رسالة شوق إلى صدام حسين

قال تعالى : لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما

شبكة البصرة/المجد

 أما أنا فلا اخلع صاحبي، ولا انكر رفيقي، ولا اخون موقفي، ولا انقض عهدي، ولا اخلف وعدي، ولا الغي بيعتي، ولا ابيع قناعتي، ولا انقلب على نفسي، ولا احرف الكلم عن مواضعه، ولا اترك لصدمة سقوط بغداد المفاجئ ان تقتادني الى مواقع الخائبين والتائبين وكتاب المارينز.

فسلامي لك يا صدام حسين، وقلبي معك في السراء والضراء، وثقتي فيك مطلقة بلا حدود، وتعلقي بك يتزايد ولا يتبدد، وحرصي عليك يكبر ولا يصغر، وبيعتي لك خالصة لوجه الله والعروبة، ووقوفي الى جانبك ثابت لا يتغير، وقلمي موقوف عليك مادمت رهين المحنة، واسير الشدة، ونزيل الكهوف والاقبية والاوكار، وليس القصور والفنادق والمنتجعات.

ستبقى - يا ابا عدي - في خاطري سيفاً لا يصدأ، وقمراً لا يغيب، ووعداً لا يموت، وعزماً لا يلين، ورمزاً لا يسقط، واملاً لا يخبو، وفارساً لا يكبو، وثائراً لا يناله التعب، وعلماً لا يكف عن الخفقان، ونهراً لا يتوقف عن الجريان، وبطلاً لا يغادر بطولته من المهد الى اللحد.

ستبقى في خاطري مناضلاً ضل طريقه الى الحكم، ومقاتلاً اغتصبته مكرهاً عرائس السلطة، وبعثياً وضعته الاقدار على عرش الدولة، وكادحاً وجد نفسه مكبلاً في سجن الثروة، ورومانسياً جنت عليه طبيعة العراق القاسية، وزاهداً زين له المنافقون والمصفقون سبيل الفردية والاستبداد.

بئس من انكروك قبل صياح الديك، ومن طعنوك بخنجر الغدر في الظهر، ومن باعوك للاعداء بابخس الاثمان، ومن اكلوك لحماً ثم رموك عظماً، ومن صانعوك قوياً ثم فارقوك ضعيفاً، ومن هرعوا اليك غنياً وهربوا منك فقيراً، ومن تظاهروا لك بالحب والحرص ثم ظهروا على حقيقتهم المنحطة.

بئس اقاربك ورفاقك واعوانك الذين اساءوا اليك، وتآمروا عليك، وتبرأوا منك، وتخلوا وقت الشدة عنك، مع انك صانعهم، والمحسن اليهم، والمنعم عليهم، والممكّن لهم في البلاد والعباد دون وجه حق .. بدءاً من حسين كامل، وانتهاء بسفيان التكريتي وبقية الزمرة الخائنة التي ستتكشف حقيقتها يوماً بعد يوم، وتضاف اسماؤها القذرة الى قائمة ابن العلقمي، وابي رغال.

ليس الوقت وقت عتاب يا ابا عدي، ولسنا نكتب اليوم معاتبين بل مناصرين ومؤازرين، ولكن الحق احق ان يقال في احلك الظروف، واصعب الاوقات .. فليس اسوأ من تحويل الدولة الى عشيرة، سوى تحويل العشيرة الى دولة، وليس اسوأ من تكبير صغار الاقارب والانجال والاخوان والامعات، سوى تصغير الكبار من اصحاب الضمائر والعقول والخبرات والكفاءات، وليس اسوأ من قتل الروح النقدية، والمعارضة السياسية، والمشاركة الشعبية، سوى الاعتماد على الاجهزة الامنية، والهياكل البيروقراطية، والولاءات الشخصية، والجمل الثورية الفارغة.

ليس الوقت وقت عتاب يا سيادة الرئيس، ولكن صديقك من صدقك، وقد سبق ان صدقتك القول عام ،1980 حين كتبت لك في جريدة » الدستور « مقالاً ادعوك فيه الى وقف الحرب ضد ايران، وايجاد قواسم مشتركة معها، تمهيداً للوقوف معاً في وجه اسرائيل .. ولكن المنافقين والكذابين صوروني لك عدواً، واشتكوني الى المرحوم الملك حسين، واثخنوني بجراح التشكيك والاتهام .. وها هي الايام تثبت، بعد نيف وعشرين عاماً، انني كنت على حق، وانني مازلت حريصاً عليك، بينما ذهبوا هم الى مزابل الامريكان.

اخرج، ايها الرجل الشجاع، في الناس رافعاً صوتك في نقد المرحلة السابقة .. عاقداً عزمك على اجراء مراجعة شاملة وامينة لتجربتك في الحكم .. واعداً شعبك بصدق واخلاص بتشكيل قيادة جماعية لنشر الحرية والتعددية والديموقراطية الوطنية في ربوع العراق، بعد دحر الاحتلال واستعادة الاستقلال.

اخرج في الناس، معلناً ان الشعب العراقي بكل مكوناته هو اقاربك، وهو عشيرتك، وهو حزبك، وهو _جيشك، وهو موضع ثقتك، ومناط رجائك، ومحل اعتزازك .. فلا فضل لعربي على كردي، او لسني على شيعي، او لمسلم على مسيحي، او لتكريتي على بصراوي .. فالدين لله والوطن للجميع.

اخرج في الناس، مؤذناً بالمصالحة الوطنية الشاملة، وداعياً لاستعادة وحدة الصف والهدف، ومؤكداً على سلامة الجبهة الداخلية، ومنادياً على جماهير شعبك العراقي وامتك العربية، ان حي على الجهاد .. حي على الجهاد، فالعراق في محنة، وترابه الوطني قيد الاحتلال .. ولسوف ترى، يا ابا عدي، كيف يخرج الناس اليك زرافات ووحدانا، ويأتونك على كل ضامر من كل فج عميق، ويقبلون عليك طوعاً وبمحض ارادتهم واختيارهم، وليس كرهاً بفعل الاوامر والاملاءات.

سترى ان الشعب العراقي مازال ابياً ونقياً وعصياً على الاحتلال، فرغم جراحه على ايدي جلاوزة حكمك، وحثالات اقاربك، الا انه عاجلاً او آجلاً سوف يمتشق السلاح، ويقارع تحت قيادتك علوج الانجليز والامريكان، وينتخي لك ويلتف من حولك، بعد ان غادرت قصور الحكم الى صفوف الشعب، وهجرت بهارج السلطة الى مواقع النضال، وخلعت ملابس العز والسلطان، ولبست مجدداً جلبابك الثوري.. فامثالك من العظماء يصلحون لقيادة الثورات اكثر من رئاسة الدول والحكومات.

سترى، يا رفيقنا ابا عدي، ان امتك العربية مازالت بخير، وان جماهيرها الشعبية مازالت منحازة اليك، ومستعدة للقتال الى جانبك، ومسكونة بالوجع على سقوط عاصمتك، ومدججة بالغضب على حكامها المتآمرين عليك، ومعبأة بالحقد على قوى الاثم والعدوان في امريكا وبريطانيا واسرائيل .. ولعلك قد عرفت كيف استأسد المتطوعون العرب في مواجهة المعتدين، وكيف قاتلوا دفاعاً عن ثرى العراق اكثر حتى من ابنائه العراقيين.

ما قيمة العربي، يا ابا عدي، اذا لم يقاتل ؟؟ ما معنى العروبة الا دفع الاذى وامتشاق الحسام ؟؟ ما فحوى التاريخ العربي غير سطور المعارك والمواقع والايام .. ايام لنا وايام علينا ؟؟ ما اهمية الذاكرة العربية اذا لم تحفظ اريج ذي قار، والقادسية، واليرموك، وذات الصواري، وحطين، وعين جالوت، وميسلون، والقسطل، والفلوجة، وام قصر ؟؟ وهل نعمت المنطقة العربية بالامن والسلام والراحة منذ عهد الاسكندر المقدوني حتى زمن بوش الامريكي، ام انها ظلت على مدار الايام والاعوام، مرجلاً للصراع والنزاع والقتال والنزال ؟؟

ولعل من حسن حظك يا ابا عدي، بل لعله من طبائع الامور، ان تتكشف سريعاً مزاعم الاعداء، وان يكشروا عاجلاً عن انيابهم واطماعهم، وان يقعوا خلال شهرين فقط في سلسلة من الخطايا والاخطاء، وان يضعوا انفسهم مباشرة في مواجهة اوسع كتلة شعبية عراقية .. فقد جاءوا محررين ثم تكشفوا باعترافهم وتعريف الامم المتحدة لهم، عن محتلين .. جاءوا لكشف اسلحة الدمار الشامل ثم تكشفوا عن حفاري قبور يداهمون المقابر، ويستعرضون العظام النخرة .. جاءوا لنشر الحرية والديموقراطية ثم تكشفوا عن ناهبي متاحف، وحراس ابار نفط، ومتعهدي فوضى وقتل ولصوصية واغتصاب.

خلال شهرين فقط من عمر الاحتلال، بات العراقيون يتحسرون على ايامك، ويستذكرون الامن والكفاية والانضباط في عهدك، ويتألمون من بطش الاعداء المحتلين، وزيف فصائل المعارضة العميلة، وتسلط عصابات البيشمركة الكردية الفاشية التي لم تتورع عن الاقتداء باسرائيل في اجلاء السكان العرب عن الموصل وكركوك وباقي مدن وبلدات الشمال العراقي، وذلك في واحدة من ابشع عمليات التطهير العرقي التي استفزت المشاعر العربية في مشارق الارض ومغاربها.

المجد لك، يا رفيقنا الغالي، وانت تربض كالليث في سويداء المغاور والسراديب .. وانت تقتدي بمسيرة الرسول الاعظم اذ هو وصاحبه في الغار .. وانت تحوم كالنسر في فيافي الصحراء واعالي الجبال .. وانت تستكمل تجربة جيفارا وهوتشي منه وماوتسي تونج في حرب الانصار والعصابات .. وانت ترفع بصدق واعتزاز مقولة عبد الناصر الخالدة .. » ما اخذ بالقوة، لا يسترد بغير القوة «.

_وسلامي لك يا اغلى الرجال، وقلبي معك في السراء والضراء، وليتني الى جانبك وانت تكابد المصاعب والمشقات .. فقد سبق ان ايدتك حاكماً، فكيف اتخلى عنك ثائراً .. سبق ان ناصرتك مستبداً، فكيف اتخلى عنك مجاهداً .. سبق ان آزرتك حليفاً للحكام، فكيف اتخلى عنك حليفاً للجماهير .. سبق ان ساندتك وانت في غنى عني، فكيف اتخلى عنك وأنت قد تحتاجني .. سبق ان باركتك وانت تتحدى امريكا في عقر دارها، فكيف اتخلى عنك وانت تتصدى لها في عقر دارك ؟؟

وبعد .. أعلم، يا سيادة الرفيق الرئيس، ان هذا المقال قد لا يصلك بحكم صعوبة الاتصالات، ولكنني أردته بياناً للناس، حتى لا تتوهم أمريكا أن فضيلة الوفاء والمروءة والثبات قد انقرضت بين العرب، فباتوا تائهين وتائبين وراقصين فقط على انغام امريكية.

إلى صفحة المقالات

 

 

المصدر : http://www.albasrah.net/maqalat_mukhtara/majd_23102003.htm