صور شيطانية

بقلم : محمـود شنب

mahmoudshanap@yahoo.com

قال تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ "

 

في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تم تأمير أسامه بن زيد على جيش المسلمين وكان عمره سبعة عشر عامًا ، وكان يضم الجيش بين صفوفه العديد من الصحابة والمبشرين بالجنة ، ومن بينهم أبو بكر وعمر .. لم يعترض أحد على ذلك ، ولم ينقص ذلك من قدر الصحابة شئ .. لم يستطع الشيطان أن يتسلل إلى قلب أبو بكر أو عمر أو أى أحد من الصحابة فى اللحظة التى شاهدوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يولى عليهم شاب صغير يبلغ من العمر سبعة عشر عامًا .. لم يكن هناك مجالاً للخطأ أو الفتنة أو الاعتراض ولا مكانـًا للغضب أو التأفف أو الاستعلاء ... لقد قال الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : (( سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير )) .

وتلك عظمة بالغة تحتاج منا لمجلدات وإلى وقفات من التأمل والتمعن والتدبر لاستخلاص الحكمة ، فالفضل بيد الله يمن به على من يشاء من عباده ، وكل ما يحدث فى الكون هو اختبار للتقوى وامتحان للنفوس ، ولنا أن نتخيل أبو بكر الصديق الذى قال عنه رسولنا الكريم : (( لو وزن إيمان الأمة وإيمان أبو بكر لرجح إيمان أبو بكر )) ، وكذلك عمر بن الخطاب الذى كان يفر الشيطان من أمامه ويخلى له الطريق بعد أن ملأ الدنيا عدل ورحمة .. هؤلاء العظام يقودهما شاب لم يتجاوز السابعة عشر من عمره .. لا إلى نزهة أو إلى استعراض وإنما إلى ميدان قتال وإلى معركة أى خطأ فيها سيكلف الكثير .. لم يعترض أحد ، ولم يقلل من شأن أسامه بن زيد صغر سنه .. الجميع عاش تحت مظلة الآية الكريمة (( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن تكون لهم الخيره )) .

الإسلام ليس مرجعيات ولا زعامات ولا أسماء ما أنزل الله بها من سلطان ..

الإسلام جهد وعطاء وفضل من الله يمن به على من يشاء من عباده ..

واليوم يوجد فى العراق شاب صغير رفيع المنزلة عظيم القدر يدعى سماحة الشيخ مقتدى الصدر .. هذا الرجل أبلى بلاءً حسنـًا ودافع عن المقدسات وزاد عن الأعراض واستطاع بقليل من الرجال والسلاح تمريغ أنف أمريكا فى التراب .. استطاع أن يصمد ويقاتل ويحرض المؤمنين على القتال ، رغم تهديد شعلان له بالحرق والسحق والنسف ..

هذا الرجل خذله السستانى بعد أن علا نجمه وذاع سيطه وقدم البرهان الكامل على صدق إيمانه وقوة عزيمته ، ووالله الذى لا إله غيره لو قدر للإمام على ـ كرم الله وجهه ـ أن ينطق فى هذا الأمر لقال : أنا مع الصدر ولست مع السستانى .. أنا مع الحق ولست مع الباطل .. أنا مع أهل العراق ولست مع أهل الكفر...

ما كان لأحد فى العراق أن يخذل هذا الرجل ، وكان على الجميع أن ينخرط تحت لواء هذا الشاب بما فيهم السستانى نفسه ، فليس السستانى أفضل من أبو بكر أو عمر .

لقد كان الصدر فى أمس الحاجة لم يحالفه ولا يخالفه .. كان فى أمس الحاجة لمن يمده بالدعم والسلاح ويوسع له دائرة المقاومة ولا يضيق عليه دائرة الاختيار والحصار ، ولقد كان عجيبًا أن تصمت المرجعية الشيعية ولا تنطق بكلمة واحدة وهى ترى قبر الإمام على يقصف والصحن الحيدرى يدك والنجف يتهدم والدماء تسيل فيه أنهارًا ... لقد تقدم أهل السنه وسارعوا بمساندة الصدر ـ المحسوب على الشيعه ـ وأصدروا بيانهم العظيم بتحريم القتال إلى جانب أمريكا ومطالبة قوات الاحتلال بالخروج من النجف الأشرف ووقف القتال .. لقد سدوا ثغرة تركتها المرجعية الشيعية التى لم تحرك ساكنـًا ، وأنا هنا أجد مرارة بالغة عند استخدامى لتعبير شيعه وسنه ، فكلنا مسلمون ولا فرق بين شيعى وسنى ، وما يجمعنا أكثر مما يفرقنا ، لكننى مضطر لاستخدام هذا المصطلح الذى فرضه الواقع علينا بعد أن خذلتنا المرجعية الشيعية ولم تلتفت إلى حجم الدمار والخراب واستباحة حرمات النجف الأشرف ومقدساته .

لقد قدم السستانى هدية العمر لأمريكا بإيقافه القتال فى النجف وباقى المدن الأخرى .. لقد كانت أمريكا فى أمس الحاجة إلى مهلة تلتقط فيها الأنفاس وتعيد ترتيب الأوراق وتنظف صفوف العملاء وتقوى أوتادهم وأقدامهم ، ولقد مكنهم السستانى من ذلك من حيث يدرى أو لا يدرى ، ولقد كان صمت المرجعية الشيعية واضحًا منذ بداية الاحتلال الأمريكى للعراق ، وهذا الصمت المشبوه كان يمثل أكبر علامات الإستفهام ، ولإيران دور هام فى ذلك سنوضحه فيما بعد ، ولكن أن يصل الصمت إلى هذا الحد وقد وصل الخطر إلى العتبات المقدسة فهذا هو البلاء المبين .

إن أمريكا رغم كل ما بها من عيوب إلا أنها تملك فى الخيانة عينـًا ثاقبة قليلاً ما تخطئ الهدف .. إنها تتحسس الخونه مثلما يتحسس الأعمى الطريق وتبحث عنهم بحثها عن اللؤلؤ والمرجان .. تبحث بعناية عن طيور جائعة تنظف لها الأسنان بعد التهام الفرائس ، وفى البيت الأبيض تحتفظ أمريكا بصورة أصلية للشيطان .. هذه الصورة تستنسخ منها كل حين صورة جديدة لا تختلف كثيرًا عن الأصل .. كمال أتاتورك .. أنور السادات .. الملك حسين .. برفيز مشرف .. كرزاى .. حسنى مبارك .. خادم الحرمين .. الملك عبدالله .. جابر الأحمد .. جلال طلبانى .. مسعود برزانى .... صور عديدة تم استنساخها وتوزيعها على بلاد خضعت رقابها للسيف الأمريكى .. هذه الصور تـُعلق الآن على الجدران وتقول بلسان فرعون ( أنا ربكم الأعلى ) ولا توجد مصلحة أو هيئة أو مؤسسة أو جامعة أو مدرسة فى بلادنا العربية لا تعلق فيها صورة من هذه الصور لتذكر كل من تسول له نفسه بإحداث فتنة أو تغيير بأن صاحب الصورة قريب وغير بعيد وانه يرانا من حيث لا نراه حتى ولو كان أعمى وأبكم وأصم .

وضعت أمريكا فى كل بلد عربى صورة من هذه الصور وقالت صورة واحدة تكفى لحكم هذا البلد ، وكان العراق هو الاستثناء الوحيد فى ذلك حيث استنسخت من الشيطان مئات الصور .. بل آلاف الصور.. بل عشرات الآلاف لتتمكن من تغطية أرض العراق .. طبعت فى البداية نسخ بدائية جاءت على عَجَل لأعضاء هلافيت كتبت على ظهورهم "أعضاء مجلس الحكم المؤقت" ثم مزقتهم وطبعت نسخًا أكثر عدوانية للياور وعلاوى وشعلان وقاسم داوود وفلاح النقيب ومحافظ النجف وآخرون يصعب حصرهم ، وبعد أحداث النجف كانت الطامة الكبرى حيث أزاحت أمريكا الستار عن صورة كبيرة يتوسطها آية الله العظمى على السستانى ، وبعد أن شاهدها الجميع ثبت الكل فى مكانه وأصيب الجميع بالذهول ، فهتف قائل: ما الغرابة فى ذلك ؟!! ... ألم يسبقه إلى الخيانة أرفع منصب إسلامى على مستوى العالم .. ألم يسبقه شيخ الأزهر ؟!! .. وقال آخر : إن السستانى ليس عراقى .. إنه من قرية سستان التى تقع على الحدود الايرانية العراقية ، وقال ثالث : فليفتش كل منا فى نفسه لعل الخيانة تسكن جوفه !!

لقد كان آية الله العظمى على السستانى بمثابة اللغز المحير منذ بداية الغزو الأمريكى للعراق .. لم يكن للرجل مواقف واضحة ولم نراه حازمًا فى قول أو فعل .. ظل غامضًا لا يتفاعل مع الأحداث ، وقبل أن نتعرض لمواقف الرجل فإننا نؤكد بداية أننا لا نشكك فى علمه ولا إيمانه وكذلك لا ننزع عنه أى صفة عُرف بها أو فضيلة كان أهل لها ، فنحن لا نملك الحق فى ذلك ولا نملك الدليل ، لكن حكمنا عليه أتى من استقراء المواقف والأحداث على مدى عام ونصف العام من احتلال العراق .

لقد صور لنا السستانى عند كل نازلة ألمت بالشعب العراقى أنه يدرس المواقف بعناية ويضع الخطوط الحمراء لقوات الاحتلال ، وأن هذه الخطوط تشمل المدن والأماكن المقدسة وعلى رأسها النجف ومرقد الإمام على كرم الله وجهه ... بعد ذلك ارتفعت وتيرة الأحداث وتزايدت حجم الجرائم الأمريكية فى العراق مرورًا بأحداث سجن أبو غريب ووصولاً إلى تفجيرات المساجد والكنائس وقتل الأبرياء من خلال القصف العشوائى المتواصل على مدن وقرى العراق ... كل هذا يحدث ولم يحرك السستانى ساكنـًا إلى أن وقعت أحداث النجف الأولى وقامت القوات الأمريكية بمهاجمة المدينة وحصارها من كل جانب ، ولم يتحرك السستانى ، وتساقطت القذائف الأمريكية على الصحن الحيدرى وقريبًا من مرقد الإمام على ، وظل السستانى صامتـًا يدرس الموقف ، وبعد فترة من القتال هدأت معارك النجف لكنه كان الهدوء الذى يسبق العاصفة ، حيث رتب شعلان وعلاوى وقاسم داوود وفلاح النقيب لهجوم كاسح يقضى على كل صور المقاومة فى النجف ، ولأول مرة تشارك القوات العراقية القوات الأمريكية فى ضرب العراقيين ، وأصبحت المعارك تدار من شارع إلى شارع وضربت المدينة القديمة وقصف الصحن الحيدرى وأصيب جزء من مرقد الإمام على ، ومازال السستانى يتفرج ، ولكن فى هذه المرة كانت الفرجة من لندن حيث ترك النجف عشية القصف وذهب إلى بيت العنكبوت ليتعالج ويجرى فحوصات حسبما قالت وكالات الأنباء ، لكن الغريب فى الأمر أن كل مرجعيات الشيعه تركوا النجف فى نفس التوقيت ، حيث سافر السستانى إلى لندن ، وطار محمد سعيد الحكيم إلى ألمانيا ومعه اسحق فياض وطار بشير النجفى الى إيران ، وتركوا مقتدى الصدر وحيدًا يقاتل القوات الأمريكية والشرطة العراقية والحرس الوطنى .. هذا الخروج الجماعى لم يكن مصادفة فقد تم الاتفاق على عدم إحراج المرجعيات الشيعية وعلى رأسها السستانى لحظة الانقضاض على النجف ، وصورت لهم الإدارة الأمريكية وحكومة العملاء أن العملية لن تستغرق أكثر من ساعات أو ليلة واحدة على أكثر تقدير يتم فيها سحق قوات جيش المهدى وأسر أو قتل مقتدى الصدر ، ودارت معارك النجف وصمد جيش الإسلام وامتدت المعارك من يوم إلى أسبوع ومن أسبوع إلى أسبوعين ومن أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع ، وعندها تأكدت القوات الأمريكية استحالة الانتصار فى معركة خطط لها الصدر جيدًا وساعده فيها الاحتماء بالمدينة القديمة والأماكن المقدسة ، وهذه المعارك لم تـُغطى إعلاميًا لصدور قرار من الحكومة العراقية بسرعة مغادرة رجال الصحافة والإعلام من مدينة النجف .. لم يكن القرار صادرًا بسبب رغبة أمريكا والعملاء فى عدم تغطية جرائمهم فى النجف مثلما تصور البعض وإنما من أجل عدم الكشف عن خسائرهم لدى الرأى العام العربى والأمريكى .

إن معركة النجف بقيادة الصدر ستظل من معارك الإسلام الخالدة التى أبلى فيها المسلمون بلاءً حسنـًا وتفوقوا على عدوهم فى كل شئ رغم نقص العدد والعدة .. يقول الأستاذ مصطفى بكرى فى الأسبوع ( العدد 389 فى 23 أغسطس 2004 ) : ( بدا الرئيس جورج بوش زائغ العينين ، تائه النظرات، قرأ حوالي 12 تقريرا ميدانيا تم رفعها إليه من قادة عسكريين ميدانيين في النجف.. كان الذهول يبدو واضحا علي وجه الرئيس، دعا علي الفور إلي اجتماع عاجل لبعض القيادات العسكرية وكبار مساعديه.

كانت التقارير مرعبة.. القوات الأمريكية تخوض حربا شرسة في مواجهة رجال المقاومة وجيش المهدي.. إن لديهم قدرة فائقة علي التخطيط، والكر والفر، إنهم يشنون حرب عصابات مؤلمة، لقد أوقعوا مئات القتلي والجرحي من رجالنا.. إن حرب الشوارع الحقيقية قد بدأت بالفعل، وأن شراسة المقاتلين العراقيين تجبر الأمريكيين علي التراجع.

أمسك الرئيس بوش بتقرير آخر: لقد أسر رجال الصدر اثنين من كبار القادة العسكريين الميدانيين إضافة إلي ثلاث مجندات أمريكيات تم فقدهن فجأة.. بل حتي وحدة الكوماندوز المكونة من 500 جندي والتي تم تدريبها في الشهور الماضية علي حرب الشوارع فقدت هي الأخري نحو مائة من رجالها.

قال بوش : إن التقارير تقول إنه نظرا لضخامة أعداد القتلي في هذه العملية تقرر أن تقوم كتيبة خاصة بإجلاء الجثث من ميدان المعارك التي استمرت سبع ساعات متواصلة وأنه في ضوء الحالة الصعبة والهزيمة التي لحقت بقواتنا تم عزل قائد الكوماندوز في هذه العملية 'فريدي ماكفرو' ......... تلك هي الحالة الحقيقية للاوضاع الراهنة في النجف، فالصمود الأسطوري لقوات المقاومة وجيش المهدي حتي الآن في النجف لهو دليل قاطع علي أن ما تبثه وكالات الأنباء من أخبار لا تعكس الواقع الحقيقي الجاري علي الأرض.

في النجف يجسد المقاومون الآن ملحمة حقيقية تذكرنا بملحمة صمود الحسين برجاله الذين لم يزد عددهم علي 72 من الأهل والمصاحبين في مواجهة جيش جرار زاد عدده علي الأربعة آلاف شخص ) .

فى هذا التوقيت الصعب ظهرت الحاجة الملحة لتدخل السستانى وحفظ ماء الوجه وإنهاء القتال فكانت المبادرة المشئومة التى جاءت من ذئاب الجبل وارتضى بها الصدر لكونها من أعلى المرجعيات الشيعية بالعراق .

مبادرة السستانى للأسف كتبها علاوى ووافقت عليها أمريكا وجاءت صورة طبق الأصل من المبادرات السابقة لشعلان وعلاوى وباقى عصبة الأشرار والتى رفضها الصدر حيث تقضى بإلقاء السلاح وتسليم الصحن الحيدرى وتفكيك جيش المهدى وتمكين الشرطة العراقية ـ التى كانت تحارب إلى جانب القوات الأمريكية ـ من مسئولية ضبط الأمن بالنجف .

لقد خان السستانى فى وقت كانت فيه الحكومة العراقية والقوات الأمريكية فى أمس الحاجة لتلك الخيانة .. لقد اعترف بوش فى انكسار وذل ولأول مرة منذ غزوه للعراق بأنه أخطأ الحسابات ، ونشرت ذلك صحيفة النيويورك تايمز صبيحة الجمعة الفائتة .

هذه الأمور سوف يكشف عنها بالتفصيل مستقبلا لأن أمريكا لا تصبر كثيرًا على العملاء ، وما فعلته مع أحمد الجلبى لابد أن يتكرر مع السستانى وأتباعه .. هذا الكلام ليس اجتهادًا منى ، لكنه واقع أفرزته المواقف والأحداث .. لقد نقلت وكالات الأنباء عن مصدر أوروبى قوله : ( ان أمريكا نجحت فى إقناع المرجع الشيعى على السستانى بمغادرة العراق قبل محاولتها القضاء على الصدر وأتباعه ) وتقول الأستاذة سناء السعيد : ( لقد كان من الطبيعى أن يكون للصدر شعبيته الكاسحة لاسيما وقد ظهر التباين الكبير بينه وبين زعامات المرجعية الشيعية فى العراق ممن تجاوزوا عمرهم الافتراضى والتزموا الصمت المشبوه الذى كشف تواطؤهم مع الاحتلال للتخلص من مقتدى الصدر بعد أن كشف عورة الزعامات الخانعة وفضح تورطها مع الاحتلال فى اقتحام النجف ) .

هذا الكلام إن صح ـ وهو صحيح ـ فإنه يمثل كارثة حاقت بالشعب العراقى لأنه يكشف النقاب عن دفعة جديدة من الخونة تعمل لصالح أمريكا فى الخفاء ، وإن صح هذا أيضًا ـ وهو صحيح ـ فإنه يفسر لنا تخاذل مرجعيات الشيعه وتقاعسها عن تلبية نداء المقاومة التى أشعلها المثلث السنى مع بداية الاحتلال ولم تجد أدنى مساندة من المرجعيات الشيعية ، وأكاد أجزم بعد كل هذه الحقائق أن اتفاق قد أبرم بليل بين المرجعيات الشيعية وعلى رأسها السستانى وبين القوات الأمريكية عن طريق إيران قبل الغزو الأمريكى للعراق ، وبموجب هذا الاتفاق تضمن أمريكا حيادية الشيعه وتقديم بعض الخدمات كتلك التى قدمها برزانى وطلبانى فى أيام الحرب الأولى ، وقد كشفت إيران عن ذلك حيث كشف رئيسها محمد خاتمى هذا الأسبوع عن الدور الإيرانى فى الحرب الأمريكية على كل من أفغانستان والعراق وقال : ( لولا موقف إيران الإيجابى ما استطاعت أمريكا غزو العراق أو أفغانستان ) مؤكدًا بهذا الإعلان أن مصالح إيران لم تعد تحكمها الشريعة بقدر ما أصبحت تحكمها المصالح .... ولماذا نذهب بعيدًا وأمامنا فتوى المرجعية الشيعية التى صدرت من منزل السستانى فى أول اجتماع لها بعد المبادرة المشئومة حيث قالت : ( إن المرجعيات الشيعية تؤكد على معارضتها لحمل السلاح ومقاومة قوات الاحتلال فى العراق ) .. إنها الفتوى الكارثة التى قطعت الشك باليقين ، وعلى كل القوى الفاعلة فى العراق أن ترتب أمورها من الآن فصاعدًا وفق هذا النهج الجديد لبعض مراجع الشيعه فى العراق .

عندما يخون العلماء تكون خيانتهم عظيمة ، وعندما تخون المراجع تكون خيانتها مريبة ، ولدينا فى مصر تجارب مريرة فى هذا الشأن عايشناها مع الدكتور سيد طنطاوى شيخ الأزهر الذى أضله الله على علم بعد أن خان عِلمه ودينه وعاش فى تملق دائم للسلطة والحاكم .

إن للوطن أبناء ، وللإنسان أولاد وأحفاد ، وكل فرع ينتمى لأصل ، وعندما يقول تعالى : (( إن من أولادكم وأزواجكم عدو لكم فاحذروهم )) فإننى أشعر أن الآية الكريمة تمتد لتشمل التحذير من أبناء الوطن مثلما شملت التحذير من أبناء الأسرة الصغيرة ، وفى كل بلد من بلادنا العربية مجموعة من الأبناء فقدوا الطريق وغدروا بكل شئ وعاشوا فى ظل الخيانة وكنف العدو ، وفى العراق يعيش الآن العديد من أبناء الخونه الذين جلبتهم أمريكا من كل أقطار الدنيا ليكملوا جسد الخيانة بعد أن طوقت العراق من الخارج بدول خائنة حَشـَـته من الداخل بكل أشكال الخونة واللصوص والعملاء ، فليحذر العراقيون من كل خائن وضيع ، فقد تحملوا ما لم تتحمله أمة من الأمم .. تحملوا الحصار وتحملوا القصف وتحملوا القتال ، وليس من العدل أن يصوموا الدهر ليفطروا فى النهاية على بصلة السستانى أو علاوى !!

إن أمريكا تحتمى بالخونة مخافة الفشل والهزيمة ، وربما لا يعرف الكثيرون أن أمريكا لم تنتصر عسكريًا فى حرب واحدة بدون الخيانة .. إن لديها عقدة من الفشل جعلتها تقدم على الاحتماء بالخونة والعملاء .. إنها أشبه بالخنازير التى لا تتغذى إلا على القاذورات وزبالة المجتمعات .

لقد ترك السستانى يد مقتدى الصدر ووضعها فى يد شعلان الذى هدد العراقيين بقطع الأيادى والرؤوس ووصف عمليات المقاومة التى تستهدف القوات الأمريكية بأنها عمليات إجرامية وإرهابية واصفـًا المجاهدين بالأوغاد والمجرمين ، وتوعدهم بالطرد من كل أجزاء العراق ... لقد قال بالحرف الواحد عن مقتدى الصدر وأعوانه : ( إن الأوغاد فى النجف ليس أمامهم إلا القتل أو الاعتقال ) .

نحمد الله على أن الصورة فى العراق ليست قاتمة تمامًا ، فمازال فى العراق الخير الكثير .. لقد استقال 16 عضوًا من أعضاء المجلس المحلى لمدينة النجف ، واستقال نائب المحافظ ، وانضمت أفواج عديدة من قوات الحرس الوطنى إلى جيش المهدى وقاتلت معهم جنبًا إلى جنب ضد قوات الاحتلال الأمريكى ... كيف أغفل السستانى كل ذلك ومد يده للقتلة والجزارين أمثال علاوى وشعلان وداوود والنقيب ومحافظ النجف .. كيف لم يستثمر بطولات مقتدى الصدر وثورة الشيعة والسنة فى جنوب وشمال العراق ؟!!

يقول "شكسبير" فى مسرحية "يوليوس قيصر" : ( يا لها من سقطة أيها المواطنون شملتنا جميعًا أنا وأنتم بينما كانت الخيانة تترعرع فوق رؤوسنا ) .

يا عراق المجد صبرًا طويلاً فمازال أحفاد أبو رغال يملئون الكهوف والجبال ..

يا عراق الأمل صبرًا جميلاً فمازال الطريق وعرًا وطويلاً ، وبالمقاومة وحدها سوف يأتى النصر وسوف يتحرر شعب العراق الذى نبت من أرض طاهرة رويت بأطهر الدماء .... بسم الله الرحمن الرحيم (( فأما الزَبَد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض )) صدق الله العظيم .

إن الخطر على العراق بدأ بأصابع أجنبية ـ أمريكا ودول الشر ـ ثم اقترب وصار بأصابع إسلامية ـ إيران ـ ثم اقترب وصار بأصابع عربية ـ مصر ودول الجوار العراقى ـ ثم اقترب وصار بأصابع عراقية ـ الحكومة العراقية برئاسة علاوى ـ حتى وصل إلى القلب ووقف على أعتاب مرقد الإمام على ، ولم تعد هناك مسافات للحركة إلا من خلال التمسك بالجهاد وبالقرآن والسنه ، والله المستعان على ما يصفون .

 

زمن العـار

أمريكا تطالب سوريا بالانسحاب من لبنان ، ولا أحد يطالب أمريكا بالانسحاب من العراق أو أفغانستان!!

 

إلى صفحة المقالات