مجزرة صبرا وشاتيلا

قال تعالى : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ

 
 تفاصيل المجزرة:

المكان: في صبرا وشاتيلا
الزمان: الاربعاء 15 الى السبت 19 ايلول / سبتمبر1982م.

- الأربعاء 15 أيلول/ سبتمبر

الخامسة صباحا: الجيش الاسرائيلي يتقدم على اربعة محاور:

من المطار الى مستديرة شاتيلا
من السفارة الكويتية نحو الفاكهاني
من المرفأ نحو فندق النورماندي
من المتحف في اتجاه كورنيش المزرعة

أما الحجة التي تذرع بها الاسرائيليون فهي حماية السكان في بيروت الغربية من اعمال انتقامية محتملة تقوم بها الميليشيات بعد اغتيال بشير الجميل.

السادسة عصرا: الدبابات الاسرائيلية تتمركز عند المفارق الرئيسية كما تطوق صبرا وشاتيلا من الجنوب والغرب والشرق. الجهة الرابعة هي جهة حي الفاكهاني. أقام الجيش الاسرائيلي مقر قيادته في بناية من ثماني طبقات على بعد خمسين متر من المخيم.

- الخميس 16 ايلول / سبتمبر

الخامسة صباحا: الطائرات الاسرائيلية تحلق مجددا في سماء بيروت الغربية فتلقي الرعب في نفوس السكان.

السابعة صباحا: الدبابات الاسرائيلية تتقدم في رأس بيروت والحمرا والمزرعة، وقد لقيت مقاومة شرسة من مقاتلي الحركة الوطنية في بعض النقاط. بدأت القذائف الاولى تتساقط فوق مخيمي صبرا وشاتيلا المحاصرين منذ الامس، وكانت تطلقها الدبابات المتمركزة في التلال المطلة على المنطقة.

يراقب الاسرائيليون المخيم المنبسط أمامهم من مركز قيادتهم في أعلى الطبقات الثماني من المبنى القريب من السفارة الكويتية.

سكان المخيم يختبئون في منازلهم. عقد اجتماع ضم الشيوخ والوجهاء في المخيم وقرر هؤلاء الحكماء ارسال وفد الى الجيش الاسرائيلي ليوضح له أنه لم يعد هناك من مقاتلين في المخيمات، وان في امكان الجنود الاسرائيليين التأكد من ذلك بانفسهم، وانه لم يبق سوى المدنيين واكثريتهم من الشيوخ والنساء والاطفال. وقد ضم الوفد اربعة رجال طاعنين في السن، وتوجهوا الى السفارة الكويتية. لم يرهم احد بعد تلك الساعة. وجدت جثثهم بعد ايام بالقرب من السفارة. انهم: ابو محمد البرواني، 60 عاما، احمد حشمه، 64 عاما، ابو احمد سعيد، 65 عاما، بو سويد، 62 عاما.

الثالثة بعد الظهر: تكثيف القصف على صبرا وشاتيلا، والسكان ينزلون الى الملاجئ. في بعض الملاجئ يتكدس اكثر من 300 شخص، والبعض الاخر يلجأ الى مستشفى عكا.

الخامسة بعد الظهر: ازدياد القصف. في مستشفى عكا اقترح احدهم ارسال وفد من النساء والاطفال. لم يكونوا على علم بالمبادرة السابقة، ولا بمصير الوفد. هذا الوفد قاده سعيد، العامل المصري في محطة الوقود، ومعه نحو خمسين امراة وطفلا يحملون العلم الابيض متجهين الى مركز القيادة الاسرائيلية. هؤلاء ايضا لم يعودوا.

الخامسة والدقيقة الثلاثون بعد الظهر: شاحنات وسيارات جيب محملة بالمسلحين في الزي العسكري تمر امام ثكنة هنري شهاب التي يسيطر عليها الجيش اللبناني. يتجهون نحو المخيم، وسرعان ما يلاحظهم اللاجئون الفلسطينيون المقيمون في "بئرحسن" والذين ارتعبوا من رؤيتهم وطلبوا تفسيرات من المركز العسكري الاسرائيلي، فقيل لهم ان لا داعي للقلق، وان عليهم العودة الى منازلهم. لم يطمئنوا وفضلوا تمضية الليل في بناية مهجورة غير بعيدة.

السادسة عصرا: العناصر المسلحة الاولى تتسلل الى حي عرسال جنوبي المدينة الرياضية. انهم مسلحون بالفؤوس والسكاكين، يدخلون البيوت ويقتلون من يجدون داخلها. لا يسمع اطلاق نار. السكان لا يجرؤون على الخروج من بيوتهم، او من الملاجئ بسبب الرشقات المتفرقة والقصف. العناصر المسلحة تتقدم ببطء زارعة الموت وراءها. اجتازت الشارع الرئيسي ودخلت منطقة الحرج. اجبرت الناس على الخروج من الملاجئ، وفصلت الرجال عن النساء والاطفال. اوقفت الضحايا صفا على امتداد الجدران واطلقت النار عليهم.

الثامنة مساء: ارخى الليل سدوله، والسماء بيضاء بسبب مئات القنابل المضيئة. تسمع رشقات غامضة المصدر، لكن لا احد يجرؤعلى الخروج. القناصة يطلقون النار على كل شيء يتحرك. وحدهم الجرحى يحاولون الوصول الى مستشفى عكا.

وصل الجرحى في الليل ورووا ان ثمة مجزرة في المخيم. وهم في معظمهم مصابون برصاص اطلق عليهم عن قرب. في هذه الاثناء يتدفق الجرحى بالعشرات على مستشفى غزة ويخبرون كيف ان المسلحين يقتلون المدنيين، رجالا ونساء واطفالا. تقول الطبيبة السنغافورية "سوي شاي انج" ان نحو ثلاثين قضوا قبل التمكن من اسعافهم. تم اسعاف اكثر من مئة، واجريت لبعضهم عمليات جراحية في المستشفى. وقد ارسل اخرون الى مستشفى المقاصد. طوال الليل وبلا كلل، واصل الفريق الطبي في مستشفى غزة الاهتمام بالجرحى الذين كانوا يصلون في موجات متتالية. من جهة اخرى امتلأ المستشفى باللاجئين الفارين من المجازر. كان هناك نحو الفين منهم مكدسين في الممرات، وفي الطبقة السفلية، وعند المدخل.

- الجمعة 17 ايلول/ سبتمبر

الخامسة صباحا: عند الفجر عاد الى مستشفى عكا بعض النسوة اللواتي كن في عداد الوفد، وكانت شعورهن منفوشة وثيابهن ممزقة بعد ان تعرضن للاغتصاب. وقد قتل العدد الاكبر منهن امام السفارة الكويتية على يد المسلحين. فرغ المستشفى في لحظات، اذ فر من لجأ اليه، ولم يبق سوى الاطباء والممرضين وعدد من الجرحى.

الثامنة والدقيقة الثلاثون صباحا: قتلت ثلاث نساء امام مستشفى عكا. احداهن جرّت نفسها الى المستشفى وقام الممرضون، تحت وابل من الرصاص، بسحب الجثث من الشارع.

الحادية عشرة ظهرا: نادى اثنان من المسلحين على المساعدة الاجتماعية النرويجية ،آن سوندي، وامروها باخراج جميع الاجانب العاملين في مستشفى عكا. فتم بالقوة جمع الفريق الطبي الاجنبي بأكمله: فرنسيين وفيليبينية ونرويجية ومصري وفنلندية وسريلانكية، واجباره على السير حتى مدخل شاتيلا.

رافقه ايضا طبيب الاطفال الفلسطيني سامي الخطيب، وبقيت في المستشفى ممرضة نرويجية واخرى استرالية للاهتمام بخمسة اطفال رضع مصابين بالشلل.

عند مدخل المخيم، كان السكرتير الاول في السفارة النرويجية ينتظرهم، فاصطحب معه في السيارة حاملي الجنسية النرويجية، وقصد المستشفى لجلب الاطفال.

تم اطلاق سائر اعضاء الفريق الطبي باستثناء الطبيب سامي الخطيب، الذي اعيد الى المستشفى حيث اعدم مع طبيب فلسطيني اخر بقي في المستشفى هو الطبيب علي عثمان.

ومن الضحايا الاخرين ممرضة فلسطينية في العشرين من عمرها هي انتصار اسماعيل التي اغتصبت وقتلت، وكذلك الطباخ الفلسطيني الذي قتل مع موظفين اخرين.

بعد مغادرة الاطباء دخل المسلحون المستشفى وراحوا يستجوبون الجرحى. اقتيد جريح شاب في الخامسة عشرة من العمر، هو مفيد اسعد، الى خارج المستشفى حيث اطلقت عليه رصاصة اصابته في عنقه وضرب بالفأس.

في هذه الاثناء كانت المجزرة مستمرة داخل المخيم حيث تمت تصفية عائلات بكامل افرادها من دون تمييز. وكان بينها عدة عائلات لبنانية. فعائلة المقداد اللبنانية من البقاع فقدت 39 من افرادها، معظمهم من النساء والاطفال، وبينهم نساء حوامل: زينب المقداد كانت في الشهر الثامن من حملها، والهام المقداد في الشهر التاسع، ووفاء المقداد في الشهر السابع. كما وجدت ثلاث نساء دون الثلاثين من العمر مقطعات، وقد بقرت بطونهن واخرجت الاجنة ورمي بها بالقرب منهن. زينب ام لستة اولاد، ووفاء ام لاربعة. اما ابنة الهام البالغة من العمر سبعة اعوام، فقد تعرضت للاغتصاب قبل قتلها.

تمت، بكل وحشية، تصفية المحتمين ببعض الملاجئ التي احتشد فيها نحو مئتي شخص، كما جردوا مما في الجيوب ومن الساعات والعقود واقراط الاذان.

وبدأت الجرافات بالعمل: تحمل الجثث وترميها في مقابر جماعية تم حفرها لهذا الغرض، او تهدم مباني لدفن الجثث تحت ركامها.

الثانية عشرة ظهرا: نجح مدير الهلال الاحمر الفلسطيني في الاتصال بمركز الصليب الاحمر الدولي في شارع الحمرا، وطلب تأمين الحماية لمستشفى غزة وللمدنيين المحتمين به، كما طالب بفريق طبي بديل من الفريق الذي انهكه العمل المتواصل طوال 24 ساعة. لكن لم يكن هناك اي استجابة لا من الصليب الاحمر ولا من مستشفى المقاصد الذي تم الاتصال به ايضا، وذلك خوفا من القذائف التي كان الاسرائيليون يسقطونها على تلك الطريق. عاد الهلال الاحمر الفلسطيني وحده الى المستشفى.

الخامسة بعد الظهر: سيارات الاسعاف التابعة للصليب الاحمر الدولي تدخل مخيم شاتيلا جالبة المساعدة للفريق الطبي في مستشفى غزة ( طبيبان وممرضان)، اضافة الى الاغذية والاغطية. وأخرجوا معهم من هم في حالة خطر. وقد حاول بعض النساء عبثا تسليمهم بعض الاطفال، لكن الاجلاء لم يطل سوى الجرحى.

الثامنة مساء: ارخى الليل سدوله والقنابل المضيئة تنير السماء من جديد. بيروت الغربية باكملها باتت تحت سيطرة الاسرائيلية. السيارات المدينة التابعة لاجهزة الاستخبارات الاسرائيلية تجوب المدينة، وقد قامت بالعشرات من عمليات الاعتقال. لا تواصل عمليا بين الضاحية الجنوبية حيث المخيمات وبين سائر انحاء المدينة. والحواجز الاسرائيلية ترد كل من تجرأ على العبور الى تلك النواحي على اعقابه. بدأت اخبار المجازر تنتشر، لكن لم يكن هناك امكان للتأكد منها.

- السبت 18 ايلول / سبتمبر

السادسة والدقيقة الثلاثون صباحا: اقتحم افراد الميليشيا مستشفى غزة وامروا الفريق الطبي الاجنبي بالمغادرة. فاقتيد جميع الاطباء والممرضين (سويديان، فنلندي، دانماركي، اربعة المان، ثلاثة هولنديين، اربعة بريطانيين، اميركيان، ايرلندية، فرنسية) الى مدخل مخيم شاتيلا.

حاول احد التقنيين الفلسطينيين العاملين في المختبر مرافقتهم، لكنه اوقف واقتيد خلف احد الجدران، ثم سمع صوت طلق ناري بعد فترة. في اليوم التالي وجدت جثته في المكان نفسه. يؤكد الطبيب "بيير ميشلومشاغن" الاختصاصي النروجي بتقويم الاعضاء:" رأينا الجرافات تدمر البيوت وتدفن الجثث تحت الركام."

يقول الجراح البريطاني بول موريس ان من المستحيل عدم رؤية ما كان يحدث في المخيم من مركز القيادة الاسرائيلي.

اقتيدت المجموعة بأكملها الى مركز تجمع القوى المهاجمة في مبنى الامم المتحدة بالقرب من السفارة الكويتية، حيث اخضع افرادها للاستجواب قبل ان يسلموا للاسرائيليين.

السابعة صباحا: بدأ المسلحون افراغ مخيم شاتيلا وحي صبرا ممن بقى فيهما من السكان. في الليلة السابقة كانت مجموعة من الرجال حاولت يائسة الدفاع عند مدخل صبرا لجهة سينما الشرق، واوفقوا تقدم عناصر الميليشيا عند السوق. كانت مكبرات الصوت تدعو العائلات الى الخروج من منازلها والتجمع في الشارع الرئيسي. فيخرج المدنيون في هذا الحي، بأغليبتهم، يلوحون بالاعلام البيض .

هكذا وصل الى الشارع الرئيسي الذي يجتاز الحي ما بين الفين وثلاثة الاف شخص ليكتشفوا انهم امام ميليشيات لبنانية تابعة لحزب الكتائب او لسعد حداد. كذلك شاهدوا الجثث المرمية في الشوارع والتي لا تحصى. لكنهم لم يعودوا قادرين على التراجع.

ثم اقتيد الجميع في صفوف نحو المدخل الجنوبي لمخيم شاتيلا. اكتشفوا المقابر الجماعية على امتداد الشارع الرئيسي والشوارع المتفرعة منه. وفي منتصف الطريق، فصلوا الرجال عن النساء والاطفال فبدأت النساء يولولن، لكن عدة رشقات اسكتتهن. المسيرة تتقدم، لكن من وقت الى اخر يتم اقتياد بعض الرجال امام احد الجدران وتطلق النار عليهم. الجرافات تعمل. بضربة واحدة تنهار اعمدة المبنى فيسقط الركام ليدفن الجثث تحته.

بالقرب من السفارة الكويتية ومقر القيادة لاسرائيلية ازيلت البيوت، ولم يبق سوى مقبرتين جماعيتين على جانبي الطريق. من هناك اعطي الامر بالتقدم نحو المدينة الرياضية. لا للجميع، اذ تم اختيار بعض الرجال واصعدوا الى شاحنتين متوقفتين امام السفارة الكويتية. لا مكان للجميع، فيطلب من الفائض النزول ارضا وعدم النظر في الاتجاه الذي سلكته الشاحنتان. ثم طلب منهم الالتحاق بالبقية في المدينة الرياضية، وقد تعرضوا في الطريق للضرب والاهانات على انواعها. انفجر بعض الالغام في الطريق فاوقع قتلى وجرحى، واستغل اخرون الفرصة للفرار.

ابتداء من المستديرة الواقعة بالقرب من السفارة الكويتية، تسلم الجيش الاسرائيلي الاسرى واقتادهم الى المدينة الرياضية حيث تم فرز اللبنانيين من الفلسطينيين. اقتيد الشبان الفلسطينيين الى الغرف الموجودة تحت المدرجات، وبقي مصير الكثير منهم مجهولا. بعد ايام وجد المسعفون جثثا لا يمكن التعرف على اصحابها المقيدين من ايديهم وارجلهم، وهي في حالة تحلل متقدم. وقد امكن التعرف على بعضهم من خلال ثيابهم. وتعرف اطباء مستشفى غزة على جثة طفل كان في المستشفى حتى يوم الجمعة 17 ايلول /سبتمبر بين الساعة العاشرة والحادية عشرة. وكانت المدينة الرياضية في ذلك الوقت تحت السيطرة الكاملة للجيش الاسرائيلي. اما الذي نقلوا بالشاحنات فظل مصيرهم مجهولا.

من يوم السبت توافد الصحافيون والمصورون. واذ صدمهم رعب المشهد راحوا يلتقطون صور المجزرة الجماعية واكوام الجثث المنتفخة والتي تصفرّ وهي تشوى تحت اشعة الشمس الحارقة.

وكانت اثار تقطيع الاعضاء، والحبال التي قيدتها، والثياب الممزقة، وفروات الرؤوس، وفقأ العيون، تشهد كلها على العنف واعمال التعذيب التي رافقت المجزرة. حتى الاحصنة اعدمت.

وكانت رائحة لا تطاق تنتشر في المكان، بينما النساء هائمات زائغات بحثا عن ابن او زوج او طفل. كان بعض الجثث مرميا هناك منذ ثلاثة ايام، والمطلوب عملية دفن بسرعة. لا وقت لعد الجثث، او للتعرف على اصحابها. فشرعت فرق الاسعاف التابعة لكل من الصليب الاحمر الدولي والصليب الاحمر اللبناني والدفاع المدني والكشاف المسلم والجيش اللبناني، في العمل. تم حفر حفرة كبيرة، وقرئت الفاتحة على عجل فوق أشلاء لم يتم التعرف على اصحابها، وفوق جثث مقطعة ستبقى بلا اسماء الى الابد. كم كان عددها؟ لن يعرف ابدا. لم يحدث اي تنسيق بين فرق الاسعاف، فالهول والخوف جعلا الامور تجري باكبر سرعة ممكنة. المشهد لم يكن يطاق.

من جهة اخرى، كان هناك اولئك الذين لم يعثر على جثثهم ودفنوا تحت ركام المنازل المدمرة والتي جرفت بواسطة الجرافات التي كانت تدك المخيم، واولئك الذين رميت جثثهم في مقابر جماعية جرفها مرتكبو المجزرة. بعد ظهر يوم الجمعة كان احد الصحافيين النرويجيين التقى جرافة تحمل في رفشها كتلة من الجثث. لم تنبش الحفر التي رميت فيها هذه الجثث. وهي قد تبقى مدفونة الى الابد تحت البنايات الجديدة التي هي في قيد الانشاء حاليا في جنوب المخيم. هناك اخيرا اولئك الذين نقلوا بالشاحنات ووجد قسم من جثثهم بين بيروت والدامور، في الاوزاعي وخلده والناعمة وحارة الناعمة والجية والدامور... وهي امكنة لم يخاطر المسعفون بالبحث فيها بسبب وجود الجيش الاسرائيلي.

 

 

شارون ومجزرة صبرا وشاتيلا (*)

 


قبل أكثر من أسبوعين أرسلت مؤسسة الاستخبارات والمناصب الخاصة للمستشار القضائي للحكومة، الياكيم روبنشتاين، ولمديرة قسم الشؤون الدولية في نيابة الدولة العامة، عيريت كهان، الصيغة الكاملة للالتماس الذي قدم في بلجيكا ضد أريئيل شارون في قضية مذبحة صبرا وشاتيلا. وقد أرفقوا مع الالتماس أيضا الأدلة التي تشمل شهادات جديدة للملتمسين من الناجين من المذبحة والتي لم تنشر رسميا بعد.

من هذه الشهادات التي يتوجب النظر إليها كمعلومات لم تتقرر صحتها من الناحية القانونية بعد يتبين ان هناك مشاركة أكبر مما كان معروفا حتى الآن من قبل جنود جيش الدفاع في المخيمات في ايام المذبحة.اطراف في النيابة العامة تقول ان هذه الادعاءات قد تحصل على تعزيز ملموس بعد التحقيق مع قائد الكتائب المسيحية في لبنان في ذلك الحين ايلي حبيقة الذي يدعي شارون اليوم انه كان في العام 1982عميلا سوريا قد يحاول ربط شارون بالمذبحة مباشرة.

جاء في الوثيقة البلجيكية :" مؤرخون وصحفيون يجمعون على ان الافتراض الاقرب هو انه تم التوقيع على اتفاق خلال اتفاق بين شارون وبشير الجميل يسمح للقوات اللبنانية في تطهير المخيمات الفلسطينية ". في هذه الوثيقة يتحدثون عن المكالمة الهاتفية التي جرت كما يبدو بين شارون وبين اللواء امير دروري حيث اقتبس عن شارون خلالها انه قال: "تهانينا، العملية نجحت".

مع هذه الوثيقة ارفقت حوارات قصيرة من كل الملتمسين حيث كان الادعاء الجديد والمركزي فيها ان جنود "جيش الدفاع" قد عملوا بشكل مشترك مع الكتائب لتنفيذ المذبحة. الادعاءات تشمل مشاركة "جيش الدفاع" في السلب واخفاء الاشخاص وما الى ذلك.

إحدى السيدات الفلسطينيات قالت: "كنا في البيت في يوم الجمعة الموافق للسابع عشر من أيلول جاء الجيران وبدءوا يقولون لنا: "إسرائيل" دخلت استسلموا للإسرائيليين أنهم سيأخذون الأوراق ويأخذون توقيعكم. فجأة بعد أن خرجنا للاستسلام للإسرائيليين وعندما استسلمنا وكانت الدبابات والجنود “الاسرائيليين” هناك فوجئنا بمشاهدة القوات اللبنانية (الكتائب) معهم. وقاموا باخذ الرجال تاركين النساء والاطفال معا. عندما اخذوا اولادي مني وكل الرجال قالوا لنا اذهبوا الى المدينة الرياضية واقتادونا الى هناك. وتركونا هناك حتى الساعة السابعة مساء ومن ثم قالوا لنا اذهبوا للفاكهاني ولا تعودوا الى البيت وشرعوا في اطلاق القذائف والرصاص علينا. كان هناك رجال وقفوا جانبا فاخذوهم من هناك ولم نسمع اخبارهم منذ تلك اللحظة، ولا نعرف حتى اليوم ما هو مصيرهم وهم يعتبرون في عداد المفقودين".

سيدة أخرى قالت:" عندما بدأ القصف وعندما عرفنا ان “اسرائيل” قد حاصرت المخيم طلب منا والدي الفرار. علمنا ان والدنا قتل وشاهدنا صوره في الصحيفة. ساقه كانت مقطوعة وروت جارتنا لنا كيف قتلوه".

شهادات اخرى تربط بين الكتائب والجنود “الاسرائيليين”:" في المدينة الرياضية شاهدت العسكريين “الاسرائيليين” ودباباتهم وبلدوزراتهم كما شاهدت مجموعات من الكتائب مع “الاسرائيليين”" قالت جميلة خليفة في شهادتها، وأضافت" “الاسرائيليين” والكتائب عادوا في وقت متأخر ودعونا من خلال المكبرات للاستسلام. ووعدوا بالحفاظ على حياتنا اذا خرجنا من الملاجئ. رفعنا الراية البيضاء وعندما خرجنا من الملجأ قال والدي انهم لن يحافظوا على حياتنا وانهم سيقتلوننا. قلت له بان لا يخاف وان يأتي معنا. هم اخذوا الجميع نساء واطفالا ورجالا، والدي حاول الفرار فاطلقوا النار عليه امام والدتي واختي الصغيرة".

أما سويد سرور فقال:" وصل حوالي ثلاثة عشرة شخصا الى البيت وقرعوا الباب، والدي سأل عن هويتهم فاجابوا:”اسرائيليين”. قمنا لنرى ماذا يريدون , فسألوا والدي ان كان لديه شيء ما. فقال ان لديه مال فاخذوا المال وضربوا والدي".

"ابان اطلاقهم للنار" يقول شخص آخر "كل المخيم كان محاصرا بالمدرعات “الاسرائيلية”".

محمد يونس الذي كان في الحادية عشرة من عمره ابان الاحداث يستذكر:" في المدينة الرياضية شاهدت عسكريين “اسرائيليين” ودبابات وبلدوزرات ومدفعية وكلها “اسرائيلية”. كما شاهدت مجموعات من الكتائب مع “الاسرائيليين”. المدينة الرياضية كانت مليئة بالنساء والاطفال وبقينا هناك حتى حلول الظلام، “اسرائيلي” وصل وقال لنا : اذهبوا لمنطقة الكولا. ومن سيعود للمخيم سيموت".

سناء سرساوي تقول:" “الاسرائيليون” الذين كانوا متوقفين امام السفارة الكويتية وامام محطة الكهرباء صرخوا بالمكبرات من خلفنا فجأة عروا الرجال من ملابسهم الداخلية حتى يربطوا بها عيونهم في المدينة الرياضية. “الاسرائيليون” حققوا مع الشبان والكتائب اعطوهم 200 رجل. وهكذا لم يعد زوجي وزوج اختي".

من باقي الشهادات التي عرضتها الدعوى ايضا شهادات مراقبين اجانب مثل المسرحي والشاعر الفرنسي جين غينت الذي زار المخيمات بعد المجزرة والصحفي البريطاني روبرت فيسك واخرين. ويدعي المدعين انه حتى بدون الشهادات الكثيرة لا يمكن ان يحاصر الجيش المخيم طوال يوم نهاية الاسبوع الذي جرت فيه المجزرة وامتنع جنوده عن الدخول اليه.

يدعي المدعون ان “اسرائيل” كانت تعرف جيدا ان السكان المتواجدين في المخيم عشية المجزرة كانوا في معظمهم من المدنيين." واذا كان قد تواجد عدد قليل من المسلحين في المعسكر سابقا فقد تم اخلاؤهم قبل ذلك وفقا لاتفاقيات حبيب".

ويشير المدعون بان المجزرة تضمنت جرائم خطيرة فضلا عن اعمال القتل من بينها الاغتصاب وجرائم اخرى. وهذه الجرائم مع حقيقة ان المجزرة جرت "بتنظيم وكسياسة " هي من صفات جريمة دولية.

ويكرر المدعون الادعاء بشأن الحوار الذي جرى بين شارون وبين بشير جميل حول " تنظيف لبنان من الفلسطينيين" ويطالبون ولاول مرة بفحص "تعاون “الاسرائيليين” ليس في اعمال القتل بل في التحقيقات ونقل عشرات المدنيين الى اماكن غير معروفة".

ويستند المدعون على سوابق اخذت من محاكمة مجرم الحرب النازي كلاوس باربي في محكمة الاستئناف الفرنسية ومن الاعتبارات وراء تسليم طاغية التشيلي السابق اوغوستو بينوشه الى فرنسا. ويدعي المدعون انه بهجومه المغطى اعلاميا على الفلسطينيين مهد شارون الارضية للقتل.

حتى السيرة الذاتية التي كتبت عن شارون "المقاتل" جندت للدعوة بحجة أنه يوجد بين سطورها وجهة نظر شارون (موديل 1982) بشان ضرورة تنظيف لبنان من التواجد الفلسطيني. وثمة ادلة اخرى اقتبست من تقارير صدرت في غرب اوروبا بعد المجزرة ومن ابحاث تاريخية.

ان عملية اعادة الاعتبار التي يخططها شارون لنفسه تشمل حسب الخطة زيارة رئيس حكومة النرويج لاسرائيل. وهو معني ايضا بالاقتراحات التي تلقاها من أصحاب رأس المال للمبادرة باقامة دعاوى مماثلة ضد قادة الناتو وزعماء في الاتحاد الاوروبي. في نهاية الاسبوع اجتمع اتحاد ممثليه مع اساتذة في القانون الدولي في اوروبا من اجل المساعدة في الدفاع عنه.

وسخّر شمعون بيريز وزارة الخارجية كذراع مساعد للدفاع عن شارون. ويعتقد بيرس ان الدعوى ضد شارون في بلجيكا وكذلك قضية غيلون في الدانمارك تدل على موقف اوروبا السلبي من “اسرائيل”. وفي لقاءات مغلقة قبل سفره قال بيرس "طالما هناك مسيرة سلمية وافقت اوروبا على امتصاص اساليب عملنا ضد الارهاب. ان توقيف غيلون هو مرحلة اولى. وفي المرحلة الثانية سيوقفون القضاة الذين اصدروا لغيلون الاوامر".


(*)هآرتس ـ يديعوت احرونوت ـ معاريف
 

 

 

 ناجون من المجزرة يروون وقائع محفورة في ذاكرتهم

 

 تقول أم غازي يونس ماضي إحدى الناجيات من المذبحة "اقتحموا المخيم الساعة الخامسة والنصف يوم 16 سبتمبر، ولم نكن نسمع في البداية إطلاق رصاص، فقد كان القتل يتم بالفؤوس والسكاكين، وكانوا يدفنون الناس أحياء بالجرافات، هربنا نركض حفاة والرصاص يلاحقنا ، وقد ذبحوا زوجي وثلاثة أبناء لي في المجزرة، فقد قتلوا زوجي في غرفة النوم وذبحوا أحد الأولاد، وحرقوا الآخر بعد أن بتروا ساقيه، والولد الثالث وجدته مبقور البطن، كما قتلوا صهري أيضا".

وتروي أم محمود جارة أم غازي ما شهدته قائلة " رأيتهم يذبحون فتاة وهي حامل مع زوجها. وابنة خالتي خرجت من المنزل فأمسكوا بها وذبحوها في الشارع ثم ذبحوا ولدها الصغير الذي كان في حضنها"، ويقول غالب سعيد وهو من الناجين "تم إطلاق قذائف مدفعية على المخيم أولا، كان القتل يتم بأسلحة فيها كواتم صوت، واستخدموا السيوف والفؤوس ، وقتلوا شقيقي وأولادي الأربعة، كما تعرضت عدة فتيات للاعتداء عليهن".

أما منير أحمد الدوخي، الذي كان يومها طفلا عمره 13 عاما، ونجا رغم محاولات ثلاث لقتله، فيقول إنه وضع تحت مسؤولية مسلحين يلبسون ملابس قذرة ولا يحسنون الحديث بالعربية وذلك مع مجموعة أخرى من النساء والأطفال الذين سحبوا من بيوتهم، وقد أطلقوا النار على النساء والأطفال فأصبت بقدمي اليمنى، وأصيبت والدتي بكتفها وساقها، وتظاهرت بالموت بعدما طلبوا من الجرحى الوقوف لنقلهم إلى المستشفى، لكنهم أطلقوا عليهم النار جميعا من جديد ، فنجوت من محاولة القتل الثانية أيضا، غير أن أمي كانت قد فارقت الحياة، وصباح اليوم التالي أطلقوا علي النار عندما وجدوا أنني لا زلت حيا فأصابوني وظنوا بأنني قد مت فتركوني".

وتقول سنية قاسم بشير "قتل زوجي وابني في المجزرة، وأفظع المشاهد التي شاهدتها كان منظر جارتنا الحاجة منيرة عمرو، فقد قتلوها بعدما ذبحوا طفلها الرضيع أمام عينيها وعمره أربعة شهور".

وتروي ممرضة أميركية تدعى جيل درو عن شاهد عيان قوله إنهم ربطوا الأطفال ثم ذبحوهم ذبح الشياه في مخيمي صبرا وشاتيلا، صفوا الناس في الإستاد الرياضي وشكلوا فرق الإعدام.

وتروي امرأة من مخيم صبرا ما جرى فتقول "كنت أنا وزوجي وطفلي نهمّ بالنوم ليلة 15 سبتمبر بعدما انتهينا من ترتيب الأغراض التي خرّبها القصف، وكنا نعيش حالة من الاطمئنان لأن الجيش اللبناني - حسب ظنها- يطوق المخيم، لكن الهول كان قد اقترب إذ دخل عشرات الجنود والمقاتلين يطلقون النار ويفجّرون المنازل، فخرجنا نستطلع الأمر ولما رأينا ما رأينا حاولنا الهرب لكنهم استوقفونا ، ودفعوا زوجي وأبى وأخي وأداروا ظهورهم إلى الحائط وأجبروهم على رفع أيديهم، ثم أمطروهم بوابل من الرصاص فسقطوا شهداء. ولما صرخنا أنا وأمي شدونا من شعورنا باتجاه حفرة عميقة أحدثها صاروخ، لكن أوامر صدرت لهم بالحضور إلى مكان آخر فتركونا دون أن يطلقوا علينا النار ثم هربنا".

وتروي امرأة أخرى كيف دخلوا بيتها وعندها طفل من الجيران فانهالوا عليه بالفأس فشقوا رأسه قسمين وتقول "لما صرخت أوثقوني بحبل كان بحوزتهم ورموني أرضا ثم تناوب ثلاثة منهم على اغتصابي، وتركوني في حالة غيبوبة لم استفق إلا في سيارة إسعاف الدفاع المدني".

ويروي روبرتو سورو مراسل مجلة التايم الأمريكية في بيروت ما رآه بعد دخوله المخيمات فيقول "لم يكن هناك سوى أكوام الخراب والجثث. الجثث مكومة فوق بعضها من الأطفال والنساء والرجال ، بعضهم قد أصاب الرصاص رأسه ، وبعضهم قد ذبح من عنقه ، وبعضهم أيديهم مربوطة إلى الخلف ، وبعضهم أيديهم مربوطة إلى أرجلهم، بعض أجزاء الرؤوس قد تطايرت، جثة امرأة تضم طفلها إلى صدرها وقد قتلتهما رصاصة واحدة، وقد تمت إزاحة الجثث من مكان إلى آخر بالبلدوزرات الصهيونية ، ووقفت امرأة على جثة ممزقة وصرخت "زوجي ! يا رب من سيساعدني من بعده ؟ كل أولادي قتلوا ! زوجي ذبحوه ! ماذا سأفعل ؟ يا رب يا رب!".

وفي تقرير لمراسل الواشنطن بوست يقول عن مشاهداته "بيوت بكاملها هدمتها البلدوزرات وحولتها إلى ركام جثث مكدسة فوق بعضها أشبه بالدمى، وفوق الجثث تشير الثقوب التي تظهر في الجدران إلى أنهم أعدموا رميا بالرصاص . في شارع مسدود صغير عثرنا على فتاتين، الأولى عمرها حوالي 11 عاما والثانية عدة أشهر ! ! ! كانتا ترقدان على الأرض وسيقانهما مشدودة وفي رأس كل منهما ثقب صغير، وعلى بعد خطوات من هناك وعلى حائط بيت أطلقوا النار على 8 رجال . كل شارع مهما كان صغيرا يخبر عن قصته، في أحد الشوارع تتراكم 16 جثة فوق بعضها بعضا في أوضاع غريبة، وبالقرب منها تتمدد امرأة في الأربعين من عمرها بين نهديها رصاصة، وبالقرب من دكان صغير سقط رجل عجوز يبلغ السبعين من العمر ويده ممدودة في حركة استعطاف، ورأسه المعفّر بالتراب يتطلع ناحية امرأة ظلت تحت الركام ! ! ".

ويقول حسين رعد 46 عاما "إن الإرهابيين قاموا بقطع الرؤوس وضرب الرقاب "بالساطور" وكانوا يدوسون الجثث بأقدامهم، وقد رأيت بعيني قتل خمسة أشخاص أحدهم بالساطور ناهيك عن الشتائم والإهانات، وكانوا يذبحون الأطفال والنساء بلا تمييز". وقال "إن السكان بدؤوا بالهروب من جهة القوات المتعددة الجنسية والتي لم تقم بحمايتهم".

أما ماهر مرعي فوصف ما حدث ليلة السادس عشر من أيلول 1982، قائلاً: "رأيت الجثث، أمام الملجأ مربوطة بالحبال لكني لم أفهم، عدت إلى البيت لأخبر عائلتي، لم يخطر في بالنا أنها مجزرة، فنحن لم نسمع إطلاق رصاص، أذكر أني رأيت كواتم صوت مرمية قرب الجثث هنا وهناك، ولكني لم أدرك سبب وجودها إلا بعد انتهاء المجزرة. كواتم الصوت "تتلف" بعد وقت قصير من استخدامها، ولذا يرمونها".

العالـم يديـر ظهـره

روبرت فسك


 

قبل سنوات دخلتُ إلى مكان فيه من الرعب ما جعلني - لليلة الأولى والوحيدة في حياتي - أعاني كوابيس مروّعة. لقد دخلت إلى مخيم صبرا وشاتيلا الفلسطيني في بيروت، بينما كان عملاء إسرائيل من سفاحي الميليشيات اللبنانية ما زالوا يقومون بإتمام مهمتهم في الذبح والاغتصاب.

كانت هناك أجساد يغطيها الذباب، نساءٌ مبقورات الأحشاء، أطفال اخترق الرصاص رؤوسهم. ولاجتياز شارع واحد، كان علّي أن أعبر فوق كومة من الأجساد، كانت أذرعهم، أمعاؤهم ورؤوسهم تضغط حول ساقي، ولم يكن هناك ما يتحرك سوى الذباب وعقارب الساعات حول المعاصم الميتة. في الجانب الآخر من الكومة، كان هناك قبر جماعي، وعندما اختبأت عن رجال الميليشيات وجدت نفسي أجثم إلى جانب صبية جميلة، كان دمها ما زال ينزف من ثقف في ظهرها.

توقفت عن عد الأجساد عندما وصلت إلى رقم 100. يقولون أن 600 قد قتلوا، مع أن هناك، وأنا على يقين من ذلك، قبراً جماعياً بالقرب من ملعب بيروت للجولف، يضم ربما 1400 فلسطيني آخرين، لأن حمولات الشاحنات من الأجساد كانت تنقل على مرأى من الإسرائيليين، ولأن رقم 2000 كان عدد اللاجئين الذين سُجلوا كمفقودين بعد المذبحة. وعلى كلا الحالتين، فإن الإسرائيليين كانوا قد طوّقوا المخيمين، وأرسلوا رجال الميليشيات لقتل "ارهابيين"، ثم قاموا - وفقاً للجنة التحقيق الإسرائيلية - بمراقبة عمليات القتل التي جرت على امتداد يومين.

لقد عبّر العالم عن غضبه، وأبعد وزير الدفاع الإسرائيلي آريئيل شارون عن منصبه، بعد أن وجدت اللجنة أنه يتحمل "المسؤولية الشخصية" عن الجريمة الوحشية، وقد أعلنت إسرائيل أن قائد المجموعات التي دخلت إلى المخيم هو رجل ميليشيا يدعى ايلي حبيقة. وطالب العالم بتقديم القتلة إلى العدالة، وقدمت وعود كبيرة وكثيرة: سلام جديد في الشرق الأوسط، حماية الفلسطينيين، وإنهاء حمام الدم في لبنان.

وبالأمس، وأنا أسير وسط القذارة والمجاري والأكواخ المدمّرة (ولكن المأهولة) في صبرا وشاتيلا، كان من الصعب علي أن أُبعد عني فكرة أن الناجين من تلك المجزرة الرهيبة - التي يمكن فهم لماذا تعتبر في العالم العربي جريمة حرب - قد تلقوا لطمة على وجوههم من قبل العالم الذي كان قد عبّر عن الكثير من الخجل والاشمئزاز. القبر الجماعي دُفن تحت الطين - صباح أمس كان الأطفال يلعبون فوقه كرة القدم - والفلسطينيون يعيشون بين أكوام من النفايات ترتفع 20 قدماً وتعج بالفئران، ورائحة البراز تهب من مداخل البيوت حيث تتكوم عجائز تحت الصور الباهتة لموتاهن. "وماذا فعل العالم من أجلنا؟" سألتني ذيبة صالح حسين في الكوخ الذي تسميه بيتاً. "ماذا فعلتم لنا أنتم الصحفيين عندما جعلتمونا ننكأ جراحنا من جديد؟".

ذيبة حسين فقدت زوجها يونس، أبناءها الأربعة - غازي، أحمد، ماضي ومحمد - زوج ابنتها حسين علي، شقيقها حسين صالح وابنه صالح، ابنة عمها، وزوج ابنة عم أخرى وابنته عفيفة ذات الأعوام الـ 18، جميعهم قُطّعوا حتى الموت بالفؤوس من قبل عملاء إسرائيل من رجال الميليشيات. وعندما سألتني ذيبة حسين ماذا فعل العالم لسكان صبرا وشاتيلا، كان عليّ أن أجيبها بكلمة واحدة: "لا شيء".

حتى في أعقاب الجريمة مباشرة، ركزت الصحافة على المعاناة الإسرائيلية، بدلاً من أن تركز على الضحايا وأقاربهم الناجين، ناهيك عن التركيز على المذبحة. ففي أول تغطية صحفية حول صبرا وشاتيلا، كان العنوان الرئيسي لصحيفة "نيوزويك": "إسرائيل تعاني"، والتقارير الرئيسية الأخرى كانت : "معاناة اليهود الأمريكيين"، و "روح إسرائيل المعذبة" - كل هذا في الوقت الذي كان يُفترض أن المعاناة والعذاب يقتصران على الفلسطينيين من أمثال ذيبة حسين، التي قُطعت أوصال كل عائلتها في بيروت. ولكن الامر ليس كذلك على ما يبدو. لو قَتَل الفلسطينيون 2000 إسرائيلي قبل 15 عاماً، هل بوسع أحد أن يشك في أن الصحافة والتلفزة العالمية سوف تتذكر مثل هذا الفعل الرهيب في هذا الصباح؟ ولكن لن تجد صحيفة واحدة في الولايات المتحدة، ولا في بريطانيا، تتذكر هذا الأسبوع ذكرى صبرا وشاتيلا. ولماذا يتذكرون؟ فالفلسطينيون ليسوا بشراً!

لقد فرّوا هم أو آباؤهم من فلسطين عام 1948 - من ذلك الجزء من فلسطين الذي أصبح إسرائيل - ولا يستطيعون العودة أبداً، لقد تم استثناؤهم - كلياً - مما يسمى بعملية سلام أوسلو، فيما عدا إشارة عابرة إلى اللاجئين في القسم الأخير.

وماذا بشأن السيدين شارون وحبيقة، الوزير الإسرائيلي ورجل الميليشيا اللبناني، اللذين حملتهما إسرائيل المسؤولية؟ حسناً، شارون عاد إلى مجلس الوزراء الإسرائيلي، مهما بدا ذلك مستعصياً على التصديق. لذلك، فإنه أمر لا يثير الدهشة، أن ذيبة حسني ترغب في الابتعاد، لبضعة أشهر على الأقل، عن الحرارة والحي القذر والبراز. فابنتها هدى التي نجت من المجزرة، تعيش الآن في شيكاغو. وتقول ذيبة حسين عنها أنها تحمل الجنسية الأمريكية، ولهذا قامت مؤخراً بالاتصال بالسفارة الامريكية في دمشق لطلب تأشيرة زيارة. ولكنها أُبلغت، كما تقول، بأنها لا تستطيع الحصول على هذه التأشيرة إذا لم يكن لديها زوج أو أولاد أو ممتلكات في لبنان خارج منطقة صبرا وشاتيلا. ليس لديها جواز سفر لبناني، وهي لن تحصل بالتالي على تلك التأشيرة. وهكذا، وحتى بعد أعوام على حمام الدم في صبرا وشاتيلا، ما زال العالم يعاقب الناجين على كونهم ضحايا.

عن موقع دورية العراق

 


 

إلى صفحة المقالات