بسم الله الرحمن الرحيم

08/05/1429

 رواية رجال ومدينه لكاتبها الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد 

 الجزء الثامن

 موقع النهى*

 " من يكثر ماله، يتعب قلبه، ويطمع به الطامعون، ومن لا يكون له مال، قد تدنو نفسه على ما هو تافه"..

كان مال الله يبني صداقات وعلاقات مع أناس يعرفهم أول مرة في نقرة السلمان، عسكريين ومدنيين، ويدرس خواص من كان يعرفهم من العسكريين، ذلك أن السجن محك فريد تختبر فيه معادن الرجال.. وكان العراقيون، بوجه عام، تجري على ألسنتهم في ذلك الزمان مقولة ( إن السجن للرجال)، وبداية هذه المقولة موغلة في القدم، ذلك أن زمن سبعمائة سنة من الضياع، بعد أن غاب أي أثر لموجه موثوق أفقد العراقيين بوصلة التعرف على الاتجاه الذي يلم الجميع على موقف وعمل جمعيين وطنيين وقوميين، ولم يكن للحاكم في ذلك الوقت دالة عليه، ولم يكن لهم أمل فيه، وكانوا يعتبرون أنفسهم غرباء عن الحاكم، ويعتبرون الحاكم في بلادهم غريبا عليهم، ويحللون لأنفسهم ماله وقتله لو ظفروا به، وكان الحاكم في تعامله معهم يحلل هدر دمائهم، وسرقة أموالهم، وإهمال مصالحهم، بل إن الغزاة كانوا يحاولون استباحة حتى الأعراض فيما لو أمنوا العقاب.. ولكن من يأمن عقاب العراقيين على أمر كهذا؟ فإن الثأر إن لم يأت من قريب، يمكن أن يأتي من بعيد لو تعدى أجنبي على عراقية، فـ ( المرأة بشارب الخير)، مثلما كانت تقول النساء، ويردد معهن الرجال ذلك أيضا، ولذلك فإن الأجنبي الذي يمس عرض امرأة عراقية كان يثير في نفس من يسمع بها ويعرفها زوبعة غضب تجعل الفعل كأنه واقع على إحدى قريباته.. ومن ذلك التعامل الممتد عبر ما يقرب من سبعمائة سنة، وبعد أن أمعن الأجنبي في سرقة أموال العراق والتعامل مع العراقيين من غير إحساس بالحد الأدنى من المسؤولية، صار العراقيون يتعاملون مع أموال الدولة على هذا الأساس، بل صار كثر منهم يحللونها لأنفسهم، لو أتيحت أمامهم فرصة السطو عليها.. وقد عانينا من هذا الجذر الذي شكل امتدادا عميقا في الزمن في ظروف الحصار والعدوان، في المنازلة الكبرى أم المعارك الخالدة، بين الثاني من آب، يوم النداء الأغر عام 1990، وحتى كتابة هذه السطور.. وربما عانى الحكم الذي سبقنا اعتبارا من عام 1920، حيث كانت ظاهرة السرقة بين الأفراد، أو على مستوى من يضعف في نفسه الوازع الديني الأصيل من الدولة تتراجع أو تذر بقرنها على نطاق واسع، تبعا لقوة قبضة أجهزة السلطة وعدم مشاركتهم السراق في ما ينهبون.. ولذلك نجدها بين مد وجزر، ففي الوقت الذي كانت قد انعدمت أو كادت، داخل أجهزة الدولة والمجتمع قبل الحصار، نظرا لانتظام عمل الدولة وأجهزتها في تقديم الخدمة شبه المجانية، وطول سوطها أو سيفها ضد من تسوّل له نفسه التجاسر بما يناقض المنهج العام للأمانة والنزاهة والدين، فقد اختل هذا بصورة نسبية في السنوات الأولى من المنازلة، وبخاصة في الفترة الممتدة بين 17/1/1991 ونهاية العام 1995، وكانت عمليات السلب والنهب، يشكل مثل السوء فيها كلاب إيران المندفعون للعراق من خارج الحدود، مع من تعاون معهم، أو تورط في أثرهم من الأشرار بعد 28 شباط 1991، قمة ما وصل إليه حال السوء في هذا المجال، على قياس مدى أكثر من ثلاثين سنة من حكم البعث، حيث عم الأمن والأمان، فقد استباح الأشرار أموال الدولة في تلك الفترة، ودمروا كل ما وقعت عليه أيديهم من ممتلكاتها، وممتلكات المواطنين في أربع عشرة محافظة من أصل ثماني عشرة محافظة.. حتى قُهروا بإذن الله، وفرّ منهم من فرَ من أشرار إيران إليها عبر الحدود، وقتل آخرون، أو وقعوا في الأسر..
نقول إن مقولة ( السجن للرجال) جاءت من هذه الخلفية في التعامل مع سلطة ذاك الزمان الموغل في القدم، ومنها أيضا يكون السجن، وفق رأي أهله آنذاك، للرجال شرفا، عندما يحمون حقهم من العادين عليه، أو ينتزعونه منهم بقوة رد فعلهم الذاتي وليس من خلال القانون.. وهل ثمة قانون قائم على العدل والإنصاف في تعامل الأجنبي المتسلط أو المحتل؟ وهل من يرعوي أو يطبق قانونا عادلا ومنصفا لأهل بلد محتل!؟ إن منشأ وخلفية ( إن السجن للرجال) مما ذكرنا عززه وأعطاه وهج المثل أن رجالات العراق كانوا يسجنون بعد ثوراتهم ضد الإنكليز، مثلما في العهد العثماني، لأنهم إنما كانوا يقومون بفعل جمعي وطني شريف، بغض النظر عن التفاصيل الأخرى، وما آل إليه الأمر من مآل.
كان الرجال في معتقل نقرة السلمان، وهي أرض منخفضة في السماوة في عمق الصحراء الغربية من العراق.. في أغلبيتهم يفتخرون بأنفسهم، وبمواقفهم أمام أنفسهم، ومنها، وفيها أمام شعبهم وتاريخ أمتهم.. وعندما نقول أغلبيتهم، ذلك لأن الموقف الجمعي يلم أناسا لم يقرروا كلهم عند خط البداية تحمل مسؤولية موقفهم وفعلهم بشرف وصلابة حتى النهاية، وإنما قد يندفع إليه من يندفع تحت عوامل مجتزأة، وربما ظرفية، أو ذاتية، تصورا منه أن موقفه قد يعود عليه بمكسب ذاتي سريع، أو يحصد وجاهة سريعة لو انتصر الثوار.. وكان القسم الآخر، حتى لو قرر موقفه على غير هذه الصورة، فإنه لم يجرب، ولم يعد النفس وفق ما ينبغي لتتحمل ضغط السجن، والحرمان بصبر وجلد.. ولكن الأغلبية، ومنهم مال الله، بل ومن بين أبرزهم مال الله، كانوا على الصورة التي اعتزوا بها مدى حياتهم كلها، واعتز بها معهم شعبهم وأهلوهم.. فهل يمكن لمال الله أن يكون إلا على هذه الصورة؟ وهو الذي سمع وعرف كل تفاصيل صلابة أهله، وهم يواجهون المستعمر العثماني، ويقدم أهله، من بين ستة رجال، ثلاثة منهم شهداء دفاعا عن شهامة العراقي وموقفه ورفضه للأجنبي.. بل، ألا يكفي من لم يتذكر كل شيء وأي شيء أن يتذكر انه ابن العراق، وأنه رجل!؟
لقد استذكر مال الله كل ذلك.. واستذكر كيف ساهم أهله السادن، متميزين على عشائر كثيرة في منطقتهم، في ثورة العشرين، ومع كل هذا، لم ينس مال الله أن العراق، حمى، وشعبا، وتراثا ومقدسات، يستأهل كل خير، وحري بأبنائه أن يفوا له في الشدة والأيام الاعتيادية، بل الشدة أدعى ليستذكروا كل حقوق العراق عليهم، وفي هذا، وليس منفصلا عنه، ليشكل حقلا آخر بما يحفظ توازن الحقوق والواجبات. نعم في هذا، وليس في غيره، كانوا بتأكيدهم حق بلدهم وشعبهم عليهم، يستذكرون ارتباط الروح بالجسد، وحقوقهم في بلدهم ووسط شعبهم، ففيما يكون حق الوطن والشعب روح الموقف، يكون حق المواطن هو الجسد الذي من غيره لا تغدو للروح شجرة خضراء مثمرة، وشاخص حي معافي يسعى إلى دوره الوطني والقومي والإنساني..
هكذا كان شعور نزلاء سجن نقرة السلمان.. وكان الحصفاء فيهم، وأهل الخبرة يستذكرون الحكمة الدارجة التي تقول إن من يريد اختبار صديق أن يختبره في سفر، أو شراكه بمصلحة.. ومن ينجح بعد هذا يكون صديقا حقيقيا وناجحا، لمن يظن أنه ناجح فيهما.. ولكن، أليس السجن أفضل ميدان من السفر على ظهر دابة، وفق منشأ هذا المثل، حيث يختبر الصديق صديقه في تقاسم لقمة، أو شربة ماء، أو التناوب على ظهر دابة، ليلاحظ هل يستأثر صديقه عليه بشيء منها، أو يقدمه على نفسه، مثلما يقدم المضيف ضيفه على نفسه...
في السجن، مع إرهاصاته المعروفة، التي لا يمكن أن يخمنها إلا من يكون فيه وحاصلا على شهادة منه، نقول في السجن كل تلك المفردات، وفيه ما هو ليس موجودا في رفقة الطريق، حتى فكرة أن يختبر الصديق صديقه، بما في ذلك لو واجهت القافلة المسافرة خطرا يدهمها من حيوانات مفترسة، أو عصابة سلب من اللصوص...
وعلى هذا الوصف، كان من يتنسمون ويستقبلون أريج الرسالة التي لو جاءتهم من ذلك المكان القصي في أرض الحجاز لزادت نفوسهم إيمانا، وملأتها غبطة وإصرارا، ولحمدوا الله أنهم كانوا على ذلك الموقف، وليس على موقف أهل العار من ممثلي السلطة الملكية آنذاك، بما في ذلك الوصي على العرش، الخائن التافه، عبد الإله...
بنى مال الله علاقات واسعة مع أغلب رجال المعتقل.. وبخاصة الضباط الأحرار الذي اعتقلوا معه بنفس المرسوم والتاريخ، وظلت أسماؤهم، عندما تجري على لسان مال الله، بعد خروجه من السجن، ويسمعها منه صالح كأنها تنغرز في خلفية ذاكرة صالح، لم تنتزعها الأحداث من تفكيره مع تقدم عمره أبدا.. وكان في مقدمة ذلك أسماء العقداء الأربعة، قادة الجيش: فهمي سعيد، صلاح الدين الصباغ، كامل شبيب، محمود سليمان، ومعهم البطل الشاب من مدينة نينوى يونس السبعاوي..

وينجذب الخلان لؤلؤٌ والدرةُ
ليودعَ كلّ عند صاحبهِ سرهُ

يهيمانِ من فرطِ الصبابةِ والجوى
بعيدانِ عما في الطريقِ من العثرةِ

وقد يجمعُ الخلانَ عسرٌ يصيبُهمْ
ويبعدهُم لو صارَ عندهُمْ يسرهُ

هوىً عاصفٌ لو شاعَ في الناسِ سرّهُ
لأنضجَ فيهم حكمةً تشبه البذرةُ

ويرديهما لو صارَ في كلِّ واحدٍ
خيالٌ على ما يشتهي مطلقاً أمرهُ

ويعبثُ لا يدري سوى ذكر حالهِ
ولا يرعوي إن ذاقَ من دنفِ جمرهُ

وأمنعُ سورٍ للحياةِ من الردى
هو النفسُ لا تنفكُّ طائعةً حرةُ


وصلت الدواب إلى قرية أحمد العامود، وكان أهم ما بقى مزروعا في ذاكرة صالح من قرية بريج، رغم بقائهم فيها عدة ساعات فقط، هي محاولته، أو قل مغامرته بالطريقة التي قدمنها عنها في السباحة على عمود في نهر دجلة.. وصلوا إلى قرية أحمد العامود وكان أحمد العامود قد هيأ للعائلة ( دامتين أو ثلاثا)، ولنسمها ( غرفا) على سبيل المجاز، وكان أفراد من عائلته يستخدمونها في السابق ولكنها كانت بعيدة نسبيا عن سكن أحمد العامود، وقد ارتاح إبراهيم لانعزال سكنهم، ليجنب العائلة الاختلاط الذي لم يكن يريده في ( ديرة) غريبة عليهم.. نعم هكذا كان العراقيون يشعرون بغربة حتى في علاقتهم مع بعضهم، عندما ينتقل من ينتقل منهم من مكان إلى آخر، وكان مفهوم كثر من الناس آنذاك أنهم جزء من بلد واحد ودولة واحدة، بالكاد تجد له أثرا بسيطا عند أناس بعينهم، وحتى ذاك الأثر، لم يكن واضحا ومحددا وقاطعا في تفكيرهم وتصورهم.. وهل يمكن أن يتذكر من هو جزء من شعب عاش قرابة سبعمائة عام في غربة إزاء المحيط، وأمام نفسه، أنه جزء من دولة واحدة، وبخاصة عندما تكون الدولة محكومة بنفوذ الإنكليز!؟
كان شعور الانغلاق هذا، حيث تنغلق العائلة على نفسها، ومثلها القرية والعشيرة، والمدينة، والأحياء داخل المدينة، يزداد حتى بات متعذرا أن يمر أحدهم من حي إلى حي آخر وخاصة الرجال، وقد كان حي السادة في بنت النهر لا يمر فيه رجل إلا إذا كان لديه عمل، وإذا لم يكن لديه عمل محدد معروف يقوله لمن يسأله من رجال المحلة، ومر محض مرور من غير هدف، كان حظه سيئا إذا صادفه أحد شباب الحي.. فإن الأخير ما إن يتأكد من أن المعني مر من هناك ماشيا من غير هدف مقنع، حتى يجد هذا المعني نفسه أمام حساب عسير يأكل بعده ( بسطة)(1) عراقية قوية، تذكره وتذكر غيره بما عليه من واجب، إذا أراد أن يمر من هناك، ويكون حسن الحظ من يصادفه رجل كهل قبل الشباب لينصحه ويحذره من أن لا يفعل ذلك تثقيفا له على ما يجب عليه، وحرصا عليه لكي لا يأكل ( بسطة) من شباب المحلة.. وإذا كان هذا هو حال العراقيين، فكيف لا يكون حال إبراهيم وعائلته، وهم ما هم عليه من تقاليد مشددة في الجانب الاجتماعي.. وقد جاءوا من مسافة بعيدة من خارج مشروع الحويجة إلى ( عرب أحمد العامود) وكلمة ( عرب) تعني في لغة كثر من العراقيين مجمع سكان واحد، وبخاصة عند أهل شمال بغداد والتأميم والموصل وديالى وواسط والأنبار والحلة ومناطق أخرى.. يقابل هذا المسمى ( السلف) وهو مجمع سكاني في الريف أيضا، ولكنه أكثر انتشارا في جنوب العراق وبعض مناطق الفرات الأوسط..
نعم أراح الانعزال في السكن المنعزل إبراهيم وعائلته، وعملوا على ترميم وتجديد (الدوم) وإضافة ما هو جديد عليها.. وباشروا بالزراعة، وحدهم أيضا، لكي لا يختلطوا بأحد.. وكان أهم ما لاحظه إبراهيم وعائلته هناك هو قلة أو انعدام الاغتسال، وبخاصة في فصل الشتاء.. ومع أن عدم أو قلة الاغتسال كانت ظاهرة واضحة عند كثر من الناس في العراق كله بوجه عام، سواء في الريف أو المدينة، وبدرجات وفوارق نسبية، وكان المدرسون والمدرسات والمعلمون والمعلمات يفتشون الطلاب ليتأكدوا من نظافتهم عند حد مقبول نسبيا في بداية كل يوم دراسي، ومن نظافة أظفارهم ورؤوسهم، أو ثيابهم، أو ياقات ( دشاديشهم) لانعدام البنطلونات للطلاب قبل المتوسطة آنذاك في كل المدن عدا بغداد.. نقول مع أن إهمال النظافة، أو الاعتناء بها، كان على درجات، وينطوي على فوارق نسبية بين القرى والمدن، وربما بين مدينة ومدينة، فإن رمز القرى وبنت النهر لم تكونا على الشاكلة التي وجدوا فيها الحال في القرية التي حطوا فيها أخيرا، بل، وفي كل تلك المنطقة، فكلما اتجهت إلى الشمال كانت النظافة أقل وكذلك، أيضا، كلما تركت بغداد متجها جنوبا، وهكذا، كلما ابتعد الناس عن حافات الأنهار، حيث يصبح الحصول على الماء عسيرا، بوجه عام، ولا يعرف ما إذا كان أساس إهمال النظافة أن منطقة التأميم قريبة من الجبل، حيث تنخفض درجة الحرارة أكثر في فصول الخريف والربيع والشتاء قياسا بالمناطق الأخرى إلى الجنوب منها حتى البصرة.. ومن الطبيعي أن نقول أن المعنيين كلما انخفضت درجة الحرارة على عهد ذاك الزمان أحجموا عن الاغتسال، لذلك تجد أن الاغتسال في فصل الصيف غيره في الفصول الأخرى، عدا منطقة الأهوار في جنوب العراق، حيث أن الناس يسكنون على حافات المسطحات المائية ( الأهوار) أو في وسطها، فوق جبايش، وفي مناطق أقل برودة مما عليه الحال في شمال ووسط العراق، ومع ذلك نجد أن النظافة لا تحتل أهمية واهتماما خاصين في سلوك الناس هناك بوجه عام بسبب طبيعة حياتهم، حيث يسكن الناس هناك مع حيواناتهم مرتفعين فوق الماء على جبيشة واحدة.. ومع ذلك فإن واحدا من الأسباب التي جعلت العرب يتفوقون في النظافة على الغربيين هو اعتدال المناخ في الوطن العربي من ناحية الحر والبرد، بالإضافة إلى كونهم منبع الدين والديانات، عندما منّ الله عليهم بنعمة الإيمان ونموذجه، وقد اكتشف العرب أنفسهم قادة ودعاة متميزين في الدين، واكتشفوا دورهم في بناء حضارة عظيمة، تواصلت مع عمق دورهم الحضاري في العراق وسوريا ومصر واليمن، وفي أقطار عربية أخرى، يضاف إليهم حضارتهم في الأندلس.. نقول، بالإضافة إلى هذا، فإن اعتدال مناخ أرض العرب، ومرور فصل الشتاء سريعا فيها، ربما سهّل عليهم الاغتسال.. وعلى هذا، ففي الوقت الذي كان الغرب يفتقر إلى حمام واحد لقرون من الزمن، وكان كثر منهم، عدا استثناءات بعينها، يعيشون في الكهوف والمغاور بما يشبه عيش الحيوانات، كان في بغداد عشرات الحمامات العامة في القرون الوسطى.. بالإضافة إلى الحمامات الخاصة داخل بيوت المتمكنين.
كانت الظاهرة الأخرى التي واجهت عائلة إبراهيم هي انتشار الملاريا على نطاق واسع هناك، حيث بعض المستنقعات (والحفر) في نهر عباسي مندثر، يتجمع فيه نزيز الماء من الأرض التي حوله، نظرا لأنه ينخفض عن الأرض التي تجاوره، وقد أصيبت العائلة كلها بالملاريا، وتكررت الإصابة التي غالبا ما تكون في الخريف في السنوات اللاحقة، وأضافت الملاريا عبئا حقيقيا لم يكن يعرفه القادم من بنت النهر ورمز القرى الواقعتين على حافة الجزيرة المطلة على نهر دجلة، فلا مستنقعات ولا نزيزا هنا: بل كانت حصتهم من النظافة بأفضلية واضحة، هناك في مكانهم الذي رحلوا عنه في بنت النهر، حيث لأغلب بيوتها حمامات، يحمى ماؤها وأرضيتها بنار الحطب، أكثر بكثير قياسا بما رأوه في مكانهم الجديد، ولعل هذا كان حال الأكثرية، بوجه عام، كلما اتجهنا شمالا بعد بنت النهر، وبدرجة أخرى في كل وسط العراق وجنوبه، ولكنهم لم يكونوا يعرفون قبل ذلك كيف كان الناس يعيشون في تلك المناطق، بل ما ت كثر من الناس في العراق في ذلك الوقت، وحتى بعده، ولم يصل أي منهم أو أبوه وجده إلى مركز مدينة، أو ناحية أو قضاء، والقسم الأكبر من العراقيين ماتوا ولم يروا عاصمتهم الخالدة بغداد.. وقلة قليلة منهم من رأى مركز محافظة واحدا أو أكثر قبل أن يموت.. وهل يطمح أحد أن يرى على ظهر دابة، أو مشيا على الأقدام، وهم على ما كانوا عليه من فقره، ما يراه العراقيون الآن!!؟
فتكت الملاريا بالعائلة، وكانت الحمى تأتي بعضهم صباحا ومساء، أو تأتيهم مناوبة، وليس في ساعة واحدة، ومن لم يأت دوره يضع كل ما تيسر من فراش فوق من تأتيه الحمى، وفي ظنه أن ذلك يهدئ هوسها ضده، بعد أن تصطك أسنانه، وترتجف أوصاله، وتنسحق عظام صدره تحت عاصفة الملاريا اللعينة، ويبدو ظهره فوق إليته كأنه ضرب بفأس فصار غير قادر على أن يعتدل، وهو يرتعد من أخمص قديمه حتى سمت رأسه.. وعبثا حاولوا القضاء على الملاريا في السنة التالية، عندما اهتدوا إلى نوع من الدواء على شكل حبوب صفراء صغيرة، وأخرى وردية مدخنة اكبر حجما منها.. والحبة الصفراء منها تسمى (كنين) وهي مرة المذاق، ولكن الملاريا خف عليهم في السنة الأخيرة من السنوات التي بقوا فيها هناك..
قال صالح، الذي استعنا بذاكرته عن تلك الذكريات:
- أتذكر أن أختي آمال وابتسام كانتا صغيرتين، وأن سهام أصغر منهما، وكان عمري بحدود الثمان سنوات آنذاك، وقد أصيبتا بالحمى، وعندما تنشغل والدتي، أضع عيني عليهما وهما نائمتان، وعندما تستيقظان ضحى، وقبل أن تكمل والدتي إنضاج اللبن وفرز الزبدة عنه، لتناول الإفطار بعده، كانت الصغيرتان تشعران بالجوع، وهما الأخريان مصابتان بمرض الملاريا، وأكون معهما في ظل الغرفة في الاتجاه المعاكس للشمس من الدار، فيما تكون أختي الصغيرة الأخرى سهام في مهدها . واضع في فمي كسرة يابسة من الخبز، مع قطعة صغيرة من البصل، وامضغهما على النصف، ثم أوزع اللقمة عليهما بالتناوب وفق ما ( تنضجه) أسناني، حتى يتعب فكاي بسبب سرعة طحن اللقمة، وعندما كنت أزقهما كانتا تتلقيان اللقم كما تتلقاها بغاث الطير.. فإن جاءت الحمى آمال وابتسام قبل أن تكمل والدتي عملها، نقلت كلا منهما إلى فراشها لأدثرها واستعد لدوري فيها، وإن تمكنت والدتي من إنجاز واجباتها، بما في ذلك إنضاج اللبن الرائب والزبدة، تناولنا شيئا منها مع التمر أو الدبس، أما إذا كانت والدتي لم تنجز بعد واجبها في العجن أو الخبز، أو خض الشكوة ( والشكوة هي جلد خروف مدبوغ ومصنوع على شكل قربة يوضع فيها ( الخاثر) ويضاف إليه الماء، ثم تنفخ وتخض لزمن قد يمتد باستمرارية غير منقطعة إلى ساعة ونصف الساعة، واو ساعتين ونصف الساعة حتى تنضج الزبدة ويكون اللبن والزبدة في وضع يمكن معه تجميع وفرز الزبدة عن اللبن).. وغالبا ما تكون الحركة المتكررة لخض ( الشكوة) بيد واحدة أو بكلتا يدي من تخضها، تعطي صاحبتها فرصة للتأمل في حالها وفي ما حولها، وكثيرا ما تستدر وتستحضر العواطف من القلوب المكلومة، ومثل ذلك تفعل الحركة في إدارة طاق الرحى، لجرش أو طحن الحبوب، ومع استذكار والدتي أهلها أمواتا وأحياء، وهي في الغربة ( وتعدد) مثلما تقول النسوة.. ينتهي بها الحال إلى النشيج والبكاء.. حنينا إلى أهلها، وهي في غربتها، أو استذكارا لغيبة أخيها وهو في اسجن، أو استذكار الأموات الأعزاء..
نقول: إذا لم تكن والدتي تنجز أيا من واجباتها، وجاءتها الحمى أقوم بتدثيرها، ولا تعود والدتي إلى عملها إلا بعد أن تذهب عنها الموجة العالية من الحمى التي قد تمتد إلى ساعتين أو أكثر، تتعطل فيهما استفادتنا من عمل والدتي لنفس المدة، وإذا تعلق الأمر بطعام ظلت معداتنا تئن، ولكن من يطالب بشيء لمعدته مما هو غير موجود يعتبر رديء نفس، وإذا ألح على الطعام احدهم مع انه يعرف أن تجهيزه يحتاج إلى زمن اعتبر أيضا رديء نفس.. ولذلك كان على الطفل أن يعتاد على هذا متى أصبح عمره خمس سنوات، وإذا لم يعتد عليه، ولم يكن حساسا بما يكفي إزاء التقاليد الموروثة في هذا سمي ( أبو بطن)، وصارت هذه التسمية ملازمة له حتى بعد أن يكبر ويكون له أولاد، بل تبقى تلازمه طيلة حياته.. وهكذا كانت تطلق على صالح أوصاف كثيرة مما يعز، ويطلق على من يستعجل لقمة لبطنه اسم (أبو بطن)..
كانت الحياة في رمز القرى حيث إخوة إبراهيم، الخمسة، اثنان منهم أبناء أم، والثلاثة الآخرون، ومنهم إبراهيم، أبناء من أم أخرى هي عمة والدتي، وأعمامه، والحياة في بنت النهر تسيرا سيرا اعتياديا، وكانت الأحداث في ذلك الوقت، مما يشغل بال أهل مدينة كبنت النهر، أو قرية كقرية رمز القرى، بسيطة.. وكانت أيامهما تكاد تكون متماثلة، أو قل متشابهة في الأغلب الأعم، ولم يكن فيها ما يجري الحديث عنه عندما يلتقون على تناول القهوة عند أحدهم، غير أن فلانا مات، وفلانا جاءه صبي.. وفلانا تزوج، وبقرة فلان نفقت.. وقلانا ( دك) هجم على غنمه ذئب وأخذ منها خروفا، أما السخل فيتجنبه الذئب لأنه يفضحه بصراخه خلاف الخروف الذي لا يثغو إذا هاجمه ذئب.. وفلانا نفقت فرسه، أو ولدت له مهرة.. وفلانا من أهل بنت النهر تشققت ( جربان كلكه)، عندما ارتطمت بأرض ضحلة الماء.. وغرق عدد من أكياس الحنطة، أو الفحم الذي كان يتجر به من ضفاف الزاب، وهو أحد روافد نهر دجلة، ويصب فيه على مسافة إلى جنوب الموصل.. وقد انكسر ( أي انسحق حاله)، ولم تقم له قائمة فتحول من تاجر إلى معوز.. الخ.
أما في نقرة السليمان، حيث للناس هناك قضية، كان حالهم يختلف، رغم أنهم في سجن، وكذا الأمر في بغداد، حيث أن إعدام فهمي سعيد ومحمود سليمان ومحمد يونس السبعاوي في الخامس من أيار عام 1942، أي بعد مرور عام على سقوط الثورة، التي سميت ثورة رشيد عالي، والتي أعلن عنها في مارس عام 1941، وما بذله الإنكليز من جهود مع إيران وتركيا لتسليم اللاجئين ومنهم صلاح الدين الصباغ، الذي أعدم في السادس عشر من تشرين الثاني 1945، ودفع صفوة رجالات العراق إلى السجون، ومنها سجن نقرة السلمان.. كل ذلك أجج ثورة داخل الصدور لا ينطفئ لهيبها إلا بقطع رؤوس الأفاعي المتسببين في كل هذا، وكان عبد الإله هو من وقع عليه الاتهام الفاصل، يأتي معه نوري سعيد، ثم تتدرج خلفهما في المسؤولية عن السوء مسميات أخرى.. وعندما يقول أحدهم ليخفف عن الحاكمين في مقهى من مقاهي بغداد: ماذا يمكن أني يفعله الوصي (عبد الإله) أو نوري سعيد، أو صلاح جبر، أو غيرهم، سوى الخضوع والامتثال لرغبة الإنكليز، وهم أصحاب السوط الأول؟ يصيح جلساء المقهى ( الجاي خانة باللغة التركية) محتجين:
- هذا شلون ( أي لون هو) حكي يمعود ( أعوذ بالله منك).. إذا هم مو كَدها ( إذا لم يكونوا كفئا لها)، عليهم أن يتركوا المسؤولية ويصارحوا شعبهم بالحقيقة، فإنهم عندها يكونون في عيون شعبهم أقل سوءا في الأقل، مثلما فعل عبد المحسن السعدون الذي انتحر بعد أن صار رئيس للوزراء، ووجد أنه غير قادر على حسم أو التوفيق بين ما كان يجتهد به، وبين رغبات وطلبات متعارضة بين الإنكليز والشعب، وبين ما كان يشار إليه ليفعل من المعارضة، ومنهم بعض قادة الجيش، وبين رغبات وطلبات البلاط ( قصر الزهور أو قصر الرحاب)، حيث اتخذا مكاني سكن وعمل لكل من الملك والوصي على العرش، وعندما لم يستطع أن يوفق بين تلك الرغبات، انتحر، وجعل له تمثال، وسمي شارع باسمه، هو شارع السعدون.. فلينتحروا، إذن.. فهذا أفضل لهم وللشعب والوطن.
وعندما يحاول صاحب الفكرة الدفاعية أن يقول شيئا، ينبري له صاحب المقهى الذي يجلس في مدخل المقهى ليأخذ من الخارجين استحقاقه عما شربوه، وما شربوه لم يكن إلا نوعا واحدا.. فلا قرفة ( دارسين ) كما في مقاهي دمشق، ولا سحلب أو قهوة كما في مقاهي القاهرة.. إنه لون واحد ومسمى واحد فحسب، هو الشاي في مقاهي العراق، أو الشاي الحامض فقط.. قام صاحب المقهى من خلف المنضدة التي يجلس إزاءها.. وامسك بيد صاحب الفكرة الدفاعية عن الوصي ورؤساء وزاراته، ومن غير كلام يهزه بقوه، وكان صاحب المقهى ذا شاربين مفتولين، ويعتمر قبعة بغدادية كلاسيكية ويضع ( اليشماغ) على كتفه، وأحيانا يعتمر قبعة يلف حولها ( اليشماغ)، ثم ما لبث أن أنهضه واتجه به إلى الباب.. وعبثا حاول ذاك أن يعتذر، أو يفلت يده من يد أبي جاسم، وما إن واصله إلى الباب الخارجي حتى دفعه وكاد يسقط.. ثم بصق في أثره:
- ( تفوه) عليك، وعلى فلوسك التي جمعتها بالحرام والمذلة، حتى ثمن الشاي الذي شربته لا أريده، اذهب وال تعد إلى مقهاي هذا.. هذا مو مكانك، هذا مكان الوطنيين الشرفاء.
عندما أكمل أبو جاسم كلامه الأخير، استدار وأغلق باب المقهى وراءه.. وكن بعض طلبة الكليات والثانويات إلى جانب آخرين يجلسون في المقهى، وعندما لاحظوا أن تصرف أبي جاسم وكلامه كأنه وضع مرهما على جراحهم، صفق احدهم وتبعه آخرون، ثم صفق كل من في المقهى.
وعندها صاح صاحب المقهى، وهو منتش باسم ويتهلل وجهه ابتهاجا:
-يمعودين.. إخواني، لا تلوصوها(1)، ترى غدا يضعوني في السجن ويديحون جهالي ( يتيه بعد ذلك أطفالي).
ثم يقول في نفسه مستدركا بصوت مسموع:
- وهل أنا أفضل من الذين في السجون، وفي سجن نقرة السلمان؟ ليداخلني مرض ( دعاء على نفسه ليصاب بالمرض) إذا أنا خفت من الحكم العميل وأعوانه وجواسيسه، وليداخل المرض أولادي وزوجتي.. هل هم أفضل من أولاد ونساء الذين أعدموا، والذين هم في السجن؟
ثم بعد أن يميز كلام الغضب يستدرك ليقول:
- بل إن الذي أعدموا، والذين هم في السجون وأصحاب الصوت العالي بالحق ضد الباطل، وأولادهم وزوجاتهم وأقاربهم أفضل من الذين يخافون.. ويخفت صوتهم. وعندما استقرأ الحماس والرضا في عيون من كانوا في المقهى راح يقول كأنه يلقي خطبة:
- إننا لا نخاف.. العراقي لا يخاف.. العربي الأصيل الشهم لا يخاف.. تبا لهم، وساء ما يفعلون.
التهبت الأكف بالتصفيق من الحاضرين، ورفعت الحماسة نفوس وأرواح من كانوا في المقهى، وكان الشباب بدمائهم الحارة في المقدمة، وهبّ واحد منهم، وصعد فوق ( التخت) الذي كان يجلس عليه، وهمّ أن يهتف لولا أن قال له أحدهم:
- أبو شكر، لا تحولها مظاهرة.. اترك لنا فرصة ما تبقى من الامتحان لنؤديه، وبعدها ليكن لك ما تريد.
قال له ذلك، وكان أحد زملائه، وكان يبتسم وهو يلتقط ذراعه بلطف، ويسحبه برقة ليجلسه، وعندما لاحظ من وقف على التخت إمارات الرضا على تصرف زميله من الجالسين، قال وهو يضحك أيضا:
- حسبنا أننا حاولنا، وقد تسجل لنا حسنة من غير تضحية.
أجابه أخر:
- كلك بركة وخير أبو شكر، أنت مشهود لك ولعائلتك بالوطنية والمواقف الطيبة.
نزل أبو شكر، وجلس مع من جلسوا.. وعندما جلس صفق له أبو جاسم وشاركه عدد قليل من الشيوخ كأنهم يشكرون أبا شكر لأنه استجاب لزملائه، لكي لا يورطهم فيكون مكانهم السجن قبل أن يؤدوا امتحان آخر السنة، ولأنه كذلك جنّب باستجابته هذه صاحب المقهى ما يمكن أن يقع عليه من عقاب، ومن بين ذلك غلق المقهى الذي يقطع رزقه، وهذا في عرف ذلك الزمان وكأنه قطع رقاب، حيث تضيق فرص الارتزاق الحلال، ومعنى ذلك كأنه حكم على العائلة كلها بالموت.. وأمر كهذا لا شك أكثر وطأة من مجرد سجن صاحب المقهى، لو ترك له مقهاه يعمل بإدارة من يكلفه، أو بإدارة احد أبنائه
 

 يتبع الجزء التاسع....

 

 

 

 

إلى صفحة المقالات