أخرج منها يا ملعون

هل فعلها العرب حقا وأحرقوا البرجين..ام فعلها غيرهم ليرمي نتائجها على العرب؟

الحلقة الأخيرة

 رواية لكاتبها: صدام حسين

 قبل ان يصلوا إلى ديار أبي سالم، سأل حسقيل شيخ الروم:
ـ هل أبقيت حراسة كافية على البرجين؟..
ـ نعم، لكن ليس بنفس عدد من يقومون بالحراسة كل يوم، إنما أقل من ذلك..
 قلق حسقيل على المال والذهب في برجه فقال:
ـ لو اعدنا عددا من فرساننا الذين لا تقدر اننا بحاجة إليهم، ليعودوا ويعززوا حراسة البرجين، خشية ان يدهمهما عدو أو طامع في غيابنا..

أعاد شيخ الروم ستة من الخيالة إلى البرجين، قبل أن يقتربوا من المثابة التي بعدها تبدأ الصولة.. وبعد مسافة ليست ببعيدة، وصلوا إلى تل يشرف من يكون فوقه على ديار أبي سالم هناك، بل لعل من يكون فوقه على ديار أبي سالم هناك، بل لعل من يكون فوقه بامكانه ان يرصد كل حركة، ويعرف الراجل من الخيّال..

 تجمع وجوه القوم حول حسقيل وشيخ الروم.

قال شيخ الروم موجها كلامه اليهم:
ـ عليكم ان تنقسموا الى قسمين متساويين، كل قسم يخرج على العدو من جهة التل.. رتل من جهة الشرق، ورتل من جهة الغرب ـ قال ذلك وهو يشير بيديه الى حيث ينبغي ـ اما انا وحسقيل، فبعد ان تخرجوا عليهم، سنكون فوق التل، نرصد حركتكم وحركة العدو، ونتدخل في الوقت المناسب، ويبقى عدد من الخيالة حولنا خلف التل، ليقوموا بواجب الحماية، وكاحتياط بايدينا، نزج بهم في اللحظات الحاسمة.

لاحظ شيخ الروم، وهو يعطي أوامره، ان هناك بيتين صغيرين يقعان في اطراف منزل القبيلة، كل منهما يرفع راية على عمود عال كأنها اشارة ما.. فنبه حسقيل الى ذلك..

قال حسقيل:
ـ اخشى ان تكون اشارة متفقا عليها، وهذا معناه، ان العدو اكتشفنا قبل ان نظهر عليه من خلف التل..


****


 في اليوم التالي مر سالم على كل العناصر القيادية من جماعته، وتأكد بنفسه من ان الاوامر التي اعطاها في اليوم السابق فهمت تماما، وان الاجراءات التي امر بها نفذت وفق ما اراد، وان التهيؤ جرى وفق روحية تلك الأوامر..

كان هناك واد عميق يحيط بمنزل القبيلة، حفرته مياه الامطار على مر السنوات الماضية، حتى صار وهو يستدير هنا، وينعطف هناك، على شكل حدوة حصان، أو شبه جزيرة، تاركا خلفه التل الذي كان حسقيل وشيخ الروم ينويان ان يبقياه خارج منازلهم، وما يليه باتجاه خط مجيء قبيلة الروم الى المكان، منبسطا تماما..

أمر سالم، وشدد حتى اللحظات الاخيرة على الخيالة المختبئين في الوادي ان ينطلقوا،  مستخدمين الوادي، كل باتجاه، وان يظهروا خلف التل، أو قريبا من جهتيه، ليقطعوا على المهاجمين خط انسحابهم، وليوقعوا بالأسر اكبر عدد ممكن منهم..

اعطى شيخ الروم أوامره.. وانطلقت الخيول بفرسانها على ظهورها، وبدلا من ان يجدوا الناس بلا سلاح، وجدوهم مدججين بالسلاح، ووجدوا النساء متهيئات للقتال، ومتسلحات بأعمدة بيوت الشعر في الأقل، بعد ان سحبن الأعمدة منها حال وصول الإشعار بهجوم العدو.. وما هي الا لحظات، حتى صار فرسان القبيلة كل على ظهر فرسه أو راحلته، أو يمسك بسلاحه ليقاتل راجلا..

كان الصف الاول في القلب من حاملي القسي والسهام، يليهم الرماحة، فيما يحاول الفرسان الاغارة فوق جيادهم على الاجنحة.. وكان جماعة سالم، كلما حاول جماعة الروم اختراق القلب، امطرهم حاملو القسي بوابل من السهام، فيسقط الفرسان من على ظهور خيولهم، أو يسقط الجواد المصاب، فيتدحرج الفارس، ويضع الاقرب اليه السيف في رقبته، وقد اختلط الحابل بالنابل، في الوقت الذي اختلط صهيل الخيول بصيحات الفرسان، وهلاهل (زغاريد) النساء العربيات اللائي كن يمسكن بالاعمدة، ويحرسن الاطفال والبيوت، كلما جاء فارس رومي مهزوما على فرسه، أو منقضا على العرب، ضربت النساء قوائم فرسه بالأعمدة، أو يشددن قوائم فرسه بحبال ممسوكة من طرفها، وتكون ممدودة على الارض، وترفع فور اقتراب الفرس الغائرة منه فيتجندل الفارس، ويتناولنه بالعصي والعمد، فيهرب، أو يردينه قتيلا.. أو يسقط في الاسر..

وكانت نخوة تهجم، يسندها الرجال الثلاثة على خيولهم.. وكلما حاول احد فرسان الروم الاقتراب منها، برز اليه احدهم ليرديه قتيلا مضرجا بدمائه.. وكانت صيحات (الله أكبر) هي الأعلى..

وكان سالم يقاتل فرسان الروم، كأنه صقر ينقض على فريسته.. وكان يمتطي حصانه الابيض الذي سماه (نسر).. بعد ان خلع قميصه، حتى بان صدره وظهره، ولم يبق على  رأسه غطاء.. وكان يطلق ضفيرتين طويلين تتدليان حتى اسفل كتفيه، مثلما كانت عادة شباب العرب آنذاك، والى وقت قريب من زمننا هذا، وهو ينتخي.. ويصيح:
ـ الله أكبر..
ـ الله أكبر..
ـ وليخسأ الخاسئون..
ـ ليخسأ حسقيل وكلب الروم..
ـ وعاش العرب..
ـ يحيا الايمان..
ـ وتبا للكفر والالحاد..
وكان لا يحمل الا سيفا فحسب.. وكلما انكسر سيفه، ناوله احد الفرسان سيفا آخر. وكان جمع الروم يتفرق عندما يغير عليهم، تماما كما تفر النعاج امام ذئب يطاردها، أو كما حمر فرت من قسورة..

 وبعد ان يصيح:
 ـ الله أكبر.. كان يقول (عين عيونك يا نخوة).. حياك الله.. وحيا الحمى.. حياك الله.. وحيا أهلنا..

كانت نخوة غالبا ما تنسى القتال وتقف لتملأ عينيها بمنظر سالم وهو يقاتل، وكان حصانه (نسر) يجود بما لا يخذل فارسه..

بدأ جمع الروم يتقهقر، وعبر التل الذي كان حسقيل وكلب الروم يقفان فوقه.. وقفت نخوة هي والفرسان الثلاثة عمر، وحازم، وسمعان.. لترى اللوحة العظيمة التي خذل الله فيها الروم وحسقيل امام العرب.. وعرفت حسقيل وشيخ الروم من طبيعة الكوكبة التي كانت تحيط بهما ولا تغادرهما، وعرفت ايضا انهم صاروا في وضع كأنهم يهيئون انفسهم للهزيمة..

ولاحظت نخوة ان سالما، كلما قاتل وجيها كبيرا من وجوه الروم، أو جندل احدهم فرسه من تحته، أمر له بفرس، ولم يقاتله، ومنع الآخرين من قتاله الا بعد ان يصير فوق ظهر فرس أو حصان، واذا كسر احد سيفه أمر له بسيف جديد.. حتى يقاتله، أو يقبل بأن يقاتله أحد الفرسان.. وهذه عادة اصيلة حفظها عن أجداده وبقي متمسكا بها..


 ****

 
 عندما كانت نخوة فوق التل، ترقب منظر القتال، وتراجع فرسان العدو، لاحظت ان اثنين جاءا مسرعين على جواديهما، وما ان توقفا قرب مجموعة شيخ الروم وحسقيل، حتى انطلقت خيولهم مسرعة للخلف باتجاه البرجين، في الوقت الذي بقي الآخرون يقاتلون، وفي ظنهم ان امكانية التراجع المنظم ممكنة.. ولكن الهجمات المستمرة للعرب جعلتهم لا يصمدون امام الموت، ففروا معقبين حسقيل وشيخهم، بعد ان سقط خلق كثير منهم بين صريع ميت وجريح، اضافة الى اسر خلق كثير ايضا.. وفقد العرب صناديد منهم، ولكنهم انتصروا، وبقيت راية الله أكبر ترفرف فوق هاماتهم.. وعرفوا، بعد ان جاءهم من تولى مطاردة الفارين، ان النيران شبت في البرجين، واتت عليهما وعلى كل شيء فيهما، مما لا يعرف مصدره الا الله، وان شيخ الروم وحسقيل، عندما اخبرهما الفارسان بالواقعة، وجدا في ما اخبرا به الغطاء الذي كانا يبحثان عنه للهزيمة..


****


عندما رأى حسقيل النار كأنها الجحيم، تعصف بالبرجين بلهيبها ودخانها، راح ينثر التراب على وجهه..ويصيح:

ـ (أويلي عليّ).. لقد ذهب كل شيء جمعته طيلة السنين الماضية.. يا لها من نكبة كبيرة لي ولشيخ الروم!! قال له أحدهم متشفيا من الروم:

ـ انصحك يا حسقيل ان تبني برجين آخرين، تبيع احدهما وتؤجر الآخر لشيخ الروم، وتذهب انت لتكون ضيفا على ابن عمك في النار.


****


 لقد فعلها العرب.. يا لهم من مغامرين عندما يستفزون!! ومع ان حسقيل، والى جانبه كلب الروم، كانا يحثان التراب ويذروانه على رأسيهما.. فقد تساءل كبير الروم مستفسرا من حسقيل:

ـ هل عملها العرب حقا، واحرقوا البرجين، في الوقت الذي كنا منشغلين بالقتال مع جماعة سالم، أم فعلها غيرهم، ليرمي نتائجها على العرب، مع ان اعداءنا من غير العرب كثر ايضا؟

ويجيبه حسقيل:
 ـ لا، ان مثل هذا العمل الفدائي لا يقوم به الا عربي.. لأنني وفق ما عرفته ممن جاءنا بالخبر ان الذين احرقوا البرجين، احترقوا جميعهم في نيران البرجين بعد ان احرقوهما..

ـ كيف ذلك؟، يستفهم كلب الروم.. اعتقد ان آخرين من غير العرب لو آمنوا بما يؤمن به العرب قد يقومون بهذا ايضا.

ويجيبه حسقيل:
ـ لقد باشروا باحراق البرجين بعد ان صعدوا الى حيث الحرس في البرجين، وقتلوهم..  باشروا باحراق البرجين من على الأعلى، أو منتصفهما ابتداء، وليس من الاسفل، وكانوا يعرفون، كما يبدو، ان مثل هذا العمل يجعل امكانية احتفاظهم بالحياة غير ممكنة، ولذلك قبلوا هذا المصير لأنفسهم.. وقال من اخبرنا بهذه التفاصيل انهم كانوا يرددون، مع قيامهم باحراق البرجين، بصوت جماعي مدو: الله أكبر.. الله أكبر.

وعندما سمع أحد حراس كلب الروم هذا، ويبدو ان جماعة سالم كسبوه الى طريقهم وموقفهم، قال:

ـ رحم الله الشهداء الابرار، شهداء الايمان، والعروبة المؤمنة، وأخزى الله الكافرين. عندها جفل كبير الروم وحسقيل، وهما يقولان:

ـ يبدو ان لا مفر امامنا.. ان البرجين وخسائرنا وهزيمتنا في هذه المعركة ليست نهاية المطاف.

قالا ذلك، وركبا فرسيهما، ورحلا..


****


 رأى سالم منظر النار وهي تشب في البرجين.. وكان فوق التل، بعيدا عنهم، وقد ارخى الليل سدوله، ولما يزل يطارد بقايا قوم الروم المهزومين قريبا من ديارهم.. رأى منظر البرجين البائس، واستعاد بذاكرته ثروة حسقيل، وشيخ الروم، تلك الثروة التي جمعاها من المنطقة على حساب اهلها والمحتاجين اليها..

التحقت به نخوة، وفرسانها الثلاثة، وكوكبة من افضل رجال العرب، ووقفوا هناك، فوق ذاك التل، يتأملون في ما حصل..

 ردد سالم عند ذاك بصوت متهدج، بعد ان فاضت الدموع من عينيه، ومن عيون الجميع، وبكت نخوة خشوعا وحبورا:

 ـ (بسم الله الرحمن الرحيم.. الم يجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيرا ابابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول) وردد ايضا: (قل اللهم مالك الملك، تأتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) صدق الله العظيم.. كأنه استحضر ما يعطي التفسير لما رآه من هزيمة حسقيل والروم واحتراق برجيهما.. واستحضر هذه الآيات من هذا المنظر ومنظر الصقور، وهي تنقض على طيور الحبر، ذلك لأنها قد مرت من فوق رؤوسهم، وهم يتجمعون في بيت سالم، وحوله وامامه، مثلما مرت من فوق حسقيل وشيخ الروم.
والله أكبر.

إلى صفحة المقالات