أُخرج منها يا ملعون

العرب لا يبحثون عن الألوان المختلطة بل عن الألوان الأساسية بعد الأبيض والأسود

الجزء الثاني (2)

 

  رواية لكاتبها: صدام حسين


  تحكي الحلقة الاولى من رواية «اخرج منها يا ملعون» علاقة الشيخ ابراهيم مع ايتام اولاده الثلاثة، الذين    قتل آباؤهم في غزوات ومنازعات قبلية. وتسلط الاضواء على شخصية كل منهم وهم: حسقيل ويوسف     ومحمود.
 في هذه الحلقة تتابع الرواية شرح مواقف كل من الثلاثة من مفهوم الثروة.

 كان إبراهيم وأولاده (أحفاده) يتحدثون عن الماضي البعيد، ورغم ان هناك الكثير من الثوابت، أو ما يشبه اي     لثوابت في الحياة، مما لا يجعل وزنها وتأثيرها يتغيران تغيرا جوهريا بصورة لافتة للنظر، الا ان الاشياء تبقى غير الثوابت أو شبه الثوابت في المعاني والاعتبارات مما يحكم سلوك الانسان ومعتقداته فتكون له أو عليه، ومع ذلك بإمكاننا ان نقول ان مظهر الناس، لو استحضرنا صورة الماضي، وبساطة وسائل الناس فيه، ينبئنا  بأن الثروة كانت أقل آنذاك.. وكذا الذهب، وان دور الذهب في الثروة كان حاسما ومرجحا لقيمتها المادية أكثر   مما هو الآن.. ذلك لأن عناصر الثروة الأخرى من غير الذهب.. مما يكون قيمة ما توزن عليه الثروة آنذاك، غير ما هي عليه الآن..

إذن المثل الذي قاله ابراهيم لابنائه، ومنهم حسقيل، في موضوع أوقية الذهب ورغيف الخبز حاسم في الاجابة عن تساؤلات من يتساءل عن دور الذهب وعلاقته بالثروة .. بل وكثير من عناصر الثروة الأخرى، وما يوزن عليه ثقلها وقيمتها.. فما قيمة أي ثروة، حتى لو كانت أكواما وأكواما من الذهب، اذا لم تدم الحياة؟ وما قيمة الثروة. سواء بقياسات الزمن القديم الذي تحدث عنه ابراهيم، أو حتى بقياسات هذا الزمن، إن لم تعز أهلها، وتكن في خدمة المعاني العالية، وبما يسهل مهمة انتشارها معاكسة للمعاني الواطئة أو المخربة؟ ألا تكون الثروة عبئا، إن لم تكن على اساس هذه القياسات ومعانيها؟ وماذا يعني من يملكها، حتى لو كان ثوبه وعقاله من ذهب، غير منظر قابل أن يمرغه اي من الفقراء بالوحل، عندما يتكل على الله؟ وهل سيكون منظره الا مضحكا؟ ولو مرغ احد الحفاة قدميه في وحل لأي سبب، لن يكون منظره مضحكا بالضرورة، لكن من يلبس الذهب، ويفكر في الذهب، ويعتقد ان اساس وزنه وتأثيره في الحياة هو الذهب فحسب، ينشأ ضعيف التأثير، ضعيف الارادة. ضعيف البنية والصبر والتحمل، لذلك ما ان يمرغه احد في وحل أو يهوى عليه بقبضته أو يواجهه بإرادته حتى يغدو ذلك في حالة مضحكة، وبإمكان من له هواجس عكس ما نقول ان يتمعن بمن هم في وطننا العربي الكبير الآن، ومن هم جزء غير حي في أمتنا.. بل بإمكان أي واحد من الناس ان ينظر الى نماذجها ابتداء من الحي الذي يعيش فيه في مدينة، الى قرية في الريف، أو الريف الذي عاش فيه سابقا، أو حاليا.. ان الله خلق عناصر الثروة للانسان، أو ما يمكن خلقه منها، بعد ذلك بجهد اصحابها لتعز الانسان، لا لتذله، ولتقويه، لا لتضعفه.. وانها لكي تعزه وتقويه يجب ان يكون جمعها حلالا منزها، وأن تكون في خدمة المعاني العالية وما يرضي الله.. لا ان تكون في خدمة الشيطان والانانية والاثرة المقيتتين.. واذا ما جمعت الثروة ووضعت في خدمة هذه المعاني، وكل ما يرضي الله، وأغلبية الناس الخيرين، كانت كأنها جوالة بذاتها، ومحمية بذاتها.. تتحرك من مكان الى مكان، وتظهر أو تحتجب وفق ما يحميها وينميها، ولا تكون عبئا على اصحابها لو جاءت من مصادر مشروعة.. ولا ثقلا وهما عليهم في الليل والنهار، ان قاموا، وان قعدوا، إن      ناموا أو استيقظوا ومدخلا ووسيلة ذل وضعف وما يخزي أهلها بدلا من ان يقويهم ويعزهم.. ذلك لأنها تكون مطاردة من الفقراء، بعد ان يشيح الله بوجهه عن أهلها..


عندما كان ابراهيم يتحدث عن الثروة والذهب ودوره ووزنه في الحياة.. يسأله حسقيل:
*
هل ان امتلاك الذهب من الرجال واكتنازهم له يجعلهم في نظر الناس كالنساء يا والدي؟
ـ لا، لن يكونوا على هذا الوصف بالضرورة، إلا عندما يتخلون عن دور وصفات جنسهم.. ولكن لماذا تسأل عن هذا، يا حسقيل؟
 ـ أقول لك يا ابتي: والله، ما ان يذكر احدهم الذهب، حتى يطير له فؤادي، بل أكاد لا أهتم بأي نوع من أنواع عناصر الثروة التي ذكرت أو أي شيء آخر.. الا عندما يكون بإمكاني ان أحولها الى ذهب.. وقد تولدت هذه الافكار لديّ، وتكون بنائي عليها منذ ان ذهبت مع والدتي الى سوق مدينة بابل ورأيت الصاغة هناك، ورأيت دكاكينهم مليئة بالذهب، ورأيت النساء الحسان يتعاملن معهم، ورأيتهم يضعون الحلي على جيد هذه أو تلك، لتنظر في المرآة الى نفسها لتقرر شراء ما يعجبها، ولم أر الا قليلا من الرجال يرصعون مقابض سيوفهم بالأحجار الكريمة، أو يغلفون (اقربة) سيوفهم بها.. ولو لم اتحسب لغضبك لذهبت الى هناك.. لأتعلم مهنة الصياغة.. وأريد ان اسألك، يا جدي ـ ولأول مرة قالها حسقيل بعد ان كان يخاطب جده بالقول (يا ابتي) كأنه أراد ان يشعر جده بصورة غير مباشرة بأنه اصبح رجلا وصار من حقه ان يقرر
*
الم تقل، يا جدي، ان اساس الثروة وجوهرها عمل؟ وانا اقول ان اساس الثروة وجوهرها ذهب.. ولكي لا اتقاطع مع قولك وفي الوقت نفسه اقترب من معبودي الذهب، قل لي، يا جدي، لماذا لا نضع رمزا تشبيهيا لإلهنا، فنجعله من ذهب، ونعبده؟ وبذلك نكتنز الذهب. ونجمع برمزه قوة الدنيا ومعاني العبادة؟
عندها نهره جده..
ـ أتقول معبودي، يا ولد؟ وتريد ان تنزل الذهب الذي استعبدك بمنزلة الله؟ وان تحول الله العظيم الى صنم، لتحقق بواسطته رغباتك، يا خاسئ؟ وحمل عليه بالعصا ليضربه..
امسك حسقيل بالعصا من يد جده وهو يضحك ويقول له:
ـ صبرك عليّ، يا جدي.. ربما لم احسن القول نظرا لحماستي للذهب وحبي له، ولكن، والله يا جدي، ما ان يذكر الذهب حتى يطير له صوابي، لكن لولا حبي لله لما سخيت على نموذجه بالذهب.. ألا ينبئك سخائي هذا بمستوى ونوع محبتي لله..
قال حسقيل ذلك هو (يتمزمز) كأنه يكبت ضحكة في داخله.. لأنه يعرف أن ما أراده ليس توقير الرمز، وانما اكتناز الذهب فيه.. ثم استدار بجلسته نحو محمود ويوسف قائلا لهما:
ـ لو وافق جدي على هذا، مع معرفتي انه لا يؤمن به. لجمعت ثروة كبيرة بأسرع وقت.. أتعلمان كيف افعل ذلك؟ كنت سأدعو كل أهل بلاد الشام والعراق، مستخدما سمعة جدي ودينه، لأطلب من كل قادر مساهمة في هذا التمثال الرمزي.. وعندها ـ يقول حسقيل ـ سيكون لدينا تمثال كبير من ذهب ـ وكان من يسمعه يقول (تمثال من ذهب) يكاد يسمع صوت بلعومه، ويلاحظ انه يدور لسانه على شفتيه كأنه يتحسس عسلا بطرف لسانه ـ وسأجمع من خلال الطواف به ثروة، في الوقت الذي تكون ملكيته لي، لكنني مستعد لاعطيكما شيئا منه.
ولكن ابني عميه يرفضان، فيقول لهما هازئا:
ـ أبقيا على دينكما، وسأكون على ديني..
ثم يعود حسقيل ليقول موجها الكلام الى جده:
ـ أليس من الافضل ان يعمل الانسان بالذهب، بدلا من مباراة أو رعي اغنام وإبل وأبقار مما نفعل الان أنا وابنا عمي؟ ـ ولأول مرة يقول (انا وابنا عمي) بدلا من (اخوي) التي كان يقولها في السابق، وفق ما أراد جدهم ابراهيم ان يعودهم عليه، وكأنه قرر ايضا ان يفصل نفسه عن البيت وابني عميه بقوله لهما (ابنا عمي) بدلا من أخوي..
نظر ابراهيم اليه، وقال:
تصرف وفق ما ترى، لقد صرت الآن رجلا، وبإمكانك ان تقرر ما يتعلق بمصيرك، لكنني ظننتكم تعيشون اخوة في هذا البيت، وترعون ما تملكون، وتتقون الله بعد ان آمنتم به.. وها هي ثروتكم كبيرة، والأهم في ثروتكم هو سمعتنا بين الناس، وطاعة الناس لدعوتنا الى عبادة الرب الرحيم، الإله الواحد الصمد.. وتبركهم في طاعتنا، بعد الله، واليه يسلمون.
قال حسقيل:
*
إذا لم ترغب في ان أفارقكم، يا جدي، فاترك لي أن أقرر نوع العمل الذي أعمله، ونوع الثروة التي أجمعها..
ـ لك ذلك، يا ولدي..
فهم ابراهيم ان حسقيل اراد ان يكون في بيت منفصل، وأراد ايضا ان يفصل ملكية أبيه عن الملكية المشتركة، وهي عبارة عن عدد من الإبل والأبقار والأغنام.. عزلها له جده بمساعدة الرعاة، وفق قانون ايمانه.. ومن يومها صار حسقيل يعيش في نفس المكان الذي كانوا يعيشون فيه، ولكن في بيت شعر منفصل.. وبقي ابنا عميه يوسف ومحمود مع جدهم ابراهيم وجدتهم حليمة..
وفي الوقت الذي كان يوسف ومحمود يباريان الرعاة ويوجهانهم، ويحميان المواشي اذا تعرضت الى غزو، ويكرمان ضيوفهم تحت اشراف وتوجيه جدهما، كان حسقيل يتخذ اتجاهات اخرى لحياته.. فقد باع من فوره كل ما افرزه (جنبه) له جده من أغنام وخيول وابل وابقار، وحولها الى قطع من ذهب من العملات الدارجة آنذاك، وكان العراق حينئذ أول من سن ضرب العملة، بما في ذلك العملة المعدنية باعتباره اقدم حضارة وأقدم دولة.. وبعد ان حوّل ما يملك من ذهب، كان حسقيل يأتي الى بيت جده وهو يحتضن كيس (صرة) الذهب، ويتلمسها وهي في يده كأنه يتبارك بها، بل انه كان حتى في الصلاة يضع (الصرة) أمامه كأنه يصلي لها.. وعندما يزور ابني عميه، كان يعرض عليهما الذهب قطعة قطعة كأنه يستحثهم على ان يسلكوا طريقه.. وكان عندما يعرض قطعة الذهب يشمها. ثم يفركها بأصابعه قبل ان يسلمها الى اي من ابني عميه.. وينبههما ان لا يدعا ايا من قطع الذهب تسقط على الارض وعندما يقولان له باستغراب: وماذا يصيب قطعة الذهب، وهي معدن، لو سقطت على الارض؟.. (يتمزمز) حسقيل ويقول:
ـ لو سقطت على الارض مرات عدة، أو فركت مرات عدة، قد تفقد شيئا من وزنها، ولذلك ترون انني اضعها في كيس قماش رقيق، بدلا من ان اضعها في كيس يحاك من شعر الماعز أو صوف الغنم، ذلك لأن شعر الماعز وصوف الغنم خشنان، ولكنني مع ذلك اخشى ان تفقد القطع من وزنها بسبب احتكاكها مع بعضها.. ولكن لم أجد وسيلة افضل من هذا..
وكان لا يستخرج قطعة ذهب أخرى من (الصرة) أو الكيس، الا بعد ان يعيد القطعة التي في ايديهما للكيس.. ولكنهما كانا باتجاه آخر، في الوقت الذي افترق عنهما ليأخذ طريقه..
كان حسقيل لا يستضيف أحدا في بيته.. متخذا من عدم وجود امرأة معه لتقوم بإعداد الطعام ذريعة ليتجنب الصرف على ضيوفه.. وإذا ما أحرجه أحد.. قاده وذهب معه الى بيت جده لتكون الضيافة هناك.
كان حسقيل ضئيل الجسم، مقوس الانف، دميم الخلقة.. تسترسل لحيته من غير اعاقة، وتلتحم بطرفي شاربيه، لكنها لم تكن كثة، وانما شعرها خفيف ومتفرق، وكان يترك فجوات بعينها في لحيته من دون شعر، وكان يرتدي سروالا على هيئة سكان الجبل، وليس ثوبا، ولا يضع شيئا على رأسه.. وعندما يقول له اخواه: لماذا لا تضع غطاء على رأسك، يا حسقيل؟ يقول لهما: لا داعي لمزيد من الصرف.. وترك حسقيل رأسه مكشوفا بعد ان انتقل من بيت جده لان الصرف آنذاك كان يجري على نفقة جده ابراهيم.. لكنه عندما استقل في بيت منفرد، استغنى عن غطاء الرأس المعتاد ضمن وسطهم واستبدله بقطعة قماش صغيرة على هيئة (طاسة) (1) صغيرة مفلطحة بالكاد تثبت بصورة غير مستقرة في اعلى سمت رأسه.. وعندما يسأل: لماذا لا تجعلها تغطي كل شعر رأسك من الاعلى؟ يقول: لا داعي للتبذير، هذا يكفي.. وصارت ملابسه الرثة المتسخة من بين اهم مظهر فيها.. وكان لا يملك في بيته الا بساطا واحدا، ووسادة واحدة، وفروة يرتديها في الشتاء ويتغطى بها عند النوم، وكان كلما اكل اكلة دسمة في بيت جده ابراهيم مسح يديه بالفروة بدلا من ان يغسلهما، وعندما يسأل: لماذا لا تغسل يديك؟.. يقول: ان مسح الدسم بجلد الفروة يجعل الجلد طريا وبذلك اطيل عمر الفروة.. اضافة لكوز ماء (مثلوم) من اكثر من مكان، وقربة ماء بالكاد تكفي شربة او شربتين لشخص واحد فقط.. وكان لا يطبخ في بيته او يستأجر من يخبز له.. ذلك لانه كان يأكل في بيت ابراهيم.. وربما كان هذا واحدا من اهم الاسباب التي جعلته يسكن قرب بيت ابراهيم، بالاضافة الى ان منزله قرب بيت ابراهيم يجعله يتمتع بالحماية التي يوفرها من يعيش على خير ابراهيم وما كان يحظى به من احترام وتقدير وهيبة ومحبة بين الناس، مما جعل حسقيل يطمئن على ما بمكله من ذهب، ومع ذلك كان لا ينام الا بعد ان يشد كيس الذهب على بطنه، في الوقت الذي ينتقل معه.. حتى الى بيت جده.. بل إن بيت جده كان المكان الوحيد الذي يذهب اليه بعد ان يترك بيته.
اتجه حسقيل الى الحدادة في بادئ الامر، ذلك لان هذه الحرفة لم تكن من الحرف التي تستهوي العرب، ولذلك لم يكن منهم من ينافسه عليها، ولذلك ايضا بدأ بها، وكان اول عمل بدأ به هو انه صار يحذو الخيل، وكان كلما علم بوجود ميدان بذاته لسباق الخيل قد اتفق عليه مسبقا ليقام عليه سباق او لعبة فرسان سلمية فوق ظهور الخيل في مناسبة بعينها، ذهب بنفسه، او استعان بمن يستكريهم ليجمعوا له حصى صغيرة او يجزئوا الحصى الكبيرة نسبيا الى اجزاء صغيرة، بعضها حاد كشفرة، وذلك بضرب الحصا ببعضه.. وعندما يتجمع له منه ما يقرره، يذهب خلسة الى الميدان، لينثره في التربة هناك، بحيث تؤذي حوافر الخيل عندما تتسابق او يلعب فوقها الفرسان بالمطاردة (بالطراد) الى الحد الذي يضطر اصحابها ليستعينوا به ليحذوها.. ولانه الوحيد في منطقته، فقد كان يفرض اجره (بالعالي) وغالبا ما كان يجعل حذوة الحصان او الفرس غير ثابتة بما يكفي، بحيث يضطر اصحاب الخيول الى الاتيان بخيولهم اليه، ليعيدوا حذوها، او بفواصل زمنية قصيرة، وبذلك يزداد الطلب عليه، ويزداد اسغلاله وتكبر ثروته.
وبعد ان تحسنت اوضاعه اتجه الى صناعة السيوف والخناجر، ثم من بعدها الى صياغة الحلي.. وعندما صار يصنع السيوف والخناجر، كان يعمد الى اثارة فتن بين القبائل، ليضرب قبيلة بقبيلة، فتتجه على هذا الاساس الى شراء وحيازة المزيد من الرماح والقضبان والسهام والنبال والسيوف والخناجر والدروع والتروس.. وبعد ان وسع حسقيل قدراته في الانتاج، صار يشغل بالاجرة اعدادا من الناس، لكنه كان يعلم كلا منهم جانبا من الحرفة، بحيث لا يستطيع اي منهم ان يعمل شيئا كاملا منها من غير ان يستعين بحسقيل.. وبينما كان حسقيل ينظم شبكة من الاجراء لبث الشائعات والفتن، واغراء من يغرونه على قول شعر هجاء بحق هذا او ذاك من وجوه قوم آخرين لتنشب النزاعات والقتال ليستفيد حسقيل، كان كل من محمود ويوسف يتتلمذ على يدي جدهما في تعلم الحكمة، ورسوخ الايمان في نفسيهما وعقليهما، وكانت طاعة جدهما في كل ما يأمرهما ويكلفهما به هي المدخل الاساس وعنوان شخصيتيهما الى الايمان العظيم بالله الواحد الاحد.. وكانا يتعاملان مع جدتهما حليمة بنفس روح التقدير والاحترام والطاعة لجدهما، ولكن على وفق درجتها واستحقاقها.. وكانت محبة الناس لهما تزداد وتتسع.. وكلما جاء من يريد ان يستشير جدهما في امر ديني، أو شأن حياتي يقتضي حله الحكمة، ويقدر جدهما ان ايا منهما على وجه التحديد قادر على حله، كان يحيل اليه من يتوجه اليه بسؤال او استفسار او يستعين به بنصيحة لحل معضلة، وهكذا كان جدهما، كأنه اراد ان يدربهما على كل شيء يعرفه، ليتوليا حفظ الرسالة وابلاغها الى من يستعين بهما ويتبعهما بعد وفاته، وكان اي منهما كلما وجه، او افتى، او نصح بشيء عاد الى جده ليشرح له اجتهاده فيقره عليه او يصحح له وفق ما يستوجب.
في احدى السنوات، وبعد ان صار حسقيل يصنع الحلي من الذهب والفضة.. كان الوقت وقت ربيع.. ومن عادة اهل البادية في ذلك الزمن، مثلما هم حتى يومنا هذا، رغم ما يحظون به من استقرار في الوطن العربي كله، انهم كانوا يرحلون من مكان الى آخر طلبا للماء والكلأ.. وبخاصة في فصل الربيع.. وحصل ان انتقل ابراهيم، ومعه حليمة وحفيداه محمود ويوسف.. وكان حسقيل يتبعهم وينزل قربهم.. وظلوا يرحلون من مكان الى آخر، حتى حطوا رحالهم في منطقة قبيلة كبيرة، كان شيخها رجلا كريما وحكيما وشجاعا وصاروا منذ ذلك اليوم يرحلون وينزلون معه، ولكنهم لا يحطون رحالهم إلا بعد ان يركز شيخ القبيلة رمحه في مكان بعينه، وكعلامة على مكان ومكانة منزل ابراهيم كان شيخ القبيلة يبني منزله على مسافة قريبة منه.. ليضمن له الحماية وحرية الجهر بافكاره والدعوة الى ما يؤمن به كرسالة التوحيد وعبادة الله الواحد الاحد.
وفي أواخر ايام ربيع احدى السنوات التي قضاها ابراهيم في بلاد الشام متنقلا بين الفرات شرقا وبلاد الشام وبحرها غربا، وباقي اراضي شبه جزيرة العرب جنوبا.. صادف ان رحل ابراهيم مع تلك القبيلة التي تآخى مع شيخها. وبينما راح ابراهيم يستطلع المكان الذي عينه لمنزله شيخ القبيلة، وجد انه ركز رمحه في (قرية نمل).. وهذا يعني بعرف القبائل انه غير مرغوب فيه.. وقد لفت زوبعة أسى ابراهيم، ذلك لانه كان يعرف ان صاحبه شيخ القبيلة لا يطلق الأحكام على عواهنها كما يقول المثل، ولانه لم يفعل هو او زوجته ما يسيء الى شيخ القبيلة، ولا الى اي احد من افرادها ولم يفعل هذا اي من ابنائه بصورة معروفة، بمن فيهم حسقيل، فلا بد ان يكون احد ابنائه (احفاده) قد عملها بصورة سرية.. ومن يكون غير المرأة والعلاقة معها مما يفعله شاب تزل قدمه عن موضعها او يخالط عفته عفن؟ ورغم انه خمن ان يكون حسقيل هو الذي اقترف هذه الفعلة، فقد اراد ان يعرف بصورة غير مباشرة، ولان من عادة كبير العائلة ان يتقدم الضعن قبل وصوله المكان المقرر، فقد عاد ابراهيم أدراجه ليلتقي بعائلته المضعنة، وعندما رأى ابناؤه وزوجته جدتهم ان ابراهيم عاد اليهم بخلاف ما اعتادوا عليه، توقفوا واجتمعوا اليه يسألونه:
ـ خير، يا والدي؟
وقالت حليمة:
ـ خير ان شاء الله يا ابراهيم؟
ولكن حسقيل قال:
ـ ماذا حصل، يا جدي؟
اجاب ابراهيم:
ـ إن شاء الله خير، يا رب.. لقد فكرت في ان نغير اتجاهنا ونعود ادراجنا وفي مكان ما في منتصف الطريق، نقيم ريثما نقرر اتجاهنا الجديد، وقد نعود الى حافة نهر الفرات في وسطه حيث العراق واهلنا هناك، او نتجه الى الحجاز.
حاول حسقيل ان يخالف توجيه جده، لكن الاشارات التي فهمها من محمود ويوسف لم تنبئ بان باستطاعته ان يقرر منفردا برأيه خلافا لما يريده ابراهيم.. ذلك لان الجميع فهموا ان ابراهيم ما كان ينفصل عن قبيلة صاحبه وحيث نزلوا الا لامر جلل.. لم يفهم حسقيل ذلك، او انه اراد ان لا يفهم، جريا خلف ما درت عليه مهنته في كنف تلك القبيلة الكبيرة، وانجرارا خلف ما صار عليه طمعه، بعد ان بنوا بيوت الشعر بما في ذلك البيت المخصص لحسقيل وبيوت الرعاة.
استدعى ابراهيم اولاد ابنائه الثلاثة.. وانفرد بهم واحدا واحدا، مبتدئا بالصغير، محمود، وقال له:
ـ ان لـ (خوينا) مصعب ـ اي اخينا ـ شيخ القبيلة بنتا حلوة تغري كل رجل.. هل دنوت منها؟ ألم تستطع ان تغريها، يا ولدي؟ انها جميلة وتستحقك.. وانت تستحقها اكثر من غيرك..
جفل محمود واحمرت عيناه.. بل كادت تخرجان من محجريهما.. وكاد يسحب سيفه من جنبه، بعد ان نسي من شدة ما غشيه من غضب، ان من يخاطبه هو جده ابراهيم.. وعندها قال لابراهيم:
ـ يا للعار، لو فعلنا سوءا كهذا! كيف تقول هذا، يا والدي، وابو البنت (خويك) وقد انزلنا في كنفه، وضمن لنا حرية التبشير بآرائنا، وحمانا؟ والله، يا والدي لو لم تكن ابي، ولو خمنت انك مستقر على رأيك هذا، لكنت اتخذت موقفا لا ارضاه لنفسي ولا ترضاه عني، ولفارقتك من يومنا هذا، وربنا الغفور الرحيم.
قال ابراهيم:
ـ (عفية)، يا ولدي.. اكتمها عن اخويك.. وإذا سألاك بعد خروجك افتعل لهما اي شيء ولا تقل ما قتله لك.
وعده محمود بذلك، وهدأ روعه، ثم خرج، ودخل يوسف وكان موقفه وجوابه كموقف محمود وجوابه لابيه، الذي قال له ما قاله لمحمود.. بعدها جاء دور حسقيل.. وقبل ان يدخل، كان ابراهيم يداور الأمر مع نفسه: اتراه فعل الفعلة المخزية، هذا اللعين حسقيل؟ اتراه هو الذي سوّد وجوهنا وموقفنا امام ابن الحلال، (خوينا) شيخ القبيلة مصعب!؟
ثم يعود ليقول في نفسه: ان أمه عفيفة وابنة رجل شريف وان اباه ابني، وانا واثق من امه.. وواثق من نفسي، ومن طهارة حليمة.. ولكن من اين جاءه هذا العرق النجس؟ ربما جاءه من اي من اخواله.. وربما من اي من اعمامنا.. وعندما قال الجملة الاخيرة، بدا كأنه يقولها من غير قناعة مستقرة.. ولكن هل يمكن ان يتصور شيخ القبيلة خطأ ينسبه الينا متوهما؟ ثم يعود ليقول: انه رجل حصيف بل حكيم حقا، ويعرف حقوق الله عليه، وحقوق الناس، ويعرف واجباته ازاء ربه، وازاء الناس.. وهو رجل يكن لي تقديرا ومحبة خاصين، ولا يمكن ان يلقي التهم جزافا، او يفرط بي من غير ان يكون مضطرا لذلك.. فلأدع هذا الملعون، وسيكون كل شيء واضحا ومفهوما بعد ذلك.
استدعى ابراهيم حسقيل، عندما لم يجد في تصرف اي من محمود او يوسف ما يعيب وكرر عليه ما قاله لهما.. وقد ظن حسقيل انه امر يدل على كفاءة خاصة، ان هو افضى لجده بحقيقة ما فعله.
قال حسقيل:
ـ اتعرف، يا جدي، لماذا عاكستكم في الرغبة، عندما عدت من مرافقة والدها، وابلغتنا بأن نغير اتجاهنا ونعود ادراجنا الى حيث نحن الآن!؟
قال ابراهيم:
ـ لا اعرف، ولا استطيع ان اخمن.
قال حسقيل:
ـ كانت بنت مضيفنا ذاك تمر عليّ، لتعرف ماذا لديّ من حلي، وعندما ارادت يوما ان تعرف ما اذا كانت احدى القلادات على قياسها ام لا، امسكت بها من ثديها، لكنها جفلت مني، في الوقت الذي كانت خادمتها خارج البيت، وقد لحقتها وامسكت بها قبل ان تخرج من بيت الشعر، ووضعت كف يدي اليسرى على فمها، وطوقتها بيدي اليمنى، وسحبتها الى الركن البعيد في البيت وهممت بها، وكدت ان افعلها، لانني اعرف انها يتعذر عليها ان تصرخ وتستنجد خشية ان يلحقها عار الفضيحة، لكنها امهلتني لليوم التالي، وحلفت انها ستفي بوعدها، ورغم ان هذا ليس هو الذي منعني منها، وانما صوت خادمتها وهي تصيح باسمها، وتستعجلها لتعودا للبيت، فإني قبلت من جانبي تأجيل ما كنت انوي فعله، بأمل ان افعله معها اليوم، ولكن اليوم كان يوم رحيلنا ولذلك كنت اعاكسكم في الاتجاه. وفي نيتي ان الحق بها الى هناك، لاحصل على بغيتي.
عندما كان حسقيل يسرد قصته مع ابنة مضيفهم، شيخ القبيلة كانت الارض كأنها تميد بابراهيم فقام من فوره وصفعه بأقوى ما يستطيع حتى ادمى انفه، وصاح بيوسف ومحمود ان يحضرا وامرهما بأن يربطا يدي حسقيل خلف ظهره، وقال بحزم:
ـ اقتلاه، اذا قاومكما.
عرف حسقيل الامر وصرامته فاستسلم من غير مقاومة، وعندما اكمل محمود ويوسف تكتيفه، امرهما باحضار فرسه واحضار حمار ليضع فوقه الخاسئ حسقيل، وان يأتيا له بسيف وقوس، وبعد ان تقلد سيفه ووضع جعبة السهام خلف ظهره، وامسك بالقوس بيده، وهو امر لم يفعله ابراهيم منذ وقت طويل، ذلك انه لم يكن بحاجة اليه وهو حكيم الامة ومرشدها لكنه هذه المرة كان بحاجة اليه ليتدبر امر حسقيل، خشية ان يهرب منه وهما في الطريق الى شيخ القبيلة المقصود.
ما ان استوى حسقيل على ظهر الحمار، واتجه به معقبا اثر قافلة الشيخ الجليل، حتى امتطى ابراهيم فرسه، وصار خلف الحمار ليلكزه بعصاه عندما (يحرن)، ليستمر في سيره. وما ان لاحت مواقع بيوت شيخ القبيلة من بعيد، تحيط بها بيوت الشعر لعشيرته، حتى لاحظ ابراهيم ان احدهم خرج من البيوت على ظهر فرسه.. التي جاءت (تهذب) باتجاهه.
عرف ابراهيم الفرس من لونها الاشهب، وعرف من وضعية فارسها انه صاحبه لا محالة، وخمن ان هناك من قال له "انني جئت معقبا اثرهم ـ هكذا قال ابراهيم في نفسه ـ وان معي احدهم فوق ظهر الحمار، وانني اهتديت الى السبب الذي جعله يرحل هذا اليوم، ويفصل منزلنا عنهم، عندما وضع رمحه في عين (قرية) نمل، بمعنى انعدام الرغبة في المجاورة، وان الشيخ جاء خارج منزل القبيلة لكي لا تعرف شيئا عن وصول ابراهيم الى مضيف الشيخ، لانها عندما تعرف يتعقد الامر على الشيخ، وتكون المرونة لديه محدودة خارج ما اعتادت عليه هذه القبيلة وكل قبائل العرب، وهو القتل لمن يتحرش بامرأة بخلاف رضاها، وقتل المرأة والرجل اذا كان برضاها".
عندما وصل شيخ القبيلة وصار على مقربة من ابراهيم، قفز من على ظهر فرسه الى الارض، مما جعل ابراهيم ينزل عن ظهر فرسه ايضا، وبدلا من ان يسلم على ابراهيم باليد، او يقول اي شيء احتضنه من فوره، وصار يقبله على وجهه وجبينه ورقبته، وهو ينتحب ويقول: (عفية اخوي) انت قدوتنا في الحكمة، وقد تأكدت اليوم بصورة اعمق انك قدوتنا في احقاق الحق ايضا، بعد ان كنت تدعونا اليه وترشدنا لان نحكم ونؤسس علاقتنا عليه.. لقد عرفت انك ستهتدي الى السبب الذي جعلني انفصل عنك، وعرفت بيقين انك سترضيني وتنصفني، لانني متيقن من انك تعمل لارضاء الله.. وبعد ان صار كل العرب يسيرون على سنتك ومنهجك، فانك في الوقت الذي تتمسك بحقك على الناس، من حق الناس ان يتمسكوا بحقهم عليك، ولقد تصرفت وفق ما رأيت لانني واثق من انك افضل من يأخذ لي حقي بالعدل، ويبيض وجهي، ولكن ارجوك، يا اخي وقدوتي، بل قدوتنا جميعا، دعنا نعالج الموضوع هنا أنا وأنت فقط، وان لا نذهب الى هناك، حيث تجمع القبيلة، لنكتم عنها ما حصل..
قال له ابراهيم:
ـ لقد عرفت كل شيء، وجئتك بهذا الخاسئ حيا لتقتله بنفسك وبسيفي هذا.
واستل ابراهيم سيفه من قرابه، وناوله الى شيخ القبيلة وبعد ان هزه شيخ القبيلة بيده عدة مرات وهو يحدق في الخاسئ حسقيل، قال موجها الكلام لابراهيم:
ـ لقد وصلني حقي، يا اخي، وقدوتي، وانني افك رقبته، ولن اقتله تاركا معاقبته لربك، يا ابراهيم، ولكن لي رجاء ان احتفظ بسيفك هذا، وان تنبذ حسقيل، انت واخواه، محمود ويوسف.. وسوف اقتله، اذا وجدته مصادفة بعد افتراقنا هذا، وله فترة سماح من يوم وليلة.
قبل ابراهيم كل شيء اراده شيخ القبيلة، وتعانق شيخ القبيلة وابراهيم، وهما ينتحبان وافترقا.
طرد ابراهيم حسقيل الخاسئ من فوره بعد ان اعطاه بعيرا واحدا ليحمل عليه بيت الشعر الصغير العائد له، وبعض اغراض العمل، مع كيس او صرة الذهب التي يمتلكها، وحذره من ان يكون في مكان قريب يجعل عينيه او عيون يوسف او محمود تقع عليه، ذلك انهم سيقتلونه ان ظفروا به، بعد فترة السماح التي أمدها يوم وليلة وسيفعل الشيء نفسه غريمه شيخ القبيلة وابناؤه، وربما قبيلته ايضا.. ولقد اشاع ابراهيم واولاده بين القبائل انهم تبرأوا من حسقيل وانفصلوا عنه بسبب اختلافهم معه في منهج الحياة والايمان وسوء اخلاقه.
عاش ابراهيم وعائلته: ام الخير وحفيداه يوسف ومحمود في استقرار بل سعادة غامرة بعد رحيل حسقيل.. ومع الزمن اتسعت وتعمقت محبة الناس لهم.. وازداد عدد المترددين عليهم طلبا للعلم والحكمة، يسألونهم في شؤون الايمان والدين او في شؤون الحياة مما يتصل بهم.
في احدى ليالي شهر تشرين الاول، حيث الخريف، وحيث تبدأ اشجار الصيف تنفض جزءا من اوراقها، ويكون العشب يابسا لتعتاش عليه المواشي، هو وما يخلفه من بذور، ومن ذلك نبتة صحراوية تسمى (الزريجة) نسبة للونها (الاملح) الذي يخالطه اللون الاخضر ممزوجا بما هو شبه (ماوي)، والعرب لا يبحثون عن الالوان المختلطة (بين بين)، في الغالب، وانما يبحثون عن الالوان الاساسية بعد الابيض والاسود، وهي الاحمر، والاصفر، والاخضر، والازرق، و(الجوزي) ـ من لون الجوز.. وهكذا كانوا يسمون تلك النبتة: (زريجة)، بل إن الالوان التي بين الابيض والاسود لم تكن مما يهتمون به سابقا، وانما هذان اللونان فقط، اما الالوان الاخرى فقد دخلت حياة العرب متأخرة، ليتعاملوا معها، او يرتديها كلباس من يريد التخلص من حرج اللون الابيض، اذا كان رجلا، ذلك ان اللون الابيض لا يتحمل الوسخ، وهو حساس في العمل مثلما هو حساس للون الدم عندما يصاب من يصاب بجروح في الحروب، اما من يضعف (ويعملها على نفسه) في الحروب، فالافضل له ان يرتدي اللون الاسود، او الالوان الاخرى، لانه لن يقدر على حماية اللون الابيض من الاتساخ او ان يباهي به عندما يتضرج بالندى (الدم الطهور) الذي يعز اهله عندما يندى في الحق..
غالبا ما كان الرعاة يجمعون بذور نبتة (الزريجة) ويضعون عليها ملحا بعد ان يرطبوها، ويقلوها في مقلاة من غير دهن، ثم يتناولونها بمفردها او مع التمر، الذي يتزودون به من العراق على ان لا تكون البذور في هذه الحالة مملحة أو يطبخونها مع الماء، فتترك في القدر حليبا ابيض، هو عبارة عن الزيت المخزون داخل البذور، وعندما ينضج يثردون به ويأكلونه، ومن الطبيعي ان لا تكون هذه الاكلة هي الحالة السائدة في بيت ابراهيم، حيث الاغنام والابقار والابل بأعداد كبيرة.
هطلت الامطار مدرارا بعد رحيل المنبوذ، وصارت الاغنام تلد مرتين في العام الواحد.
قال محمود مخاطبا جده:
ـ اتعرف، يا والدي، منذ ان غادرنا المنبوذ حسقيل، صارت الدنيا كأنها تمطر خيرا علينا، بعد ان واجهنا احتباس الامطار سنوات بعينها او اشهرا كثيرة من سنين بعينها.. بل حتى اغنامنا صارت تلد مرتين في السنة؟! ويجيبه ابراهيم:
ـ نعم، يا ولدي، انه خير من الله لدنيانا، لكن خير الآخرة لمن يعملون صالحا افضل، واكثر ديمومة، حيث ضيافة الرب الرحيم.
ويجيب محمود ويوسف وأم الخير:
ـ آمنا بالله، ولا اله الا الله والله اكبر..
ثم يقول يوسف موجها كلامه الى جده:
ـ لاحظت ان حسقيل ازداد سوءا بعد سفرته الطويلة التي ذهب فيها الى بابل، حيث سمع قصصا كثيرة من بقايا من سباهم البابليون الى هناك، كما افضى لي، ومنهم عدد من الكهنة، قال انهم من سلالة من حجزوا كأسرى، وحرم عليهم في حينه الخروج خارج اسوار المدينة، وقال حسقيل انهم يفهمون في شؤون الدين وانهم تعلموا السحر هناك، وهم من بقايا سلالة اولئك الذين جاء بهم اسرى قائد البلاد نبوخذ نصر.. اي ان اجدادهم، وفق ما اوضح لي حسقيل، كانوا يسكنون ارضا مجاورة لارضنا هذه، هي في الاصل من اراضي بلاد الشام، كانوا قد اغتصبوها من اهلها الاصليين او انهم وسعوا ديارهم على حساب جيرانهم، حيث عندما غزاهم نبوخذ نصر ودمر معابدهم واسر دهاقنتهم، لم يهب لنصرتهم احد من المجاورين، بل ان حسقيل قال لي، وفق ما سمع منهم في مدينة بابل العظيمة، ان السكان المجاورين في بلاد الشام، رحبوا بما قام به نبوخذ نصر ضدهم.
قال ذلك يوسف، وفي نفس الوقت كأنه اراد ان يوجه سؤالا الى ابراهيم:
ـ ولكن لماذا تصرف سكان البلاد المجاورة بعدم مبالاة ازاء احتلالهم من نبوخذ نصر؟ بل لماذا ناصروه في حقيقة الامر عليهم؟
اجابه ابراهيم:
ـ ان اولئك القوم، مثلما اعرف عنهم، قوم انانيون، ودورهم استغلالي استئثاري ازاء من يجاورهم او يخالطهم، بل غالبا ما كان عدوانيا استحواذيا، لذلك غالبا ما كانت الشعوب التي كانت تخالطهم او تجاورهم، تكرههم او تمقتهم، فضلا عن ان شعوب بلاد الشام شعوب عربية، يا ولدي.. وان شعب بلاد بابل عربي، وعندما يكون الدم واحدا ويجري في مجرى واحد، يكون شعوره واحدا ايضا.
عاد يوسف ليقول:
ـ كنت قبل ذلك الوقت اختلف مع حسقيل في امور كثيرة قبل سفره الى بابل، لكن بعد سفره وعودته منها، لم اجد مجالا او شيئا يمكن ان اتفق معه عليه، بل لعلي وجدته على دين آخر واجتهادات ما انزل الله بها من سلطان، وهي في كل احوالها، وفي الحال التي توصف بأقل ما يمكن من السوء، ليست الدين الذي علمتنا اياه، وصار اجتهاد حسقيل يتم بعيدا عن المنطلقات والمرتكزات التي علمتنا اياها وامرتنا بها وفقا لدينك الحنيف.. وقد لاحظت ذلك ليس اثناء حوارنا على امور بعينها، وانما لاحظته عندما كان يرشد من تحيلهم الينا لنوجههم في الايمان والحكمة، وعندما كنت اصحح له، كان ينهرني ولا يصغي لملاحظاتي، وكنت اسكت على مضض، باعتباره الاكبر سنا وقد اخطأت لانني لم افض بذلك اليك، لانني خشيت ان اخلق مشكلة بينكما، بأمل ان يرعوي ويعود الى رشده، ولكنه بدلا من أن يعود إلى رشده ارتكب جريمته القبيحة مع ابنة شيخ القبيلة، الرجل الكريم، الطيب الشجاع.
ثم يعود ليقول بعد ان يسكت برهة:
ـ سوّد الله وجهه في الدنيا قبل الآخرة، بعد ان اخزانا بفعله السيئ.
ويقول الجميع ابراهيم وحليمة ومحمود:
ـ آمين يا رب العالمين..
ثم يتساءل محمود: لقد لاحظت انني اختلف مع يوسف ايضا في اجتهادي وما افتي به في شؤون الدين والدنيا.. فهل هذا صحيح؟ ام لك وجهة نظر اخرى، يا والدي؟



*
هامش:

 الطاسة، آنية من النحاس لشرب الماء

 

إلى صفحة المقالات