صدام لم يكن بهذا القـُبح ونحن لم نكن بهذا النـُبل

( 3 ـ 3 )

 

قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم

 

بقلـم : محمـود شنب

mailto:mahmoudshanap@gawab.com

mailto:mahhmoudshanap@hotmail.com
 

( إن القدرات الكامنة لدى العراق ـ وليس صدام ـ هي السبب الأساسي في كل ما نراه .. هي السبب في هذه المحاولة للقتل الجماعي عبر التجويع ، وهى السبب في هذا القصف الشرس للأهداف العراقية بين فترة وأخرى من أجل هدم كل إعمار يتحقق، ومن أجل إعادة العراق كلما ارتفع إلى درجة الصفر ، ولا يعنى هذا أنهم لا يختصون صدام حسين بعداء خاص ، فمؤكد أن هذا صحيح ، ولكن ليس بمعنى شخص صدام حسين ـ رغم أهمية الدور التاريخي الذي يلعبه ـ ولكن بمعنى العداء للنظام السياسي الحاكم الذي يقوده صدام حسين ... إن كل ما ذكرنا عن القدرات الموضوعية للعراق لا يمكن أن يتحول من إمكانية إلى فعل إلا إذا توافرت قيادة قادرة على الثبات أمام ضراوة الأعداء وقادرة على جمع شعبها والاحتفاظ بمعنوياته عالية في مواجهة الجحيم الذي يحيط به ... إن الحذر التقليدي للأعداء من إمكانيات العراق يتحول إلى هلع حقيقي إذا كانت دولته قادرة على صيانة أسرارها وعلى العمل التنفيذي المنضبط.. إنهم يخشون الآن وباعترافهم من العراق لأن قيادته الحالية قادرة في حساباتهم بعزيمتها الجبارة وتنظيمها الفولاذي على أن تغافلهم وتبنى قوة عسكرية شامخة بل قوة نووية بمجرد أن يرفع عنها الحصار ، ولذا يرى الحلف المعادى أنه لابد من تصفية هذا النظام ) ... عادل حسين في 13/2/1998 .

لم أجد مدخلاً لما أريد التحدث فيه أفضل من هذه الكلمات ، لأنها توضح بجلاء مبررات الحرب على العراق ، وفى نفس الوقت تعطى القيادة العراقية حقها من التقدير والثناء من خلال وصفها بالقدرة على الثبات أمام ضراوة الأعداء وجمع الشعب والاحتفاظ بمعنوياته عالية وصيانة أسرار الدولة والعمل التنفيذي المنضبط والعزيمة الجبارة والتنظيم الفولاذي ... وكلها أمور اتصف بها النظام العراقي ـ دون غيره ـ بقيادة المجاهد الرئيس صدام حسين .

وإذا تعرضنا لأخطاء المجاهد صدام حسين نجد أنها كانت أخطاء مبررة وقليلة وإن كانت كبيرة لأنها جاءت على قدر التحديات التي واجهت العراق ، فقد كانت المؤامرة كبيرة والأخطار جسيمة وعديدة ومتنوعة حيث دأبت الإدارة الأمريكية على تجنيد العملاء بالداخل والخارج للعمل ضد القيادة العراقية خاصة فى قطاع الجيش والأمن ، بغرض كشف نقاط القوة والضعف لدى النظام العراقي ... كانت هناك رغبة أمريكية دائمة في النيل من العراق ونظامه وإضعاف الدولة وتقسيمها إلى دويلات يسهل السيطرة عليها ، وقد وصل التبجح الأمريكي للدرجة التي كان يعلن فيها جهارًا نهارًا عن المبالغ التي يرصدها للخونة وتنظيم صفوفهم وإمدادهم بالملاذ الآمن وعقد الاجتماعات والمؤتمرات لهم وإجبار الدول الحليفة على استضافتهم والاحتفاء بهم ، وقد وقف النظام العراقي لهم بالمرصاد ورد كيدهم في كل مرة ، وانتصر صدام حسين في أكثر من منازلة ، ولعل أشهر تلك المنازلات يوم فرار الخائن حسين كامل إلى الأردن واحتفاء المخابرات الأمريكية به واعتباره مكسبًا كبيرًا بفضل ما يملكه من معلومات بالغة القيمة والأهمية وما شكله ذلك من آثر نفسي على القيادة العراقية التي استطاعت بسرعة استعادة توازنها واستدراج حسين كامل وإعادته إلى البلاد والقصاص منه ... بعد ذلك وفى عام 1995 كانت الصفعة الأكثر إيلامًا على وجه المخابرات الأمريكية يوم اتخذت الـ C.I.A قاعدة لها في أربيل شمال العراق ، وتمكنت من تجنيد أعداد هائلة من الضباط والجنود ، وقامت بتدريب الآلاف من المتآمرين والعملاء واطمأنت كثيرًا لنجاح الانقلاب المنشود .... وفى غمرة فرحتها فوجئت ـ كما يقول الأستاذ عادل حسين ـ بأن القيادة العراقية مازالت في كامل لياقتها وأنها هي التي اخترقت المخابرات الأمريكية وليس العكس ، فممثلو الدولة العراقية من العسكريين وغيرهم كانوا في قلب الشبكة التي شكلها الأمريكان مما مكن الجيش العراقي من التحرك في سرعة ونظام محكم للانقضاض على أربيل والقبض على العملاء والاستحواذ على كل وثائق الـ C.I.A .. يومها أفلت رجال المخابرات الأمريكية بالملابس الداخلية وبغيرها في طائرة هليكوبتر أقلتهم خارج العراق ، وقد كانت تلك العملية أكبر انتصار لصدام حسين وأكبر هزيمة في تاريخ المخابرات الأمريكية على حد وصف الأمريكان أنفسهم .

هذا هو صدام حسين الذي لم يكن أبدًا بهذا القبح الذي يصوره الإعلام التابع ويروج له العملاء والخونة ..

لقد راهنت أمريكا على التمرد الشعبي نتيجة الحصار وضيق المعيشة .. لكنها فشلت ، وراهنت على ثورة المثقفين والمهنيين .. وفشلت ... راهنت على الإنقلاب العسكري وفشلت ... راهنت علا انفلات الأمور وتذكية الخلافات الطائفية وفشلت ... راهنت على الإذلال وآثره النفسي من خلال فرض حظر الطيران في مناطق شاسعة وفشلت .... ومن الطبيعي أن يكون لكل مرحلة ومحاولة ضحايا ، وهؤلاء الضحايا هم أسلحة الخونة اليوم .. إنهم يحدثوننا عن الأثر ولا يحدثوننا عن السبب .. يظهرون النتائج ولا يظهرون الأسباب .. يحدثوننا عن الضحايا دون ذكر جرائمهم فيقولون هؤلاء سُجنوا ولكن لا يقولوا لماذا ، وهؤلاء عُـذبوا ولكن لا يذكرون السبب ، وهؤلاء تم إعدامهم دون توضيح جرائمهم ... وليس هذا انصافـًا ولا عدلاً .

إن قوة الحاكم مطلوبة دائمًا إذا ما هدد الوطن واستهدف أمنه وسلامته ـ بمعنى أنه قد يكون مقبولاً أن يتنازل الحاكم ويتساهل مع معارضيه عند اختلاف وجهات النظر في أمور كالتي تحدث عند وضع خطط التنمية أو بحث وتطوير الخدمات أو عقد صفقات أو امتيازات أو اختيار أعضاء للحكومات ... كل هذه أمور يمكن التفاهم فيها وعدم ارتكاب تجاوزات كبرى ، أما أن تصل الأمور إلى حد تهديد سلامة الوطن ومحاولة استقطاع واستقلال أجزاء منه وفصل شماله عن جنوبه .. هنا يجب أن تكون للحاكم سلطات مطلقة لا حدود لها تمكنه من قطع دابر الخونة وملاحقة أئمة الكفر وعملاء الغرب ، ولنا أن نتخيل موقف القيادة المصرية لو أراد الأقباط في صعيد مصر الانفصال عن الدولة الأم وإقامة دولة مستقلة لهم ، أو انفصال أهل المدينة المنورة واستقلالهم عن مكة والرياض ، أو فصل جنوب اليمن عن شماله ... إنها أمور لا تقبل المساومة ولا التفاوض ولا التمسح بالديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الرأي والعقيدة ... إنها مسألة حياة أو موت ، وما يحدث الآن في جنوب السودان وتدعمه أمريكا هو ما أرادت فعله في العراق وواجهه صدام حسين بقوة وعظمة وثبات ونجح فيه رغم كل الظروف القاسية .

لقد أذل صدام حسين أمريكا أكثر مما ينبغي ، وأذاقها المر في أكثر من منازلة .. لم يعترف بمناطق الحظر الجوى وظل يقاوم طيرانها صباح مساء .. نجح بامتياز في كسر طوق الحصار الظالم المضروب على العراق وقام ببيع وتهريب البترول بعيدًا عن نطاق الأمم المتحدة .. نجح في فضح وتعرية النظام الأمريكي على المستوى العالمي ، وعزل أمريكا وبريطانيا عن كل العالم في مجلس الأمن ، وعلى المستوى الشعبي شاهدنا العالم كله يقف معه في مظاهرات لم يشهد لها التاريخ مثيلاً ، وعلى المستوى العربي حاول كثيرًا أن يتقارب مع الأنظمة العربية ، لكنه أدرك أنها لا تملك قرارها .. حاول أن يستقطبها لكنها كانت ذليلة وتابعة ولا تملك القدرة على التحرر من القبضة الأمريكية ...

لقد فعل صدام حسين ونظامه ما يعجز الجبابرة عن فعله في ظل ظروف بالغة السوء والتعقيد ، ومن الخطأ أن نختصر عهده في المقابر الجماعية والاعتقالات والتصفية الجسدية .

لقد أصاب أمريكا بعقدة البقاء في السلطة وعبقرية التحدي ، ومن كثرة الفشل الأمريكي وتكراره أشاع عملاء أمريكا من النظريات ما كان يكذب بعضها البعض ، ففي وقت يشيعون أن صدام حسين هو رجل أمريكا في المنطقة وأن لأمريكا مصالح عديدة في الإبقاء عليه ولو أرادت التخلص منه لفعلت "إنها تصور ماركة ملابسه الداخلية" وعلى الرغم من سذاجة هذا الإدعاء إلا أنه يتصادم مع كونه المطلوب رقم واحد أمريكيًا ، وأن أمريكا أنفقت على النيل منه ومن نظامه ما لم تنفقه على أي نظام آخر .

لقد كان النظام العراقي من القوة بمكانة جعلت منه العدو الرئيسي لأمريكا ، وأصبح أول وآخر ما يفعله الحاكم الأمريكي طيلة سنوات حكمه هو ضرب العراق ـ يتسلم الراية ويسلمها على هذا العهد ، وأصبح ضرب العراق أحد أهم مراسم انتقال السلطة فى أمريكا ... علينا أن نذكر ذلك جيدًا ولا ننكره لأننا بَعِدنا أم قـَربنا طرفـًا في المشكلة خصوصًا بعدما أظهرت الحقائق أن ما يحدث في العراق هو حرب صليبية أعلنها بوش وباركها بلير ونفذها الشيطان الصهيوني بمساعدة الأنظمة العربية العميلة .

إن انحيازنا للعراق ليس له علاقة بحب أو كره صدام حسين ـ وإن كان هذا الحب يشرفنا ـ لأنه انحياز للحق وللمبادئ السامية والقيم النبيلة ... فريق من الخونة هو الذي يحرف مواقفنا ، أما صدام حسين فمهما تكن جرائمه فإنها لن ترقى لجرائم بوش الكذاب وبلير المنافق وشارون الإرهابي ، فأين المنطق في تعامل أنظمتنا مع هؤلاء الأوباش ومعاداة صدام حسين ؟!!

إننا ننحاز للعراق أرضًا وشعبًا وقيادة ، والأشخاص مهما تكن مناصبها فهم إلى زوال ، والأوطان مهما كانت مصائبها فهي الباقية سواء كانت واقفة أم جاثية ، وعندما ندافع عن وطن لابد أن ندافع عن رمزه ، والمنافق هو الذي يقول أحب العراق وأكره صدام .. إنه لا يحب هذا ولا ذاك .. إنه ربيب أمريكا وعميل إسرائيل ، وكلمة الحق دائمًا صعبة ، والجهر بها أصعب ، والثبات عليها أصعب وأصعب .

ومشكلتنا اليوم تتمثل في أن منظومة الإعلام لدينا تمثل صدى الصوت الأمريكي ... نراها حيث يكون السيد الأمريكي .. لا تحاول أن تـُخرج صوتها قبل صوته .. لابد أن تحدد الاتجاه الأمريكي وتسعى إليه دون التفكير فيما يتوافق مع مصالحنا وأخلاقنا ..

إذا حاربت أمريكا اليد اليمنى في الجسد الواحد ساعدتها اليد اليسرى على العدوان ، وإذا حاصرت المعدة والأمعاء أيدها العقل بغباء ، وإذا أقدمت على قطع قدم من أقدام الحق اعتمدت القدم الباقية على ساق صناعي يقدمها الجزار للضحية ليغنيها عن جزء منها حتى لا تفكر في التمرد وقول الحق !!

أمريكا تفعل فينا ذلك ... وقد اختبرتنا أولاً في مواطن بعيدة قبل أن تقترب من القلب .. اختبرتنا في الصومال الذي أهملناه ، واختبرتنا في أفغانستان الذي تركناه ، ثم اقتربت من السودان الذي نسيناه ، واقتربت أكثر وأكثر إلى أن وصلت العراق الذي ظلمناه ، وهى الآن تعيش بيننا وحولنا وفوقنا وتحتنا وتنتشر في شرايين الأمة ـ بفضل قادتنا ـ وفى صور قواعد واتفاقيات وتسهيلات لا يعرف عنها الشعب شيئـًا .

ومن المؤسف حقـًا أن بعض الكتاب والمثقفين لا يأخذون الأمور مأخذ الجد ولا ينزعون أنفسهم من مواضع الحقد ، فنراهم يتسلطون على رموز الأمة ويتركوا الأعداء .. حتى اليوم مازالوا يهاجمون عبد الناصر ، فكم يلزمهم من الوقت للتشفى فى صدام حسين ؟!!     ومن يشذ عن القاعدة وينصح لله ولرسوله والمؤمنون يُستبعد من كل وسائل الإعلام ويخنق صوته الذي كان يمكن أن يحرك ويزلزل ويوقظ وينبه ، ويحل محله الصوت الذي يخدر وينوم ويخادع ويضلل ... شأننا والحاكم شأن رجل شهم علم الكثر عن الزوج المخدوع ، فاقترب منه وهمس في أذنه قائلاً : زوجتك تخونك ... يرد الزوج بما هو غير متوقع قائلاً : أعلم ذلك ... فيقول له وهو مستمر في الطيبة والسذاجة وحُسن النية : وماذا ستفعل ؟!! ... فيقول الزوج الديوث : إن كل منا يحترم خصوصيات الآخر .. إنها ـ أمريكا ـ تتركني أفعل ما أشاء ، وأنا أتركها تفعل ما تشاء ... ينظر الناصح في دهشة قائلاً في ذهول : لا أفهم ما تقول ... يرد الديوث : ليس ذنبي .. إنك متخلف .. مازلت متمسكـًا بأحكام وضعت منذ أكثر من ألف عام .. عليك أن تجدد الفكر وتترك النقل وتأخذ ما يتوافق مع العصر ... فيرد الناصح : بسم الله الرحمن الرحيم (( والعصر ـ إن الإنسان لفي خسر ـ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر )) ... يجلس الناصح يجفف عرقه ويحدث نفسه : هل أنا في حلم أم علم ؟!! ... يفتح الجرائد يجد كل ما يؤيد الحاكم .. يفتح المذياع والتليفزيون .. يُقـَـلب في الفضائيات ، فلا يجد إلا ما يؤيد الديوث .. يعاود قراءة النصوص يجدها راسخة قاطعة حاكمة .. يتصل بالأصدقاء فيجد من يقول له : عش حياتك ودعك من التشدد .. إن الدين يُسر لا عسر .. إنك تعيش فى زمن مختلف ... يصرخ دون وعى قائلاً : لا يوجد زمن مختلف وفينا القرآن والسنة .. هناك من يسرق المعالم ويضلل الفكر ... يقولون له : إن لم تقتنع عليك بشيخ الأزهر ... يذهب لشيخ الأزهر يبثه شكواه ... يقول له الشيخ : قِسم من العلماء يقول كذا والآخر يقول كذا .. والله أعلم !!   ... يتركه الشيخ حائرًا .. يضرب كفـًا بكف .. يقبض عليه بتهمة معاداة النظام وعلاقته بالقاعدة والجهاد !!

إننا نعيش زمن الفتن والكذب والنفاق والكلاب .. زمن من لا تاريخ له ولا شرف .. زمن من يكذب فيه يملك القدرة على القهر والتسلط .. زمن يؤمر فيه الأخ بحصار أخيه حتى في رمضان .. وليس رمضان واحد ولكن أكثر من أربعة عشر رمضانـًا لا نطعم فيه العراق ولا نسقيه ناسين قول رسولنا الكريم : (( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ، قالوا : من يا رسول الله ؟؟ ، قال : من بات شبعان وجاره جائع )) .

إسمعى يا أمة الإسلام .. اسمعوا يا حكام .. اسمعوا يا من سرتم خلف بوش وتركتم هدى الله ورسوله .. يا من وصمتم الفلسطيني بالإرهاب وجعلتم إسرائيل داعية سلام .. يا من كنتم سببًا في نيل "رابين" جائزة نوبل للسلام .. يا من أدخلتم الشواذ أوطاننا وأطلقتم سراح الجواسيس ...!!

إن ما حدث لمصر لم يكن بعيدًا عما حدث للعراق ، إنه إعداد الشياطين لمسرح القوادين وفكر الحشاشين وسقوط المثقفين ..

عندما حارب صدام إيران لمدة ثمان سنوات فتحنا له الخزائن الخليجية وجعلناه بطل القادسية وحامى حمى البوابة الشرقية ، وعندما حارب أمريكا أصبح خارقـًا للقوانين الدولية وصاحب المقابر الجماعية وقاتل النساء والأطفال وعدو البشرية !!

يوم حارب المسلمين كان بطلاً ، ويوم حارب الكفار صار إرهابي ... نفس الشئ حدث للمجاهدين في أفغانستان كانوا أبطال وهم يحاربون الروس ، وأصبحوا شياطين عندما حاربوا الأمريكان .. أسقطنا عنهم الجنسية وطاردناهم في كل الأقطار العربية !!

كل ذلك ليس بعيدًا عما حدث للعراق .. إنه الأساس الذي بُـنيت عليه الأحداث وترتبت عليه المواقف ..

من كان يمجد فيك صار اليوم يلعنك !!

من كان بالأمس يحميك جاء اليوم ليطعنك !!

صدام حسين صار اليوم شماعة لكل الفاشلين .. أصبح سببًا فى الفرقة ، وسببًا فى كل كوارث الأمة .. أصدرنا براءة ذمة للكويت وكل دول الخليج ومصر والسعودية والأردن وأصبح صدام حسين هو سبب كل مصائب الأمة !!

أبدًا لم نكن بهذا النـُبل .... لنا حكام تعاملوا مع القضية بألف وجه .. وجه مع العراق ووجه مع أمريكا ووجه مع الشعوب ووجه مع النفس .. ساعدوا القاتل وباركوا المحتل ، وفشلهم في حل القضية هو الذي جعل العالم كله يفشل ، وعدم تبنى موقف عربي موحد كان سببًا مباشرًا في كل ما لحق بالعراق من دمار وخراب ... كانوا يعلنون أمام شعوبهم أنهم ضد العدوان ويقدمون سرًا كل ما يشجع أمريكا على العدون !!

لولا النفاق الرئاسي ما وقعت الحرب من الأساس ... كان بإمكان حكامنا منع وقوع الحرب القذرة على العراق ليس بمواجهة أمريكا ، فهم أضعف من ذلك ، وإنما بمواجهة الضمير والاحتكام للعقل والدين وحرمان أمريكا من حشد قواتها على أراضينا واستخدامها للممرات المائية والأجواء العربية ومشاركتها في المناورات القتالية وحرمانها من الوقود اللازم لإدارة المعارك ...

كان للغرب موقف متميز عن موقفنا ، لكنه افتقد إلى آلية التنفيذ .. بينما ونحن في أضعف أحوالنا كنا نملك هذه الآلية من خلال الموقف السلبي مع أمريكا وعدم مساعدتها ...

كان للإعلام المنافق دور ، وللصحافة الساقطة دور ، وللمثقفين العملاء دور ، وللدعم الخليجي دور .... باختصار أريد أن أوضح أننا لم نكن أبدًا بهذا النـُبل .. وان ما فعله السادات في كامب ديفيد وإخراج مصـر من الصراع العربي الإسرائيلي وتسليمه المنطقة لأمريكا تسليم مفتاح لم يكن بعيدًا عما حدث ... إنها لبنات تقاربت وتجمعت ونُـفذت بعناية فائقة في ظل مسميات شيقة لا تقل صياغتها في الأهمية عن أهمية المخطط نفسه .. فمن سلام الشجعان إلى رقود الخرفان .. إلى الرفاهية والديمقراطية والحرية ونبذ العنف والإرهاب ومحاربة التطرف .. والعديد من المسميات التي أوصلتنا في النهاية إلى الخراب الكامل الذي صور لنا السراب إنجازًا والتخلف إعجازًا ، وجعلنا نفضل التبعية عن القومية ونرفض الوحدة وندعو للقطرية .

أبدًا لم يكن حكامنا بهذا النـُبل أو تلك الأخلاق حتى يوم أخرجوا العراق من الكويت لم يكن تحركهم حبًا في الكويت وإنما طاعة لأمريكا .. لم تكن الحرب وقتها لوجه الله بل كانت في سبيل الشيطان .

ولا أخفى عليك أيها القارئ المصدوم مثلي .. المسحوق مثلي .. المقهور مثلي ... أنني احترت في تفسير مواقف الحكام العرب من قضايانا .. بحثت فى كتب التاريخ .. والمنطق .. وعلم النفس ... بحثت في كل شئ .. وسألت وناقشت وتحريت ... ولم أهتدي لتفسير واحد يرشدني عن سبب مقنع لمواقف حكامنا العرب وقبولهم لكل هذا الهوان الأمريكي إلى أن هدتني الأقدار لمقال للدكتور محمد عباس نُشر في "الشعب" منذ ما يقرب العامين تحت عنوان "بوش الدجال" ... ماذا يقول الفارس المجاهد المناضل الصادق الدكتور محمد عباس ... اقرأ معي ما كتب وتدبر سطوره :

( يقتلني يا ناس ما أراه من رد فعل ولاة أمورنا.. يقتلني..

يذبحني أن أمريكا الصليبية الصهيونية لم تكن لتقدر على بلد إسلامي دون معاونة بلد مسلم.. يذبحني..

يقطع نياط قلبي أن أقل درجة من درجات الوحدة والتضامن كانت كفيلة بأن تراجع أمريكا نفسها قبل الهجوم على أفغانستان أو قبل أن تمارس إجرامها في العراق وهي تلبس القفاز العربي أو في فلسطين وهي تلبس القفاز الإسرائيلي.. يقطع نياط قلبي..

***

وبعد كل هذا الذي يحدث  مازلنا عاجزين عن إقناع ولاة أمورنا أن أمريكا هي العدو.. و أن المستهدف هو الإسلام.. و أن مصطلح الإرهاب قد تم صكه فى المخابرات الأمريكية كي يستعمله حكام نيط بهم القضاء علي الإسلام.. أما الثمن فكان البقاء في مناصبهم..

***

تساءلت و أنا مذبوح من الألم: لماذا يفعل ولاة أمورنا ذلك؟..

ووجدت جزءا من الإجابة في صحيفة الأهرام : عدد 23-2-1999

كان الموضوع عن دور أمريكا الوضيع في جريمة  اختطاف أوجلان مجاملة لتركيا ، وعن ضغطها  على "بنجالوس"  وزير خارجية اليونان لكي يشارك في المؤامرة ،  وعندما رفض انبرى له من المخابرات الأمريكية  من يهدده..

إنني أعتذر للقارئ إذ أنقل ما نشرت الأهرام نصه … أعتذر إذ أكتبه بالإنجليزية كما نشر و أعتذر عن عدم ترجمته الترجمة الصحيحة التي لم يوردها الأهرام ومعه الحق كله ، يقول الأهرام :

 لم تكن الضغوط صارمة فقط بل كانت بذيئة وسوقية، لقد تم إبلاغ بنجالوس وزير خارجية اليونان بشيء مثل " وحياة أمك سوف تفعل ذلك "…

 لم تكن تلك هي الترجمة الصحيحة … لكن الأهرام نشرت إلى جوار هذه الجملة النص الإنجليزي :

Your mother will be fucked if you don’t go along with this

 كانت هذه هي ديموقراطية زعيمة العالم الحر..

كانت هذه هي الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان والحداثة..

فهل تفهم الآن أيها القارئ لماذا لزم كل ولاة أمورنا جحورهم..

لقد عومل وزير خارجية اليونان بهذه الطريقة وهو أبيض ومسيحي و أوروبي فكيف تتخيلون أن يعامل خفير على بئر بترول سموه أميرا.. ) ... صدقت يا سيدي .. أزحت الغمة وكشفت الغمة .

هذا هو حال حكامنا .. أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين على عكس ما أمرهم الله ، لقد ارتدوا عن الدين وتصوروا أنهم مازالوا مسلمين طالما لم ينطقوا بالكفر .. أبدًا ... لقد نطقت أفعالهم وتصرفاتهم ومواقفهم وسقطوا فى الفتنة .... يقول تعالى في سورة التوبة الآية 56 : (( ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون )) ويقول في سورة المائدة الآية 54 : (( يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم )) .

أبدًا لم يكن حكامنا أو مثقفونا أو وسائل إعلامنا بهذا النبل .. لقد فرحوا بالحياة الدنيا واطمأنوا لها .. فرحوا برضا أمريكا عنهم ونسوا رضا الله ... قبلوا ـ بجهل ـ أن يغضب الله عليهم ، ورفضوا بغباء أن تغضب أمريكا عليهم ... آمنوا مكر الله ولا يأمن مكر الله إلا القوم الفاسقين ... (( يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ويُضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء )) .

... وماذا بعد ؟!!

لقد أوضحنا أن المجاهد صدام حسين لم يكن بهذا القبح الذى صوروه ، وأن حكامنا لم يكونوا بهذا النبل الذي يدعوه ، ولابد أن تكون هناك بشرى للمؤمنين الصابرين غرباء هذا الزمان ... البشرى يبشرنا بها الدكتور فاروق الدسوقى ـ الحائز على جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية ـ حيث يبين لنا بجلاء أن صدام حسين هو الذى سيتحقق على يديه تدمير اليهود ودخول المسجد الأقصى ... جاء ذلك فى مقال رائع وشيق لفضيلة الدكتور فاروق الدسوقي مستندًا إلى أحاديث صحيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويشرفنى هنا نقل أجزاء من المقال ومن يرد الاستزادة فالمقال كاملاً منشور على إثنى عشر عمودًا في مجلة التصوف الإسلامي ـ العدد 289 مارس 2003 .

( فى حديث طويل للإمام على رضى الله عنه جاء فيه ( ... وليكونن من يخلفني في أهل بيتي رجل يأمر بالله قوى يحكم بحكم الله وذلك بعد زمان مكلح مفضح يشتد فيه البلاء وينقطع فيه الرجاء ويقبل فيه الرشاء ، فعند ذلك يبعث الله رجلاً من شاطئ دجلة لأمر حزبه يحمله الحقد على سفك الدماء ، قد كان في ستر وغطاء ، فيقتل قومًا وهو عليهم غضبان شديد الحقد حران في سنة بختنصر يسومهم خسفا ويسقيهم كأسًا ) ... ومن ثم جاء ذكر السيفانى بقوله ( فعند ذلك ) أي عند حدوث هذا الفساد والظلام ( يبعث الله رجلا من شاطئ دجلة ) إشارة إلى تكريت مسقط رأسه ( لأمر حزبه ) أي ملك عليه نفسه ( ونابه واشتد عليه وقيل ضغطه ) وهو بلا شك تدمير اليهود ودخول المسجد الأقصى ، ومما لا شك فيه أن الرئيس صدام حسين قد علم إنه الموعود بهذا ، وتضافرت عنده الأدلة وظهرت له العلامات ، الأمر الذي دفعه إلى التعجل فأقسم على شاشة التليفزيون أن سيحرق نصف إسرائيل حسب ما جاء عنه في أسفار الأنبياء وبعدها بقليل استدرجوه إلى الكويت للقضاء عليه وعلى جيشه ولم يتمكنوا وخرج بعد أربعين يوما سالما بقوته ، فقوله رضي الله عنه ( لأمر حزبه ) أى ملك عليه نفسه واشتد عليه ، فقوله ( يحمله الحقد على سفك الدماء ) وهو ما شاء الله تعالى لينتقم به من اليهود بسبب ما كان منهم نحوه من قتل الملايين من شعبه في سنوات الحصار العالمي الظالم الذي وصف بأنه الأشد قسوة فى التاريخ .

وقوله ( لقد كان فى ستر وغطاء ) يشير إلى أنه يظل حاكما ردحا من الزمن لا يدرى هو ولا أحد من البشر أنه هو السفياني الصخري الأشوري البابلي الذي يحقق الله تعالى به وبجيشه وعده بتدمير الافسادة الأخيرة لبنى إسرائيل ، ومن ثم فقد جعله الله تعالى محفوظا بستر وغطاء لا يعرف اليهود أنه هو صاحب وعد الآخرة ، حتى إذا ما اشتد عوده ، وأدركوا حقيقته حاولوا القضاء عليه ، فلم يفلحوا ولن يفلحوا ، وهذا التعبير يوافق ما جاء في أشعياء ( ويكون مقدسا ) أي مصانا ، أما قول الإمام رضي الله عنه ( وهو يقتل قوما وهو عليهم غضبان ) أى ازداد حقده عليهم وازدادت النار في قلبه نحوهم بسبب الحرب الأربعينية ثم بسبب قتلى الحصار من شعبه ثلاثة ملايين نسمة خلال سبع سنوات .

قوله ( في سنة بختنصر ) أي يفعل فيهم مثل ما فعل فيهم بختنصر ، وفى هذا إشارة واضحة إلى أنه من العراق ، وإلى أنه البابلي المعاصر ( يسومهم نسفا ويسقيهم كأسا ) أى ( ويجعلهم مدوسين كطين الأزقة ) وكونه من شاطئ دجلة يتوافق مع ما سبق أن ذكرناه من أن دجلة هو مطهر البيت المقدس من الرجاسات الشركية صليبية كانت أم صهيونية .

وعن أمير المؤمنين على عليه السلام قال ( ملك بنى العباس يسر لا عسر فيه ، لو اجتمع عليهم الترك واليكم والسند والهند لم يزيلوه ولا يزالون يتمتعون في ملكهم حتى يشذ عنهم مواليهم وأصحاب دولتهم .

ويسلط الله تعالى عليهم علجا يخرج من حيث بدأ ملكهم لا يمر بمدينة إلا فتحها ولا ترفع إليه راية إلا مزقها ولا نعمة إلا أزالها الويل لمن ناوأه ، فلا يزال كذلك حتى يظفر ، ويدفعه ظفره إلى رجل من عترتى يقوم بالحق ويعمل به والعلج هو الجافي في الخلقة ، وهو الجلد الشديد في أمره ، وهو الرجل الشديد المرأس الذي لا يستسلم لخصمه ولا يتهاون في حق له .

وقوله يخرج من حيث بدأ ملكهم أى من بغداد ، والنص يفيد أنه يحارب الدولة الهاشمية الباقية فيقضى عليها وينتصر في كل معاركه حتى ينتهي ملكه وعهده بالمهدي ، ومن ثم فهو السفيانى والدولة الهاشمية الباقية التى يقضى عليها هي المملكة الأردنية الهاشمية وسيأخذها وهو في طريقه إلى القدس .

.... روى الإمام أحمد ومسلم وابن ماجة عن النواس بن سمعان الكلابى رضي الله عنه قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة .. فذكر الحديث بطوله وفيه ( أنه خارج من خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وعاث شمالا ، يا عبد الله فاثبتوا .. ) وعن جبير بن نفير عن أبيه رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال الحديث وفيه ( ألا وأنى رأيته يخرج من خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وعاث شمالا ، يا عباد الله اثبتوا ، يا عباد الله اثبتوا ، يا عباد الله اثبتوا ..... ) الحديث .

والخلة التي بين الشام والعراق لابد أن تكون بادية الشام .

وقوله عاث يمينا وعاث شمالا أي أنه حرك جيوشا يمينا وحرك جيوشا شمالا ، يمين هذه الخلة وشمال هذه الخلة ولعله تحريك الجيش التركي وقوات الأكراد .

وبيان هذا أن المسيح الدجال موجود منذ القدم ، وهو يعمل مستخدما للكفار بنى إسرائيل لحكم الأرض ، ولإعلان نفسه في النهاية ربا وملكا وإلها للبشر جميعا ، وقد سبق أن وضحنا فى كتاب ( القيامة الصغرى على الأبواب ـ الإصدار الثاني لزلزال الأرض العظيم ) وعرضت بيانا بالأدلة بخرجتيه المعاصرتين .

الأولى : وهى التي يحاول أن يحكم فيها البشرية من خلال مؤسسات سياسية ( مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة ) واقتصادية ( صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ) واجتماعية ( كل ما ينبثق عن هيئة الأمم المتحدة من منظمات ومؤسسات للمرأة والطفولة والثقافة وغيرها ) .

وهو يقود هذا كله من خلال سيطرة خفية على حكومات أكثر الدول وبخاصة الغربية الأنجلوسكسونية ( أمريكا وبريطانيا ونيوزيلندا وكندا واستراليا ) من خلال منظمات سرية داخل هذه الدول كالماسونية وغيرها .

ويعتبر إعلان النظام العالمي الجديد بداية مرحلة جديدة في مخططاته لحكم العالم ، ويريد من خلال تفرده بقوة واحدة في الأرض هي أمريكا ( أو الأنجلوسكسون ) السيطرة على كل شئ وإخضاع الشعوب والدول بما بدأه من إنزال عقوبات على من يخالفه كما فعل مع العراق .

لذلك نجد أن الحديث السابق يتحدث عن تحريكه لجيوش خاضعة له ضد الأمة الإسلامية ابتداء من أفغانستان ثم البوسنة والهرسك ثم الشيشان ثم ضد العراق ثم يخرج من خلة بين الشام والعراق ليعيث يمينا ويعيث شمالا ، وهذه الخرجة هي تحركه لجيوش أمريكا وبريطانيا وتركيا لحساب إسرائيل وهذه هي المعركة التي سينهزم فيها بدليل نداء النبي صلى الله عليه وسلم لعباد الله الذين سيتصدون له متحدين لهذه الجيوش قائلا : يا عباد الله فاثبتوا ثلاث مرات ، وليس هؤلاء العباد لله الذين يناديهم الحبيب المصطفى سيدنا وسيد ولد آدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا العراقيين شعبا وجيشا ورئيسا لتفردهم بالوقوف في وجه الجبت والطاغوت ، لا يثنى من عزيمتهم ولا يلين قناتهم خذلان من حولهم وإذعانهم لقوى الشر والبغ

 

إلى صفحة المقالات