أخرج منها يا ملعون

تدبير النساء عندما يحببن أو يكرهن أدق بكثير من تدبير دهاة الرجال

الجزء (10)

 

 في الحلقات السابقة، دارت حوارات بين الجد الشيخ ابراهيم واحفاده الثلاثة حسقيل  ويوسف ومحمود حول مفهوم الثروة، واوضح كل منهم ما الذي يعنيه له. وتنكشف خلال ذلك أطماع حسقيل في التفرد بالثروة، ورغبته في الانفصال بما يملكه مما أدى الى نبذه من الجميع. ثم يوزع الشيخ ابراهيم «البلاد» على حفيديه محمود ويوسف، داعيا إياهما الى الابتعاد عن فتن الاجنبي. اما حسقيل فقد استقر في قبيلة مناوئة. ويسلط الروائي الاضواء على السلوك المشين الذي يتبعه حسقيل لدى القبيلة التي لجأ اليها وهي عشيرة المضطرة. ويواصل حسقيل خبثه مع شيخ عشيرة المضطرة وافراد عائلته بهدف السيطرة عليهم وعلى ثرواتهم عن طريق المصاهرة، وعن طريق «مشروعات» تربط العشيرة بالاجنبي، وتصل ممارسات حسقيل الى حد التخطيط لقتل الشيخة، وفي المقابل فكرت الشيخة في قتل حسقيل للتخلص من شروره. ويظهر عنصر جديد في الاحداث هو تحريض نخوة بنات القبيلة ضد حسقيل. وبعد وفاة والدة نخوة، تعد الابنة خطة تراوغ فيها حسقيل للتخلص منه.

 هزت نخوة رأسها، علامة موافقة للشيخ، لأنه استخدم مفردات هي المفردات التي تستخدمها مع نساء القبيلة، أو يستخدمها سالم مع رجال القبيلة.. بل بدا كأنه أراد بهذا أن يذكّرها بأن هذا ما تؤمن هي به، ليس هو.. لذلك استمر يتكلم بثقة عالية فقال:
ـ بعد أن حل الله جانبا من الإشكال الذي كان يحول بيني وبين أن اطلب يدك من المرحومة أمك أو أعمامك وأنت تعرفين ذلك.. وتعرفين مستوى محب... (أراد أن يقول محبتي لك ليبقى ضمن المفاهيم العامة).. لكنه استدرك ليقول:
ـ وتعرفين مستوى حبي لك..
 وبعد أن لاحظ أن نخوة هزت رأسها أيضا كعلامة قبول بما قال، تشجع أكثر فقال:
ـ وعليه جئت الآن لأعرض عليك رغبتي في الزواج منك، بعد أن صرت وحيدة، لكي  نلم ما تملكين، ونتمتع بحلالنا..
قال ذلك وتبسم، ثم أردف:
ـ فإذا وافقت، ولا أظنك لا تقبلين بحسقيل، سأطلب يدك من أعمامك وفق الترتيب الذي  ترغبين فيه..
ـ أظن أنك سبق أن طرحت عليّ هذه الفكرة.. (ويصير خير) إن شاء الله..
عندما قالت ذلك، صارت كل (شعرة في لحيته وشاربه تضحك وتلمع) مثلما يقول المثل الشعبي، وكان هذا الجواب هو الذي ينتظره.. لذلك قال بلهفة:
ـ ومتى سنتزوج، إذن؟
ـ صبرك عليّ، يا حسقيل.. نادته باسمه من غير أن تردفه بصفة المشيخة لترفع التكليف بينهما..
ـ ها أنا صابر.. ماذا بعد؟ قال حسقيل.
ـ قبل كل شيء، لا بد أن أقول إن أسبوعاً واحداً على وفاة أمي لا يكفي.. ولا بد أن يمر على ذلك أسبوعان في الأقل، لكي تخطبني ونتزوج..
ومع أن حسقيل كان يتمنى أن تقول غدا، فقد قبل كأنه لم يصدق أن تقبله نخوة بهذه السرعة..
ـ (عفية)، يا بنت الأجواد..
ـ اسمعني أيضاً، يا حسقيل..
ـ كلي آذان صاغية..
ـ يجب أن لا تخطبني من أعمامي فقط، مع احترامي لهم.. لأنهم بالأساس من عمومتي غير المباشرين، الذين التقي بهم في الظهر الرابع وربما الخامس.. لذلك أرغب أن تخطبني من القبيلة كلها بحضور كل رؤساء عشائر وأفخاذ القبيلة، وأغلب الشباب المعروفين من البالغين في القبيلة، إن لم يكن كلهم.
قال حسقيل:
ـ لماذا ندخل مثل هذا التقليد في القبيلة؟، ثم كيف لنا ان نطعم هذا العدد الغفير؟..
ـ لا عليك، سأدبر هذا، وسأجعل كل بنات القبيلة بين من تطبخ ومن تروي في القرب من الآبار والينابيع، ومن تخبز، أما الذبائح فإن خير أهلي كثير.. عندك الجمال والأبقار والأكباش وحتى بعض النعاج الحائلات (1).
ومع أن حسقيل وافق على مضض، لكن شوقه إلى الزواج دفعه للموافقة بسرعة..
قالت نخوة:
ـ ولي شرط آخر..
ـ قولي (يا بعد عيني)، قال حسقيل..
ـ أن تأمر بهدنة أمدها سبعة أيام بينك وبين كل الخارجين على مشيختك..
اصفرّ وجه حسقيل، وقال بانفعال:
ـ لماذا هذا الشرط؟
ـ ان ما يهمني هو وحدة القبيلة خلف رايتك، وأظن أن هذا هو ما تريده أيضا، وقد يفتح الله بين القلوب لتتصافى في هذه الأيام السبعة وقد ألعب دوراً إلى جانبك في هذا، خاصة عندما أنشط بين نساء المتمردين، في الوقت الذي تنشط بين الرجال.. وأنت تعرف، يا حسقيل، تأثير المرأة على الرجل..
كان حسقيل وهو يستمع إلى كلام نخوة، (يمسد) يمسح بيده على لحيته ويهز رأسه موافقا..
ـ ولا بد من أنك تعرف ان المرأة تنشد الاستقرار أكثر مما ينشده الرجل، ورغم ان المرأة قاسية عندما تظفر بعدوها.. (وهنا اصفرّ وجه حسقيل، لكنها لم تنظر في عينيه لكي لا تحرجه أكثر)، فإنها تنشد الاستقرار أكثر من الرجل.. لذلك سأشوقهن إلى أن يضغطن على الرجال ليقبلوا الصلح.. والباقي عليك، ولا اعتقد أنك بحاجة لأن أقول لك ماذا تفعل وأنت عراب المؤامرات.
قالت ذلك كأنها تمزح معه، في الوقت الذي كانت تقصد ما قالته.
وضحكا معا، كل وفق ما فهم، وما أراد..
قال حسقيل:
ـ إنك داهية بحق..
قالت نخوة:
ـ تربية يدك، يا حسقيل.. أما الشرط الثالث.. وقبل أن تقوله..
قال حسقيل:
ـ الله يستر.
ـ الستر، يا حسقيل، من الله، أولاً وأخيراً، بعد أن تطيب النفس وتصفو..
ـ خير إن شاء الله..
ـ أليس ما مر خيراً يا حسقيل؟ قالت نخوة وهي تبتسم له بغنج كمقدمة لكي تقنعه بالطعم المميت.. وواصلت كلامها:
ـ اما الشرط الثالث فهو أن تجتمع القبيلة في بيت الشاب الذي دبكت معه يومذاك!..
 نفض حسقيل عباءته، وقام من مكانه وهو يرتجف، وبدلا من الكلام همساً.. قال  بصوت مسموع:
ـ هذا الشرط أشر من كل الشروط.
بقيت نخوة جالسة في مكانها، وقالت:
ـ اجلس.. يبدو ان تدبير النساء، عندما يحببن أو يكرهن، أدق بكثير من تدبير دهاة الرجال مهما بلغ دهاؤهم.
 جلس حسقيل دون ارتياح.
 قالت نخوة:
ـ من يظن ان نخوة المرأة تدبر أمراً لا يفهمه حسقيل الداهية؟! قالت ذلك وهي تثبت   نظرها بعينيه، ومع ذلك انفرجت أساريره عندما قالت (حسقيل الداهية)..
ـ (يا الله)، قولي لنسمع ونعرف التدبير الجديد..
ـ لم التقك منذ ذلك اليوم، ولم تحاول ان تستفهم عن السبب مني.. حتى حصل قدر الله   لوالدتي..
 قال حسقيل كأنه يريد ان يعرف كيف تفكر:
ـ نعم، رحمها الله.. من يتصور ان عمود بيت الشعر وهو من خشب يسقط على انسان ويقتله؟
وادرك فلتة لسانه، فأردف قائلا:
ـ ولكنه عمود جبار غليظ..
ـ نعم، أرأيت، يا حسقيل، ماذا يحصل للانسان عندما يشاء القدر؟ اتصدق ان عمودا كعمود بيت شعر يمكن ان يقتل انسانا!؟
كادت اعصاب حسقيل تفلت منه بعد ان صمتت نخوة قليلا، لكنها واصلت كلامها:
ـ لولا ان حكم يومها؟.. لقد كان رأسها مهشما (ممرود مرد).. بل كاد ينفلق نصفين بسبب ذلك الجرح العميق..
عندما قالت ان رأسها كاد ينفلق نصفين بسبب الجرح العميق، كادت اعصاب حسقيل تفلت خارج سكتها لولا ان قالت:
ـ كل ذلك حصل لأن لكل واحد منا يومه، يا حسقيل.. وقد يكون الله أراد خيرا.
ورغم انها ارادت بقولها (وقد يكون الله اراد خيرا) ان تفصح عن شيء ما في نفسها، الا ان حسقيل فسر قولها وفق هوى نفسه.. ولكن نخوة اتبعته بمداخلاتها لدرجة انه صار يستعجل ان تقول اي شيء ليوافق عليه من غير مناقشة، حتى لا تكتشفه نخوة.. وفي ظنه انها لا تعرف الحقيقة.. ـ قولي، يا نخوة، ما هو التدبير الذي أعددته، ولا اعرف مقصده؟
قالت:
ـ لو كنا التقينا قبل الآن.. وقبل وفاة والدتي لقلته لك، ومع ذلك أقوله لك الآن.. عندما طلبت مني ان أدبك معك.. فاجأتني.. ولا اكتمك انني اعددت نفسي منذ زمن قبل وفاة والدتي لأن أكون زوجتك يوما ما، ولذلك رحت اختلط مع نساء القبيلة لأكسب ثقتهن، واستخدمها في تعزيز سلطتك بعد الزواج.. ولذلك لو استجبت لطلبك في حينه لفقدت تأثيري بينهن.. وأنت تعرف، يا حسقيل، ان إرهاصات الشباب والشابات غير طريقة تفكير الرجال والنساء الناضجين عمرا وخبرة، لذلك فأنا لست مثلك بسبب فارق العمر..
ـ بل انت (بلية) داهية، قال حسقيل، قولي تدبيرك، لا اعرف إذا كان فارق العمر  لصالحي، أو ان تدبيرك الذي لم اصل اليه والى ما هو مثله يظهرني كأنني انا الشاب وانت الاكبر عمرا..
قالت:
ـ على اية حال، فان فارقا في العمر بين الرجل والمرأة بما لا يقل عن خمس سنوات، ولا يزيد عن عشر الى خمس عشرة سنة، ضروري ليعالج نضج الرجل ما ينقص المرأة، ويجعله يتحملها مثلما تتحملني انت الآن.
تبسم حسقيل وفرح بقولها.. ثم عاودت نخوة الكلام:
ـ ولذلك اتجهت لاحدهم، لكي لا ابدو ثقيلة دم امام اهل العرس، وابدو كأنني استنكف مراقصة أحد، ليس بسبب مزاجي تجاه هذا أو ذالك، وإنما لأنني لا اريد ان ارقص، لأن العرس في بيت فلان، ولحساسية قديمة بيننا لا تعرفها، فضلت ان اختار احدا لا على التعيين، وفتشت عن رجل كبير السن، فلم تهتد عيني الى أحد، ولذلك ما ان وقع نظري على احدهم وهو يرد اللثام على وجهه، حتى تصورت انه ربما كان شيخا طاعنا في السن ويتقي البرد، في الوقت الذي كان ضياء الشموع قليلا، بل بالكاد يستطيع الانسان ان يهتدي الى طريقه، وتعرف انك بسبب ذلك عثرت وسقط عقالك من على رأسك.. بل كدت تسقط على الارض لو لم يمسك بك احد الحضور.. ولكنني تورطت بعد ذلك عندما استطعت ان اخمن انه شاب، رغم انه لم يمط اللثام من وجهه.. ولكن احمد الله انه كان ملثما، ولم يمط اللثام عن وجهه، اذ لو كنت اخترت شابا من غير لثام، لربما قال من يريد ان يتقول ما يخزيك ويخزيني..
قال حسقيل:
ـ ولكن، ألا تعرفين من هو الآن!؟
ـ بلى أعرفه، الآن، يا شيخ.. قالت ذلك بأسلوب رسمي.. كأنها تريد ان تقول له: كيف تظن انني لا اعرفه الآن!؟ لتدفع ظن حسقيل فيها.. ثم اردفت:
ـ بل أعرفه، انه سالم، ولأنني عرفته، اقترحت عليك، بل اشترطت ان تكون الدعوة في بيت ابيه، لأن هذا عندما يحصل، يطرد ظن من يظن، أو من يريد ان يتقول، ان سبب اختياري له معرفة سابقة وليس مصادفة، ولذلك عندما اخترتك الآن زوجا لي، فذلك ليس لعدم وجود معرفة بالشباب، ورغبة في الزواج منه فحسب، وانما لأنك تقدمت لخطبتي كشيخ للقبيلة، وفضلتك عليه لسبب يتعلق بعنوانك، وليس لصفاتك ولحبي لك..
تبسمت نخوة، وضحك الشيخ حسقيل، ومال رأسه الى الخلف وهو يقهقه، ونسي انه جاء ليعزي نخوة بوفاة أمها..
قال حسقيل:
ـ لك ما تريدين، وفوقها حياة حسقيل.. اذن بعد سبعة ايام نلتقي على الغداء في بيت أبي سالم.. أليس كذلك!؟
ـ نعم، على بركة الله، قالت نخوة..
وقف حسقيل، وقال قبل ان يغادر المكان:
ـ اذن، تتولين دعوة النساء، واتولى دعوة الرجال، ولكن ما رأيك لو حضر حليفنا شيخ قبيلة الروم ليبارك زواجنا؟
ـ لا، يا حسقيل، ابقها ضمن القبيلة، ولا تعقد الامور مع الذين خرجوا عليك، ذلك لأن اعادتهم تحت رايتك هي الاساس والاهم، واظن ان حليفنا شيخ الروم سيسره ذلك.
ـ اي نعم.. طبعا.. على بركة الله.
ـ على بركة الله.. قالت نخوة..
انصرف حسقيل مودعا من عمي نخوة وحازم وعمر وسمعان..
التقت نخوة بسالم، وتباحثا في الخطوة القادمة، ولكنه استعجل المغادرة، وفيما بقيت نخوة داخل بيت ابيه، سلم عليها وخرج، وكان سالم قد اعتاد على ان يبقي فرسه في مكان منزو لا تبان منه الفرس، ولكن على مقربة من مكان سكن والده بمسافة يتمكن ان يصلها عندما يحتاجها، في الوقت الذي لا تقع عيون المتصيدين عليها.. وما ان اقترب سالم من فرسه، حتى هاجمه ثلاثة ملثمين يشهرون سيوفهم بأيديهم.. وفي الوقت الذي ابلى سالم في مواجهتهم بلاء حسنا، كان يمعن النظر في وجوههم بضوء القمر، ويدقق كلما وجد فرصة، لعله يعرف واحدا منهم، ولكنه لم يستطع ان يتبين الا جزءا من ملامح حسقيل، وفق ما خمن، خاصة عينيه، ومع انه اصاب بسيفه ذراع احدهم اصابة بالغة، وتمكن من ان يصيب ذراع يد حسقيل التي كان يمسك السيف بها، ولكنها لم تكن اصابة بالغة وفق ما قدر، اما هو فقد اصيب اصابة خفيفة في ذراعه الايسر ايضا.
 فر المعتدون هاربين، وبدلاً من ان يمتطي سالم فرسه ويغادر، عاد ادراجه الى بيت ابيه.. وعندما دخل والدم يسيل من ذراعه، جفل الجميع وهبوا واقفين، وبينما كانت نخوة تضع يدها على فمها لتكتم صيحة حبستها في صدرها، راحت اخت سالم تذرف الدموع وهي تضع احدى يديها على فمها.. وراحت ام سالم تتحسس الجرح.. وبعد ان كفت كم الردن عنه هدأ روعها نسبيا، عندما وجدت ان الجرح بسيط، في الوقت الذي قال ابو سالم دون ان يغير جلسته:
ـ سلامات، يا ولدي، سلامات.. انها (بالريش) ـ اي اصابة سطحية ثم اردف يقول، وهو يقترب من النار التي كان يسخن الحليب عليها، ويرد اعقاب العيدان غير المشتعلة على اطراف الموقد:
ـ (هاك السنة) أي تلك السنة، غزونا إحدى القبائل، فضربني احدهم برمح اخترق صدري، بعد ان قاتلته برمحي وانا اركض على الارض، في الوقت الذي كان هو على فرس، وعندما سقطت على الارض قال لي (جود للشجر)، اي امسك بأي شجرة من نبت الارض.. وعندما امسكت بشجرة قريبة مني، سحب رمحه من صدري، حتى ان مكان الاصابة (تنام فيه البقرة الآن)، كما يقول المثل، ومثلما تعرف ام سالم.. فهاك يا ولدي هذا الرماد ـ وقدمه له على (محمس) (6) القهوة ـ ضعه على الجرح.
وضع سالم الرماد على جرحه، وساعدته نخوة وام سالم، وضمدتاه بخرقة كانت معهما..
وعندما سألتاه عن الغرماء، قال:
ـ انهم ثلاثة، اصبت احدهم بذراعه اصابة بليغة، واصبت الآخر اصابة ليست عميقة على ما اظن.. ولكنها اصابة جعلت دماءه تنزف من ذراع يده التي تحمل السيف، وبعد ذلك ولوا هاربين، وكانوا كلهم ملثمين.. ولكنني ربما عرفت أحدهم..
سألته نخوة:
ـ من هو؟ كأنها خمنت انه حسقيل..
 قال:
ـ أهم شيء ركزت عليه هو عيناه وما حولهما.. وراح يصف لنخوة وأهله جانبا من التفاصيل..
 قالت نخوة:
ـ اظنني خمنته..
أمال سالم رأسه ناحية نخوة وهمس قائلا:
ـ اظنه هو..
ورغم ان والد سالم اراد ان يعرف، ولكن سالم لم يعطهم مجالا، وعاد الى فرسه، وامتطى ظهرها، وانطلق حتى وصل مجموعته.


****

 بعد ظهر اليوم التالي، طلب حسقيل ان يرى نخوة، وراح يسألها عن تفاصيل تافهة تتعلق بترتيبات وليمة الزواج، وبمن سيستعين لابلاغ المتمردين بأنه، اي حسقيل، قد عفا عنهم.. او ما شابه ذلك..
 فهمت نخوة، انه وان اخفى عليها ما حصل لسالم، وكأن شيئا لم يكن، اراد بالاستفسار من نخوة عمن يبعث به الى المتمردين عليه، ان يقول انه بعد ان يبعث اليهم من يبعثه لإبلاغهم، يكون امره بالعفو نافذا، عند ذلك لكي يحتاط امام احتمال افتضاح امره عندما تعرف نخوة وتفسر الحال مثلما هو في حقيقته.. انه عذر اراد حسقيل من ورائه ان يسبق الدعوة، بل اراد ان يجعل مشروع مكان الدعوة في بيت ابي سالم غير ممكن، اذا قتل سالم..
 وبعد ان اكمل حسقيل كلامه مع نخوة، استأذن لينصرف، وقد تعمدت ان تتمشى معه امام البيت، وكلما اتيحت امامها فرصة، امسكته بقوة من ذراعه الايمن وضغطت على المكان الذي عّينه سالم..
كان حسقيل ينفض يده منها، وهو يصرخ مولولا من شدة الألم..
سألته نخوة:
ـ ما بك، يا حسقيل؟ هل ثمة شيء يؤلمك؟.. ما بك؟
ـ لا شيء.. ربما نمت على يدي هذه، وصارت تؤلمني الآن.. حالة طارئة وسوف تزول..
ثم يستأنفان المشي.. وتغافله نخوة، وتمسك بذراعه، وتضغط عليه بشدة أقوى.. ويصرخ حسقيل من فوره:
ـ اخ.. قتلتيني، يا بنت الحلال، اتركي يدي، ولكنه هذه المرة سقط مغشيا عليه من شدة الألم.
حمله سمعان وعمر، وأضجعاه على الفراش في الربعة.
كشفت نخوة الردن عن ذراعه، وهو في حالة غيبوبة، وعرفت الحقيقة مثلما هي، إصابة في ذراعه، كما اخبرها سالم.. رشقت وجهه بالماء وصفعته عدة مرات على وجهه، بدلا من ان تضرب خديه برفق ليصحو..
(يتمزمز) عمر وسمعان في ضحكتهما، ويديران وجهيهما الى الناحية الأخرى.
يفوق حسقيل.. وتقول نخوة كأنها لا تعرف شيئا:
ـ ماذا بك، يا حسقيل؟ لقد اخفتني، وكدت اصرخ، عندما سقطت مغشيا عليك.. ربما التوى كوع يدك دون ان تدري، يا حسقيل، مما يستوجب ان تعرض نفسك على من يجبرها لك..
عندما قالت نخوة ذلك، كأنما قدمت لحسقيل حبل نجاة.. لعذر يغطي به ما يريد ان يخفيه عنها.
ـ نعم قد يكون ذلك.. ولكن ماذا حصل لي وسقطت؟
ـ لا عليك ان الألم يسقط اشد الرجال.. وليس في هذا غضاضة.. ثم انك سقطت في حضني، يا حسقيل..
وينتعش حسقيل وهو يسمع (سقطت في حضني يا حسقيل) ويذهب عنه الحرج فيقول:
ـ ان حضنك حياتي.. فما اكثر ما خططت لأحظى به.. وها قد حققت امنيتي..
ـ ولكني آمل ان يكون حضنك ربعة في بيت شعر كبير، لا تكفيه واحدة.. وانما يحوي عددا غفيرا منهن..
ضحكوا.. وغادر حسقيل..
مرت الأيام ببطء شديد على سالم.. ذلك لانه عندما طرح فكرة حضورهم الى الدعوة، تساءل بعض جماعته: لماذا يذهبون الى هناك؟.. وماذا يعنيهم في خطوبة نخوة؟.. بل، الا تضعف خطوبة حسقيل لنخوة عملها بين النساء؟.. ألم تكن فكرة زواج حسقيل من نخوة فكرة مدبرة اساسا لتقوية نفوذه وسيطرته في القبيلة؟.. وماذا يجعل حسقيل يتزوج من قبيلتنا، إلا ويكون خلف الموضوع خطط وغدر؟
ويقول آخر:
ـ لماذا لا تقول ان زوجة من قبيلتنا لحسقيل قد تجعلنا نقترب منه لنتمكن..؟
ويقول احدهم محتدا:
ـ اتبني اهدافك وخططك، يا أخي، على هذا الاحتمال؟ اذن، وصلنا الى اهدافنا.. يقول الجملة الاخيرة مستهزئا.. ويردف قائلا:
ـ ان النساء مؤثرات في الرجال عندما لا يقرر الرجال امرا خطيرا.. وفي كل الاحوال ليس عندما يكون عقل الرجل قد انشغل بتدبير لا يناسب هوى المرأة.. ولذلك سنخسر نخوة بدلا من التأثير في حسقيل.. وكان الافضل ان ننصح نخوة بان لا توافق على هذا الزواج، بل نمنعها منه.. حتى ان اقتضى الامر القوة، ولو كلفتموني لنفذته..
صدر هذا الكلام من احد ابناء عمومة نخوة.. ولكنه اجرى آخر مداخلة بقوله:
ـ ما ادرانا، ربما كانت فكرة الدعوة في بيت سالم فخاً لنا بالاساس، وما اختيار بيت سالم إلا ليضمنوا حضوره، وبحضوره يضمنون حضور العناصر القيادية والمؤثرة، وبذلك يضمنون ان تكون فعلتهم فظيعة لو نفذوا مؤامرة محبوكة ضدنا..
وراح كل يدلو بدلوه، ولكن ايا من الدلاء لم يأت بماء يروي، وفق ما اعد سالم او ما هو راغب فيه، لذلك.. علق سالم:
ـ مع انني احترم وأقدر رأي اخواني المتحدثين جميعا.. واعرف نواياهم التي اساسها ما يعز القبيلة، ويرفع شأنها والظلم عنها.. ويجعلها تحكم بالحق الذي يرضي الله، ويعز الانسان، ويعطيه حرية ان يفكر من غير خوف، وان يقرر من غير تردد، وان لا يستكن امام جور او ظلم، ولا يقبل بهما غطاء لفعل شيخ او رعية تجاه النفس والآخرين.. ولكن ارجو ان تنصتوا الى ما سأقوله.. ان منهجنا لا يدعو الى الصلح مع حسقيل، وانصاف الحلول.. وانما يدعو الى الاطاحة بحسقيل ومشيخته المزيفة، ويدعو الى اضعاف، ومن ثم اسقاط حلف مشيخة حسقيل مع شيخ الروم وقبيلته واهدافهما المشتركة.. ان هذا هو منهجنا، وعلى هذا نعمل، ولكن عندما تطرح فكرة مناقشة منهج للصلح على هامش زواج نخوة منه، وان يكون هذا واحدا من شروط نخوة عليه،  وشرطها الآخر ان تكون الدعوة في بيت ابي، في بيتي، فإن حضور حسقيل وكل شيوخ القبائل في بيت من يعتبره المتمردون من اجل الحق، وضد دور حسقيل وحلفه، مرغما وليس مختارا في بيتنا له معناه.. وانه قد يكون الخطوة التي تسبق انتصارنا، ذلك لان هذا يعني ان القبيلة وحسقيل قبلا ضمنا بولاية والدي.. او ولايتي على القبيلة، لاننا نحن الذين نشرف على الدعوة.. انا وانتم.. ونحن الذين نقوم بواجب الضيافة.. انا وانتم، ومن يقوم بواجب الضيافة تكون له دالة نفسية تأثيرية خاصة على من يكون ضيفا فحسب..
ـ قال كهل من الحاضرين:
ـ لو سمحت يا كبيرنا سالم.. المثل عندنا يقول: «ان المعزب (المضيف) اسير الضيف».. وهذا يعني ان لا يفعل شيئا إلا وفق رغبة الضيف، وعلى هذا يمكننا ان نقول انه ليس لدوره امتياز، وانما التزامات عليه ان يؤديها..
قال سالم:
ـ ان ما قلته صحيح وفق المعاني التي اشرت اليها، وهي عبارة قيلت لتلطيف الضيف، ولكن هل باستطاعة الضيف اذا ما قدمنا له تمرا وخبزا ان يقول، اريد لبنا وخبزا.. او اريد ثريد دجاج، بدلا من ثريد لحم ضأن مثلا!؟.
ـ لا.. ليس بامكان الضيف (الخطار) ان يفعل ذلك.. ولكن لان المضيف.. يقدم افضل ما لديه للضيف، فليس الافضل بالنسبة له ان يختار، وانما ان يأكل كل ما يقدم له، ولان من عادة المضيف ان يقدم ما هو الاحسن بين كل ما هو موجود في البيت، ومن ذلك حتى نوع فراشه وغطائه، فان العادة تقتضي ان يقبل الضيف باحكام مضيفه..
قال سالم:
ـ ان اشرافنا على الدعوة وتنظيمها امتياز.. بل هنالك ما يطمئنكم اكثر على غدر حسقيل.. فقد اشترطت نخوة ان يحضر كل الرجال البالغين، وان يكون عذر من يتخلف عن الحضور معروفا لمن يحضر، ولذلك سنلاحظ هذا.. واشترطت ان لا يأتي احد بأي  سلاح حتى لو كانت عصيا غلاظا.. وعندما اشترطت ان تكون الدعوة في بيتنا، لم  تشترط ان لا يكون في بيتنا سلاح.. ذلك لانها واثقة من اننا لا نغدر.. وامام هذه الصورة، فان حسقيل اولى بان يعيش مع الهواجس، وهو الغريب على القبيلة، المغتصب لحقوقها، وليس نحن مع ان الحذر واجب.. وعدم الاطمئنان الى حسقيل ضروري.. ولكن لان الدعوة دعوة نخوة.. ولم اسير غورها في امور اخرى، لذلك من الواجب ان نحضر كلنا، ومعنا سلاحنا.. على ان يكون في بيتي وليس في حوزتكم، تنفيذا للشروط.
ارتاح الجميع وقالوا:
ـ على بركة الله..
وقال بعضهم بصوت مسموع:
ـ قلنا في أنفسنا إن سالم لا بد أن يكون قد حسبها جيداً.. وها قد بان لنا جميعاً أنك قد حسبتها جيداً، لذلك سوف نحضر جميعاً وفق أمرك.. وعلى بركة الله..


****

كانت نخوة قد هيّأت كل شيء يعز ويعبر عن مستوى الكرم العربي في بيت أبي سالم، ورغم أن أبا سالم وسالم كانا يتمنيان أن يقوما بذلك، لكن نخوة قالت لعمها أبي سالم:
ـ هل هناك فرق بين ما أملكه وما تملكه، يا عم؟ ألسنا في طريقنا لأن نكوّن بيتاً واحداً  وعائلة واحدة، إن شاء الله؟ بل نحن عائلة واحدة منذ الآن، إلا ما حرّم الله.
قال أبو سالم:
ـ ولكن..
قاطعته نخوة بأدب، موجهة الكلام إلى سالم:
ـ قل أي شيء، يا سالم.
وحين تردد سالم، أردفت:
ـ ألا يعود لك المال الذي ننفق منه الآن، يا سالم؟ ألست خطيبي، وفي نيتنا أن نتزوج، إن شاء الله؟، أم تراك عزلت مالك عن مال أبيك إلى الحد الذي لم تعد تجد في المال الذي ننفقه على الدعوة الآن كأنه مال أبيك؟ قل!! وضحك الجميع كأنهم تجاوزوا الموضوع.
هوامش:
1 ـ النعجة الحائلة، النعجة غير الحامل في موسمها، أو التي تلد بين موسم وآخر.
2 ـ محمس القهوة، طاسة من حديد يتصل بها قضيب، على شكل دائرة توضع حبوب القهوة فيها وهي تقلى على النار وتقلب بقضيب آخر مطروق في نهاية رأسه على شكل ملعقة وتسمى (الخاشوكة) هي مفردة أعجمية.

 

إلى صفحة المقالات