أخرج منها يا ملعون

قبيلتنا ضعفت مع ضعف شيوخها فصار الأجنبي يملأ عناوين مراتبها

الجزء (11)

 

 

 في الحلقات السابقة، دارت حوارات بين الجد الشيخ ابراهيم واحفاده الثلاثة حسقيل ويوسف ومحمود حول مفهوم الثروة، واوضح كل منهم ما الذي يعنيه له. وتنكشف خلال ذلك أطماع حسقيل في التفرد بالثروة، ورغبته في الانفصال بما يملكه مما ادى الى نبذه من الجميع. ثم يوزع الشيخ ابراهيم «البلاد» على حفيديه محمود ويوسف، داعيا اياهما الى الابتعاد عن فتن الاجنبي. اما حسقيل فقد استقر في قبيلة مناوئة. ويسلط الروائي الاضواء على السلوك المشين الذي يتبعه حسقيل لدى القبيلة التي لجأ اليها وهي عشيرة المضطرة. ويواصل حسقيل خبثه مع شيخ عشيرة المضطرة عن طريق «مشروعات» تربط العشيرة بالاجنبي، وتصل ممارسات حسقيل الى حد التخطيط لقتل الشيخة، وفي المقابل فكرت الشيخة في قتل حسقيل للتخلص من شروره. ويظهر عنصر جديد في الاحداث هو تحريض نخوة بنات القبيلة ضد حسقيل. وبعد وفاة والدة نخوة، تعد الابنة خطة تراوغ فيها حسقيل للتخلص منه.

حل اليوم الذي اتفقوا أن يلتقوا فيه في بيت أبي سالم.. حضر سالم ورجاله، شباباً وكهولاً، هذا يحمل قوسه وسهامه، وذاك يحمل سيفه أو رمحه، وذاك يحمل قضيباً من حديد، وقليل منهم يلبس درعاً أو يحمل ترساً.. وكانت وجوههم الطافحة بالإيمان تنبئ بما صمموا عليه.. وقد وضعوا جميعاً عدة الحرب في بيت سالم وفق ما تم الاتفاق عليه بين سالم ونخوة، خشية غدر تحالف قبيلة الروم وحسقيل بهم..
بدأ الناس يتوافدون من كل فج وبيت، شيوخ العشائر في القبيلة، ووجوهها، شيباً وكهولاً وشباباً، هذا يركب راحلته، وذاك يركب فرساً أو حصاناً، وذاك على ظهر ناقة، أو ذلول، وبعض كبار السن الذين لا تصل إمكانياتهم إلى فرس أو جمل، كانوا يمتطون حميراً.. أما من كانت بيوتهم قريبة من بيت سالم فكانوا يأتون راجلين..
تكامل توافدهم، وكان أبو سالم يشرف على الاجتماع والضيافة، يعاونه سالم من غير أن يظهر بأنه المبرز في التأثير ابتداء، على وفق ما اتفق عليه هو ونخوة، ووافق عليه حسقيل من غير أن يعرف بحقيقة التدبير. وما أن تجمعوا، حتى طلب حسقيل إذناً من أبي سالم بأن يتكلم..
أذن أبو سالم له بالكلام، بأن مد يده باتجاه حسقيل، وهو يبسطها ويحركها باتجاهه، أن ابدأ، حتى قال حسقيل:
ـ لقد اجتمعنا هنا لأمر يهم القبيلة كلها وقد اجتمعنا في هذا المكان وفق رغبة نخوة، حيث أنني فاتحتها برغبتي في خطبتها لتكون زوجة لي.. لكنها قالت إن الطريقة التي تقدمت بها لخطبتها غير لائقة، نظراً لأنني فاتحتها في بيتها بعد أن زرتها هناك، قالت لي آنذاك إن من الأحسن أن أخطبها من القبيلة كلها بحضور أعمامها بينكم، وها بعد تكامل حضور القبيلة، أرجو أن تباركوا خطبتي هذه لنزيد القبيلة اقتداراً، آملاً أن يزيد زواجي من نخوة، وانتقالها معي إلى بيت الزوجية، أموالنا بما تملكه وأملكه من أموال تعرفونها، وقد يفتح هذا وغيره مجالاً للسلم داخل القبيلة، بعد أن خرج منها عدد من الشباب، وفي ظنهم أن خروجهم على المشيخة هو الطريق الصحيح لتصحيح ما يظنونه خطأ، أما نحن فنظن، بل متيقنون، من أن طريقنا هو الصحيح.
أكمل حسقيل كلامه وجلس..
نهض سالم، وبدأ يعرّف نفسه: سالم بن محمد بن شجاع بن سيف بن حسين بن رشيد بن علي بن طعان بن رمح بن عبد المطلب.. ابن.. ابن.. من هذه القبيلة أباً عن جد.. وعاشوا كلهم وماتوا على هذه الأرض، وذادوا بسيوفهم وأموالهم وأبنائهم عن القبيلة وحماها.. وعلى أساس ما تعرفون، فأنا لا أقدم الحديث عن المال لأنه ليس عنوان الشرف والأمانة والالتزام حكما، إنما نوع من الأرزاق قد يكون سبيلاً للجحيم، وقد يكون منجاة مع الصفات والأعمال الأخرى في الآخرة، إنما أقول: أنا مثلما أنا، ومثلما تعرفون، أعلن عن رغبتي بأن أخطب نخوة زوجة لي في هذه الدنيا قبل الآخرة، إن  شاء ربّ العالمين، فإن قبلت بي فعهدي لها أمامكم أن أكون وفياً مخلصاً أميناً، وأن تملك كل ما أملك، وأن يكون ما تملكه هي لنفسها وحدها، تتصرف به وفق ما تشاء، لا طمع لي إلا بصفاتها الحميدة، وأصلها الطيب وعفتها، لأحفظ بها صفات أولادي، إن رزقنا الله أولاداً، وإن شاء الله يجنبنا وإياهم عثرات الطريق، وزيغ ما يوحي به الشيطان ومعشر السوء، وإن رفضتني، فحسبي أنني قدمت نفسي أمامها كاختيار من أحد أبناء (الديرة) والحمى، مقابل رغبة الأجنبي وعرضه الذي قدمه حسقيل..
عندما قال (رغبة الأجنبي)، قام حسقيل من مكانه، وهمّ بأن يتجه إلى سالم، وهو ينفض برأسه منزعجاً ويصيح بهستيرية ظاهرة:
ـ أنا أجنبي، يا ولد؟
أجابه سالم بهدوء:
ـ أنا أخو أختي.. وأنا أخو نخوة ـ حتى الآن، بوصفها نخوة قبيلتنا ـ وليس ولداً، على ما أردت أن تصف، فاحترم نفسك في مجلس الرجال، واعرف قدرك وكيف تتكلم.
وعندما لاحظ أن سالم يتكلم بهدوء، لكن بحزم، قال حسقيل، قبل أن يجلس:
ـ أنا شيخكم، ألست هكذا، يا جماعة الخير؟.. قال ذلك وهو يشير بيده إلى الجالسين، ثم أردف يقول:
ـ جئت هنا لأعرض عليكم خطبتي لنخوة، لا لنضع نخوة في مزاد مفتوح!! قال سالم بعد أن جلس حسقيل، لكنه بقي واقفا، رغم مقاطعة حسقيل له:
ـ أنت، يا حسقيل، أجنبي، ولست من قبيلتنا، رغم أنك تحمل عنوان شيخ القبيلة..
مرة أخرى قاطعه حسقيل ليقول:
ـ لكنني شيخ القبيلة بأمر أكبر شيخ لأكبر قبيلة في هذا الزمان، هو شيخ قبيلة الروم..
عاود سالم قائلا:
ـ استطاع شيخ قبيلة الروم أن يصدر أمراً مطاعاً لمن أطاعه لتكون على ما أنت عليه من وصف وحال شيخ القبيلة، على من أطاعك وليس علينا، في الوقت الذي غفل الناس عن دورهم وحقهم وواجبهم ومبادئهم، بل عندما تنازل وجوه القوم عن دورهم، وجعلوا الآخرين يغفلون بسبب ضعفهم، فإنما تخلوا عن حقهم وواجبهم.. ولهذا تمردنا عليك، وعلى شيخ الروم، وتحالفك معه ومع قبيلته، لنمثل برفضنا وتمردنا ضمير القوم، وندافع عن حاضرهم ومستقبلهم.. ولا أظن أن من اللائق لنخوة القبيلة أن تذل لأجنبي..
عاد حسقيل مقاطعاً مرة أخرى:
ـ أريدها زوجة، يا رجل.
لم يقل لسالم (يا ولد) مثلما فعل في المرة السابقة، ورده سالم بقوله:
ـ أنا أيضاً أعرض نفسي وروحي وحالي أمامها، راغباً بها زوجة، ونخوة للقبيلة، إذا لم يعترض اخواني الحضور، أقولها بتصميم لا يلين إلا عندما لا يلتقي برغبتها وقرارها، لو أعلنت أنها لا تريدني.. وها قد قلت قولي، ولم أعرض على نخوة مالاً أو شيئاً مما يرتبط به، ولم أزايد، لأن نخوة تجل عن المزايدة عليها.. ولأنها ليست سلعة، أو خدمة، أو بضاعة، إنما المقبول فقط أن يعلن أمامها من يعلن مزايدة للمعاني العالية بمستوى الإخلاص والتضحية، وبكل ما يعز قومنا، ومن خلفنا كل ذي قلب طاهر من الأجانب، ينوي التعامل معنا بتكافؤ، ومن غير أذى أو استغلال أو استغفال.. وفي كل الأحوال فإن أمراً من النوع الذي نتحدث عنه، يبقى قول نخوة هو القول الفصل فيه، إذ لا مجال لأن يفرض زواج عليها، إنما هي التي تختار، بعد أن صارت على ما هي عليه من عمر ونضج وصفات حميدة..
قال حسقيل:
ـ نعم.. الاختيار لنخوة الآن، وبعد أن تقول نخوة رأيها، ينبغي أن لا يقول أحد رأياً مخالفاً..
قال ذلك، وفي ظنه أن نخوة ستختاره حتما.
اتجهت الأنظار كلها إلى نخوة، التي استأذنت أبا سالم، ونهضت، في الوقت الذي تجمعت النساء كلهن واقفات خلف الرجال، الذين كان بعضهم يجلس على بسط والآخر على نبت الربيع في الأرض، ثم مشت حتى وقفت في مكان يراها فيه الجميع، رجالاً ونساء، وقالت:
ـ إن قبيلتنا ذات تاريخ مجيد، وحماها ذو عز ومهابة، بقدر ما عليه ناسها من عز ومهابة، وفي مقدمتهم رجالها، وكان خيرها الذي أصاب الناس أجمعين وفيراً.. كبيراً وعظيماً، وليس قومنا فحسب، عندما كانت على هذا الوصف، لكنها بدأت تضعف مع ضعف شيوخها ووجوهها، وولاة أمرها، حتى تضاءل شأنها إلى الحد الذي صار رجالها غير قادرين على أن يدافعوا عنها وعن خيراتها وحماها، بعد أن فقدوا القدرة على صيانة معانيها، فاستهان بها الأجنبي، بعد أن طمع بها إلى الحد الذي صار يتدخل في شؤونها، وينصب على أهلها هذا أو ذاك ليملأوا عناوين مراتبها، حتى وصل الهزال بها وإذلالها أن نصب الأجنبي حسقيلاً عليها، وفق تحالف معروف لكم، كأنه الابن اللقيط لمرحلته، فإذا كان الأجنبي قد تمكن من العنوان الأمامي لقبيلتنا، أو أي عنوان آخر بعده، على يمينه أو شماله، فلن يتمكن منا نحن بنات وأبناء قومنا الذين قررنا أن نبقى مخلصين، ونرفض المصطنع المذل.. ولأنني ابنة القوم الذين أنتم منهم، فلن يتمكن مني الأجنبي وحسقيل منهم، لذلك أعلن أمامكم، وأشهد الله، وأشهدكم على قولي وإخلاصي وأمانتي أنني أقبل خطبتي من ابن عمي سالم، وتاج رأسي، كابن بار لقومنا..
 دوت عاصفة من التصفيق من الحضور كلهم، نساء ورجالاً وأطفالاً.. شيباً وشباباً، صبية وصبايا، عدا حسقيل، الذي كان يصرخ حتى بحّ صوته.. ولم يسمعه أحد، وضاع صوته في الفضاء، في الوقت الذي كانت الموسيقى ودفوف وطبول الفرح تصدح في كل مكان، معلنة ولادة روح جديدة، وتقليد جديد من موقف جديد في زواج أبناء وبنات القبيلة.. وموقفهم من أنفسهم ومن الأجنبي الطامع..
وخطت نخوة خطوات عدة وهي تتهادى باتجاه سالم، واستأذنته لترقص معه، أو تدبك الدبكة نفسها التي دبكاها عندما كان ملثماً في المناسبة المعروفة..


****

 نهض حسقيل ليغادر، لكن أبا سالم، باعتباره المضيف والمشرف على الدعوة، أشار اليه بأن يجلس، فجلس على مضض.
انهت نخوة رقصتها مع سالم، تلك الرقصة المعروفة للقبيلة، وعادت لتقول وهي تقف في المكان نفسه:
ـ بعد ان حسمنا امرنا برضاكم، اخواني واخواتي وابناء عمومتي، بقيت شؤون اخرى، تتصل بالقبيلة وتتصل بي.. فقالت:
ـ لا اريد ان اتطرق الى ضعف أبي، فأنتم تعرفونه وأنا اعرفه، لكنكم تعرفون نوعية وموقف جدي وأجدادكم وكيف كانوا حماة القبيلة وعزها وكيف كان حال الناس وفق ما نعرف في احسن حال، عندما كانوا على تلك الصفات يمارسون مسؤولياتهم عليها.. ان الضعف يدخل نفوس الناس عندما لا تكون المهمة او المهمات التي يتولونها عالية المعاني وتعز الجماعة او عندما يداخل انفسهم ما يغويها بعيدا عن ذلك او عندما تختلط طباعهم وافكارهم بطباع اجنبية ليست على ايماننا ومعانينا، سواء من معاشرة وتعايش قريب او من خؤولة لا تحفط من المعاني العالية حدها الادنى.. او خؤولة لا تجد نفسها تنتمي الى تقاليدنا والمعاني التي نعتز بها ونفتخر ونضحي لنحافظ عليها ولأنني اعرف اسباب ضعب ابي والاسباب التي جعلت امي تضعف في القصة التي سأرويها لكم، فإن ضعفها حفز المعاني التي أختزنها في نفسي الآن، حتى صارت سياجا قادرا ليحميني ويحافظ عليَّ امام صعوبات الحياة او اغراءاتها، لذلك رفضت حسقيل، وفضلت ابن بلدي.. ابن قبيلتي وقومي..


****

 عندما ذكرت نخوة أمها بدأ حسقيل يلم نفسه، وامام الاحتمالات التي كان يداورها في نفسه وما اصابه جراء رفض نخوة له ومرارة الموقف، صار جسم حسقيل ينكمش ويصغر، ليس نفسه فحسب وكان يتحدث مع نفسه وهو يسحب عقاله ليرجعه الى الخلف او يقدمه الى الامام تارة او يجلس القرفصاء او يمد هذه الرجل او تلك ويدلكها، كأنها (خدرت) من طول انتظار، تارة اخرى.
قالت نخوة:
ـ ان حسقيل لم يتآمر على المشيخة في القبيلة فحسب، بل على القبيلة كلها، هو وشيخ قبيلة الروم، الذي اسماه حسقيل اكبر شيخ، وسمى قبيلته اكبر قبيلة في هذا الزمان.. وانا اسمي ذلك الشيخ مثلما اسمي حسقيل: اخزى اثنين.. اما قبيلة الروم فليست اكبر قبيلة، اذا اخذنا الامور على الصفات والمعاني العالية.. او عدد الانفس..
قال حسقيل مقاطعا:
ـ انا اخزى واحد بين اثنين كلاهما الاخزى، يا بنت!؟
قالت نخوة:
ـ احترم نفسك، يا حسقيل، انا نخوة قومي، واذا كنت تصر على ان وصفي لك لا ينطبق عليك، تنازل عن الوصف الذي وصفته به واختر وصفا جديدا ولأن القول لا يفيد امام الفعل، فان تنازلت عن الوصف الذي وصفتك به، اذا كان لا يعجبك، ينبغي ان يتم بحيازة صفات مناقضة لصفاتك المعروفة المذمومة، وهذا يتم بالعمل والنموذج الذي تضفي به الجماعة عليك صفة استحقاق ما هو جديد.
 سكت حسقيل، لكن نخوة واصلت كلامها:
ـ عندما عزلتم والدي ـ موجهة الكلام للقبيلة ـ فعلتم ذلك باستحقاقه، لكنكم اخطأتم عندما توهمتم ان الاجنبي يمكن ان يصلح لقومكم مثابة وراية ومعنى وسندا، فجئتم بحسقيل شيخا للقبيلة ونسيتم في ذلك القرار الخاطئ ثوابت الامور الاساسية وخواص حسقيل، قبل ان يأتي الى قبيلتنا وتناسيتم ما وصلكم عنه من اخبار (علوم) قبل مجيئه، بما في ذلك ان ابراهيم، ذاك الشيخ الجليل، طرده من عطفه وحماه، بعد ان خرج على مبادئه واحرجه امام الناس، وفعل يوسف ومحمود الشيء نفسه.. وعندما صار حسقيل شيخا للقبيلة لم يكفه ذلك، انما دفعته عقده ومآربه المتشعبة التي بدأت من انجاح بقالية يملكها او متجر صغير، الى سيطرة مصالحه على المنطقة كلها.. اقول لم يكفه عنوان المشيخة فينا، وانما راح يخطط ليتزوج امي وبسبب الوحدة التي كانت تعيشها ولأن واليا لم يكن على رأسها ولانها لم تكن بنت عمنا وربما اغراها حسقيل بلسانه المعسول، فقد استساغت خطة حسقيل عندما اعلن رغبته في الزواج منها..
قالت ذلك وتدفقت الدموع من عينيها، لانها تعرف ان أمها لم تبق الامور مع حسقيل ضمن هذه الحدود، انما اندفعت الى ما تعرفه في سلوكها وعندما خنقتها العبرة وراح الدمع يتدفق مدرارا من مآقي عينيها، توقفت عن الكلام برهة، فاستغل الجمهور المتجمع خلف الرجال الجالسين على الارض، ليعلن عن نفسه بعاصفة من التصفيق، انتقل تأثيرها للجالسين، فصفقوا معهم بحرارة وبدأ من كان واقفا منهم يلقي شعرا وقصائد:
اخي جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفدا..
او يلقي هوسات:
لو هلهلتي وصوتك عالي..
وتحبني الناس من افعالي..
احنا الرمح وسيف العالي..
وكل خدّاع يجفل منا..
صفن يا البيض شهود إلنا..
وتجول النساء والرجال، كل ضمن حلقة مركبة، بجولات حماسية، كل يعبر عن موقفه، ويشجع نخوة ويتضامن معها ويلعن حسقيل، حتى صار حسقيل يقرع نفسه، وهو جالس مصفر الوجه، لا يكاد يرى دم فيه، ويقول:
ـ لماذا لم اركب فرسي واهرب، عندما اعلنت نخوة رفضها لي وفضلت سالم عليَّ؟
ثم يعود يسأل نفسه:
يا ترى هل ستقول كل شيء؟ انها ان قالت كل شيء، سيذبحونني، ولن يمنعوني من المشيخة فحسب..
وعندها يقول:
ـ انا (كصيرهم) قصيرهم (يذكر نفسه بهذا لانه التجأ اليهم وعاش تحت حمايتهم) ولذلك لا اظنهم يقتلونني، لان العرب لا يقتلون (كصيرهم).
ثم يعود ليقول:
ـ لكنني جعلت نفسي شيخا عليهم، ولم أبق (كصير) تحت حمايتهم، لذلك قطعت بنفسي حق ان يحموني..
كان حسقيل يقول ذلك في نفسه، بعد ان لاحظ ان لا أحد يجامله، حتى وفق أبسط اشكال المجاملة للعلاقة بين شخص وشخص، اما المجاملة على اساس انه يحمل عنوان شيخ القبيلة فقد انتهت او كادت منذ ان اعلنت نخوة رفضه واجهزت عليه نهائيا الآن، حتى انه عندما طلب (زنادا) (1) ليشعل غليونه، رماه اليه من طلبه منه بدلا من ان يقدمه اليه بيده مباشرة.. مع انه كان قبل هذا لو طلب (زنادا) لتدافع كثر من الذين قربه كل يسعى، وفي ظنه انه شرف له، ان يقدح له (الزناد) على شفرة حصى، بعد ان يضعوا فوقها جزءا من خرقة جرت تسويتها وهي مبتلة وممزوجة برماد، بعد ان تتيبس، (اما الآن فصاروا يرمون لك الزناد يا حسقيل)، وعندما يستعيد افعاله مع نفسه، يقول:
ـ ان كل هذا هين، الاخطر لو سيطروا على اموالي.. انهم ربما يسيطرون حتى على البرج.
ـ ثم يعود ليقول:
ـ ولكن البرج ليس في حماهم وانما في حمى حليفي شيخ الروم وهو والبرج الذي يملكه قريبان من بعضهما، لذلك سيحميه ويحمي الذهب والفضة التي فيه ودفاتر الحسابات التي تسجل ديوني عليهم وعلى غيرهم.. مثلما يحمي برجه.
تنفرج اسارير حسقيل قليلا، لكنه سرعان ما يقول..
ـ ولكنهم قد يقتلونني لو سردت نخوة كل ما تعرفه عني.. ثم ينثني بقوله، بما يعني ان نخوة لن تقول ما يخزيها، لذلك تحدثت عن خطبتي لأمها، ولم تتحدث عما هو ابعد..
تعود نخوة، بعد ان تكفكف دموعها لتقول:
ـ ومع ان من المعيب ان تتزوج امرأة كانت يوما ما زوجة شيخ القبيلة، الا من قروم القوم، ان كانت بحاجة الى رعاية والا اعتبرت حالتها شاذة، لو فعلت، فقد وافقت حسقيل في رغبته..
بدا حسقيل كأنه استعاد معنوياته ليقول:
ـ هذه اهانة لي لا اقبلها.. متخدا من ذلك غطاء لينهض، وفي ظنه ان بامكانه ان يترك الجلسة، لكن باشارة من سالم، بعد ان ينقر ابوه على (طاسة) امامه بان اسكتوا واجلسوا، يتولى اثنان من الشباب الذين يقفون خلفه اجلاسه في مكانه، بعد ان يضعا ايديهما على كتفيه ويضغطانها للاسفل..
عادت لتقول:
ـ ومع ان امي، رحمها الله، وافقت على الزواج من حسقيل، لكن حسقيل تصور ان امي كتمت عليَّ الموضوع، وجاءني ليعلن رغبته في خطبتي، وتمالكت اعصابي، ولم انهره، خشية ان يدبر لي ولوالدتي امرا اذا رفضته، ذلك انه سيتصور عندها ان امره قد انكشف، لكنني لم اقطع له املا بشيء وماطلته لأديم صلتي بنساء القبيلة واحرضهن على التمرد، في الوقت الذي كان سالم يفعل الشيء نفسه مع الرجال، لكنني قبلت الخطوبة عندما اشتد ساعد تنظيمنا وعرضها عليَّ سالم، واتفقنا على ان نكتمها، بعد ان نشهد الله على ذلك، وكانت شاهدتنا، بعد الله، اخته سمية، ثم ابوه وامه بعدها، وعلى هذا عندما جاء حسقيل طالبا ان ادبك معه.. رفضت، ليس لأنني احب سالم او لأنني اتفقت معه على الزواج وفقا لقانون الله فحسب وانما لاجنبكم الحرج، اخواني واخواتي واعمامي، ولكي اجنب علاقتي وعملي بين النساء ما يشوش عليهما، بل انني قدرت انني، لو وافقت على طلبه ذاك، سأخزيكم واخزي المبادئ التي انادي بها بين صفوف نسائكم، ولو تمت موافقتي على مراقصته، لا سمح الله، لقال كثير وربما كل النساء ان حسقيل قانون الله في الارض، هو وحليفه شيخ الروم، حيث لا يعود باستطاعة نساء العرب، وربما رجالها ان يصمدوا بوجهيهما..
وراحت نخوة تحكي مقتل امها، وقالت:
ـ يا عمر.. يا سمعان.. يا حازم.. احضروا الفأس التي وضعتموها في كيس كمستمسك جرمي، واشهدوا على ما رأيتموه وحكيتموه لي..
 قام الثلاثة وحكوا ما رأوه للحضور وجاءوا بالفأس وراحوا يعرضونها على الجالسين والواقفين، كأداة جرمية وعندما جاءوا بها امام حسقيل كان مطرقا برأسه، كأنه لم يعد يشعر بما حوله، لشدة ما لفه من الهم والغم والخوف، حتى انه (فزّ) عندما نبهه احدهم، وكاد يصرخ ويقف كأنه يجفل من حلم مزعج.. وعندما رأى الفأس امامه قال، وهو على تلك الحال:
ـ يا أخي (فززتني) جفلتني.. نعرفها.. نعرفها..
ولكنه ادرك انه اخطأ، فقال:
ـ من لا يعرف فأس أم نخوة، رحمها الله!؟ كلنا نعرفها.
كاد جميع من سمعوه ان يضحكوا، في الوقت الذي استدار الموجودون، كل الى من  يجلس او يقف الى جانبه يمينا ويسارا، هامسين أو معلقين بما يخزي حسقيل، ويضع علامة استفهام عليه...
قالت نخوة:
ـ اعلن امام بنات وابناء قومي قصتي وقصة امي مع الخائن المجرم حسقيل، وتحالفه الشرير مع كلب الروم وقبيلته، وانشد نخوتكم بي، وبالمعاني التي تحملونها عن انفسكم وايمانكم وعن تاريخكم، لتنصفوني، وتأخذوا لي حقي.. ان وقفة حق ثابتة معززة بالايمان تجعل الاقوام الاخرى تحترمكم وتحترم حقوقكم.. لذلك ادعوكم لأن تقفوها..
وجلست.. عندها دوت عاصفة من التصفيق، بعدها القى سالم القصيدة التالية لاثارة حماس ابناء قبيلته:
 

 مشينا على هام الزمان المطاول

   

 ندوخه   والمجد   ليس  بزائل

حفرنا  بأعلى الراسيات  مناهلا  

    ففاضت زلالا من مياه الجداول

لنقري  اضيافا  اذا هي زمجرت

    ونحمي حماها من عدو وجاهل

فنحن اباة الضيم مذ هي اشرقت

    وان اثقلت  فيها الغيوم  بهاطل

ونحن   ولدنا   للمعالي  وشعبنا

    شقيقين يخشى  جمعنا كل سافل

كما  زحل  يزجي  الثريا منورا

    كذلك   يبقى  مجدنا  غير  آفل

ترانا  عيون  الود  بيضا  فعالنا

    وسودا  بعين الارعن المتطاول

لنا الحكمة الغراء  من  عهد  آدم

    نصون  لنا  حقابها  غير باطل

كذاك   اراد   الله   سبحانه   لنا

    وقد  خصنا  فيها  بقدرة  فاعل


 نهض حسقيل من مكانه وقال:
ـ ان الاتهامات التي قالتها نخوة خطيرة، خاصة موضوع مقتل امها، رحمها الله، ولأنني لم أكن مسبوقا بهذا، ارجو من ابي سالم ان يمهلني لأحضر دفاعي يوم غد، على ان نجتمع في التوقيت نفسه، وفي المكان نفسه، هنا في بيت ابي سالم، وان نكون بلا سلاح.. جميعا بمن في ذلك انا.. وها انا مثلما ترون، لا احمل اي سلاح الآن.. وفتح عباءته وكشف تحتها من ثياب ليثبت انه لا يخفي سلاحا تحتها..
قال ابو سالم، بعد ان استمزج رأي الجالسين عن يمينه وشماله من وجوه القوم، بمن في ذلك سالم:
ـ ان ما تطلبه، يا حسقيل، موافق عليه، وسنلتقي على بركة الله يوم غد، في التوقيت نفسه، على ان لا يحمل اي منا سلاحا، وانما يأتي الجميع ويجلسون في هذا المكان، من غير سلاح، لنصدر قرار القبيلة، بعد ان نسمع دفاع حسقيل، ان شاء الله.
 رفع سالم يده مستأذنا والده، وقام ليقول:
ـ ان ما سمعناه اليوم خطير كله، ومن أجل فتح الفرص وتأثير اطراف القضية بصورة متساوية، اقترح ان نجمد صفة المشيخة التي يمارس حسقيل من خلالها أوامره وتوجيهاته على من يطيعونه، ليكون في مركز مساو لأي منا من الناحية القضائية..
صفق الجميع علامة تأييد لمقترح سالم، وعبثا حاول حسقيل ان يعترض قائلا:
ـ اخترت من الشيوخ، وليس من العامة، ولذلك اتمسك بحقي..
عاد سالم ليقول:
ـ ان الجميع حاضرون الان، سواء من اطلقت عليهم وصف العامة أو الشيوخ، وانهم ايدوا مقترحي، ومع ذلك، فإن الاصول تقتضي ان نسمع رأي رئيس الجلسة..
قال ابو سالم:
ـ مع انني لاحظت حماسكم وانتم تصفقون، اخواني واخواتي ـ قال ذلك وهو يخاطب الجميع ـ فانني اعرض عليكم المقترح، وادعو من يوافق عليه ان يرفع يده لنعرف عدد الموافقين وعدد غير الموافقين علنا، على ان يكون من يقوم بذلك هم البالغون فقط، لذلك ارجو ان ينعزل غير البالغين عن الحضور، في ركن من هذا الفضاء ـ واشار بيده الى المكان ـ وبعد ان تم ما اراده ابو سالم، رفع حسقيل يده طالبا الكلام، وقال مخاطبا الجميع:
ـ انكم، اخواتي واخواني ـ وهنا قدم النساء، وفي ظنه انه يخدعهن، باعتباره قدم صفة مخاطبتهن على الرجال ـ انكم الآن تقررون ما هو خطير، سواء على حاضركم أو مستقبلكم، أو على مستوى قومكم، أو المستوى الأبعد، خاصة علاقتنا التي رتبناها مع شيخ الروم وقبيلته، لذلك اقترح أن أجلس أنا وأبو سالم وحدنا في بيت، ونحضر من يسجل رأي من يدخل علينا من وجوه وشيوخ القوم من الرجال فقط..


هامش 1 ـ الزناد، المروة، نوع من الحصى يضرب بعضه ببعض فيولد شرارة.. كان الأقدمون يوقدون النار بها، أو يشعلون سكائرهم بها.
 

إلى صفحة المقالات