمعنى أن معدته دخلها ما لم تعتد عليه يوميا من الخبز والبصل، أو الخبز والماء.. أو الخبز والفجل.. أو الخبز والحليب أو اللبن، وما يتصل بهذا ويتقارب معه.. ومعنى ذلك من وجهة نظر معدته المحترمة، أن جديدا دخلها بخلاف ما اعتادت عليه، وهو على هذا الأساس يستحق أن يعاقب، بأن تغرقه في الآلام، وتتركه يتلوى، وقد تشفع له، أو لا تشفع، شربة ماء يكون أحدهم نفخ عليها أو بصق فيها، أو أن تتولى واحدة من كبار السن قطع الهواء فوق بطنه بسكين، وهي تقرأ ما تعرفه، وفي ظنها وظن من تعالجه أن هذا هو العلاج الناجح لـ ( الخلفة).. وإذا كانت ( الخلفة) تعمل هذا بالإنسان، فلماذا لا يعمل الشم ما يعمله، بما في ذلك إماتة الصغار، وتقيح الجروح، لو شم من لم يعتد رائحة غير مألوفة، وعلى هذا، تقول والدتي، إن أدهم شم رائحة إحداهن، فمات، وإن مولان عمها شم رائحة إحداهن، ربما تعمدت أن يشمها، وهي رائحة خضيرة، فتقيح جرحه، بعد أن طعنه الترك بطلقة ولم يمت في اللحظة، وإنما أماتته الخضيرة!؟ ولذلك كانت الأمهات العرافات بشؤون الأطفال غالبا ما يجمعن عددا من النباتات، أو بذور النباتات على بعضها، ويضعنها في محفظة مثلثة الشكل غالبا، ويعلقنها في مهد الطفل، لكي يشم رائحتها بصورة غير مباشرة، حتى لا تفاجئه أي منها لو شمها بصورة مباشرة ومركزة، ويقال إن عدد هذه ( الحوائج) التي غالبا ما يهيئها العطارون لطالبيها، يبلغ حوالي أربعين نوعا، على وفق ما تشير إلى ذلك كبيرات السن من أهل بغداد.. أما في بنت النهر، فلا يحتاج الطفل ليتطعم بالرائحة إلى 40 نوعا، ذلك لأن الروائح الغريبة في بنت النهر أقل من الروائح الغريبة في بغداد..

" عندما يقول مؤمن ويعمل بالباطل على حساب الحق، فإنما يتخلى عن نفسه ودينه.."..
إذن استقرت عائلة مال الله المؤلفة منه ومن أمه وأخيه وإخوته وزوجته وابنته عابدة وابنه عدنان في بغداد، وعلى ما مضى من زمن وجودهم في بغداد، وما صاروا عليه في حياتهم الجديد، بدت آثار المآسي التي وقعت عليهم في بنت النهر كأنها اندملت، أو كادت تندمل، أو كأن مظاهر السعادة بانت عليهم، كل حسب إحساسه ونوع همومه وعمره.. وكان مال الله يملأ بوجوده وحركته ومعشره المحبب البيت وصلا بمعاني السعادة، وكان مولعا بالاعتناء بصحته، وإرشاد أهل بيته على أهمية الصحة والاعتناء بها، وكان إذا ما استخدم قطرة ( زنك) أو ( بوريك) لغسل عينيه، تمنى على والدته حليمة أن تفعل مثله، وعندما يأتي بالقطرة ليقطر في عينه أمه حليمة، كانت حليمة في الوقت الذي تفتح جاهدة جفن العين المرشحة ليقطر فيها، كانت تفتح فمها مع محاولتها فتح عينها، وعندما يجد مال الله فم أمه وعينها مفتوحتين، كان في الوقت الذي يقطر في العين يضع ( زرقا) في فم والدته، وعندها تضربه والدته على قفا ظهره، وتعيره بأحد أفراد العشيرة الذي ولد وعقله متخلف جراء عسر الولادة، وغالبا ما كان هذا يحصل لكثير من المواليد في ذلك الوقت بسبب انعدام الرعاية الصحية العامة للدولة، وضعف، أو انعدام الوعي الصحي والقدرة المالية، إضافة إلى أن المرأة لم يكن مستساغا لها ولذويها أن تعرض نفسها على طبيب في ذلك الوقت، مع انعدام أو ندرة الطبيبات.
يضحك مال الله، ويعيد الكرّة على العين الأخرى، ومعها يحاول أن يضع قطرة في فم أمه الذي لا تستطيع إغلاقه، رغم كل ما تبذله من جهد لتتخلص من احتمال أن يضع مال الله قطرة في فمها بعد عينها..
على كل حال، كانت العائلة سعيدة، غير أن حياة لؤلؤ لم تنسجم مع حياة أم وأخوات مال الله، وقد تعقدت أكثر عندما رفض مال الله تزويج أخته التي اشترط والد لؤلؤ عليه في يومها أن يعقد قرانها على ابنه قدوري، لكي يوافق والد لؤلؤ على زواج مال الله منها، وعبثا حاول مال الله أن يقنع والد لؤلؤ في حينه بأن أخته صغيرة، وأن عمرها عشر سنوات، ولا يجوز أن يعقد لها وهي في هذا العمر، بل عندما تبلغ سن الزواج، وتسأل وتوافق فحسب، ورغم ذلك، أصر عبد الوهاب، والد لؤلؤ، على عقد الزواج تاركا الدخول إلى أن تبلغ البنت، ولكن عندما بلغت البنت رفضت لزواج، ووجدت، بالإضافة إلى رأيها، تشجيعا في هذا من عائلتها كلها، وحتى من أعمامها، ذلك أن من تقاليد أهل رمز القرى، وعموم العشيرة، أن يكون الزواج بين الأقربين أولى إذا ما ( تراهمت) اتفقت العوائل المعنية على ذلك، وقد اعتبرت لؤلؤ ووالدها وأخوها أن هذا إخلال بما ينبغي أن تقوم به عائلة مال الله من دور في إقناع ابنتهم على الزواج من ابن عبد الوهاب، وأضاف هذا الحال تعقيدا جديدا لعلاقة أهل مال الله، إضافة إلى ما أسلفنا عن نوع علاقتهم بلؤلؤ، أم عدنان وعابدة، فانفصل مال الله عن لؤلؤ، وانتقلت لؤلؤ لتعيش في بيت أبيها، في سوق حمادة، في جانب الكرخ، ومعها عابدة وعدنان. التزم مال الله بأداء حقوق زوجته ونفقة أولاده وهم في بيت جدهم، كاملة غير منقوصة..
ولأن مال الله جدي، كان لا يقبل أن يرى أحدا غير جدي في ما يوكّل إليه وبخاصة في الدراسة..
كان عبد اللطيف لا يتعامل مع المدرسة بنفس الجدية التي يريدها مال الله، ولذلك غالبا ما كان مال الله ينهر عبد اللطيف ويعنفه على عدم تفوقه بين أقرانه، وكان هذا واحدا من أهم الأسباب التي جعلت حليمة ( تأخذ على خاطرها) أحيانا من ابنها مال الله، رغم أن مال الله محق في هذا.. ولكن هل يمكن أن تفهم أم أمية ماذا يعني أن يتفوق طالب مثلما يفهم مال الله قيمة ذلك، وهو من الشريحة التي تعد الخط الأمامي في الوعي والثقافة آنذاك.
مع كل هذا كانت العائلة سعيدة.. ومرت الأيام حتى قامت الحرب العالمية الثانية، وكان الإنكليز يريدون وضع وإبرام اتفاقية عام 1936، التي أملوها على إمعّات الحكم آنذاك، ومن بين ما نصت عليه حرية حركة جيوشهم في أراضي العراق، ضد عدو محتمل لهم، مع التزامات وتسهيلات أخرى منصوص عليها، تقدمها الحكومة العراقية لجيوشهم، ومن الطبيعي أن يعارض الجيش العراقي ذلك، لأن تطبيقها يعني وضع العراق في حالة حرب ضد عدو لم يفترضه العراقيون على هذه الصفة، ولا يهدد مصالحهم وفق ما يرون، بل إن قسما منهم وبخاصة المسيسون والواعون ثقافيا وسياسيا، ولكن غير منتمين للحزب الشيوعي التابع لموسكو آنذاك، كانوا يرون أن قاعدة ( عدو عدوي صديقي) مما قال بها الغربيون كذريعة، تصلح لأن تنطبق على الحكومة الإنكليزية فحسب، لذلك كان تحالف المحور الذي ضم أطرافه المعروفة ومنها ألمانيا، ضد التحالف الغربي- السوفييتي فيما بعد، وأطرافه المعروفة، لا يستوجب أن يكون العراق ساحة قتال إلى جانب الغرب وتحالفه ضد ألمانيا وتحالفها، بل إن قسما من المتحمسين ضد الإنكليز رأى أن دعم الألمان في القضاء على مستعمري الوطن العربي أوجب، فيما رأى أغلبية الوطنيين، ومنهم الضباط العقداء الأربعة: فهمي سعيد، وصلاح الدين الصباغ، ومحمود سلمان، وكامل شبيب، أن يكون العراق على الحياد، مع تمنيه هزيمة الحلف الذي يضم بريطانيا.
وعندما أراد الوصي على عرش الملك، الأمير عبد الإله، أن يطبق الاتفاقية بهواه الإنكليزي الغربي.. عزل الجيش عبد الإله عن الوصاية، بالتعاون مع رشيد عالي الكيلاني، الذي صار رئيس للوزراء، بعد أن كان رئيسا للديوان الملكي، وأعطى الولاية على العرش إلى واحد من أبناء عمومة الملك غازي هو ( الشريف شرف).. وكان من الطبيعي أن يرفض الإنكليز ذلك، ويرفضوا الانصياع لرفض الجيش ورشيد عالي تطبيق اتفاقية عام 1936 الاستعمارية، فوقعت الحرب هذه المرة بين العراق الرافض لاستخدام أراضيه من قبل الحلفاء.. والرافض لتطبيق اتفاقية عام 1936 الاستعمارية، وبين الإنكليز..وكان مال الله من بين الضباط المتحمسين للعقداء الأربعة وإجراءاتهم، وضد الإنكليز ومشاريعهم.. وصارت قصة العراق بعد ذلك معروفة، حيث لم يستطع جيش العراق، رغم بسالته، أن يوقف تقدم الجيوش الإنكليزية لتحتل بغداد وتسقط حكومة رشيد عالي، وبخاصة بعد أن قصفت طائرات الحلفاء مقر الحكومة بثلاث قنابل، فهرب رشيد عالي وقسم من الضباط، بمن فيهم العقداء الأربعة.. وفيما بعد سلمتهم إيران وتركيا وفق ما هو معروف مما يخزي هاتين الدولتين اللتين انعدم فيهما أي معنى عال إزاء أناس اختاروا أن يلجأوا إليهما لجوءا سياسيا، وتم إعدام العقداء الأربعة، ومعهم يونس السبعاوي، وسيقت إلى السجون أعداد غفيرة من الوطنيين العراقيين عسكريين ومدنيين، ومنها سجن ( نقرة السلمان) في الجنوب الغربي من العراق.. ذاك المكان المنعزل في الصحراء، والذي يكون مصير من يهرب منه الهلاك، إما بسبب العطش والجوع، أو افتراسه من ذئاب الصحراء الجائعة، وكان مال الله (1) من بين الضباط الذين اعتقلوا في ( نقرة السلمان) ولكن هل كان بإمكان أحد أن يتوقع إمكانية انتصرا جيش ضعيف التشكيل والتسليح وسط شعب لم يعِ دوره، ولم يكتشف نفسه، بعد ذلك السبات الرهيب الذي امتد لأكثر من ستمائة عام، بين انقطاع الدور عن بغداد، وبين ذلك التاريخ في العام 1941؟، وهل بإمكان جيش في الوطن العربي أن ينتصر، من غير أن يكون وسط شعب محارب ومعد على مستوى يرتقي به إلى دوره وعيا وتصرفا وعقيدة؟..

دارتْ رحاها ودارتْ بعد أن همدتْ
وننتضي بيضنا لو سفّ عاديها

نواجهُ الهولَ فيها كلّما عصفتْ
نردي الأعادي إذا ما غارَ حاديها

أهلُ المكارمِ في الحالين تعرفنا
إن شحّ مالٌ وإن فاضتْ سواقيها

نصولُ لا طرفنا يرتدّ عن خور
لا العزمُ هانَ ولم تذرفْ مآقيها

نهيم وجداً بها لو أنها صدقتْ
سودُ العيونِ إذا ما درّ ساقيها

ونخلصُ الودّ لا خوفٌ ولا ملقٌ
أهلُ الذمار إذا ما غابَ مفتيها

 

*************


لقد انطفأت محاولة الضباط القادة الأربعة الأحرار، ومعهم البطل وزير كتائب الشباب يونس السبعاوي، ولكنهم فتحوا بمحاولتهم السبيل لروح التضحية وتأجيج الحقد على عبد الإله ونوري السعيد وكل نظام الحكم، وفتحوا الطريق لمحاولات أخرى، وحسبهم أنهم حاولوا تعبيرا عن ضمير الشعب والأمة..
وكان مال الله قد أصيب في معارك مواجهة جيش الإنكليز، وبقيت شظايا في واحد من أصابعه وفي ظهره، وكان يشير إليها دائما عندما يتحدث إلى جلسائه في الزمن اللاحق لسجنه، ويعتز بها كعلامة من علامات البطولة في مواجهة المستعمر، وكشهادة تدل على التضحية..
وبانتقال مال الله إلى معتقل ( نقرة السلمان)، وهذا هو الاسم الرسمي لمعتقلهم، انطفأت الشمعة التي كانت تضيء بيت مال الله في بغداد، فانتقلوا عائدين إلى مدينتهم بنت النهر، واستأجروا بيت الحاج طالب أو رديف، وسكنوه في منطقة الحارة..
وهل ما هو أفضل من بنت النهر حيث الأقارب، ومكان المنبت القديم، وأصحاب العشرة الطيبة، والنفس الأمينة من الناس البسطاء في مدينة كانت أقرب ما تكون إلى الريف البائس آنذاك مما هي إلى مدينة متمدنة؟ ومع أ،ه لم تكن في العراق آنذاك حياة تستطيع أن تحدد للريف حدوده، بحيث لا يمتد في عاداته، ونوع حياة الناس، إلى داخل أي مدينة، عدا استثناءات محدودة بعينها من أعوان السلطة، وأولئك الذين يعيشون على فتات المصالح التي يوفرها لهم أصحاب السلطان، وبقايا عوائل الموالي أو الأتراك العثمانيين الذين بقوا في العراق، وقسم من اليهود وشركائهم من التبعية الإيرانية، وكلهم أعداد لا تشكل مجتمعا مغايرا للوصف الذي تحدثنا عنه..
بقي مال الله في سجن نقرة السلمان خمس سنوات، وقد غلظ حكمه ستة أشهر أخرى.. ذلك أنه كسر لأحد الجواسيس داخل المعسكر عددا من أضلاعه بعصا على رأسها قطعة حديد مدورة، بعد أن شاع أمر ذلك الجاسوس في السجن.. وكان هذا الجاسوس ابتداء من بين المحسوبين على الوطنيين، ولكن إدارة السجن، بإيعاز من الجهات الأمنية للنظام، أناطت به مهمة الإشراف على طعام السجناء داخل السجن، ليضمنوا احتكاكه بكل السجناء وزيارة كل غرفهم، والتنصت على آراء من يستطيع التعرف على آرائه، لينصح الحكم بما ينبغي إزاء من يضعفه السجن، وينقل لهم انطباعات مباشرة عن الذين لا يتمكن السجن من كسر شوكتهم.. وهل يخلو سجن من ناس يضعفون داخل جدرانه، وأبوابه الموصدة، وأولئك الذين لا يستذكرون معاني قولهم وشعاراتهم قبل أن يدخلوه، ولا معاني أنهم رجال يجب عليهم الصمود، عندما يدخلون السجن على قضية حق ضد باطل، وقضية مشرفة ضد ما هو زائف ومندس!؟
كان ذلك الخائن واحدا من الذين لم يحفظوا أنفسهم، فباعوها بعد أن أضعفهم السجن، أو الإغراء في أجواء سجن، ولكن أخا هدلة مال الله انتخى في يوم ممطر، قارص البرد.. وبعد أن هيأ العصا، وكلف من يرصد له حركة الخائن بين مجموعتين في السجن، تقتضي الحركة بينهما أن يقطع مسافة بعيدة نسبيا، رابط مال الله له، وعندما مر من مكان بعينه، انقض عليه كليث، وضربه عدة ضربات، وتركه مرميا على الأرض وسحق عددا من أضلاعه، ومن يومها ارتفع شأن أخي هدلة مال الله بين المعتقلين، فهو بالإضافة إلى دوره بين الثوار والمقاتلين الذين استبسلوا في مقاومة جيوش الإنكليز في الثورة، التي سميت ثورة رشيد عالي في مارس من عام 1941، وما أصابه بها في يده وظهره من شظايا، قام بدور متميز داخل السجن، وبخاصة بين شيوخ العشائر الذين كانوا مسجونين مع العسكريين والسياسيين المدنيين، الذين صدرت عليهم أحكام بسبب تأييدهم للثورة..
وهنا نستذكر طريفة لأحد شيوخ العشائر.. فقد أراد هذا الشيخ أن يبعث ببرقية تأييد إلى رشيد عالي الكيلاني والضباط الأربعة، وكان عليه أن يذهب إلى حيث البريد في المدينة، في جو ممطر، لا يستطيع الإنسان فيه أن يخلص نفسه من الأوحال، وهو يسير حافي القدمين في الأراضي السبخة الموحلة في أغلب مناطق جنوب العراق في فصل الشتاء، فكيف الأمر إذا كانت وسيلة الانتقال دابة..؟
امتطى هذا الشيخ دابته، وقصد أقرب بريد، ليبعث البرقية بواسطته وكان البريد عبارة عن صندوق، توضع فيه الظروف معنونة إلى أصحابها، بعد دفع رسم طابع يحمل اسم مناسبة بعينها، وإذا تصورنا أن المسافة بين القرية التي يسكن فيها ( المحفوظ) شيخ العشيرة، والقضاء المقصود، هي ثمانون كيلو مترا أو أكثر، فبإمكاننا أن نقدر عدد الأيام التي تستلزم وصوله إلى القضاء في أرض موحلة وسبخة، ووسيلة وصوله ظهر دابة!؟.. ويبدو أن هذا الشيخ احتاج لعدة أيام لكي يصل مكان المراسلة، ومن الطبيعي أن نقول أنه لم يكن يعرف القراءة والكتابة، ولذلك استعان بالمشرف على البريد ليقول له:
- سجل يبه عندك.. وعندما أمسك الموظف بالورقة والقلم، قال:
- من الشيخ فلان، إلى فخامة رشيد عالي الكيلاني وإخوانه الضباط الأحرار.. أنا الشيخ فلان.
وعندها صاح به الموظف:
- عمي، يا شيخ، يا رشيد عالي.. يا.. بوية.. عمي رشيد عالي سقطت حكومته، وهرب خارج العراق، وعاد الوصي على العرش عبد الإله.. وفشلت الثورة..
قال الشيخ، من غير أن يعدل كثيرا في وضع حاله، وقد أنهكه السفر حتى ظفر بصاحب البريد..
- بوية.. اجلبها على الوصي.. أي غير، أو اقلب، برقية التأييد من رشيد عالي، إلى سمو الوصي!!
نعود لنقول رغم أ، أحدا لم يتقدم شاهدا على مال الله في معاقبته للخائن، ذلك لأن أحدا لم يره وهو ينفذ ذلك بسبب ظلام الليل الممطر والمكان الذي اختاره ليهجم عليه وفق توقيت بعينه، وإنجازه المهمة بأسرع ما يمكن، وإسراعه ليكون خارج المكان، بعد أن ترك الخائن ممددا على الأرض، وتخلصه من العصا، وحتى من رآه لم يتقدم بالشهادة ضد مال الله الذي أنكر التهمة التي وجهت إليه..
وهل يمكن للخائن إلا أن يكون رجيما من شعبه؟.. وهل يمكن لأحد أن يتعاطف مع خائن..!؟..
ولكن هل تحتاج المجالس العرفية، التي يختار أصحابها الحكام الذين باعوا أنفسهم للأجنبي، إلى مستمسك قانوني!؟ ثم هل يكون هاجسهم الأساس هو العدالة، أم حماية أصحاب نعمتهم عملاء الأجنبي!؟
لقد صدر الحكم بالسجن على مال الله على أساس القناعة وشهادة من وقع عليه الفعل فصار حكم مال الله خمس سنوات ونصف السنة..
عاشت عائلة مال الله بين أبناء عمومتها وأبناء مدينتها معززة مكرمة، وكانت أرض رباح عبر النهر، وحصتهم في مضخة الماء التي تسقيها مشاركة مع عمهم عمر وأولاده، وأبناء عمهم عبد، هي مصدر العيش الأساس لهم.. كان إبراهيم أبو همام قد نقل سكنه هو وصبحة وصالح إلى أم القرى، بين أهلهم وأقربائهم هناك، وقد ضم السكن في القرية أمينة إلى جانب صبحة، وكانت فرحة صالح كبيرة عند لقائه مع همام بن إبراهيم وأخته مريم، وكان همام بعمر يزيد عن عمر صالح بست سنوات، وكان عمر أخته مريم أقل من عمر صالح بسنة تقريبا.. عاش صالح وسط عائلته هذه، بعد أن توسعت وضمت بالإضافة إلى أمه ( وعمه) إبراهيم، همام وأخته مريم وأمهما أمينة..
كانت أمينة امرأة متواضعة، ضئيلة الجسم، قصيرة القامة، بيضاء اللون، فيما كانت صبحة طويلة القامة، بجسم متناسق، حنطية البشرة بعينين سوداوين متوسطتي السعة..
كانت أمينة لا تحسن الكثير مما ينبغي عمله في البيت.. ولا تجيد ما يطبخ على نحو يرضي العائلة.. ولا تعرف فصال وخياطة الأثواب.. ولكنها كانت طيبة، نحبها حبا كبيرا، لأنها تحكي لنا قصصا من التراث الشعبي أظنها منقولة، أو مطورة على قاعدة ما معروف عن العراق من غنى في ميدان القصص والروايات، وخزينها الكبير: قصص ألف ليلة وليلة.. وكان واضحا لمن يتعرف على أمينة سبب زواج إبراهيم عليها من أم صالح، ورغم أنها كانت بنت عم والد صبحة، حيث أنها تلتقي هي وأبو صبحة في الجد الثالث.. فقد كانت كل من صبحة وأمينة كأنهما من طينة مختلفة تماما، عدا جانبا أساسا من التقاليد المشتركة: أمينة ليست مؤثرة كما ينبغي في وسط الكبار، ولكنها محبوبة من قبل الصغار الذي يتعايشون معها..
كانت صبحة قوية الشخصية، معتدة بنفسها اعتدادا عاليا، ولا يصدر عنها، في الدور التوجيهي والتعليمي للكبار والصغار، أطفالا ورجالا ونساء، إلا ما يعلي الشأن، ويعلم، أو يزيد من المعاني العالية، وكانت أمينة متواضعة في كل هذا.. وتعتمد على صبحة في كل ما يقتضيه إعمال الفكر في شؤون البيت، أو التعامل مع الضيوف والأقرباء.. وتعتمد عليها في شؤون المطبخ، وفي تفصيل وخياطة كل ما يحتاجه البيت من ألبسة أو أفرشة للعائلة.. وكانت تقول لصبحة:
- خيّة صبحة، أنت معدلة ( أي ذات قدرة على الترتيب والعناية بالأمور) لذلك عليك خيّة تدبير شؤون البيت، وأنا أكفيك كل ما يقتضي حالنا ومعيشتنا من عمل يتوجب على المرأة خارج البيت، وفي الوقت الذي تستطيعين تدبير شؤون البيت من داخله، فأنت غير مهيأة للقيام بعمل في شؤون الزراعة، والإشراف على تربية الحيوانات، وحلبها خارج البيت.. وعلى هذا الأساس قسّم العمل رضائيا بين صبحة وأمينة، زوجتي إبراهيم، ووالدتي صالح وهمام.. وكانتا تعيشان في وئام دائم، عدا منغصات لا بد منها بين ضرتين، ولكن طبيعة العمل المرهق لكليهما بوجه عام لم يبقِ لأي منهما فراغا ليتناحرا، عدا عن أ، وجود هذا المستوى من القربى أبعد إمكانية أن تندفع أي خصومة بينهما إلى نقطة عدم التلاقي أو البغضاء.. وكان إبراهيم قادرا على حسم أي موقف لصالح الهدوء والاستقرار، وكان همام وصالح لا يشتركان في أي حالة تناحر، وينأى كلم منهما بنفسه عن أن يكون طرفا فيها، بل إن صبحة وأمينة كانتا لا تسمحان لهذا حتى بافتراض أن أيا منهما قد يخطئ التصرف، ويحاول أن يكون طرفا فيه، وكان همام وصالح يعيشان كأخوين، كل منهما يدعو الآخر ( أخي)، ويعرف كل منهما من يحتاج معرفة أي منهما بكلمة ( أخي)، ويقدم كل منهما الآخر كأخ، ويتصرفان على هذا الأساس في كل شيء، وكان إبراهيم يعاملهما كابنين له، لا يفرق بينهما، إلا أنه رجح كفة صالح على همام مع كل سنة إضافية في عمر صالح، وصار يقدر بصورة ملحوظة ذكاء وفطنة وشجاعة وعقل صالح وقدرته على التعامل مع صعوبات الحياة بصبر تتزايد قدرته مع ازدياد عمره..
كانت صبحة لا تنزع ما يمكن أن يلبس في القدمين.. حتى لو كان قبقابا- والقبقاب قطعة خشب تنجر لتأخذ شكل القدم كل على قياسها وينتهي عند أصابع القدم متراجعا قليلا من الحافة الأمامية برباط بعرض أصبعين من أصابع اليد من جلود الحيوانات، هذا إذا لم يتوفر حذاء نظامي، أو نعل، أو عندما يراد عدم إتعاب الحذاء المخصص للزيارات والمناسبات، إذا لم يكن لديها سواه.. والقبقاب أيضا لا يلبس إلا من النساء، ويلبس أحيانا لأغراض الوضوء عند غسل القدمين، لمن يريد رفع يقل البلل عن حذائه لو توضأ.. وخاصة في الجوامع..
وكانت صبحة، بالإضافة إلى إجادتها في ترتيب كل شؤون البيت، تعتني عناية خاصة بالنظافة بوجه عام، ومنها نظافة أواني الطبخ، والملابس، والأفرشة، وماء الشرب، والأكل.. وربما كان لترتيبها في المدينة، وقضائها سنة ونسف السنة في بغداد، وأمها المدنية غير الريفية، دور في هذا، بالإضافة إلى مستوى فطنتها وحساسيتها إزاء كل شيء غير منظم ( مرتب). وكانت عندما تخيط لصالح وهمام شيئا مما يلبس في ظروف اعتيادية في ماكنتها ( سنجر)، أو في مناسبة، تبدأ بما يخص همام، ولا تبدأ بما يخص صالح، إلا بعد أن تنتهي مما يخص همام.
وكان صالح لا يظهر أي انزعاج من هذا، بينما يظهر همام فرحه بما تخص به أم صالح.. وكان صالح يسمي أمينة خالة.. وكان همام يسمي صبحة أمي.. وهكذا تفعل مريم..
ومن المفارقات المضحكة – يقول صالح- أنه ومريم كانا في أحد الأيام يسرحان بالغنم على مقربة من البيت، في الوقت الذي كان الراعي يتناول طعام العشاء، وغالبا ما يتناول الراعي طعام العشاء قبل غروب الشمس، ويتهيأ لدوره في حلب الغنم بعد أن يجمعها للحلابات، وكان كل من صالح ومريم بعمر صغير، ولكن لا أحد في الريف بلا عمل أو واجب، إذا صار عمره خمس سنوات فما فوق، وفي أحد الأيام، نعت صالح الغنم، وطلب من مريم أن ( تكف) بعض النعاج عن الزرع، ولكن مريم رفضت بعناد، ولم تستجب لإيعاز صالح، بل لعلها تأخرت في هذا، مما أغضب صالح عليها، فراح يفتش عن حجارة ليرميها بها، ولما لم يجد حجارة ( خمش) طينة ( مرجة)، بل لعلها مخبوطة بالماء من ساقية كان الماء يجري فيها بمحاذاة الطريق، ورماها بوجهها، فراح الطين يسيل على شعرها ووجهها الذي صار بالكاد يمكن تبينه، ومن ذلك عيناها.. وغدا منظرها على هذا مضحكا. وراحت ( تعوي)، وقد سبقت صالح إلى البيت، وكان في ظنه أن عمه إبراهيم وهمام سيزعلان عليه، ولكن شيئا من هذا لم يحصل، سوى أن أمينة همهمت بصوت منخفض بينها وبين مريم بكلام لم يستطع أن يتبينه أي من الذين حولها، وهي تغسل لمريم شعر رأسها من الطين، وقد ظل صالح يأسف مع نفسه لهذا، رغم أن مريم كانت تستحق أن تضرب، ولكنه لم يظن أن ما ضربها به سيخزيها وفق ما حصل..
كانت حياة الريف العراقي قاسية، بل شقية.. وبغض النظر عن الشقاء الذي يصيب أهل المدينة جراء صعوبات الحياة فقد كانت المدينة حلما لكل مئات الألوف من المليون عراقي أو أكثر بقليل في ذلك الزمان، بل إنها حلم يتمناه أو يسعى إليه حتى ابن مركز الناحية أو القضاء، ولكن بعض الفلاحين يعزون أنفسهم، لو سئلوا عن الفرق بين حال أهل المدينة وأهل الريف بالقول إن كل شيء يحتاجه ابن المدينة يقتضي أن يدفع ما يقابله من نقود، بينما لا يدفع الفلاح ثمن ما يحتاج من حطب، وخبز، ولبن.. وزبد وخضراوات.. حتى إذا ما وصل إلى اللباس والتمر والدبس، توقف ليقول: إلا القماش والتمر والدبس.. وينسى الفلاح، عندما يقول ( أن كل شيء يحتاجه ابن الريف لا يدفع ثمنه)، جهده وجهد أطفاله وزوجته، أو زوجاته، وأمه وأبيه وإخوته، ذلك أن ابن الفلاح ينسب له واجب عمل منتج اعتبارا من عمر أربع سنوات، وإذا أرادوا أن يرحموا الطفل أو يدللوه جعلوها خمسا، ثم يكلف بما ينبغي من واجب، ويتدرجون معه من واجب الرعي بالحملان الرضع معزولة عم أمهاتها، لكي لا ترضع حليبها قبل أن تحلب ليحمى ( يسخن) ويثرد به لسد أود الفلاح، وانتهاء بالحصاد بالمنجل كأصعب فقرة من فقرات الفلاحة، عندما يكون عمره بين العاشرة والثانية عشرة.. أما صالح فقد وصل إلى ممارسة دور الحراثة على الثيران بعدة الحراثة القديمة ( المحراث القديم)، والمشاركة في الحصاد كواجب ثابت ودائم وفق ما يكلف به الكبار، وعمره ثمانية أعوام، وكان ذلك قبل دخوله الصف الأول الابتدائي.. على أنه ابتدأه كهواية، وليس كواجب قبل هذه السن، ولكن ما إن حاول حتى عقره المنجل في رجله اليمنى.

------------------


(1) في يوم 27 شباط 1742 صدر البيان الرسمي التالي: بناء على ثبوت قيام الأشخاص الآتي ذكرهم بأعمال تنطبق عليها الفقرة السابعة من المادة الخامسة من مرسوم صيانة الأمن العام وسلامة الدولة رقم 56 لسنة 1940، فقد تقرر حجرهم، وعلى ذلك ألقي القبض عليهم وأرسلوا إلى معتقل الفاو ونقرة السلمان/ مدير الدعاية العام.
مظفر إبراهيم- عقيد ركن، داود سلمان الجنابي- عقيد متقاعد، عبد القادر عباس- مقدم متقاعد، ناصر حسين الجنابي- مقدم متقاعد، صالح حسين فوزي- رئيس أول متقاعد، حسام الدين عبد الجبار- رئيس أول متقاعد، علي غالب رضوان- رئيس أول متقاعد، خير الدين خورشيد- رئيس أول متقاعد، علي غالب عريان- رئيس أول متقاعد، محمد هندي- رئيس أول متقاعد، صفاء الدين عبد الوهاب- رئيس أول متقاعد، عبد الجليل يعقوب- رئيس أول متقاعد، عبد الله نفل- ملازم متقاعد، حقي توفيق المفتي- ملازم متقاعد، شناوة ثامر- ملازم متقاعد، شناوة عرص- ملازم متقاعد داود سرعت ناجي- ملازم متقاعد، أحمد محمد اطرقجي- ملازم متقاعد، كاظم جعفر- ملازم متقاعد، كمال قنبر وفي- ملازم متقاعد، ( مال الله رباح)- ملازم متقاعد، مهدي هاشم، عريبي جواد الكرخي، داود خضير، حساني.
وتنص المادة الخامسة من مرسوم صيانة الأمن العام وسلامة الدولة رقم 56 لسنة 1940، على ما يلي:
المادة (5): لوزير الداخلية أن يستعمل الصلاحيات التالية، وله أن يخولها – كلا أو قسما- إلى المتصرفين، أو بناء على اقتراح وزير الدفاع، إلى أمراء الألوية فما فوق.
وتنص الفقرة (7) من المادة (5) على ما يلي: الفقرة (7): الأمر بالقبض على المشتبه بهم من ذوي السوابق، المتهمين بإخلال الأمن العام وسلامة البلاد، وكذلك الذين هم تحت مراقبة الشرطة، وكل شخص ليس له وسيلة جلية للعيش، ولم يمكنه أن يعطي عن نفسه بيانا مقنعا، والأشخاص المشتبه بإقلاقهم أو تشويههم للرأي العام، وحجرهم في أماكن تعينها الدولة.
والمرسوم أعلاه أصدرته الوزارة الكيلانية الثالثة في 31/5/1940، لتكافح به الشيوعيين والفوضويين، ولم تطبقه على أحد، حيث جمد في مجلس الأعيان زهاء خمس سنوات.. ولكن نوري السعيد استغله في وزارته السادسة أوسع وأبشع استغلال في محاربة ما سماه بالنازية والفوضوية.. فألقى القبض على المئات من الوطنيين الأحرار وزجهم في السجون اعتبارا من 29/10/1941 حتى 7/7/1942. 
 

 يتبع الجزء السابع ....

 

 

 

 

إلى صفحة مقالات وآراء