اخرج منها يا ملعون
 

  العقاب سواء كان عقاب القانون أو العائلة هو خط الدفاع الأخير والحاسم

الجزء الثالث(3)

 

 رواية لكاتبها: صدام حسين

 


 تنطلق رواية صدام حسين «اخرج منها يا ملعون» من الكشف عن علاقة الشيخ ابراهيم مع ايتام اولاده الثلاثة، الذين قتل آباؤهم في غزوات ومنازعات قبلية، وتسلط الاضواء على شخصية كل منهم، وهم حسقيل ويوسف ومحمود.
وفي الحلقتين السابقتين، دارت حوارات بين الجد واحفاده حول مفهوم الثروة، واوضح كل منهم ما الذي يعنيه له. وتنكشف خلال ذلك أطماع حسقيل في التفرد بالثروة، ورغبته في الانفصال بما يملكه مما ادى الى نبذه من الجميع.


 راح ابراهيم يتأمل في النجوم وهم يجلسون خارج بيت الشعر في بداية الليل، ورغم ان تلك الايام كانت الايام الاولى من الشهر العاشر (تشرين الاول) فقد كانوا جميعا يرتدون كنزات (فروات) (1) صوفية من غير اكمام، تصل الى ما تحت الخصر بقليل، عكس فروة الشتاء التي تكون بأكمام وتكاد تلامس الارض عندما يرتدونها، وغالبا ما تستخدم غطاء في النوم المنفرد، الا حليمة فإنها تبقى على هذا النوع من الفروات القصيرة من غير كم، لتسهل لها مهمة العمل والحركة داخل البيت، ولأنها بحكم استقرارها في البيت يكون تعرضها للبرد اقل منهم.
كان الجميع يرتدون فروات قصيرة.. اتقاء لنفحات برد الشهر العاشر، لكنهم كانوا يتمتعون بطراوته ولا يدخلون بيت الشعر الا عندما ينامون، ومن ينام خارج البيت لا بد ان يحتاج الى دثار.
كانت نفحات البرد تأتي معلنة تغير الطقس، بعد ان عبر الشهر الاول من الخريف وصاروا في شهره الاوسط: العاشر.. كانت عينا ابراهيم تتقلبان في السماء بعد ان سمع سؤال محمود، كأنه يستنجد بالله ان يهديه الى الجواب الصحيح، في الوقت الذي يتأمل عظمة شريعته وقانونه، وهو ينظر الى السماء التي رفعها رب السموات من غير عمد، وزينها بالنجوم هادية ورجوما للشياطين.. ثم ينتقل ابراهيم بنظره الى الابل والماشية.. يتأملها ويتأمل ما فيها من تسهيلات خلقها الله للانسان.. ثم يقول بلغة مليئة بالثقة مع الايمان:
ان الاساس، يا ولدي، ان نؤمن بإله واحد، هو الله، سبحانه وجلت قدرته.. انه ربنا وخالقنا، ولا اله آخر غيره.. واننا له مسلمون مشيئتنا وفعلنا وعبادتنا له سبحانه وليس لغيره.. وان اقامة العدل والانصاف وقول الحق والعمل به ورفض الباطل والسعي في الارض في علاقاتنا الانسانية، معمرين لها لا مفسدين، هو سبيلنا، ولذلك عليكم ان تتذكروا شريعتي وما علمتكم اياه قولا وفعلا، وبعد ذلك، لكم ان تجتهدوا، على ان تراعوا وانتم تجتهدون، ان يكون اجتهادكم، اذا اضطررتم، منزها من الهوى وعلى اساس الضرورة الملجئة لما تقتضيه الحياة ويستوجبه الدين، وليس محض بناء طريق مختلف بين طرق مطروقة، ليعرف صاحبه فيه، وان لا يرتب الاجتهاد او ينشئ حقا من باطل او يلغي ويزور حقا ثابتا، وان لا يكون تعبيرا عن ضجر او خوف او مراءاة ونفاق او تعبيرا عن غضب او رغبة في الحاق اذى بآخرين وان يكون اتكالكم بعد ذلك وقبل ذلك، على الواحد الاحد.. وان النية والهدف الصادقين حالة فاصلة وان الامانة والدعوة لها والعمل بها واقامة العدل والحج الى بيت الله لمن استطاع اليه سبيلا، ضرورية كلها وان التوفيق بعد ذلك من الله القادر الحكيم.
عاود ابراهيم التأمل في الطبيعة.. ثم قام وصلى.. ودعا حليمة وولديه لأن يصلوا ايضا..
بعد ان انجزوا صلاتهم، جاءتهم حليمة بما قسمه الله من المطبوخ من طير (الحبر) الذي اصطاده محمود بعصاه او سهامه، وهو يباري رعاة الإبل والغنم في المرعى.
بعد انتهائهم من العشاء وجدوا انهم بحاجة الى ان يوقدوا نارا.. كانت السماء صافية، تسطع فيها النجوم التي تستطيع عين الانسان ان تكتشفها وتمتد اليها.. وراح محمود ويوسف يتباريان في ذكر اسمائها، وراح ابراهيم يصحح لهما ما يخطئان فيه او يضيف الى معلوماتهما ما لم يهتديا اليه.
قال محمود.. بعد ان استأذن جده:
ـ أليس من الافضل ان توزع الاتجاهات بيننا بصورة اسمية، يا والدي؟.. توزعها بيني وبين يوسف، لكي يعرف كل منا حدود مسؤوليته في ما يدعو اليه الناس، مبتدئين بالعرب، حيث هناك العراق، الى الشرق منا، وعلى مقربة منا بلاد الشام، وبعدها الحجاز ونجد واليمن.. أليس من الافضل، ومنعا للتداخل ان تقول لكل واحد منا اين يتجه في نشاطه، ليعرف كل منا سبيله؟
قال ابراهيم:
ـ نعم، اقول ابتداء ان اهل نجد والحجاز واليمن والعراق، عدا نينوى، من حصتك يا محمود، اما اهل نينوى في العراق، وكل بلاد الشام، عدا ارض الجزيرة الملاصقة للعراق، فهي من حصة يوسف، واعود لأكرر، ان هذا التقسيم اسمي وليس مطلقا، وهو الى حين وليس دائما، ولاغراض النشاط وتوجيهه وليس لاغراض الاختلاف وفي كل الاحوال، فأي اختلاف بينكما، يجب ان يكون الحكم الفاصل فيه شريعتي وما يرضي الرب الرحيم، وان تتذكرا انكما ابنا عم، وان تبعدا عنكما الشر وحكمه والطمع ومهاويه وان تبقيا الشيطان بعيدا عن صدريكما وعقليكما وان تتنزها عن الهوى وان تبعدا فتن الاجنبي عنكما وطريقة فهمه للدين.. وان تحذرا حسقيل لئلا يلوث دينكما بالهوى والطمع ويحرف طريقكما.
هنا سأل محمود جده ابراهيم:
ـ قلت ان نبتعد عن فتن الاجنبي بيننا.. وهذا مفهوم، لكنك قلت (وفهمه للدين وطريقة او طرق التعبير عن الدين، على اساس هوى الاجنبي او فهمه).. أليس دينك وشريعتك انسانيين يتعديان امتنا ويتوجهان الى أمم الارض كلها ام انهما قوميان فحسب؟
تأمل ابراهيم في وجه محمود وهو يبتسم بحبور واضح، وقال:
ـ نعم، يا ولدي، ان ديننا وشريعتنا انسانيان، لكن امتنا هي قاعدتهما الاساس.. وهذا ما اراده الله سبحانه ولذلك فان ما يختمر في القاعدة، يا ولدي، في روحه وبنائه، هو الاساس وان توجهنا في دعوتنا الى الانسانية ككل يقتضي، مع ضرورة التنبه الى اننا حيثما تشعبت امامنا الطرق بعد ذلك، ومن بعدنا الاجيال التي نورثها العقيدة، نعود الى الاساس والمنطلق وما اختمر في وعاء الامة وضميرها وعقلها، ليكون بوصلة حركتنا الى الامام والقاعدة والحكم الفصل في ما يختلف عليه او يقال فيه من اجتهاد، ذلك لأن الامم الاخرى، ستتلقى الدين منا وسنكون نحن مستودع اسراره ونبضه وروح انطلاقته ونماذجه الحية في منبعه الاساس وان اتسع الافق امامنا ليمتد الى البعيد البعيد، ذلك لان الأمم الاخرى متكونة على اعتقادات ليست بديانات الهية، وانما عبادات قومية صيرتها رغبة او عبقرية اصحابها في تلك الامم، لتلتم عبر التاريخ على ما يوحدها ويحقق لها الاهداف التي اختارتها في مراحل متعاقبة من الزمن، لذلك ما ان يؤمنوا بأساسيات ما ندعوهم اليه وينفصلوا عن توجيهنا المباشر، حتى تخالط عقائدهم السابقة الدين الجديد.. ومع تعدد الاجيال واحتمالات انتشار البدع على اساس الهوى او التسهيلات التي تنادي بها حياتهم او تفرضها عليهم هي وملوكهم، تصير اساسيات ما عرفوه عن تقاليدهم القومية من عبادات، كأنها اساس لدينهم وشعائرهم وتكون اساسيات الدين الجديد كأنها جزء من ذلك، وليس القاعدة والجوهر الذي يلغي ما عداه او يصححه بموجبها والخطير، يا ولدي، ان تتوافق مع هوى النفس الرغبة في الانعزال عن التوجيه المباشر للعرب المؤمنين على الوصف الذي ذكرناها عنهم.. وعندها تكون كأنها اديان جديدة وان سميت باسم ديننا.
قال محمود:
ـ شكرا، يا والدي.. لقد فهمت.
قال يوسف لابراهيم:
ـ التقيت قبل زمن بأناس من بلاد الروم.. التقيتهم بادئ الامر مقبلين بقوافلهم الى نينوى من بلاد الشام، وعرضت عليهم ديننا، مع انهم اجانب ومن قوميات اخرى، فهل ما فعلته صحيح ام خطأ؟
ـ بل، صحيح، يا يوسف، ذلك لأن ديننا موجه الى الناس كلهم، عربا واعاجم، سواء كانت بشرتهم بيضاء او سوداء او سمراء او من اللون الاصفر، كما في الصين وما جاورها، لكن عليكما الانتباه الى ما قلته لمحمود الآن، لأنه يعنيكما، وان كان لكل منكما اجتهاده وطريقه الآخر بعد ان انطلقتم من طريق التوحيد الاساس.
ـ نعم يا والدي، سوف انتبه الى ما قلته لنا الآن، لانك تقوله لأول مرة.
ـ نعم، يا ولدي، قلته لأول مرة، ليس لأن محمود سألني عنه الآن، ذلك انني كنت سأقوله.. ولو لم اقله اليوم، لقلته غدا او بعد غد، لان دعوتنا كانت محصورة في بلاد العرب فقط، اما الآن فصارت تمتد الى اقوام وشعوب اخرى.
 

*****

 
منذ ذلك اليوم عرف كل حدود واجباته، وصار كل منهما يستقبل من يستقبله ويوجه من يوجهه، على اساس ما امر به ابراهيم مثلما كانا يفعلان قبل ذلك او يخرج كل منهما الى مواطن القبائل والقرى او مسارات رحلات الشتاء والصيف، بين بلاد الشام وهذه الاصقاع من ارض الله.
 


***
 


 كان حسقيل قد استقر في قبيلة مناوئة لقبيلة غريمه: ذلك الشيخ الجليل، وجعل البحر الميت بينه وبين الاماكن التي تسكنها قبيلة الشيخ او مرابعه ومشاتيه، حيث يستقر جده ومرابعه ومشاتيه، وما ان حل في تلك القبيلة البعيدة ولنسمها (القبيلة المضطرة)، فيما نطلق على قبيلة الشيخ الطيب اسم (القبيلة المختارة)، حتى بدأت المشاكل تنشب وتزداد احتداما بين القبيلتين، وكان اساس التحرش هو تحريض حسقيل لتلك القبيلة، ليروج بضاعته من الاسلحة وليدفع ابناءها الى كسب غنائم ليبيع الذهب والفضة لنسائهم ولمن يرغب في شرائهما ولا يملك اموالا تعينه على ذلك.
كانت دسائس حسقيل تزداد، بعد ان رتب اشعارا وقصائد عن طريق من اغراهم ودفع لهم، تسيئ للقبيلة المضطرة وشيخها، وبناته وبنات العشيرة ويدعي من ينقلها بأنه سمعها من شيخ القبيلة المختارة مباشرة او من شعراء قبيلته في اي من رحلات الشتاء والصيف او في مرابع العشيرة ومشاتيها، وكان يفعل الشيء نفسه مع شيخ القبيلة المختارة عن طريق آخرين او عن طريق نفس الاوساط، ناقلا اليه والى قبيلته ما هو معاكس عن شيخ القبيلة المضطرة وافراد قبيلته، لكن شيخ القبيلة المختارة كان غالبا ما يأخذ رأي ابراهيم في ما يصله من الطرف  الآخر، فيهدئه ابراهيم، ويقول له ان ذلك من فعل وتدبير حسقيل، وهما فعل وتدبير غير نزيهين، ويحذره من ان يوقع بينهما، لكن شيخ القبيلة المضطرة لم يكن امامه من يحذره من حسقيل، الذي صار يتصرف مع شيخها وكأنه صاحب فضل عليه وعلى قبيلته، ذلك انه قال لشيخ القبيلة انه على استعداد ليصنع له ولقبيلته السلاح الذي يحتاجونه، وانه لن يستوفي ثمنه الى ان يغزو شيخ القبيلة المضطرة القبيلة المختارة وشيخها، لقاء فائدة اتفقوا عليها.. وصار حسقيل من يومها يتردد كصديق حميم لشيخ القبيلة المضطرة ومستشارا في الاغلب الاعم، لا يتجاوز رأيه في ما يشير به او يقوله.. وصارت القبيلة المضطرة تكثر الغارات على القبيلة المختارة وتنصب الكمائن وتستولي على الماشية وتقتل من تنفرد به خارج الجماعة، وغالبا ما كانت القبيلة المضطرة، عندما تقوم برد فعل على القبيلة المختارة برد فعل على اعمالها واعتداءاتها، تتملص من المواجهة المباشرة، وتتحصن في حصون اعدت لهذا الغرض او تنسحب الى الجبال، متخذة من المغاور والكهوف البعيدة التي يعرفونها مأوى لهم، خاصة عندما تقرر القبيلة المختارة مواجهتهم بحشود منظمة، اما اذا رأوا ان المجموعة التي تواجههم ليست حشودا منظمة وانما محض مجاميع من غير عمق، كانوا ينقضون عليها ويقتلون رجالها ويروعون اطفالهم او يقتلونهم ويستولون على متاعهم ومواشيهم واذا ما ظفروا بأي من نسائهم اتخذوها سبية.
عندما حل الربيع في السنة الثانية، نصح حسقيل شيخ القبيلة المضطرة بأن يرتحل، ويتجاوز الارض التي كانت محرمة عرفا بين القبيلتين، كمسافة امان لتجنب الاحتكاك والتهيؤ عند اعتراض القبيلة المختارة للانقضاض عليها والاستيلاء على مواشيها (حلالها)، وقتل رجالها وسبي نسائها، وسحقها سحقا كاملا، بدلا من اسلوب الغارات والمهارشة، لكنه التمس او اشترط امرا على شيخ القبيلة ان هم غلبوا غريمهم:
ـ ان شرطي الاساس، يا شيخ، هو ان تجعل ابنة شيخ القبيلة من نصيبي، اذا غلبتم.
ورغم ان ذلك كان شرطا قاسيا، حيث كان شيخ القبيلة المضطرة طامعا بها لنفسه، على اساس عرف ذلك الزمان، فقد قبل شرط حسقيل على مضض.
في أواخر شهر فبراير (شباط) من تلك السنة، أمر شيخ القبيلة المضطرة ان يشد عدد قليل من الرجال الرحال من غير نساء واطفال، ليجاوروا، متجاوزين الارض الحرام، القبيلة المختارة، وقال إنه سيختار الوقت المناسب ليأمرهم بالهجوم على القبيلة المختارة.. بعد الوصول، كان حسقيل قد أقنع شيخ القبيلة المضطرة بأن بقاءه في الديار ضروري لتدبير شؤون بيت الشيخ، والاستجابة لطلبات الحريم، والأهم ـ هكذا قال حسقيل ـ ان اواصل صناعة النبال والسيوف والخناجر، والرماح، لأن القتال قد يمتد إلى زمن طويل قبل أن يتحقق النصر.. ولأن صاحب العادة السيئة الذي يكون الشيطان رفيقه بدلا من معاني الرحمن، لا يغير عادته، فما أن خلت له الدار بعد رحيل شيخ القبيلة، حتى بدأ يغازل زوجة الشيخ، ويقدم لها الحلي بسخاء لاستدراجها إلى بيته، وعندما كانت تنهره بادئ ذي بدء، وتقول له: أنا زوجة شيخ القبيلة يا ولد، وان من ابسط معاني إخلاص المرأة لزوجها أن تحفظ غيبته وشرفه فيها..
يقول لها حسقيل متضاحكا:
ـ إنك لست بنت عمه، بل لست بالأساس من قبيلته وقومه، إنما غريبة عن قومه، وان عادات أهلك ليس من عاداتهم وتقاليدهم، ومع هذا، وفوق هذا، ما ادراك، فقد لا يعود شيخ المضطرة، حيث قد يقع في الأسر، أو يقتل، وعندها لن يبقى لك وأنت غريبة من تلوذين به غيري.. مع ما يردف هذا من كلام معسول يقوله.. وما ان تمكن منها، حتى بدأ يساومها على بنتها الوحيدة، خاصة بعد أن رأتهما متلبسين بالجريمة النكراء، وعندما كان يقترب من ابنة الشيخ تنهره، لكنه يقول لها: انه حاول مع أمها لأنها الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها وبعدها ان يصل إليها، ومع ان الابنة كانت تشمئز من قوله، مثلما اشمأزت من فعلته مع أمها وفعل أمها معه، لكن مع مرور الأيام، واطلاعها على فعل والدتها معه، بدأت تغير أسلوبها جزئيا، وتناقش نفسها لمواجهة المصيبة بأسلوب آخر.. ذلك ان هذه الأم كانت تنسل مع زوال الشمس في افقها، ومجيء الرعاة بالغنم، وانصرافهم إلى بيوتهم، إلى بيت حسقيل، ولا تعود إلى بيتها إلا قبل بزوغ الشمس بقليل، وعندما كانت الابنة تعاتب أمها، وتلومها، تقول لها الأم:
ـ دعيني لحالي، انك لم تتزوجي بعد، ولا تعرفين شعور المرأة الغريبة عندما يغيب عنها زوجها الذي لا تحبه.. ثم انني، تقول الأم، لست منكم ولا على تقاليدكم، وان أباك كان يعرف عندما تزوجني بأنني عاشرت رجالا آخرين قبله، وعليه ما دامت غيبة ابيك غير معروف أمدها، فدعيني لحالي مع حسقيل، وليتحمل كل وزره.. الخ.. من الكلام الأعمى النزق.
ثم تقول: ان حسقيل رجل قوي، ويعرف كيف يعامل المرأة في السرير وخارج السرير، وهو الآن من يتولى أمر عائلتنا في غياب فرسان الديرة.. كما انه فوق ذلك اغرقنا بالذهب.. أُنظري.. هذه القلادة منه، وتلك الاقراط، وهذا السوار منه ايضا.. وهو بصدد أن يحوك لي حزاما من الذهب، مطعما بالفضة، وعندما اقول له إن هذا كثير، يقول لي (ابديلك) نفس حسقيل، أي نفس حسقيل فداء لك.
ورغم ان كلام امها هذا لم يدفعها الى تصرف مضاد، فإنها مع الزمن راحت تداور مع نفسها كل شيء تسمعه منها: الحلي.. ولا تملك شيئاً منها، ذلك ان أباها يملك، لكنه بخيل ولا يستهويه الصرف على عائلته، لذلك أبقى زوجته وابنته في حرمان إزاء رغبات الحد الأدنى، رغم تمكنه مادياً من ذلك.. أليس المثل القائل (اكسر البصلة وشمها تأتي البنت على أمها)، صحيحاً؟، ثم ماذا يمكن أن يتوقع من بنت لا تنظر أمها لأبيها بتقدير ومحبة واحترام، وتحكي لابنتها ما يشوقها للفاحشة، غير ان تهوي البنت في قعرها إذا استسلمت لمهاوي الشيطان، ولم يكن فيها ومن حولها ما يحصّنها؟، لكن بنت الشيخ لم تهو إلى قعر البئر الآسن السحيق التي سبقتها أمها إليها، رغم انها كانت قد قدرت هي وأمها أن شيخ القبيلة المضطرة اضعف من أن يعاقبهما عقابا صارما، إذا عرف.
 نعم، ان الاعداد الجيد، والتربية الجيدة على المبادئ، وفي مقدمتها مبادئ الدين والالتزام بحقوق الله، وحقوق الناس، مثلما هي حقوق الإنسان نفسه، في الأقل، مهمة لحصانة الإنسان إزاء مزالق الشيطان، سواء من رجل أو امرأة، أو في علاقة الرجل بالمرأة، أو في الحقوق والأمور الأخرى، لكن يبقى ثمة شيئان حاسمان أمام انهيار أي خط دفاعي مما ذكرنا.. أولهما الوسط الاجتماعي القريب (العائلة).. او الوسط الاجتماعي الأبعد (المدرسة، الدائرة، السكن، الاصدقاء، والمعارف).. الخ.
والثاني هو العقاب، على قاعدة المثل العربي المشهور (من أمِن العقاب أساءَ الأدب).. و(آخر الدواء الكي).
ان العقاب، سواء كان عقاب القانون أو عقاب العائلة نفسها، هو الخط الدفاعي الأخير والحاسم، إذا ما انهارت الخطوط الدفاعية الأخرى، ذلك ان أي إنسان عندما يعرف أن هناك رادعاً ينتظره، وقد يكون الرادع قاسياً، يفكر ويفكر ويفكر، قبل أن يُقدم، وبخاصة عندما يكون الإقدام على فعل ليس مما يعزّه، أو يعز أهله بين الناس، إنما يخزيهم أمام الله والناس، وقد لا تفضي نتائج التفكير والتأمل في سوء العاقبة الى التردد فحسب، إنما إلى الامتناع والسعي إلى تحصين النفس، بما يقنعها ويحول بينها وبين الرغبات غير المشروعة، لذلك فإن الله، سبحانه، وهو يعد عباده الصالحين والمتقين بالجنة وطيباتها، يحذرهم من النار، ويعد الكافرين والضالين بها، والعياذ بالله من حرّها وما يخزي النفس فيها أمام الله.

*****

 
افتعل حسقيل العفّة ذات ليلة، مدعياً أنه منشغل بأفكار كلها خطيرة، وعندما سألته زوجة الشيخ:
ـ ماذا بك، يا حسقيل؟
ـ قال:
ـ ان فكري منشغل باحتمال أن تخبر ابنتك أباها الشيخ، عندما يعود، وعندها سنكون، أنا وأنت، أمام وضع خطر.. بل سيكون حكمنا معروفاً مسبقاً، ومصيرنا إلى موت محتّم.
وعندما تحاول أن تثنيه عن هذه الهواجس وتقول له.. إن ابنتها لن تقول شيئاً لأبيها.. يقول لها: بل ستقول له، وحتى لو تغاضى عن هذه الحال، فإن أعمامه لن يتركونا سالمين.
وعندما تسأله: ما الحل؟ يقول لها: إن الحل الوحيد الذي يجعلنا في أمان هو أن أغويها وأراودها عن نفسها.
وعندما تجفل زوجة الشيخ لوقاحته وخروجه عن المألوف، يقول لها: هوّني عليك، أنا لا اقصد أن أفعل معها ما أفعله معك، إنما قصدي أن تتعلق بي، وأن أقبّلها، وأن تنام معي في الفراش من غير أن أنال منها، وضمن توقيت بعينه نتفق أنا وإياك عليه، تداهميننا لتريها وهي معي في الفراش، وعند ذلك تعنّفينني وتعنّفينها، لكي تستمر علاقتنا، أنا وأنت، مثلما هي عليه الآن، وتكون عين ابنتك قد (كسرت)، ولا تكون بعد ذلك قادرة على إفشاء سر علاقتنا لوالدها.. أليس الاشتراك في الجرم يقود إلى الحرص على عدم كشفه؟!.
وعندما قال (الاشتراك في الجرم) ادرك غلطته.. لكن ليس كاللسان مما لا يمكن تفاديه عندما ينفلت.

*****

 وصل شيخ قبيلة المضطرة إلى مكان قريب من الحافة القريبة لمكان انتشار القبيلة المختارة، وحيثما نبهه أحد رجاله إلى ذلك، أمرهم بالمسير، حتى صاروا ملاصقين لمسرح ابل القبيلة المختارة..
أمرهم الشيخ أن ينزلوا من فوق ظهور الجمال، بعد ان تبرك كل في المكان المخصص لبناء البيت الذي يعود لصاحبه، لكن بدلاً من أن تكون هناك عائلة في كل بيت جعل في كل بيت مجموعة من الرجال حيث لم ترافقهم نساء ولا أطفال، إنما فرسان قادرون على حمل السلاح والقتال فحسب.
فعل الرجال ما أمروا به، بعد ان حدد شيخ القبيلة مكان بيته وأماكن بيوت قومه ووجودههم على يمين ويسار بيته، وأمرهم بأن لا ينسوا، وهم يبنون بيت الشعر، أن يجعلوا (الربعة) (2)، أو الديوان من جهة شروق الشمس، في الوقت الذي يكون الطرف الآخر للبيت باتجاه مغيبها، سواء كانت قبلة البيت شمالا أو جنوبا.. وعندما يعترض احدهم بالقول إن ليس معنا عوائل، يا شيخ، ينهره الشيخ ويقول له:
ـ أتريد أن تغير عاداتنا وعادات العرب، يا حمار، لمجرد أننا وضعنا أنفسنا ضمن خطة جديدة لمداهمة العدو؟، ثم لو غيرت طريقة بناء بيت الشعر، فإن أي عابر سبيل سيكتشف حالتنا الشاذة، وعندها قد يقول إنهم ليسوا من أهل الديرة، أو دخلاء عليها، مما ينبه شيخ القبيلة المختارة وجماعته، ويجعل من الصعب علينا مفاجأته.
حط الرجال الأثقال عن إبلهم، وباشروا في بناء بيوت الشعر، وما أن تم بناء بيت شيخ القبيلة، وعدد من بيوت شيوخ القبيلة الأدنى مرتبة منه، حتى لاح لهم من بعيد خيال قافلة قادمة، ليس فيها خيول ولا جمال، إنما عدد من الحمير، قال ذلك من استطاع أن يراها من مسافة أبعد فحسب، وقد استنتجوا ان عدد العوائل في القافلة ربما لا يزيد على عشر.. وأراد بعض الشباب أن يستقبلوا القافلة على مسافة من ديارهم، ليبعدوا مسارها عن المكان الذي حطوا فيه، بعد ان امرهم شيخ القبيلة بذلك، إلا أنه انثنى بعد أن قال أحد الشيوخ:
ـ لو فعلتم ذلك، ربما ستثيرون اهتمامهم بنا أكثر، وربما حتى شكوكهم وهواجسهم إزاءنا.
بعد دقائق جاء مقدمهم، وسلم على شيخ القبيلة، قائلا:
ـ تشرفنا يا شيخ القبيلة المضطرة.
كان شيخ المضطرة يعرف هذا الرجل، ويعرف أنه وجه لناس من الغجر، الذين غالباً ما كانوا يتنقلون بين القبائل، لترقص نساؤهم عند من يستدعيهن لذلك، وغالبا ما يكون بيت أكبر شيخ في القبيلة مكانا للرقص، ثم يتناوب من بعده شيوخ القبيلة على استدعائهم لحفلات في بيوتهم، بعد ان يستأذنوا الشيخ الكبير. وهكذا حتى ينتهوا من ذلك، وبعدها يتحولون الى قبيلة ومنازل اخرى، ومن هذا يعيش الغجر ولا يعملون أبداً بأي نوع من أنواع العمل، إنما يمتهنون الرقص فقط، يرافق الرجال النساء إلى حيث يستدعين.. وعندما يبدأن الرقص، تكون شعورهن مغطاة بـ (الفوط) (4)، ولا تنزع أي منهن فوطتها، إلا عندما تترك إحداهن فوطتها لدى شيخ القبيلة، تقديرا له، ولإشعاره بأنها عائدة إليه بعد فاصلة الرقص، أو ينهض من ينهض إلى أي منهن ليطلب فوطتها، أو يؤشر لها بيده لتفعل ذلك، ومن تكون فوطتها عنده يعني انها ستجلس قربه بعد انتهاء فاصلة الغناء والرقص، ويتكرر الحال مع تكرار فواصل الغناء والرقص حتى مطلع الفجر.. ويرتاح الغجر وينامون في النهار، ويسهرون في الليل، ويتنقلون في البادية أو الريف، أو يحطون على اطراف المدن، ولا احد يؤذيهم، أو يغزوهم، أو يجبرهم على عمل لا يرغبون فيه، أو يجبر نساءهم على امر لا يرغبن فيه، هذا ما كان عليه حالهم، في تلك الايام والى وقت ليس ببعيد، اما الآن فقد اختلف حالهم، حيث صارت حفلاتهم الاساس في المدن، في بيوت من يستطيعون دفع المال لهم، وبالذات من يملكون مالا حراما يشوي البطون في الآخرة، ويخزي اهله في الدنيا، بعد ان جمعه من يأكلون السحت بعمليات مضاربة، أو بصفقات مريبة، أو تجارة لا تكتفي بحدود الله من الربح، أو أكل مال يتيم أو فقير، أو جراء سرقة ينتظرهم عقابها في الدنيا بقطع اليد أو العنق، عندما يكتشف امر السراق، أو الحبس الثقيل في الاقل، وصارت بعض نساء الغجر لا يتعففن عن الانحدار مع من ينحدر الى الفواحش على اساس عوامل دوافعها واغراءاتها، وصار ما يعد عيبا وعارا وشنارا على من يعتدي على غجري، يجري احيانا ولا يحس اصحابه بتعذيب ضمير أو برادع من المجتمع، على نفس ما كان يحصل ايام زمان، باعتبار ان الرجل ينتقص أو يذم ان هو نازل أو اعتدى على من هو ليس بكفء له.. وقد ساهم في اضعاف هذا الحاجز النفسي لدى الرجال ان الغجر، مثلما ترتبت لهم التزامات وفق القانون، بعد ان استقروا وتخلوا عن حياتهم السابقة، ومنها حياة الترحال والتنقل المستمر من غير ان يستقروا في مكان بعينه، صارت لهم الآن حقوق وواجبات مساوية لحقوق وواجبات الآخرين، طبقا للقانون، ومنها الخدمة العسكرية التي كانوا معفيين منها، ولكنهم في العراق، مثلا قلما تكون لهم واجبات قتالية، وفق ما نعرف، وانما يقومون في الغالب، وعلى اساس تشبثهم بأعمال الخدمة في مقرات بعض الآمرين، وربما حابى بعضهم الآمرين خفيفي الوزن باحياء حفلة رقص له، عند تمتعه بالاجازة.. الخ، ونساؤهم في العادة لا يسمحن للرجال بما يخزي اكثر، في تلك الايام، غير ما يقمن به من غناء ورقص.. وعندما نقول ان احدا لا يؤذيهم في الزمن القديم ولا يغزوهم، ذلك ان العرب لا يعدون الغجر قرناء صالحين أو اكفاء لهم، ولذلك كانوا يعيبون من يتزوج منهم، أو يغزوهم، ومن هذا كانت حريتهم في التنقل ليلا ونهارا، وبين قبيلة وأخرى، أكثر من حرية اي شخص وأي قبيلة من قبائل العرب..
ورغم ان كل الشيوخ الذين كانوا مع الشيخ الكبير ارتابوا من الغجر، وان شيخ القبيلة اظهر انه يرتاب منهم ايضا، ولكنه في حقيقة امره سر بوجودهم.. وكان سبب الارتياب ان الغجر عندما يكونون اليوم معهم فانهم قد يرحلون غدا الى القبيلة المختارة، و(من طباع الغجر انهم ينقلون ما يرونه، الزين والشين، والجيد والسيء، على حد سواء) ـ هكذا قال احدهم وهو يعلن عدم ارتياحه لمجيء الغجر اليهم، ولكن الشيخ قال لمقدم الغجر:
ـ حطوا هناك ـ واشار عليه بمكان على مسافة قريبة من بيته من جهة مغيب الشمس ـ لتكونوا الطرف الغربي لمنزل القبيلة، ولا يكون لأي من القبيلة بيت متداخل معكم أو بعدكم من جهة المغيب.. وخذوا شاة، فاذبحوها وتعشوا بها، واعفونا من مهمة تضييفكم، ذلك لأننا في حالة رحيل..
سأله الغجري:
ـ اترحلون ليلا، يا عم؟
فأجاب الشيخ:
ـ لا، لقد وصلنا قبلكم بقليل، وعندما نكمل نصب البيوت سوف نستدعيكم الى حفلة رقص..
ما ان أخذ مقدم الغجر الشاة من بين عدد من الشياه تعود الى شيخ القبيلة، وقادها الى حيث نزل جماعته، وفق ما أمرهم الشيخ، حتى عنَّ له ان يذهب على الفور الى شيخ القبيلة المختارة تحت غطاء جلب خبز من هناك لتناوله ثريدا مع لحم الشاة، حيث لم يزودهم به شيخ القبيلة المضطرة، وهناك من يفضي الى شيخ القبيلة المختارة بما رآه واستنتجه لينال رضاه وكرمه..
قال مقدم الغجر في نفسه وهو يخاطبها بصوت مسموع:
ـ ان شيخ القبيلة المختارة افضل من هذا الشيخ، وهو وقبيلته اكرم من هؤلاء، واذا كان هذا قد اكرمنا اليوم لأمر اراده في نفسه، فانه سبق ان طردنا من دياره اكثر من مرة، ولم يعطنا ما نأكله، حتى عندما نرقص ونغني له لا يعطينا شيئا ذا قيمة، ثم ان هذا الشيخ جاء هو ورجال قبيلته ليغدروا بالقبيلة المختارة، وليس ادل على هذا مما رأيته، حيث لا نساء ولا اطفال برفقتهم، وانما رجال وسيوف ونبال.. الخ. انهم ينوون ان يأخذوا القبيلة المختارة على حين غرة وغفلة، لذلك عندما ابلغ شيخها، سيكرمنا، وستكون لنا دالة عليه.. وسأقولها له بمفرده، واشدد عليه ان يكتمها لكي لا يؤذينا شيخ القبيلة المضطرة فيما بعد..
ثم يعود ليقول:
ـ نعم، علي ان اقوم بهذا على الفور، لكي لا تفوتني الفرصة، وقد تفوت القبيلة المختارة فرصة الاعداد والتهيؤ لمواجهة العدوان..
ذهب من فوره الى هناك، واختلى بشيخ القبيلة المختارة، وابلغه بما رأى، وقال له استنتاجاته.
شكره شيخ القبيلة، واكرمه بكيس صغير فيه قطع ذهب، ووعده بما هو اكثر، وهيأ له كمية من الخبز، امر بجمعها من البيوت المجاورة لهم، كغطاء لعودته الى حيث مكان تجمع رجال القبيلة المضطرة، فيما لو رآه احد رجال القبيلة بعد عودته الى هناك.

*****

 
 اعد رجال القبيلة المختارة انفسهم لمواجهة نوايا المضطرة، وأمر شيخ القبيلة المختارة رجاله بأن يتجنبوا الاحتكاك برجال القبيلة المضطرة.. ولا يعطوهم بأي شكل من الاشكال فرصة ايجاد غطاء لعدوانهم، لاقامة الحجة عليهم، وقاموا بسلسلة من الاجراءات أهمها ان الشيخ أوعز للنساء بأن يسرحن بالاغنام والابل بدلا من الرجال في الاتجاه المضاد للاتجاه الذي اعتادوا ان تسرح مواشيهم فيه، وان يكون دونهن الرجال على ان يخلى الصف الامامي القريب من القبيلة المضطرة من بيوت الشعر من ساكنيها، ويحتشد الرجال حاملو النبال معززين بالرماح في بيوت الشعر في الصف الذي يلي الصف الامامي، والصف الآخر الذي يليه، فيما يحتشد الفرسان على خيولهم خلف ذلك المنزل في الوديان الكائنة الى الخلف وعلى يمين ويسار أماكن (بيوتنا هذه) واشار بيده الى ما قصده.. وما ان حل الصباح، وقد تعمد مقدم الغجر ان يجعل كل رجال القبيلة المضطرة يسهرون مع فرقته وهم يستمعون الى غنائها، ويحتسون الخمر، ويتمتعون بمنظر الرقص والحركات البهلوانية لمن يقوم بها حتى الصباح، وكان آخر بيتي (نايل) رددهما مقدم الغجر على الربابة:
احوف من حبني مثل ما يحوف الذيب واجيب (اجلب) علم الصدك (الصدق) بلكي الجروح تطيب..
وقال ايضا:
الدرب ما كلفس المجبل على حبابو سلام زين الوصف ريح الهوى جابو وبعدها خرج مقدم الغجر من دار شيخ القبيلة الذي من فوره امر اصحابه بأن يمتطوا خيولهم، ويغيروا على ديار القبيلة المختارة..
لم يواجه رجال المضطرة في طريقهم الى القبيلة المختارة، ابلا ولا اغناما، فاستمروا يغيرون باتجاه بيوت الشعر، وعندما لم يجدوا احدا في الصفوف الامامية لبيوت الشعر، بما في ذلك بيت الشيخ وهو أكبر البيوت، تصوروا ان القبيلة خافت منهم، عندما علمت بوجودهم قربها، وهرب رجالها هائمين على وجوههم بمواشيهم، تاركين البيوت على حالها هي وما فيها من غنائم. ولأن اساس غزوهم وفي المقدمة شيخهم هو السلب والنهب والاستيلاء على الاسلاب، فقد نزلوا من فوق ظهور جيادهم، بمن في ذلك شيخهم، وكل منهم يسابق الآخر في الاستيلاء على بساط هنا أو فراش هناك، أو كيس تمر أو طحين، أو كمية ضئيلة من شعير أو ذرة، أو (عكة) زيت أو زيتون، وكل يضع على ظهر فرسه ما يستولي عليه، الا ثلة قليلة من الفرسان الذين رأوا غبار الماشية في الافق البعيد، فانطلقوا باتجاهها، وما هي الا لحظات، بعد ان قدر شيخ القبيلة المختارة ان القسم الاكبر من القبيلة المضطرة قد ثقل عليه حمله، حتى امر فرسانه المختبئين في الوديان ان انطلقوا. وبدأ رجال النبال والرماح ينقضون عليهم من كل ناحية، كل منهم حسب واجبه ونوع سلاحه.. وعمل السيف والاسلحة الأخرى في رقابهم، وفي الوقت نفسه، عزلوا الفرسان الذين انطلقوا معقبين الماشية والابل، وافرزوا لهم مجموعة من الخيالة لتعقبهم، وتستولي عليهم اسرى هم وخيولهم، فاعملوا السيف في رقاب الآخرين، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، واستولوا على ما يملكون، واسروا اعدادا منهم، لم يطلق سراح اي منهم، الا بفدية مغرية لصاحبه الذي اوقعه في حبائل الاسر، مع حصة معلومة للشيخ في كل ذلك.
وهكذا نصر الله، اصحاب الحق المعتدى عليهم على اصحاب الطمع والضغينة والغدر، ولم ينج منهم الا ما يعادل ثلث العدد، ولوا هاربين، بعد ان رأوا شيخ القبيلة المضطرة يرمي ما حمل فرسه به من غنائم وقد هرب فوق ظهر فرسه قبل ان يجرب سيفه، عندما وجد نفسه في ذلك الموقف الشائك..
نعم، هرب شيخ المضطرة، وهل من مفر غير الهرب من الموت حتى لو كان ذلا لمن يفكر بالحياة على قاعدة ما هو ضعيف وخاسئ، وليس من بين أهدافه ما يعز ليعلي النفس والاعتبار!؟

*****

 

 * هوامش:

 1- الفروات، مفردها (فروة)، كنزة على شكل سترة، تخاط من جلود الأغنام بأصوافها، منها الطويل والقصير، يرتديها البدو وسكان المناطق الباردة في فصل الشتاء.
2 ـ الربعة: مشتقة من الربع وتعني مكان جلوس الجماعة في عرف البادية.
3 ـ الفوط: على وزن نقط، وهي غطاء اسود في الغالب كانت النساء، خاصة الغجريات يلففن شعورهن به.
4 ـ الشف: دثار من الغزل يحاك يدويا ويستخدم كغطاء مثل البطانية.


 

إلى صفحة المقالات