بسم الله الرحمن الرحيم

07/05/1429

 

 رواية رجال ومدينه لكاتبها الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد 

 الجزء السابع

موقع النهى*

 يعد الفلاح مزايا الحالين وعيوبهما على طرفي جدول المقارنة بين الحياة في المدينة والحياة في الريف، وفق ما كان المتكلم يراها في أوائل ومنتصف القرن العشرين، بل حتى قيام ثورة 17-30 تموز عام 1968، وما بعد ذلك بثلاث أو أربع سنوات، ويخلص إلى القول بجملة استفهامية: أتريد الصحيح؟
وعندما تجيبه: نعم، أريد الصحيح..
يقول إن عيشة كلب ابن المدينة أفضل من عيشة الأغلبية الساحقة من حياة الفلاحين، إن لم أٌقل كلهم، بما في ذلك من يتصور أنه صاحب نفوذ فيهم..
وإذا سألته: كيف؟ يجيبك أن كلب المدينة يأكل من أكل أهله، بما في ذلك قطعة خبز ثلاث وجبات أو وجبتين، ثم يأكل العظام التي غالبا ما ترمى له، وقد تكون أرغفة الخبز لعدد كبير من أهل المدينة، وبخاصة سكان مراكز الأقضية والمحافظات، من الحنطة، بينما قلة من أهل الريف في ذلك الوقت يأكلون خبز الحنطة دائما، والفالح إذا كان جزءا من تجمع، لا يأكل اللحم إلا في مناسبات بعينها، وبعضهم تطول الفترة الزمنية بين مناسبة وأخرى حسب طبيعة حال أهل التجمع الذي هو فيه، والمناسبات التي يمكن للفلاح أن يأكل فيها قطعة لحم، هي السفر بحيث تلزمه المسافة أن ينزل ضيفا على أحدهم، وقد لا يذوق طعم اللحم عندما لا يكون له شأن بيّن، أو اعتبار مشهود، أو لا تقع فرصته في بيت كريم.. وقد يذوق اللحم في وليمة ختان ( طهور)، أو زواج، أو في العيدين، أو عندما يتوفى من يتوفاه الله، ويذبحون له، ويسمونه عشاء عن روح الميت، وهو عشاء واحد، أي لمرة واحدة، وليس مثلما هو الحال الآن، حيث أصبحت مثل هذه المناسبات كأنها فرصة للتنافس المظهري، الذي غالبا ما يكون سعيا للوجاهة والإظهار، وليس إنفاق مال من تركة المتوفى، لتطهير ماله بإطعام الفقراء وأهل الحاجة منه..
وهنا تحضرنا لطيفة تقول أن ( أبو العوين) توفي، و كان رجلا فقير الحال من أحد بطون العشائر المجاورة لقرية أم القرى.. وحمله أقرباؤه على ( عمودين)، وضعوا فوقهما بساطا، وفوقه شف، قاصدين دفنه في الشارب الغربي لالتقاء الجزيرة مع حوض الأرض الزراعية لنهر دجلة، في أراضي تلك القرية. وكان ( أبو العوين) رجلا ضعيف الحال، ولو كان قد خلّف ( أنجب) ولدا أو أكثر لكانوا ضعفاء حال كأبيهم، وكان موته يوم شتاء، وعندما تخوي البطون تضعف المفاصل، وترتعد الركب، وتصطك الأسنان، وبخاصة عندما يكون اللباس خفيفا.. وكان لباس أغلبية الناس خفيفا في ذلك الزمان، إلا قلة منهم، أو صاحب حظ متميز من تظفر مقدرته ( بفروة)، والفروة بالأساس مجموعة فراء من جلود الخرفان، كلما كانت أصغر عمرا كانت جلودها أكثر ترافة وأغلى ثمنا، والفروة في الغالب تتألف من حوالي عشرة جلود إلى اثني عشر جلدا بصوفه، نقول إن من يظفر بفروة يعملها له إسماعيل الفريدة كواحد من اثنين، هو وسليمان الشام، يمتهنان هذه المهنة في مدينة بنت النهر، يكون صاحب حظ عظيم عندما يواجه الشتاء..
كان جمع مشيعي ( أبي العوين) يتجهون به إلى المقبرة، وفجأة ( فز) من أمامهم أرنب يعدو مبتعدا عن منطقة الحركة، فصاح كبيرهم بالجمع قائلا: يا ربعنا – أي جماعتنا- إن ( أبا العوين) ليس وراءه عشاء.. فدونكم عشاءكم، واظفروا بالأرنب، واتركوا ( أبو العوين) في الأرض، فإنه لن يتركها حتى نعود إليه ( ماله نية)، وما إن رموا نعش ( أبي العوين) على الأرض حتى صار بعض من ركض خلف الأرنب عندما رآه ( يفز) من أمامهم، قربه، ولم يهدأ لهم بال، ويعودوا ليحملوا نعش ( أبي العوين) حتى ظفروا بالأرنب، بعد أن أحاطوا به، وعاجله أحدهم برمية عصا فأرداه قتيلا.. وهذا واحد من الأمثلة التي يستدل منها على شظف العيش وقسوة الحياة التي كان أهل الريف يحيونها في ذلك الزمان.
ومن طرائف الأمور أن صالح دعي مرة مع عمه إبراهيم، عندما كان بحدود التاسعة من العمر، قبل أن يدخل المدرسة. وكان إبراهيم وصالح في الغالب يتجنبان الدعوات إلى عرس أو ما شابه ذلك، وبخاصة إذا تضمنت بعض فقراته تقديم الأكل من صاحبه إلى المدعوين، تقديرا منهما بأن هناك غيرهما بحاجة إلى الأكل، وأن حياتهما بالقياس النسبي، مع قدرة صبحة على الابتكار، تجعل غيرهم أحق منهم في الظفر بلقمة ناعمة قياسا بحياته اليومية، أو قطعة لحم في مناسبة كهذه، وكانا إذا حضرا مضطرين لا يأكلان مع من يأكل، ولكن إلحاح جارهم في تلك المناسبة للطريفة التي نعرضها جعلهما يتقدمان مع من تقدم إلى الأكل، وقد توافق أن افترق صالح عن إبراهيم، ليكون كل منهما على ( صينية)، ومعه من وقع عليها، وقد لاحظ صالح الذي حكى لنا ذلك.. أن كثرا منهم كان يقول ( باسم الله) على مقطعين، يقول ( بسم) مع اقترابه السريع من ( الصينية) محنيا ظهره، قبل أن يجلس القرفصاء حولها، مع طي ركبتيه، أو وضع ركبة إحدى رجليه على الأرض، والركبة الأخرى قرفصاء إلى الأعلى، ويقول ( الله) بعد أن يكون قد وضع يده على قطعة اللحم التي يحصرها نظره، أو تتوفر فرصته للوصول إليها، وقبل أن يكمل جلسته استعدادا لتناول الطعام، وقد بالغ أحدهم ممن كان على الجهة اليمنى أو اليسرى المجاورة لصالح، عندما حصر ( لحمته) وقربها إليها على حافة المكان الذي قرر أن يضع يده فيه من ( الصينية)، ولاحظ أن صالح لم يقرب يده من قطعة اللحم الواقعة قبالته، ولم يمسك بها، فحفر جاره الثريد تحتها، وهوت قطعة اللحم داخل الحفرة، حيث كان يدس يده و( ينخر) الثريد، فتناولها ووضعها في فمه، من غير أن يعترض عليه صالح، فيما أبقى قطعة اللحم الأولى التي احتجزها، ليحسن فيها طعم فمه بعد الانتهاء من الثريد.. وهل يمكن لصاحب النفس الأبية كصالح أن يعترض على ذلك!؟.. لقد أحس صالح بالراحة رغم تندره على هذا، ليضرب به مثلا على الحال آنذاك، أحس بالراحة، لأن قطعة اللحم ذهبت إلى من هو بحاجة أكثر إليها، أو إلى شره تحتاج نفسه لكي لا تبقى ( تهرف) خارج مدارها.. كان قلة من الناس، آنذاك، من يجعلون عدد قطع اللحم فوق ( صينية) أكثر من العدد المقرر لدعوة جماعية تضم العشرات، أو المئات.. وكان ( أصحاب الصينية) الكرماء والمتمكنون يعرفون كل خروف من النظر إلى وزنه، ويعرفون كم قطعة لحم ينبغي أن يستخرج منه، ويوصون بذلك من يتولى القصابة، وإذا ما ذبح أحدهم خروفا في مناسبة، لا تسلم حتى الأمعاء الدقيقة ( المصارين) من صغار القرية، لتشوى بعد أن يخرط ( الرعي) أو الرفث منها.. وأمر طبيعي أن لا يعفى الطحال من ذلك.. وإذا ما كان لأحدهم طفل صغير في مرحلة الرضاعة، وفي طور يقترب من أن تخرج له أسنان ( تنغّص) أي تمناه لطفله، أو ناوله إياه بعد أن يشوى ( على النصف)، أي ينضج نصف إنضاج، لكي يحرك بيت أسنانه فيه، بما يسهل عليه إخراجها، ومن الطبيعي أن نقول إن الطفل عندما يحبو، تقلب دشداشته من الخلف على ظهره، وتشكل بدبوس، ويترك قفاه مكشوفا بالكامل، وبخاصة عندما يكون ذكرا، لكي لا تتسخ ملابسه عندما يحبو على الأرض.. ولا تؤخر زحفه عندما تكون تحت ركبتيه، وغالبا ما يتعرض إلى برد الشتاء القارص لو زحف في فناء الدار حتى يزرّق جسمه من شدة ما يصيبه من برد، وليس من دواء، إذا ما تعكرت صحته، غير البابونج وما شابه ذلك، ومن الطبيعي أن نقول أيضا إن قطعة الطحال التي في يديه ( تداف) بالتراب وهو يزحف عليها، بعد أن تكون قد ( ترطبت) من كثرة ما أفرزه فمه عليها من لعاب، وبعد أن يقطع الطفل مسافة وهو يحبو على الأرض، يأكل قطعة الطحال، أو يحك أسنانه بها من غير أن تغسل.. ولم يكن منظرا يدعو إلى التعجب أن ترى نسبة كبيرة من الأمهات في الريف لا يغسلن للطفل مكان التغوط بعد الغائط، وإنما يمسحنه بخرقة، أي خرقة مرمية على مقربة منهن، وأن ترى من الكبار قلة تقضي حاجتها وفي يدها إبريق ماء، ومن يتعجب من قولنا هذا، عليه أن يسأل نفسه كيف يتصرف راعي الغنم و من يفلح الأرض أو يحصد الزرع، إذا أراد أن يقضي حاجته، ولا يتوفر ماء قربه، أو قد يتوفر على مسافة عدة كيلومترات منه؟ ألا نرى في هذا وفي غيره، إن الحد الأدنى من آدمية الكثرة، إن لم نقل جميعهم، كان ناقصا؟ ومثله يمكن أن نتصور علاقة الزوجة بزوجها في دار من غرفة واحدة تضم عائلة كاملة، قديما أو في العصر الحديث.. أما أن تلاحظ من تجمع روث البقر وهو ( مرج)، ثم تكتله على بعضه بقطع شبه منتظمة، وتنشره ليجف حطبا للتنور، أو الطبخ، ثم تنتقل لتأكل بعد أ، تغسل يدها بماء فحسب، حيث لا يوجد صابون في كثر من بيوت الفلاحين، أو يندر، أو تعجن، فهو من المناظر شبه الطبيعية ومعه يمكن تصور مقدار ونوع الأمراض التي تصيب الأطفال والكبار فترديهم، ومنه أيضا يفهم أي مستوى من الخبرة يحصل عليه الذكي الفطن، الذي ينشأ في الريف، وأي صبر وقدرة تحمل يتطبع عليها، وأي قدرة بدنية ومستوى مواجهة مخاطر يكون عليها من يعيش فضلة موت..!؟


*********


" من زادت رجاله، وصلب عودهم، أدب أعداءه، وقد تزداد مشاكله"..
كان إبراهيم أبو همام، على وفق وصفه وخواصه العالية، ولكنه إذا ما غضب، كان غضبه حادا وشديدا، وغالبا ما يؤذي نفسه في الوقت الذي يقصد الرد على أذى، ولا يعرف أي منهما أكثر وطأة وأثرا، هل الأذى الذي وقع على من يقرر أن يقع عليه آذاه، أم الذي أصابه هو جراء فعل قام به ضد آخرين، مع أنه ذو صبر وجلد؟ وكان لا يقبل أن يطوي جناحه عندما يطير من عشه، أو مأواه، وهو يواجه على أطراف عشه العوسج والسدر، وكان لا يقبل أوامر المتنفذين في قرية أم القرى.. وكان في الغالب لا يحضر في ( الحشر) الجماعي لتطهير وكري الساقية الرئيسة الرابطة بين المضخة أو المضخات على نهر دجلة، بعد أن صارت في رمز القرى ثلاث مضخمات أو مضختان، نصبت متفرقة لتنقل الماء إلى حيث أماكن الزرع في الأراضي المخصصة للزراعة، وكل حسب مساحة الأرض المخصصة لزرعها من مالكها، أو الأرض التي يملكها هو، وكان أبو همام يظن، وظنه صحيح، إن تطهير الساقية الرئيسة يجب أن يكون على مالك الأرض، أو الإقطاعي مجازا، فيما يتعلق بملكية الأرض في قرية رمز القرى.. ولذلك ما كان يحضر الحشر الجماعي لتطهير الساقية، وفي نفس الوقت لم يتملق المتنفذين في رمز القرى، وكان يقول الحق، بصورة مباشرة، كما هو، ويؤثره على الباطل بحضورهم، وليس في غيابهم، ولم يتوافق نجمه ونجم أولئك، إذا ما استعرنا لغة المنجمين.. ولم تكن بينه وبينهم هدنة أو صفاء، وعلى هذه الخلفية وغيرها رفض أحد أعمامه، وفق الوصف الذي مر ذكره، أن يجري عليه ماء مضخته، وكان الخلاف على طلب صاحب الملك مثلما يفعل مع كل الفلاحين، حين طلب من إبراهيم أن يوصل حصة الملاك من حاصل الحنطة والشعير إلى حيث مكان خزنها، بينما كان إبراهيم يرفض ذلك ويقول إن واجبه أن ( يجنب) يفرز للملاك استحقاقه البالغ نصف المحصول، وليس إيصاله إلى المخزن العائد للملاك، وعندما رفض إبراهيم، توعده المالك بأن لا يجري الماء بعد الآن إلى أرض إبراهيم، وعندها، ولشدة ما كان عليه من غضب، أخرج إبراهيم فراش البيت من الدار، وأوعز لأم همام بأن تخرج هي وهمام ومريم من الدار، وأشعل النار في الدار.. وكان ما (عمر) به الدار، أي سقف الدار، من أعواد خشب فوقها عاقول أو شوق، وفوقهما التبن طين مخمر ومخلوط ( مداف) بالتبن كنوع من تسليح الطين، لكي لا يتشقق ( يتفطر) وعندما أحرق إبراهيم بيته ( دامته) المزن في فضاء واحد، لا يزيد عرضه على ثلاثة أمتار، وطوله على الستة أو السبعة أمتار.. احتجاجا على الملاك، وتعبيرا عن غضبه منه، وإشارة من إبراهيم إلى أنه راحل من المكان، أخبر المتنفذون، أو أ؛د المبغضين، الشرطة في بنت النهر، وتزيّدوا بالقول إنه كان ينوي إحراق زروع الآخرين، بل إنه حرقه ( دامته) بيته، إشارة توعد منه لأهل المنطقة بالويل والثبور وإنه صائر ليقتل أحدهم حتما، إلى غير ذلك من البهتان، وقد ألقت الشرطة القبض على إبراهيم، ووضعته في التوقيف، ثم حكم عليه فيما بعد بالسجن سبع سنوات.
ومن حادثة إبراهيم مع ملاكين من أبناء جلدته ومن أعمامه، وممن لم تكن لديهم سطوة كبيرة كالتي كانت لدى ملاكين في مناطق شمال وجنوب العراق، يمكن تصور الأذى الذي كان يصيب الفلاحين.. ولا نعتقد بأن من يتمرد على الإقطاعي هناك يكون نصيبه السجن فحسب، وإنما الموت هو الاحتمال المرجح، ذلك لأن الإقطاعيين في العراق ليسوا كلهم من نفس العشيرة التي تفلح الأرض، وإنما على أنواع، فمنهم من هذا النوع، وآخرون إقطاعيون يسكنون المدينة، وتلفح الأرض لحسابهم، ويزورون الأرض من حين لآخر، تاركين من ( يشحن) الفلاحين، ويشرف عليهم ويسمى ( الشحنة)، وهذا النوع من الإقطاعيين على وصفين، فمنهم من ليس له أقرباء في الريف، وهم غالبا من سلالات الجيوش التي غزت العراق أو استعمرته، وآخرون على وصف آخر، حيث أنهم يملكون في الريف، ولهم أقارب في الريف أيضا، ربما في نفس المنطقة التي يملكون فيها أو بعيدا عنها..
أليس هذا الذي وقع على إبراهيم من دسيسة وظلم قريبا من وصف علاقة الدول الكبرى بالصغرى، وما يمكن أن يقع من ظلم الكبرى على الصغرى، وبخاصة التي لا تطاوع الدول الكبرى في رغباتها غير المشروعة، احتراما وتقديرا من الصغرى، بموقفها لشعبها وأمتها وتراثها.. مثلما في علاقة الدول الكبرى بالصغرى في أيامنا الآن؟
- و هل في الريف دسائس وكبار يستصغرون آخرين، وآخرون لا ينصاعون ولا يصغرون إلا أمام بارئهم؟ تساءل أحد الناس في المدينة.
- نعم، في كل مجتمع صورة لما عليه هذه العلاقة، والطمع والعدوانية التي عليها الدول الكبرى إزاء الصغرى، ما لم يكن القائم على أمر المجتمع هناك منصفا وعادلا وقادرا على أن يطبق العدل، ويهزم الباطل وأهله، إن لم يرعو من يكون على باطل.
حكى لنا أبو همام، كيف أخذ من بنت النهر، مخفورا بشرطيين على حصانيهما، وكيف كان يسير جنب أحدهما، وقد ربطت يداه بمجمع من الحديد الخاص لهذا الغرض، وكانت وجهتهم قضاء طوزخرماتو على الضفة الشرقية لنهر دجلة باتجاه الشرق، ولكن على المسافة التي ذكرنا بعيدا عن النهر.. ومع طول الطريق، وبعد أن انقضى النهار الذي ابتدأوه برحلتهم، حل الليل ولم يصلوا إلى طوزخرماتو بعد، فواصلوا المسير، ومع الحركة في ذلك الطريق الطويل، لاحظ أبو همام أن مجمع الحديد قد أفلت من قفله، وتساءل مع نفسه: أهي فرصة فتحها القدر لأهرب وأتخلص من سجن ظلمت فيه من غير مسوّغ؟ وبعد أن داور الحال مع نفسه، توقف عند وصف الحال الذي سيكون عليه هارب من السجن، وما يمكن أن تتشكل عليه القناعة بأن ما لُفّق عليه وعلى نيته وفعله من الآخرين صحيح.. وتساءل: ألا يتمنى من كاد له وأوقع الظلم عليه، أن يفعلها إبراهيم ويهرب ليبقى يذعن لأصحاب النفوذ في قرية رمز القرى، لو عاد إليها؟ أم أن يكون طيرا على سعفة ضعيفة، كلما هب ريح أفرد جناحيه، ( وزمهما) إلى الأعلى ليوازن حاله عليها؟ وهل يعني هذا غير أن يسهر الليل دون أن يغمض له جفن، خشية أن تداهمه مفرزة شرطة، فيقتل كما قتل جده لأمه، من قبل الجندرمة، في قضية أخرى عندما قاومهم هو وأولاده؟.. ويبقى متخفيا في النهار، يخطب ود من يخشى أن يخبر الشرطة عنه فيكون ضعيفا؟ ولأن أبا همام لا يحتمل فكرة أن يكون الرجل ضعيفا في مواجهة صعوبات الحياة، أو أمام نفسه، جفل أمام هذه التساؤلات وقال بحزم:
- إنها ليست فرصة فتحها القدر لي، وإنما أرادها الشيطان ليوقعني في شركه، ويحولني من موقف الحق وقول الحق والتصرف وفقهما إلى ما هو ضعف ومخز وربما باطل.. اللهم اخزِ الشيطان، واستغفر الله رب العالمين. بل استمر لأعرض أمام المحكمة، في طوزخرماتو، ولو قضت المحكمة بسجني، ربما قال التمييز رأيه النهائي في بغداد..
قال ذلك، وأعاد بنفسه مجمع الحديد إلى يديه، وأحكم قفله على يديه، وتوكل على الله.
وصل إبراهيم إلى طوزخرماتو، وأمضى فيها ليلته تلك ولا نعرف لماذا رحل من بنت النهر إلى طوزخرماتو.. ولم نسأله عن ذلك في حينه، وربما كانت طوزخرماتو المكان الذي يحاكم فيه الناس، حيث لم يكن في بنت النهر حاكم، أو ربما كانت المكان الذي يجمع فيه المحكومون، ليرحلوا بعد ذلك ضمن قافلة محكمة بالحراسة إلى سجن بغداد.. إلا أن إبراهيم كان، بعد أن صدر عليه الحكم، ربما في طوزخرماتو، ينتظر التمييز في بغداد، ليقول قوله حيث سُفّر من طوزخرماتو إلى بغداد.. قال إبراهيم:
- عندما فتح لي المكان المخصص للسجناء في طوزخرماتو، كان مظلما، إذ لم يكن فيه إلا سراج بالكاد يضيء مترا منه.. ولقدم المكان، وانعدام التهوية الصحية فيه، ولأن البناء من الطين.. والظلام الذي يكتنفه بحيث لا يمكن أن تهتدي العين إلى ما يدب على الأرض إلا بالكاد، لاحظت كأن الغرفة عين من نمل، وعندما تحسست المكان وجدت أنها عقارب وليست نملا، ومن شدة ما أعياني من التعب، وجدت أنني مهما حاولت أن أقتل العقارب بحذائي، الذي لم ألبسه في الطريق، لأخفف وزن حركتي، ولكي أحمي الحذاء من أن يمزقه طول الطريق، وأنا لا أملك حذاء غيره، ولست قادرا على شراء بديل عنه، ألا يفيدني ثمنه وأنا رهن جدران السجن؟ إذن، مهما حاولت، قال إبراهيم، لا أستطيع أن أخلي غرفة السجن التي أنا فيها من العقارب!؟..
واسترسل قائلا:
- وضعت حذائي تحت رأسي بعد أن تمددت على الأرض من غير فراش، وقرأت سورة الفاتحة، وما تيسر لي استذكاره من آي القران الكريم، وتوكلت على الله، ونمت، ولم أستيقظ حتى الصباح، ولم ألدغ أبدا، ومن الطبيعي أن تدخل العقارب جحورها من إشراقة الشمس فهي لا تظهر إلا في ظلام، ولا تلدغ إلا في غفلة!!؟
نقل إبراهيم في قافلة إلى بغداد، ربما بعد صدور الحكم عليه بالسجن سبع سنوات، ولكن محكمة التمييز في بغداد حكمت له بالبراءة، وتنفس إبراهيم هواء الحرية في بغداد، وهكذا كانت بغداد رئة الحرية والحق، عندما يكون فيها ضمير غير ذي غرض سيء مسبقا، أو غير مدنس، أو عندما تكون بغداد يقظة، تعرف دورها، وتستذكر تاريخها..
عاد إبراهيم إلى رمز القرى.. ورحل منها إلى بنت النهر، ليعمل بتجارة محدودة بين العراق وسوريا، وبعد أن تزوج من أم صالح، رحل بعد حين بكل عائلته في ( طرادتين)، وهما عبارة عن زورقين حديديين يجرهما أربعة رجال، تم استئجار جهودهم مع الطرادتين اللتين حملتا كل شيء عدا الغنم والبقر، حيث سار بهم الرعاة مع الطريق البري، وكان الخامس والسادس هما المشرفين على الزورقين المربوطين ببعضهما، و المقطورين معا، يديران نهاية كل منهما بالمجذاف الخلفي أو الدفة أو ( السكان) تشبيها بزعانف السمكة، وهو الذي يحفظ توازن الحركة عن طريق تحريك المجذاف الخلفي يمينا أو يسارا، أو جعله مستقرا في الوسط لتستقيم حركة الزورق، ولا يرتطم بجرف النهر، وكان الاتجاه أرض الحويجة، في محافظة كركوك، التي هي التأميم الآن، حيث كان فيها أبناء أخت للعشيرة التي ينتمي إليها إبراهيم، ولهذه الخؤولة بين عشيرة السادة السحينيين من نسب عمر الكبير، والعشيرة التي قصدها إبراهيم في رحلته هذه قصة، ليس هنا مكان للحديث عنها.
سافرت عائلة إبراهيم، وباتت ليلتها تلك على شواطئ ( بنت النهر) في ضيافة حليمة، أليس عارا على أم بيت عرف دارها بأنه مشهور، على عهد صاحبه، ولا يستقبل ( خطّاره) لمجرد أن يصيب صاحب البيت عارض فيمنعه من أن يقوم بواجب الضيافة؟ وإذا كانت ضيافة النساء للرجال غير مستحبة، بل مرفوضة في المدينة بوجه عام، فإن من واجب ربة المنزل أن لا تطرد ضيفا، حتى لو كان رب المنزل غائبا في الريف والمدن الصغيرة آنذاك، وأن تستعين بأقرب أقربائها من المحرمين عليها من الرجال، ليقوموا بواجب الضيافة، وإلا فأي من أبنائها أو أخوتها، حتى لو كان عمره ثماني سنوات فأكثر، فكيف إذا كان الضيف إبراهيم الحسن وأم صالح ( صبحة)؟ أليس هم أهل دار!؟ ثم ألم يكن لطيف بعمر يستطيع أن يعزب ( عمال) الزوارق بمعاونة إبراهيم!؟..
باتت عائلة إبراهيم ليلتها على شواطئ بنت النهر، في بيت ( سوباط) أو على أطرافه، وكان السوباط يعود إل أم مال الله وابنها عبد اللطيف، وكانت حليمة بمثابة الدفة لزورق البيت، ومع أن عبد اللطيف كان بعمر صغير لا يجعله نبيها بما فيه الكفاية، في شؤون الضيافة، مثلما هو أخوه ما الله من قبل، إلا أنه صار مفيدا في تلبية احتياجات ضيوفهم في تلك الليلة. وبعد أن باتت النساء ليلتهن تلك في سوباط على الشاطئ، والرجال خارجه قريبا من الشاطئ، ليستأنفوا السفر عند أول ضياء، مع ما رافق ذلك من عويل ودموع من النساء والأطفال، حيث ستفترق عنهم صبحة وصالح إلى ديار بعيدة، ولأن الدابة كانت واسطة النقل آنذاك، كان مشروع الحويجة، جنوب كركوك، يعد بعيدا عن بنت النهر، على مسافة تقرب من مئة كيلومتر، وما زاد الحرقة في نفوس المودعين، أن مال الله كان في السجن، وأن صبحة ترحل عن الديرة الآن.. وصبحة معروفة بأنها لا تحب السفر، وتعتبر من تستسهل السفر من غير ما اضطرار حقيقي، خفة رأس ووزن، حتى بعد أن تغيرت واسطة النقل من الدابة إلى العجلة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ولا أظن أن جوهر هذا القانون قد ألغي في أذهان الحصفاء من الرجال الآن، في نظرتهم لتصرف النساء بوجه عام، مع كل التطور الذي حصل في حياة العراقيين، خاصة في العوائل التي تعرف دور وتأثير الكلمة عليهم أ ولهم، إيجابية أم سلبية.
إذن كان الجميع، مودعين ومودعات، يدركون أن فترات اللقاء هذه المرة، وبعد هذا الافتراق، ستكون مسافتها الزمنية طويلة.. سنين وليست أشهرا، وهكذا كان فعلا، فإن صبحة لم تلتق بأهلها مرة أخرى، إلا بعد مضي أربع سنوات تقريبا، عندما عادت عائلة إبراهيم إلى رمز القرى، فكم من العوائل في مدن المجتمع العراقي، وربما في قراه الآن، تنشأ بينها مشاكل بسبب إلحاح الزوجة على زيارات متكررة للأهل، يوميا، أو بين يوم ويوم، وما يشكله هذا من عبء على الزوج، إذا ما رافق زوجته فيها، ومن إحراج إذا لم يرافقها فيها!!؟
بعد أن أبحروا بسحب زوارق السفر على الماء ممن وصفناهم، كانوا يتوقفون في مثابات بعينها على الطرق، يبيتون ليلتهم، أو يدخلون مأوى مقيل لمعارف على طرفي النهر، وما أكثر المعارف الذين يعرفون السادة في بنت النهر، ووجوههم البارزة، ومنهم إبراهيم.
لنستعن هنا بصالح ليشرح لنا كيف كان ينظر إلى تلك الرحلة بعد أن صار عمره بين السادسة والسابعة:
- إن الأساس في مشاعري، آنذاك، هو الشعور بالغربة بعد ترك المكان الذي عشنا فيه، والحنين إلى عائلة خالي وخالاتي وجدتي وجيراننا وأبناء عمومتنا ومحلتنا، وكنت، عندما ودعنا جدتي، وخالاتي وخالي عبد اللطيف، والجيران، أذرف الدموع، مرة لهذه المشاعر، وأخرى متأثرا بمنظر المشاعر المتأججة والدموع المدرارة المصحوبة بنشيج وعويل، ولكنني مثل أي طفل ما إن أبحرنا في النهر، حتى انشغلت بالتمتع بمناظر الشواطئ، حيث كنا في شهر أيلول، وكان هذا الشهر يسجل بداية نضج الرقي والبطيخ المزروع على الشواطئ التي تمتد على الشاطئ الغربي من النهر، والذي كان إبحارنا بموازاته أكثر منه بموازاة الشاطئ الشرقي، إلا عندما يقرر المشرف على الزوارق الكبيرة الإبحار على الشاطئ الشرقي، طبقا لطبيعة الشاطئ، فإذا كان فيه الماء ( ضحضاحا) ويمتد على مسافة من اليابسة إلى حيث العمق بمسافة يقدر أنها صارت غير ملائمة للإبحار، انتقلنا إلى الشاطئ الآخر، وهكذا أيضا، لو ( صال) مجمع الماء وجاء قويا على الشاطئ بحيث يترك ثقل الماء على مقدمة الزوارق صعوبة لدى من يقومون بسحبها، أو عندما يواجهنا ( جرف) عال من الأرض لا يترك مسافة بين الماء والجرف، ليمشي عليها من يسحبون الزوارق بالحبال.. ولكن أغلب مسافات الإبحار كانت على الشاطئ الغربي، وكنا لا نبيت إلا على الشاطئ الغربي، لأنه أكثر أمانا، وفق ما قال العم إبراهيم، وعلى أساس قياساته، ذلك أن حالة الأمن تحت إحساس الخوف من القانون وأجهزة السلطة لا تتوفر في حدودها النسبية آنذاك إلا في المدن، أما الريف فله قياسات أخرى مستنبطة من ظروفه وتأثير الشقاء والفقر فيه، ولأن معارفنا على هذا الشاطئ أكثر من معارفنا على الشاطئ الآخر، فقد اعتبر العم إبراهيم أن الشاطئ الغربي أكثر أمانا..
إن أكثر ما أتذكره عن تلك السفرة، هو أن رأسي قد شج فيها، وأن أو محاولة سباحة بمفردي في أعماق النهر حصلت فيها أيضا، أما بالنسبة لما أصاب رأسي فإنني على مقربة من الشرقاط، صادف أن كنت أمشي خلف الزوارق، على مبعدة لا تزيد عن ثلاثين أو خمسين مترا، أتسلى وأطرد الضجر عن نفسي قريبا من المكان المحدد في الزوارق التي لم يكن لنا واجب عليها إلا أن نراقب الدجاج، أو ننثر له الحبوب، أو نضع عيوننا وفق التكليف على المقتنيات التي يمكن إذا ما هب هواء عالٍ أن يقلعها ليرمي بها في النهر أو ما شابه ذلك.. وعندما كنت أمشي خلف الزوارق عثرت بخيط لصيد السمك، كان أحدهم قد ربطه بحصاة على الشاطئ فيما كانت ( السنارة) بنهايته من الطرف الآخر مع الطعم في الماء، وعندما عثرت بالخيط كدت أسقط ولكنني تماسكت، فيما قال لي صاحبه كلاما خشنا، وكان عمره حوالي عشر سنوات، وربما أكثر، وعندما تقدمت إليه لأعنفه تشابكنا، كل يهم بصاحبه، ولكنه غلبني لأنه أكبر مني سنا، وأوقعني على الأرض، وتناول حصاة، وكانت تلك الأرض من الحصى، وضربني على جبهتي وشجها وهرب، وما كنت أتصور أن هنالك من يراقبني من الزورق، وكان العم إبراهيم يقوم بذلك، وفجأة قفز من الزورق، وهو يصيح بذلك الهارب، ويلعنه ويلعن أباه، واستمر يرضك حتى وصل إليه، وعندما حاول والد الصبي الهارب أن يتصدى لعمي إبراهيم، ( مطله) عمي بعصا على ظهره، وفر الأب في أثر ابنه، وقد تملكني الضحك آنذاك على الأب الذي هرب أمام عمي ولم يصمد أمامه، وهذا المنظر محا عني الشعور بأن قدرتي الجسمانية ما كانت تطاوعني، لـ ( الوي) ذاك الولد، وكيف بإمكان ابن ست سنوات وما يمكن أن يزاد عليها من أشهر، أن ( يلوي) ابن عشر سنوات وما يمكن أن يزاد عليها!؟.. وطيبوا لي جرحي.. ومن الطبيعي أن نقول بأن التطبيب لم يحصل بالمكركروم، أو محلو اليود، الذي كان يدعى في الأربعينات والخمسينات ( التنتريوك)، و( المكركروم) و( التنتريوك) كلمتان أعجميتان، وما أكثر الكلمات الأعجمية المتداولة في العراق قبل ثورة 17-30 تموز المجيدة عام 1968، وقد تقلصت الآن كثيرا بفضل الوعي والثقافة، فقد كانت المفردات من أصل تركي منتشرة من بغداد إلى الشمال، بالإضافة إلى محافظتي ديالى والأنبار.. وكانت المفردات التي هي من أصل فارسي، منتشرة من بغداد داخل إلى جنوب العراق، مع استثناءات بعينها، وكلها مختلطة مع مفردات اللغة العربية، أو الكردية، وقد جاءت مفردات اللغة الإنكليزية مع الاحتلال الإنكليزي للعراق بين عام 1916 و 1917، وصار المستمع للعراقي عندما يقول عدة جمل، لا بد أن يجد من غير أن يجهد نفسه شيئا من هذه المفردات في حديثه.
نعود لنقول إن تطبيب جرحي تم عن طريق فتيل ( عطبة) من الصوف، كان يوضع على النار، وعندما يلتهب يطفأ على المكان الذي فيه الجرح، وهذا ما حصل لي، ورافق الجرح حرق الجزء القريب منه، ولكن النزف انقطع.. ومع الألم الذي أحسست به، لم ( أتضجر) أو أتأوه، فهل يجرؤ أحد على التأوه من هذا!؟.. ألا يوصف من قبل المحيطين به من الرجال والنساء بأنه ضعيف، وربما يقولون عنه، إنه جبان؟ وهل يرضى صالح أن يوصف بالضعف، أو الجبن حتى لو جاء احتماله ضعيفا!؟، خاصة وقد سمع من أمه أن خاله، عندما أصيب في حرب عام 1941 ضد الإنكليز، لم يضجر، أو يتأوه، ومثل هذا قالت له عن جده لأمه عندما أصابته طلقة جندرمة الترك، واخترقت صدره، ونفذت خارج جسمه من الجهة الأخرى قبل أن يموت بعدها بعدة أيام، والشيء نفسه حصل مع شقيقي جده رباح، مولان ومحمد، وقصت لي والدتي.. يعود صالح ليقول، كيف أن جدي لأبي، مجيد، كان يسقي الزرع في إحدى الليالي، ولدغته أفعى، بعد أن كان قد وطأها من غير أن يعرف، من وسط رجله، فأخرج خنجره من حزامه، وقطع موضع لدغة الأفعى، وبذلك تخلص من موت محتمل، أو هكذا ظن لو لم يفعل ذلك.. فكيف لصالح، بعد أن سمع هذه القصص، أن يتأوه أو ( يضجر)؟ لقد صبر على جرحه ونام.. وهذه هي عادة صالح عندما يكون أمام أمر أو هم لا يكون لإرادته دور في تغيير ثقله عنه.. ينام ليقاوم ذاك بالنوم، أو ليستجمع قوته عند اليقظة لدور جديد.. أو لمهمة أخرى..
عندما وصلوا إلى قرية على النهر، بعد الفتحة مباشرة، وعلى الشاطئ الشرقي من نهر دجلة، حطوا رحالهم في قرية بريج بانتظار الدواب التي تأتيهم من عرب أحمد العامود، ابن أخت العشيرة، وعندما نستذكر الفتحة بين جبل مكحول وبين جبل حمرين حيث مجرى دجلة، نستذكر معها طريفة حصلت هناك بين الأعوام 1940 و 1950..
كان لويس نعيم عطا الله على دين النصرانية، وكان عاملا فنيا يعمل لصالح شركات النفط، وكان واجبه متابعة إصلاح الكهرباء في منطقة الفتحة، والتأكد من سلامة الأعمدة الرابطة للكهرباء. وفي أحد الأيام، وبينما كان يرتقي إلى أعلى أحد الأعمدة بسلم وضعه بصورة مائلة على عمود الكهرباء، وجد نفسه أمام منظر رهيب، وجد نفسه أمام أفعى هائلة الحجم، أو هكذا قال لويس لمحدثيه، وقد تأكد صالح بنفسه من لويس من دقة الواقعة فيما بعد، وعندما اقترب منها دون أن يدري، رفعت الأفعى رأسها، وهي تخرج لسانها، وتهم بأن تمد رأسها إليه، أو ترمي بنفسها عليه، وعندما وجد نفسه أمام هذا المنظر الرهيب، فإنه بدلا من أن ينزل راجعا إلى الأرض مستخدما السلم، صاح مرعوبا ( اللهم صلّ على محمد) وقفز من أعلى السلم، وقد كسرت إحدى رجليه، أو أصيبت برضوض بسبب ارتفاع السلم، وعندما سمعه العاملون المكلفون بحمل السلم المتنقل معه، وكانوا مسلمين، أعانوه على النهوض، وحملوه إلى خارج المكان، وسألوه: ما بك؟ سمعناك تقول ( اللهم صلّ على محمد)، وأنت مسيحي؟ قال لهم: إن الأفعى جعلتني أنسى الصلوات على الدين المسيحي، وتذكرت كلامكم الدارج في حالات كهذه، مما أسمعه منكم، فوجدته في تلك اللحظة أقرب إلى لساني، فنطقت به، قال ذلك وهو يصفق يدا بيد ويضحك، رغم الألم الذي كان يحس به.. وضحك معه العمال، وشكروا الله علا سلامة لويس..
وبينما كان أهله بانتظار مجيء الدواب، نزل صالح على الشاطئ، وبقيت أعمدة بيت الشعر ممدة إلى جانب بيت الشعر، الذي كان مرميا مع الأثاث المنقول في الزوارق من رمز القرى وبنت النهر هناك.. وبعد أن اصطاد عددا من صغار السمك على مقربة من الشاطئ بأن نصب من كفيه المطبقتين، وفي داخلها طعم من ( عجين) ليغري سمكة صغيرة بدخولهما من فتحة في الأمام بين أصابع يديه، وما إن تدخل السمكة في داخل النصب، حتى يطبق عليها من الأمام، فيحصرها داخل يديه، ويخرجها إلى الشاطئ ليضعها في حفرة رتبها على الشاطئ، وفيها ماء، وبعد أن ضجر من هذه اللعبة، خطر في باله أن يركب عمود خشب من أعمدة بيت الشعر، لعله العمود الوسط في البيت، لأنه أكثر سمكا واستقامة، وبعد أن قربه إلى الشاطئ دفع به إلى الماء، وطاف العمود وركب فوقه، واضعا مقدمة صدره فوق طرفه، ورجليه خارجه، تاركا القسم المتبقي يطفو على سطح الماء، وبعد أن وجده قادرة على حمله، دفع به إلى عمق النهر، وهو فوقه، ولكن صالح لم يكن يعرف العوم، حتى لو لمسافة متر واحد.. ولو قدر ليديه أن تفلتا من فوق العمود، لكان هلك، ولم يكن معه أو يراقبه أحد، ولكنه بحسه الخاص قدر أن العمود يكفيه ليطفو فوق الماء، وكان الماء في ذلك المكان حاد الجريان، وعندما وصل إلى مسافة بعيدة عن الشاطئ عاد أدراجه، وعندما لامست مقدمة العمود الذي يحمله اليابسة من الأمام، كانت سعادته عظيمة بانتصاره في العوم.
 

 

 

 يتبع الجزء الثامن ...

 

 

 

 

 

 

 

إلى صفحة مقالات وآراء